الدرس 50 شكر النعمة

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الأربعاء 2 جمادى الأولى 1442هـ | عدد الزيارات: 1062 القسم: تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمدُ لله والصلاة والسلام على رسول الله .

أما بعدُ :
فمن المعلوم أن الله جل وعلا أسبغ علينا نعماً كثيرة ، ولم يزل يسبغ على عباده النعم الكثيرة ، وهو المستحق لأن يُشكر على جميع النعم ، والشكر قيد النعم ، إذا شكرت النعم اتسعت وبارك الله فيها وعظم الانتفاع بها ، ومتى كفرت النعم زالت وربما نزلت العقوبات العاجلة قبل الآجلة .

والنعم أنواع منوعة : نعمة الصحة في البدن والسمع والبصر والعقل وجميع الأعضاء ، وأعظم من ذلك وأكبر نعمة الدين والثبات عليها والعناية بها والتفقه فيها ، قال تعالى " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " المائدة 3 ، فأعظم النعم نعمة الدين ، وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب حتى أبان لعباده دينه العظيم ووضحه لهم ثم وفقك أيها المسلم وهداك حتى كنت من أهله .

فهذه النعمة العظيمة التي يجب أن نشكر اللهَ عليها غايةَ الشكر ، وإنما يعرف قدرَها وعظمتَها مَنْ نظر في حال العالم وما نزل بهم من أنواع الكفر والشرك والضلال وما ظهر بين العالم من أنواع الفساد والانحراف وإيثار العاجلة والزهد في الآجلة .
وما انتشر أيضاً من أضرار الشيوعية والعلمانية وأفكار الدعاة لهما ، ومعلوم ما تشتمل عليه هذه الأفكار من الكفر بالله وبجميع الأديان والرسالات والكتب المنزلة من السماء ، وهكذا ما ابتلي به الكثير من الناس من عبادة أصحاب القبور والأوثان والأصنام وصرف خالص حق الله إلى غيره .
وكذلك ما ابتلي به الكثير من البدع والخرافات وأنواع الضلال والمعاصي ، وإنما تعرف النعم وعظم شأنها وما لأهلها من الخير عندما يعرف ضدها في هذه الشرور الكثيرة وما لأهلها من العواقب الوخيمة ، فنعمة الإسلام عاقبتها الجنة والكرامة والوصول إلى دار النعيم بجوار الرب الكريم في دار لا يفنى نعيمها ولا يبلى شباب أهلها ولا تزول صحتهم ولا أمنهم بل هم في صحة دائمة وأمن دائم وخير لا ينفد وجوار للرب الكريم كما قال الله سبحانه وتعالى " إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون * يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين * كذلك وزوجناهم بحور عين * يدعون فيها بكل فاكهة آمنين * لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم * فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم " الدخان 51 - 57 .

وأما أهل الكفر والضلال فمصيرهم إلى دار الهون ، إلى عذاب شديد وإلى جحيم وزقوم في دار دائمة لا ينتهي عذابها ولا يموت أهلها ، كما قال الله سبحانه " والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور " فاطر 36 ، فمن فكر في هذا الأمر وعرف نعمة الله عليه فإن الواجب عليه أن يشكر هذه النعمة بالثبات عليها ، وسؤال الله سبحانه أن يوفقه للاستمرار عليها حتى الموت والحفاظ عليها بطاعة الله وترك معصيته والتعوذ بالله من أسباب الضلال والفتن ومن أسباب زوال النعم .
وعليه أيضا شكر النعم الأخرى غير نعمة الإسلام مما يحصل للعبد من الصحة والعافية وغير ذلك من نعم الله عز وجل الكثيرة كالأمن في الوطن والأهل والمال ، وقد يكون سوقها إليك أيها العبد من أسباب إسلامك وإيمانك بالله ، وقد يكون ذلك ابتلاءً وامتحاناً مع كفرك وضلالك ، فقد تمتحن بوجودك في محل آمن وصحة وعافية ومال كثير ، وأنت مع ذلك منحرف عن الله وعن طاعته فهذا يكون من الابتلاء والامتحان وإقامة الحجة عليك ليزيد في عذابك يوم القيامة إذا مت على هذه الحالة السيئة .
فالشكر حقيقته أن تقابل نعم الله بالإيمان به وبرسله ومحبته عز وجل والاعتراف بإنعامه وشكره على ذلك بالقول الصالح والثناء الحسن والمحبة للمنعم وخوفه ورجائه والشوق إليه والدعوة إلى سبيله والقيام بحقه ، ومن الإيمان بالله ورسله الإيمان بأفضلهم وإمامهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والتمسك بشريعته .

فمن شكر الله أن تؤمن بالله إلها ومعبودا حقا وأنه الخلاق والرزاق العليم وأنه المستحق لأن يعبد وحده وتؤمن بأنه رب العالمين وأنه لا إله غيره ولا معبود بحق سواه ، وتؤمن بأسمائه وصفاته عز وجل وأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته لا شريك له ولا شبيه له ولا يقاس بخلقه جل وعلا كما قال تعالى " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " الشورى 11 .
ومن الإيمان بالله سبحانه أن تؤمن بأنه هو المستحق للعبادة ، كما قال تعالى " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " الإسراء 23 ، وقال سبحانه " فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " غافر 14 ، وقال عز وجل " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم " البقرة 21 ، فالله هو المستحق لأن يعبد وحده بدعائنا ورجائنا وخوفنا وصلاتنا ونذورنا وذبحنا وغير ذلك من أنواع العبادة .
والشكر لله سبحانه على نعمة التوحيد وغيرها من النعم من أعظم الواجبات وأفضل القربات ، وهو يكون بقلبك محبة لله وتعظيماً له ومحبة فيه وموالاة فيه ، شوقاً إلى لقائه وجناته ، فهو سبحانه العالي فوق خلقه والمستوي على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته ، وليس المعنى استولى كما تقول المبتدعة من الجهمية وغيرهم بل هو بمعنى : ارتفع فوق عرشه كما قال السلف رحمهم الله بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه سبحانه وتعالى يعلم كل شيء وليس يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى .
ومن الشكر بالقلب لله أيضاً محبة المؤمنين والمرسلين وتصديقهم فيما جاءوا به ولا سيما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة ، كما قال سبحانه " ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " النحل 36 ، ومن الشكر بالقلب أيضاً أن تعتقد جازماً أن العبادة حق لله وحده ولا يستحقها أحد سواه .
ومن الشكر لله بالقلب الخوف من الله ورجاؤه ومحبته حباً يحملك على أداء حقه وترك معصيته وأن تدعو إلى سبيله وتستقيم على ذلك ، ومن ذلك الإخلاص له والإكثار من التسبيح والتحميد والتكبير .
ومن الشكر أيضا الثناء باللسان وتكرار النطق بنعم الله والتحدث بها والثناء على الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الشكر يكون باللسان والقلب والعمل ، وهكذا شكر ما شرع الله من الأقوال يكون باللسان .
وهناك نوع ثالث وهو الشكر بالعمل ، بعمل الجوارح والقلب ، ومن عمل الجوارح أداء الفرائض والمحافظة عليها كالصلاة والصيام والزكاة وحج بيت الله الحرام والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال كما قال تعالى " انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم " التوبة 41 .

ومن الشكر بالقلب الإخلاص لله ومحبته والخوف منه ورجاؤه كما تقدم والشكر لله سبب للمزيد من النعم كما قال سبحانه " وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم " إبراهيم 7 ، ومعنى تأذن : يعني أعلم عباده بذلك وأخبرهم أنهم إن شكروا زادهم وإن كفروا فعذابه شديد ، ومن عذابه أن يسلبهم النعمة ، ويعاجلهم بالعقوبة فيجعل بعد الصحة المرض وبعد الخصب الجدب وبعد الأمن الخوف وبعد الإسلام الكفر بالله عز وجل وبعد الطاعة المعصية .
فمن شكر الله عز وجل أن تستقيم على أمره وتحافظ على شكره حتى يزيدك من نعمه ، فإذا أبيت إلا كفران نعمه ومعصية أمره فإنك تتعرض بذلك لعذابه وغضبه ، وعذابه أنواع ، بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة .
فمن عذابه في الدنيا : سلب النعم كما قال تعالى " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " الصف 5 ، وتسليط الأعداء وعذاب الآخرة أشد وأعظم .
وأكثر الناس يتمتع بنعم الله ويتقلب فيها ولكنهم لا يشكرونها بل هم ساهون لاهون غافلون كما قال تعالى " والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم " محمد 12 ، فلا يتم الشكر إلا باللسان واليد والقلب جميعاً .
والمؤمن من شأنه أن يكون صبوراً شكوراً كما قال تعالى " إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " إبراهيم 5 ، فالمؤمن صبور على المصائب شكور على النعم ، صبور مع أخذه بالأسباب وتعاطيه الأسباب ، فإن الصبر لا يمنع الأسباب ، فلا يجزع من المرض ولكن لا مانع من الدواء .
فالمؤمن يصبر على ما أصابه ويعلم أنه بقدر الله وله فيه الحكمة البالغة ويعلم أن الذنوب شرها عظيم وعواقبها وخيمة فيبادر بالتوبة من الذنوب والمعاصي .
فعليك أيها المسلم أن تتوب إلى الله عز وجل حتى يصلح لك ما كان فاسداً ويرد عليك ما كان غائباً ، قال تعالى " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " الشورى 30 ، وقال سبحانه " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون " الروم 41 ، فالمصائب فيها دعوة للرجوع إلى الله وتنبيه للناس لعلهم يرجعون إليه .
فالعلاج الحقيقي للذنوب يكون بالتوبة إلى الله وترك المعاصي والصدق في ذلك ، ومن جملة ذلك العلاج : ما شرع الله من العلاج الحسي فإنه من طاعة الله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " تداوَوا عبادَ اللَّهِ فإنَّ اللَّهَ سبحانَهُ لم يضع داءً إلَّا وضعَ معَهُ شفاءً إلَّا الْهرمَ "رواه ابن ماجه وصححه الألباني .

فالمؤمن صبور عند البلايا في نفسه وأهله وولده شكور عند النعم بالقيام بحقه والتوبة إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " عَجَبَاً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له. " رواه مسلم في صحيحه من حديث صهيب ابن سنان رضي الله عنه .

ومن الشكر لله عز وجل لزوم السنة والحذر من البدع ، فإن كثيراً من الناس قد يبتلى بالبدعة تقليداً وتأسياً بغيره ، وأسبابها الجهل .

والبدعة نوع من كفران النعم وعدم الشكر لله سبحانه وتعالى ، ومن ذلك ما يفعله كثير من الناس في كثير من البلدان من الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول ، ويعتقدون أن ذلك مستحب جهلاً منهم وتقليداً لغيرهم ، وذلك غلط لا أساس له في الشرع المطهر ، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان وقد يقع في هذا الاحتفال أشياء منكرة من شرب الخمور واختلاط النساء بالرجال بل قد يقع فيه قصائد بها شرك أكبر .
فالاحتفالات بالموالد سواء كان مولد النبي صلى الله عليه وسلم أو الموالد الأخرى كمولد البدوي أو ابن علوان أو الحسين أو علي رضي الله عنهما كلها بدعة منكرة أحدثها الناس ولم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه ولا في القرون المفضلة .
وأول من أحدثها هم الشيعة الباطنية وهم بنو عبيد القداح المعروفون بالفاطميين الذين ملكوا مصر والمغرب في المائة الرابعة والخامسة ، وأحدثوا احتفالات كثيرة بالموالد ، كمولد النبي صلى الله عليه وسلم والحسين وغيرهما ، ثم تابعهم غيرهم بعد ذلك ، وهذا فيه تشبه بالنصارى واليهود في أعيادهم ، وفيه إحياء لاجتماعات فيها كثير من المعاصي والشرك بالله ، حتى ولو فعلها كثير من الناس ، ذلك لأن الحق لا يعرف بالناس وإنما يعرف الحق بالأدلة الشرعية في الكتاب والسنة ، وقد نبَّه كثير من العلماء على ذلك منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي وآخرون رحمة الله عليهم ، ومن استحسنها من بعض المنتسبين للعلم فقد غلط غلطا بيناً لا تجوز متابعته عليه .

فإن تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وإظهار فضله وشأنه لا يكون بالبدع بل باتباع شرعه وتعظيم أمره ونهيه والدعوة إلى سنته وتعليمها الناس في المساجد والمدارس والجامعات لا بإقامة احتفالات مبتدعة باسم المولد .
وقد وقع في الناس أيضا تقليد لهؤلاء ، فقد احتفل الناس بعيد ميلاد أولادهم أو عيد الزواج ، فهذا أيضا من المنكرات وتقليد للكفرة ، فليس لنا إلا عيدان عيد الفطر وعيد النحر وأيام التشريق وعرفة والجمعة ، فمن اخترع عيداً جديداً فقد تشبه بالنصارى واليهود ، قال صلى الله عليه وسلم " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " رواه مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وقال صلى الله عليه وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وقال عليه الصلاة والسلام " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " رواه أبو داود عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي ، وصححه الألباني .
فالواجب على أهل الإسلام أن يسلكوا طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأتباعهم من السلف الصالح وأن يتركوا البدع المحدثة بعدهم .
وهذا كله من شكر الله قولاً وعملاً وعقيدة .

أسأل الله أن يوفقنا جميعاً للعلم النافع والعمل الصالح وأن يرزقنا العمل بالسنة والاستقامة عليها وأن يوفقنا لشكر نعمه قولاً وعملاً وعقيدة مع الثبات على الحق .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .

1 - 5 - 1442هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

7 + 7 =

/500
جديد الدروس الكتابية
 الدرس 146 الجزء الرابع  الاستسلام لشرع الله - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 145 الجزء الرابع: وجوب طاعة الله ورسوله - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 144  الجزء الرابع الحلف بغير الله - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 143 الجزء الرابع تأويل الصفات - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 142 الجزء الرابع التحدث بالنعم والنهي عن الإسراف - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 141 الجزء الرابع ‌‌أخلاق أهل العلم  . - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر