الدرس 346 حد المسكر

المقال
التصنيف : تاريخ النشر: الإثنين 14 جمادى الأولى 1434هـ | عدد الزيارات: 6446 القسم: الفوائد الكتابية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد

لقد كرم الله تعالى الإنسان بالعقل وميزه به عن الحيوانات حتى يفرق بين الطيب والخبيث، وعنى الشارع بالعقل عناية فائقة أوجب حفظه عن كل ما يؤثر على سلامته، وحرم كل ما يمكن أن يزيله أو يضعفه، ومن ذلك : المسكرات والمخدرات التي تنحرف بالعقل عمَّا خُلق له من قيادة صاحبه إلى الهدى والصلاح وحفظه من التردي في مهاوي الضلال والفساد

المسكر: هو كل ما غطى العقل على وجه اللذة والطرب.

وهذا يشمل كل ما يسكر سواء أكان متخذاً من العنب أم من الشعير أم من العسل أم من غيرها، وسواء أكان مشروباً أم مأكولاً أم معجوناً أم مطحوناً.

ويسمى شرعاً: الخمر؛ لأنه يخامر العقل أي يخالطه ويغطيه.

الخمر: أم الخبائث لأنها مفتاح الشرور والداعية إلى الفجور فما أكثر ما تجر إليه من الآثام والمعاصي ! وما يتولد عنها من المفاسد والأضرار على الفرد والمجتمع

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال :" عن عثمانَ بنِ عفانَ قال : اجتنِبوا الخمرَ فإنها أمُّ الخبائثَ ، إنه كان رجلٌ ممن خلا قبلَكم تعبَّدَ ، فعلِقَتهُ امرأةٌ غوِيَّةٌ ، فأرسلتْ إليه جاريتَها ، فقالتْ له : إنَّا ندعوكَ للشهادةِ ، فانطلق مع جاريتِها ، فطفِقَت كلما دخل بابًا أغلقتْهُ دونَهُ ، حتَّى أفضَى إلى امرأةٍ وضيئةٍ ، عندها غلامٌ وباطيةُ خمرٍ ، فقالت : إني والله ما دعوتُكَ للشَّهادةِ ، ولكنْ دعوتُك لتقَعَ عليَّ ، أو تشربَ من هذه الخمرةِ كأسًا ، أو تقتلَ هذا الغلامَ ، قال : فاسقيني من هذا الخمرِ كأسًا ، فسقَتْهُ كأسًا ، قال : زيدوني ، فلم يرِمْ حتَّى وقع عليها ، وقتلَ النفسَ ، فاجتنِبوا الخمرَ ، فإنها واللهِ لا يجتمعُ الإيمانُ وإدمانُ الخمرِ ، إلَّا لَيوشكُ أنْ يُخرجَ أحدُهما صاحبَهُ " صحيح النسائي للألباني، ومعنى علقته يعني أحبته ،ومعنى باطية يعني إناء ، ومعنى لم يرم لم يربح ، وضيئة يعني جميلة، ولهذا جاء على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم :

" لعن اللهُ الخمرَ ، وشاربَها ، وساقِيها ، وبائِعَها ، ومبتاعَها ، وعاصِرَها ، ومعتصِرَها ، وحامِلَها ، والمحمولةَ إليه " صحيح أبي داود للألباني .

حكم شارب الخمر:

شرب الخمر حرام وهو كبيرة من كبائر الذنوب والدليل على تحريمه الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى:" يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون*إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون" (المائدة آية 90،91)

فقرن تعالى الخمر بالشرك وجعلها رجساً وبين أنها من عمل الشيطان وأمر باجتنابها وعلق الفلاح على تركها وجعلها سبباً للعداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة ثم ختم الآية بالزجر عنها فقال :" فهل أنتم منتهون " .

ومن السنة : حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حيث يشربها وهو مؤمن" متفق عليه

وقد أجمع المسلمون على تحريم الخمر

وكان العرب قد ألفوا الخمر وعدوها جزءاً من حياتهم ولذا لم يأت الإسلام بادئ ذي بدء ليمنع الخمر ولكنه ثبت أركان العقيدة فلما انقادت النفوس واستسلمت لحكم الله نزلت التشريعات تباعاً ومنها تحريم الخمر

وكان تحريم الخمر على مراحل فبين تعالى أولاً عظم إثمها وأنه أكبر من نفعها ثم نهى عن قربان الصلاة حال السكر ثم جاء تحريمها كلياً.

الحكمة من تحريمها:

لقد علمت مما سبق أن الشرع لا يحرم شيئاً إلا لما يشتمل عليه من أضرار ومفاسد ولما يترتب على تركه من منافع ومصالح وإن كان في بعض هذه المحرمات منافع فإن الله قد سلبها إضافة إلى ما فيها من الآثام والأضرار وقد حرم الله تعالى المسكرات لما في تناولها من المضار العظيمة والتي يمكن إجمالها فيما يلي

أولاً: المضار الدينية ومنها

الأول: أن شرب الخمر كبيرة مخلة بالدين بل ينزع إيمان صاحبها حين شربها فما أعظمها من خسارة

الثاني: فوات فريضة الصلاة إذا دخل عليه وقتها وهو في سكره بل ورد أن من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، فعن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال : من شرب الخمرَ فلم ينتشِ ؛ لم تقبلْ له صلاةٌ ما دام في جوفِه أو عروقِه منها شيءٌ ، وإن مات مات كافرًا ، وإن انتشى ؛ لم تُقبلْ له صلاةٌ أربعين يومًا ، وإن مات فيها ؛ مات كافرًا" صحيح الترغيب للألباني.

ثانياً: المضار العقلية:

حيث تغطي عقل شاربها فتفقده أشرف شيء فيه وهو العقل الذي كرمه الله به فشاربها أنزل نفسه منزلة الحيوانات وشابه المجانين في تصرفاتهم.

ثالثاً: المضار الصحية:

قد ثبت ما يترتب على شرب الخمر من الأمراض الكثيرة البدنية والعصبية والعقلية وقد كتبت أبحاث طبية كثيرة تحذر من تناول الخمر وتبين المضار الصحية المترتبة عليها وأنها من أسباب سرطان المريء والمعدة وتليف الكبد والسل الرئوي وفقر الدم وتصلب الشرايين وغيرها

رابعاً: المضار الاجتماعية:

شارب الخمر إذا سكر يتصرف تصرفات من لا عقل له فقد يقتل وقد ينتهك الأعراض حتى من محارمه ويتلف الأموال ويتسبب في الحوادث فتحل بذلك المفاسد العظيمة وتقع العداوات والبغضاء بين أفراد المجتمع قال تعالى:" إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر " (المائدة آية 90).

خامساً: المضار المالية:

فشارب الخمر يبذل فيه المال الكثير الذي لا عائد منه إلا ما يجلبه من المصائب والشرور فكم من مال قد أفنى ومن بيت قد افتقر بسبب إنفاق وليهم أمواله على الخمر فضلاً عما ينفقه الأفراد والدول في علاج الأمراض الناتجة عن تعاطي هذا الشراب الخبيث وما يتبع ذلك.

حد شارب الخمر:

حد شارب الخمر أن يجلد أربعين جلدة وللإمام أن يزيد إلى الثمانين تعزيزاً كما فعل عمر رضي الله عنه باستشارة الصحابة لما رأى انهماك الناس في الشراب واستخفافهم بالحد، عن أنس رضي الله عنه " أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أُتِيَ برَجُلٍ قدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ." رواه مسلم

أما في الآخرة فقد جاءت النصوص بالوعيد الشديد لشاربي المسكرات ومنها

أولاً: حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" كل مسكر حرام إن على الله عز وجل عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال : عرق أهل النار أو عصارة أهل النار" رواه مسلم

ثانياً: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة " متفق عليه

شروط إقامة حد المسكر:

يشترط لإقامة حد المسكر:

أولاً: أن يكون مسلماً.

ثانياً: أن يكون مكلفاً.

ثالثاً: أن يكون مختاراً.

رابعاً: أن يكون عالماً بتحريمه وأن كثيره يسكر.

وبالله التوفيق

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

1434/5/13 هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

7 + 3 =

/500
روابط ذات صلة
المقال السابق
الفوائد الكتابية المتشابهة المقال التالي