نعمة الأمن

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الخميس 9 صفر 1443هـ | عدد الزيارات: 117 القسم: خطب الجمعة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد؛

أيها المسلمون : أمر الله تعالى عباده المؤمنين، والناس أجمعين، أن يذكروا نعمه عليهم، فقال تعالى مخاطباً المؤمنين: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ" (المائدة11). وقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ" (فاطر3)

عباد الله : نعم الله عز وجل علينا كثيرة وآلاؤه عظيمة وفضله كبير سبحانه، حيث إنه لا يمكن للمرء أن يعدها ، حيث قال سبحانه وتعالى: "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا " (إبراهيم: 34)، ومن النعم الهامة والتي لا نشعُر بها ولا نُعيرها اهتِمامنا كثيرًا ولا نلتفت لعظمتها ولا ندرك قيمتها نعمة الأمن والسكينة والتى علينا أنْ نتذكَّرها ونشكر المولى عليها ونحذر من زوالها، وأنْ نقدرَ هذه النِّعمة جيدًا، وأنْ نحافظ عليها بشتى الطرق حتى نأمنَ في دِيننا ودِيارنا. قال الله عز وجل: " فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ".

فللأمن أهمية كبيرة في حياة الفرد والمجتمع فهو سكن واستقرار وحاجتنا إليه كحاجتنا إلى الطعام والشراب الذي لا نعيش بدونه، فإذا ساد الأمن بين قوم أو جماعة أو بلد أَمِنَ الناس على أنفسهم و عقولهم وأموالهم وأعراضهم ومحارمهم وتفرغوا للعبادة والعمل وأصبحوا لا يخشون إلا الله تبارك وتعالى . وفي ظل هذا الأمن تسكن النفوس وتطمئن وتنتشر السعادة وهو ما ذكره رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قَالَ: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) رواه البخاري، ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يشير هنا للأهمية القصوى للأمن بهذا الحديث الشريف، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ترويع المؤمن حتى بالمزاح فما بالك بخطورة فقدان الأمن وما يصحبه من ترويع وخوف، فعن عبدالرحمن بن أبي ليلى - رضي الله عنه - أنَّهم كانوا يسيرون مع النبِيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فنام رجلٌ مِنهم، فانطلق أحدهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع، فقال النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (لا يَحِلُّ لمسلم أن يروِّع مسلمًا)؛ "صحيح سنن أبي داود للألباني.

لكن يجب الحذر كلَّ الحذر من شياطينُ الإنس والجن الذين يُخَوّفُون العبد المؤمن ليلَ نهارٍ ويشوشون على ما لديه من نعم كما أخبرنا المولى عن ذلك في محكم التنزيل فقال: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " (البقرة 268) .

عباد الله : إن قضية الأمن والأمان قضية هامة جدا بل من أهم القضايا التي يجب أن نحرص عليها ؛ لأن فقدان الأمن يعني فقدان كلِّ الضروريات الخمسة: الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وقد أمر الإسلام بحفظها. والله سبحانه وتعالى جعل وُجود الأمن نعمة من النِّعم، وحِرمانه بلاءً ، قال تعالى: " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ " (البقرة: 155) وقد مَنَّ الله سبحانه وتعالى على الناس بهذه النعمة قائلاً: " وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا " (البقرة: 125). فعندما تفقد الأمن تصبح أشبه بالإنسان التائه في الصحراء القاحلة الذي فقد الطعام والماء والمأوى ويرى الموت قادما إليه، وفقدان الأمن يترتب عليه فقدان الكثير من النعم ولا يشعر بقيمته وأهميته إلا من فَقده واحترق بنار تبعاته، ولن تشعر بالحسرة والندم على هذه النعمة إلا إذا وجدت نفسك مرتعبا خائفا لا تأمن على نفسك ومالك وعرضك وتشعر أنك سوف تفقدها في أي لحظة. سُئل حكيم: أين تجد السّرور؟ قال: في الأمن فإنّي وجدت الخائف لا عَيشَ له.

الخطبة الثانية :

الحمدُ لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله .أما بعد؛

معاشر المسلمين:

إنّ نعمة الأمن أعظم من نعمة الرزق؛ ولذلك قُدمت عليها في الآية الكريمة: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" (البقرة 126)
فبدأ بالأمن قبل الرزق لسببين:
الأول: أنَّ استتباب الأمن سبب للرزق، فإذا شاع الأمنُ واستتبَّ ضرب الناسُ في الأرض، وهذا مما يُدرُّ عليهم رزق ربهم ويفتح أبوابه، ولا يكون ذلك إذا فُقد الأمن.
الثاني: أنه لا يطيب طعام ولا يُنتفع بنعمةِ رزقٍ إذا فُقد الأمنُ.
فمن من الناس أحاط به الخوف من كل مكان، وتبدد الأمن من حياته ثم وجد لذة بمشروب أو مطعوم؟!
هذا وصلوا وسلموا على نبي الهدى، والصفي المجتبى كما أمركم ربكم جل وعلا فقال في محكم تنزيله: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما".

اللهم تُب علينا إنَّك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم. ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا وأن نعمل صالحا ترضاه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. اللهم وحد قلوبنا واجمع على الخير كلمتنا وطهر ألسنتنا وأصلح ذات بيننا وأصلح أحوالنا ، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا ووليَّ عهده لهداك، واجعل عملهما في رضاك. اللهم احفظهما بحفظك، واكلأهما برعايتك وألبسهما ثوب الصحة والعافية والإيمان، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1443/2/9هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

5 + 9 =

/500
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي