الدرس 161 الجزء الرابع الوفاء بالنذر

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الأحد 3 ذو الحجة 1445هـ | عدد الزيارات: 70 القسم: تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وبعدُ ؛

النذر واجبٌ عليكَ الوفاءُ به حسْبَ الطاقةِ ، وقد مدح الله الموفين بالنذر في قوله تعالى : " يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا " (الإنسان 7) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فلا يَعْصِهِ." أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة رضى الله عنها.

ونوصيك بعدم النذر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لا تَنْذِرُوا، فإنَّ النَّذْرَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شيئًا، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ به مِنَ البَخِيلِ." رواه مسلم عن أبي هريرة .

فإن حصل لك نِعمٌ فاشكر اللهَ عليها وأطعه واحمده ولا حاجة للنذر.

* شدُّ الرحال إلى المدينة للصلاة في مسجد النَّبى صلى الله عليه وسلم سُنةٌ وقربةٌ ، وإذا زرت المدينةَ فسلِّم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه ، فإن زيارة قبره وقبر صاحبيه ، لمن كان في المدينة ، مشروعةٌ وهكذا من وفد إليها من الرجال إنما الذى يُنهى عنه شدُّ الرحال لمجرد زيارة قبره ، صلى الله عليه وسلم، فقط أما شدُّ الرحل للمسجد والزيارة داخلة في ذلك فلا بأس بذلك ، وتسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضى الله عنهما .

أما النساءُ فلا يزرْنَ القبورَ ولكن يُصلينَ في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ويُصلينَ عليه في المسجد وفي الطريق وفي البيوت، صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

* شرحُ الآية الكريمة " فأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ . خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُـعِدُوا فَفِي الْجَنَّـةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْـرَ مَجْـذُوذٍ " (هود 106 - 108).

اختلف أهل العلم في بيان معنى " إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ " مع إجماعهم بأن نعيم أهل الجنة دائم أبداً لا ينقضى ولا يزول ولا يخرجون منها ، ولهذا قال بعدها سبحانه " عطاءً غيرَ مَجْذوذٍ " لإزالة ما قد يتوهم بعض الناس أن هناك خروجا ، فهم خالدون فيها أبدا ، وأن هذا العطاء غير مجذوذ أى غير مقطوع .

وقوله " إلا ما شاءَ ربُّكَ " أى مدة مقامهم في موقف القيامة للحساب والجزاء بعد خروجهم من القبر ثم ينقلون بعد ذلك إلى الجنة .

وقال بعضهم المراد جميع الأمرين مدة مقامهم في القبور ومدة مقامهم في الحساب ومرورهم على الصراط كل هذه الأوقات هم ليسوا في الجنة لكن ينقلون منها إلى الجنة وقوله "إلَّا مَا شاءَ ربُّكَ" يعنى إلا وقت مقامهم في القبور وإلا وقت مقامهم في الموقف وإلا وقت مرورهم على الصراط.

فهم في هذه الحالة ليسوا في الجنة ولكنَّهم منقولون إليها ، وسائرون إليها ، وبهذا يعلم أن الأمر واضح ليس فيه شبهة ولا شك ولا ريب فالحمد لله .

تفسير قوله تعالى : " إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ " فاطر 28

هذه الآية عظيمة وتدل على أن العلماء ، وهم العلماء بالله وبدينه وبكتابه العظيم وسنة رسوله الكريم ، هؤلاء هم أكمل الناس خشية لله وأكملهم تقوى لله وطاعة له سبحانه وعلى رأسهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

فمعنى" إنما يخشى الله " أي الخشية الكاملة من عباده العلماء ، وهم الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته وعظيم حقه سبحانه وتعالى وتبصروا في شريعته وآمنوا بما عنده من النعيم لمن اتقاه وما عنده من العذاب لمن عصاه وخالف أمره ، فهم لكمال علمهم بالله وكمال معرفتهم بالحق كانوا أشدَّ الناس خشيةً لله وأكثر الناس خوفاً من الله وتعظيماً له سبحانه وتعالى ، وليس معنى الآية أنه لا يخشى الله إلا العلماء ، فإن كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة يخشى الله سبحانه وتعالى ويخافه ، لكن الخوف متفاوت ليسوا على حدٍّ سواء ، فكلما كان المؤمن أعلمَ بالله وأفقه في دينه كان خوفُه من الله أكثرَ وخشيته أكمل ، وهكذا المؤمنة كلما كانت أعلمَ بالله وأعلمَ بصفاته وعظيمِ حقه كان خوفُها من الله أعظمَ وكانت خشيتها لله أكمل من غيرها ، وكلما قلَّ العلمُ وقلت البصيرةُ قلَّ الخوفُ من الله وقلت الخشية له سبحانه ، فالناسُ متفاوتون ، فكلما كان العالمُ أعلمَ بالله وكلما كان العالم أقومَ بحقه وبدينه وأعلمَ بأسمائه وصفاته كانت خشيته لله أكمل ممن دونه في هذه الصفات ، ولكن جميع المؤمنين والمؤمنات كلهم يخشون الله سبحانه وتعالى على حسب علمهم ودرجاتهم في الإيمان ، ولهذا يقول جل وعلا " إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ " ا(لملك 12) .

وقال تعالى " ولمن خَافَ مقامَ ربِّه جنَّتان " (الرحمن 46) ، فهم مأجورون على خشيتهم لله وإن كانوا غير علماء وكانوا من العامة ، لكن كمال الخشية يكون للعلماء لكمال بصيرتهم وكمال علمهم بالله ، فتكون خشيتهم لله أعظم ، وبهذا يتضح معنى الآية ويزول ما يتوهم بعض الناس من الإشكال في معناها .

* قول الحق تبارك وتعالى " أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ " (الأعراف 99) ، هذه الآية العظيمة يحذر الله فيها سبحانه عباده من الأمن من مكره بالإقامة على معاصيه والتهاون بحقه ، والمراد من مكر الله بهم كونه يملي لهم ويزيدهم من النعم والخيرات وهم مقيمون على معاصيه وخلاف أمره ، فهم جديرون بأن يؤخذوا على غفلتهم ويعاقبوا على غرَّتهم بسبب إقامتهم على معاصيه وأمنهم من عقابه وغضبه ، كما قال سبحانه " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين " الأعراف (182 ، 183) ، وقال سبحانه " فلما نسوا ما ذُكِّرُوا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " (الأنعام 44) ، أي آيسون من كل خير

فالواجب على المسلمين ألا يقنطوا من رحمة الله ولا يأمنوا من مكره وعقوبته ، بل يجب على كل مسلم أن يسير إلى الله سبحانه في هذه الدنيا الدار الفانية بين الخوف والرجاء فيذكر عظمته وشدة عقابه إذا خالف أمره فيخافه ويخشى عقابه ، ويذكر رحمته وعفوه ومغفرته وجوده وكرمه فيحسن به الظن ويرجو كرمه وعفوه .

وبالله التوفيق

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

2 + 2 =

/500
جديد الدروس الكتابية
 الدرس 168 الجزء الرابع المثل الأعلى - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
 الدرس 167 الجزء الرابع  حكم من قُتِل في سبيل مكافحة المخدرات - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
 الدرس 166 الجزء الرابع  العلاج الشرعي - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
 الدرس 165 الجزء الرابع  السكن مع العوائل في الخارج - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 164 الجزء الرابع تفسير آيات كريمات - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
 الدرس 163 الجزء الرابع   الإحسان للبنات - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر