قوله: ( يريد أن يخرجكم ) يا معشر القبط ، ( من أرضكم ) مصر ، ( فماذا تأمرون ) فاستشارهم فرعون بشأن موسى عليه السلام قائلًا لهم: ماذا تشيرون به عليَّ من الرأي؟
{قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111)}
قوله: (قَالُوا) لفرعون: (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ)أَخِّرْ موسى وأخاه هارون، (وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ)وابْتَعِث في مدائن مصر من يجمع السحرة فيها.
{يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)}
قوله:(يَأْتُوكَ) يَأْتِكَ هؤلاء الذين أرسلتهم لجمع السحرة من المدائن ( بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) بكل ساحر ماهر بالسحر قوي في صناعته.
{وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113)}
قوله: (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا) فبعث فرعون من يجمع السحرة، فلما جاء السحرة فرعون سألوه:(إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) هل لهم مكافاة إن غلبوا موسى بسحرهم وانتصروا عليه؟
{قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)}
قوله:( قال ) فرعون ( نعم ) لكم مكافأة ، وفق ذلك (وإنكم لمن المقربين ) وستكونون من القريبين بالمناصب.
{قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115)}
قوله:(قَالُوا يَا مُوسَىٰ) قال السحرة واثقين بنصرهم على موسى باستعلاء وتكبر:( إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) اختر -يا موسى- ما شئت من ابتدائك بإلقاء ما تريد إلقاءه أو ابتدائنا بذلك.
{قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)}
قوله:(قَالَ أَلْقُوا ۖ )فأجابهم موسى واثقًا بنصر ربه له غير مبال بهم: ارموا حبالكم وعصيكم، (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ) بصرفها عن صحة إدراكها، (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ)ورَعَبُوهم، (وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) وجاؤوا بسحر قوي في أعين الناظرين.
{۞ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)}
قوله:(وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ) وأوحى الله إلى نبيه وكليمه موسى عليه السلام:(أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ) أن ارم -يا موسى- عصاك، فرماها، (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) فانقلبت العصا حية تبتلع حبالهم وعصيهم التي كانوا يستعملونها في قلب الحقائق، وإيهام الناس أنها حيات تسعى.
{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118)}
قوله: (فَوَقَعَ الْحَقُّ) فظهر الحق وتبين صدق ما جاء به موسى عليه السلام، (وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وتبين بطلان ما صنعه السحرة من السحر.
{فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119)}
قوله: (فَغُلِبُوا هُنَالِكَ) فَغُلِبُوا وهُزِموا، وانتصر موسى عليهم في ذلك المشهد، (وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ)ورجعوا أذلاء مقهورين.
{وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)}
قوله: ( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ) ألقاهم الله . وألهمهم الله أن يسجدوا فسجدوا . ومن سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا .(سَاجِدِينَ) فما كان من السحرة حين شاهدوا عظيم قدرة الله، ورأوا الآيات البينات، إلا أن خرُّوا سُجَّدًا له سبحانه وتعالى.
{قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ (122)}
قوله: (قَالُوا) قال السحرة: (آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) آمنا برب الخلق أجمعين. {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} رب موسى وهارون عليهما السلام، فهو المستحق للعبادة دون غيره من الآلهة المزعومة.
{قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)}
قوله: (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ ) قال لهم فرعون متوعدًا إياهم بعد إيمانهم بالله وحده: صدَّقتم بموسى قبل أن آذن لكم؟ (إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ) إن إيمانكم به وتصديقكم لِمَا جاء به موسى لخدعة ومكيدة دبَّرتموها أنتم وموسى لإخراج أهل المدينة منها، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) فسوف تعلمون - أيها السحرة - ما يحل بكم من عقاب وما يصيبكم من نكال.
{لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)}
قوله: (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) وهو أن يقطع من كل شق طرفا ، (ثم لأصلبنكم أجمعين) ثم لأعلقنَّكم جميعًا على جذوع النخل تنكيلًا بكم وترهيبًا لكل من يشاهدكم على هذه الحالة.
{قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (125)}
قوله: (قالوا) السحرة لفرعون، (إنا إلى ربنا منقلبون) راجعون في الآخرة، فلا نبالي بما تتوعد به.
{وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)}
قوله:(وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ ) ولست تنكر منا وتجد علينا -يا فرعون- إلا تصديقنا بآيات ربنا لَمَّا جاءتنا على يد موسى،(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) يا ربنا، صُبَّ علينا الصبر حتى يغمرنا لنثبت على الحق، أَمِتْنَا مسلمين لك، منقادين لأمرك، متبعين لرسولك.
{وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)}
قوله:(وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ) وقال السادة والكبراء من قوم فرعون لفرعون، محرضين إياه على موسى ومن معه من المؤمنين: أتترك -يا فرعون- موسى وقومه ، (لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) لينشروا الفساد في الأرض؛ بمخالفتك، (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ) ويتركك أنت وآلهتك، ويدعو إلى عبادة الله وحده؟! (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) قال فرعون: سَنُقَتِّلُ أبناء بني إسرائيل الذكور، ونستبقي نساءهم للخدمة، وإنا مستعلون عليهم بالقهر والغلبة والسلطان.
{قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)}
قوله: (قال موسى لقومه) موصيًا إياهم، ( استعينوا بالله واصبروا ) اطلبوا العون من الله وحده في دفع الضر عنكم وجلب النفع إليكم، واصبروا على ما أنتم فيه من الابتلاء، ( إن الأرض لله ) يعني: أرض مصر ، (يورثها ) يعطيها ( من يشاء من عباده ) والله يداولها بين الناس حسب مشيئته، (والعاقبة للمتقين ) العاقبة الحسنة في الأرض للمؤمنين الذين يلتزمون أوامر ربهم ، ويجتنبون نواهيه.
{قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)}
قوله: (قَالُوا أُوذِينَا) إنا أوذينا ، (من قبل أن تأتينا) بالرسالة بقتل الأبناء، (ومن بعد ما جئتنا) بإعادة القتل علينا، (قال) موسى (عسى ربكم أن يهلك عدوكم) فرعون، (ويستخلفكم في الأرض) ويمكن لكم في أرض فلسطين بعد تحريرها من الجبابرة ، (فينظر كيف تعملون) ما تعملون بعد ذلك من شكر أو كفر حيث طلب منهم موسى عليه السلام تحرير أرض فلسطين من الجبابرة فأبوا فعاقبهم الله بالتيه في أرض سيناء أربعين سنة حتى مات موسى وهارون ثم دخل بهم يوشع بن نون عليه السلام وحررها.
{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)}
قوله: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ) أي : بالجدب والقحط .، (ونقص من الثمرات) والغلات بالآفات والعاهات ، (لعلهم يذكرون) أي : يتعظون وذلك لأن الشدة ترقق القلوب وترغبها فيما عند الله .
{فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)}
قوله: (فإذا جاءتهم الحسنة) يعني: الخصب والسعة والعافية، (قالوا لنا هذه) أي: نحن أهلها ومستحقوها ، (وإن تصبهم سيئة) جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون، (يطيروا) يتشاءموا، (بموسى ومن معه) وقالوا: ما أصابنا بلاء حتى رأيناهم ، فهذا من شؤم موسى وقومه . ( ألا إنما طائرهم عند الله) بتقدير من الله سبحانه ، ( ولكن أكثرهم لا يعلمون )، فينسبونه إلى غير الله.
{وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)}
قوله: (وقالوا) يعني: قوم فرعون لموسى عليه السلام عنادًا للحق: (مهما تأتنا به من آية) من حجة أقمتها على بطلان ما عندنا لتصرفنا عنه، وعلى صدق ما جئت به؛ (لتسحرنا بها) لتنقلنا عما نحن عليه من الدين ، ( فما نحن لك بمؤمنين ) بمصدقين .
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (133)}
قوله:(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ) فأرسلنا عليهم الماء الكثير عقابًا لهم على تكذيبهم وعنادهم، فأغرق زروعهم وثمارهم، (وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ)وأرسلنا عليهم الجراد فأكل محاصيلهم، وأرسلنا عليهم دويبة تسمى القمل تؤذي الإنسان في شعره، وأرسلنا عليهم الضفادع فملأت أوعيتهم، وأفسدت أطعمتهم، وأرّقَتْ مضاجعهم، وأرسلنا عليهم الدم فتحولت مياه آبارهم وأنهارهم دمًا، أرسلنا كل ذلك آيات مُبَيَّنَاتٍ مفرقات يتبع بعضها بعضًا، (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) ومع كل ما أصابهم من العقوبات استعلوا عن الإيمان بالله والتصديق بما جاء به موسى عليه السلام، وكانوا قومًا يرتكبون المعاصي، ولا ينزعون عن باطل، ولا يهتدون إلى حق.
{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)}
قوله: (ولما وقع عليهم الرجز) أي: نزل بهم العذاب
( قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ) بما اختصك به من النبوة، وبما عهد إليك من رفع العذاب بالتوبة أن يرفع عنا ما أصابنا من العذاب، .( لئن كشفت عنا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) فإن رفعت عنا ذلك لنؤمنن لك ( ولنرسلن معك بني إسرائيل )، ولنرسلن معك بني إسرائيل، ونطلقهم.
{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (135)}
قوله:(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ ) فلما رفعنا عنهم العذاب إلى مدة معلومة قبل إهلاكهم بالغرق (إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ)إذا هم ينقضون ما أخذوه على أنفسهم من التصديق وإرسال بني إسرائيل، فاستمروا على كفرهم، وامتنعوا من إرسال بني إسرائيل مع موسى عليه السلام.
{فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)}
قوله: ( فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ) يعني: البحر (بأنهم كذبوا بآياتنا) بسبب تكذيبهم بآيات الله (وكانوا عنها غافلين ) معرضين عما دلت عليه من الحق.
{وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)}.
قوله:(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) وأورثنا بني إسرائيل الذين كان يستذلهم فرعون وقومه، (مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ ) المقصود بذلك بلاد الشام، هذه البلاد التي بارك الله فيها بإخراج زروعها وثمارها على أكمل ما يكون، (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا)، وتمت كلمة ربك -أيها الرسول- الحسنى وهي المذكورة في قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5]، فَمَكَّنَ الله لهم في الأرض بسبب صبرهم على ما أصابهم من أذى فرعون وقومه، (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)، ودمرنا ما كان يصنع فرعون من المزارع والمساكن، وما كانوا يبنون من القصور.
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)}
قوله: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ )وَعَبَرنا ببني إسرائيل البحر لَمَّا ضربه موسى بعصاه فانفلق، (فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ) فمرّوا على قوم يقيمون على عبادة أصنام لهم يعبدونها من دون الله،(قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) فقال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: يا موسى، اجعل لنا صنمًا نعبده كما لهؤلاء أصنام يعبدونها من دون الله، (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) قال لهم موسى: يا قوم، إنكم قوم تجهلون ما يجب لله من تعظيم وتوحيد، وما لا يليق به من شرك وعبادة لغيره.
{إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)}
قوله: ( إن هؤلاء متبر ما هم فيه ) مهلك ، والتتبير الإهلاك ، ( وباطل ما كانوا يعملون ) وباطل جميع ما كانوا يعملون من طاعة لإشراكهم في العبادة مع الله غيره.
{قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)}
قوله:(قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا )قال موسى لقومه: يا قوم، كيف أطلب لكم إلهًا غير الله تعبدونه، وقد شاهدتم من آياته العظام ما شاهدتم، (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) وهو سبحانه وتعالى فضَّلكم على العالمين في زمانكم بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم، واستخلافكم في الأرض، والتمكين لكم فيها؟!
{وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)}
قوله:(وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ ) واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أنجيناكم بإنقاذكم من استذلال فرعون وقومه لكم، (يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ )إذ كانوا يذيقونكم أنواع الهوان من تقتيل أبنائكم الذكور، واستبقاء نسائكم للخدمة، (وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) وفي إنقاذكم من فرعون وقومه اختبار عظيم من ربكم يقتضي منكم الشكر.
(۞ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142))
قوله:(وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ)وواعد الله رسوله موسى لمناجاته ثلاثين ليلة، ثم أكملها الله بزيادة عشر، فصارت أربعين ليلة،( وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) كن خليفة لي في قومي، وأصلح أمرهم بحسن السياسة والرفق بهم، (وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)ولا تسلك طريق المفسدين بارتكاب المعاصي، ولا تكن معينًا للعصاة.
{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)}
قوله: (ولما جاء موسى لميقاتنا) أي: للوقت الذي ضربنا له أن نكلمه فيه من الأوامر والنواهي وغيرها،(قال رب أرني أنظر إليك): أرني نفسك أنظر إليك، وقد هاجت نفسه عليه السلام لرؤيا ربه. (قال) الله تعالى (لن تراني ) لأنه ليس لبشر أن يطيق النظر إليَّ في الدنيا، (ولكن انظر إلى الجبل ) وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير، ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) : ظهر نور ربه للجبل ، جبل زبير فساخ في الأرض، (وخر موسى صعقا): مغشيا عليه.(فلما أفاق) موسى من صعقته وثاب إليه عقله عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له (قال سبحانك تبت إليك) عن سؤال الرؤية (وأنا أول المؤمنين) من قومي .
{قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (144)}
قوله:(قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس) اخترتك على الناس وفضلتك، ( برسالاتي وبكلامي ) حين أرسلتك إليهم، وفضَّلتك بكلامي لك دون واسطة، ( فخذ ما آتيتك) أعطيتك (وكن من الشاكرين) لله على هذا العطاء العظيم .
{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)}
قوله: (وكتبنا له) يعني لموسى، (في الألواح) ألواح التوراة (من كل شيء) مما أمروا به ونهوا عنه، (موعظة ) نهيا عن الجهل، وحقيقة الموعظة: التذكرة والتحذير بما يخاف عاقبته، (وتفصيلا لكل شيء) أي : تبيينا لكل شيء من الأمر والنهي، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام . (فخذها بقوة) أي : بجد واجتهاد ، وبقوة القلب وصحة العزيمة ، لأنه إذا أخذه بضعف النية أداه إلى الفتور، (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) يحلوا حلالها ، ويحرموا حرامها ، ويتدبروا أمثالها ، ويعملوا بمحكمها (سأريكم دار الفاسقين) . منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا.
{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)}.
قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي) سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها عقوبةً لهم (الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي (وإن يروا) يعني : هؤلاء المتكبرين (كل آية) دالة على قدرتي وتستوجب الإيمان بي (لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد): الرشد - بالضم - الصلاح في الأمر، (لا يتخذوه) لأنفسهم ( سبيلا )طريقا (وإن يروا سبيل الغي ) أي طريق الضلال ( يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) ذلك الذي أصابهم إنما أصابهم لتكذيبهم بآيات الله العظيمة الدالة على صدق ما جاء به الرسل، ولغفلتهم عن النظر فيها، والاتعاظ بها.
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)}
قوله - عزَّ وجلَّ- : (والذين كذبوا بآياتنا) الدالة على صدق رسلنا، (ولقاء الآخرة) أي: ولقاء الدار الآخرة التي هي موعد الثواب والعقاب، (حبطت أعمالهم ) بطلت أعمالهم التي هي من جنس الطاعات، فلا يُثَابون عليها لفقد شرطها الذي هو الإيمان، (هل يجزون) في العقبى (إلا ما كانوا) أي إلا جزاء ما كانوا (يعملون) في الدنيا.
{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)}
قوله: (واتخذ قوم موسى من بعده) أي : بعد انطلاقه إلى الجبل (من حليهم) التي استعاروها من قوم فرعون ، واتخذ السامري منها (عجلا جسدا له خوار) لا روح فيه وله صوت البقر، (ألم يروا) ألم يعلموا أن هذا العجل الذين عبدوا (أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا) لا يكلمهم، ولا يرشدهم إلى طريق خيرٍ حسيّ أو معنويّ، ولا يجلب لهم نفعًا أو يكشف عنهم ضرًّا؟، (اتخذوه وكانوا ظالمين) اتخذوه معبودًا وكانوا ظالمين لأنفسهم بذلك.
{وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)}
قوله: (ولما سقط في أيديهم ) أي ندموا على عبادة العجل ، تقول العرب لكل نادم على أمر: قد سقط في يديه ، (ورأوا أنهم قد ضلوا ) عن الصراط المستقيم (قالوا لئن لم يرحمنا ربنا) يتب علينا ربنا، (ويغفر لنا) يتجاوز عنا، (لنكونن من الخاسرين ) من الذين خسروا دنياهم وآخرتهم.
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)}
قوله:(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا)ولما عاد موسى من مناجاة ربه إلى قومه ممتلئًا عليهم غضبًا وحزنا لِمَا وجدهم عليه من عبادة العجل ، (قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ )قال: بئست الحالة التي خلفتموني -يا قوم- بها بعد ذهابي عنكم؛ لِمَا تؤديه من الهلاك والشقاء، (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ)أَمللتم من انتظاري، فأقدمتم على عبادة العجل؟! (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ ) ، ورمى الألواح من شدة ما أصابه من الغضب والحزن، وأمسك برأس أخيه هارون ولحيته يسحبه إليه لبقائه معهم وعدم تغييره لِمَا رآهم عليه من عبادة العجل، (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي )قال هارون معتذرًا إلى موسى مستعطفًا إياه: يا ابن أمي، إن القوم حسبوني ضعيفًا فاستذلوني، وأوشكوا أن يقتلوني،(فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ) فلا تعاقبني بعقوبة تسرّ أعدائي، ولا (وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ولاتصيرني بسبب غضبك عليَّ في عداد الظالمين من القوم؛ بسبب عبادتهم غير الله.
{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)}
قوله:( قال ) موسى لما تبين له عذر أخيه، ( رب اغفر لي ) ما صنعت إلى أخي ، ( ولأخي ) إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل ، ( وأدخلنا ) جميعا ( في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ) أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا، وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)}
قوله تعالي: (إن الذين اتخذوا العجل) أي: اتخذوه إلها (سينالهم غضب من ربهم) الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل، هو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة ، حتى قتل بعضهم بعضا، قال تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) [ البقرة : 54 ] (وذلة في الحياة الدنيا) أي: هوانا؛ لاستهانتهم بأمر ربهم. (وكذلك نجزي المفترين ) الكاذبين.
{وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (153)}
قوله:(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ)وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ من شرك وكبائر، وصغائر ، (ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا )ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا بأن ندموا على ما مضى، وأقلعوا عنها، وعزموا على أن لا يعودوا ، (وَآمَنُوا) باللّه وبما أوجب اللّه من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا) أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات، (لَغَفُورٌ) يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قراب الأرض (رَحِيمٌ) بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
{وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)}
قوله تبارك وتعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب) أي: سكن، (أخذ الألواح) التي كان ألقاها (وفي نسختها هدى ورحمة) وفيما كتب فيها (هدى) بيان للحق ( ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) للخائفين من ربهم.
{وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)}
قوله: (واختار موسى قومه) أي: من قومه، (سبعين رجلا لميقاتنا) أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا ( فلما ) أتوا ذلك المكان قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة .
( فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أخذتهم الصاعقة فماتوا،
( قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي) تضرَّع موسى إلى ربه، فقال: يا رب، لو شئت إهلاكهم وإهلاكي معهم من قبل مجيئهم لأهلكتهم،
( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) أتهلكنا بسبب ما فعله خفاف العقول منا؟. ( إن هي إلا فتنتك ) أي : التي وقع فيها السفهاء ، لم تكن إلا اختبارك وابتلاءك ، ( تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء) أضللت بها قوما فافتتنوا ، وهديت قوما فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك ، ( أنت ولينا ) ناصرنا وحافظنا ، (فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين) الغفر هو: الستر ، وترك المؤاخذة بالذنب، (وأنت خير الغافرين) خير من غفر ذنبا وعفا عن إثم.
{۞ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)}
قوله:( واكتب لنا ) أوجب لنا ( في هذه الدنيا حسنة ) نعمة وعافية ، ( وفي الآخرة حسنة ) مغفرة وجنة ،
(إنا هدنا إليك) أي: تبنا إليك ، ( قال ) الله تعالى : (عذابي أصيب به من أشاء) من خلقي ، ( ورحمتي وسعت كل شيء) عمت كل شيء، ( فسأكتبها للذين يتقون) الَّذِينَ يَتَّقُونَ الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ( ويؤتون الزكاة) يعطون الزَّكَاةَ الواجبة مستحقيها. (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) يصدقون.
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)}
قوله:(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) الذين يتبعون محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، وهو النبي الأمِّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وإنما يوحي إليه ربه، (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ) الذي يجدون اسمه وصفاته وما أنزل إليه مكتوبًا في التوراة المُنَزَّلة على موسى عليه السلام، والإنجيل المُنَزَّل على عيسى عليه السلام، (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) يأمرهم بما عُرِف حسنه وصلاحه، وينهاهم عما عُرِف قبحه في العقول الصحيحة والفطر السليمة، (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) ويبيح لهم المُسْتَلذَّات مما لا ضرر فيه من المطاعم والمشارب والمناكح، ويحرم عليهم المُسْتَخْبثات منها، (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ) والإصر: كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل .(وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ) ويزيل عنهم التكاليف الشاقة التي كانوا يُكلّفون بها، كوجوب قتل القاتل سواء كان القتل عمدًا أم خطأ، (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فالذين آمنوا به من بني إسرائيل ومن غيرهم، وعظَّموه ووقَّروه، ونصروه على من يعاديه من الكفار، واتبعوا القرآن الذي أنزل عليه كالنور الهادي؛ أولئك هم المفلحون الذين ينالون ما يطلبونه، ويُجَنَّبُونَ ما يرهبونه.
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)}
قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم. (الذي له ملك السماوات والأرض )يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والشرعية (لا إله إلا هو يحيي ويميت ) لا معبود بحق إلا اللّه وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، ومن جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد،(فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي) إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح، ( الذي يؤمن بالله وكلماته) الذي يؤمن بالله ، وبما أنزل إليه من ربه . ( واتبعوه لعلكم تهتدون ) تفلحون
{وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)}
قوله: (ومن قوم موسى) يعني: بني إسرائيل (أمة) أي: جماعة، (يهدون بالحق) أي: يرشدون ويدعون إلى الحق. (وبه يعدلون) أي: بالحق يحكمون وبالعدل يقومون .
{وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)}
قوله - عز وجل: (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما) وقسَّمنا بني إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة، والأسباط القبائل واحدها سبط، (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه )حين طلب منه قومه أن يدعو الله أن يسقيهم ،(أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا) أن اضرب -يا موسى- بعصاك الحجر، فضربه موسى، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا بعدد قبائلهم الاثنتي عشرة(قد علم كل أناس مشربهم) قد علمت كل قبيلة منهم مَشْربها الخاص بها، فلا تشترك معها فيه قبيلة أخرى، (وظللنا عليهم الغمام) في التيه تقيهم حر الشمس، (وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ). وأنزلنا عليهم من نعمنا شرابًا حلوًا مثل العسل وطائرًا صغيرًا طيب اللحم يشبه السُّمانى، وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)وما نقصونا شيئا بما وقع منهم من الظلم وكفران النعم، وعدم تقديرها حق قدرها، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بنقص حظوظها حين أوردوها موارد الهلاك بما ارتكبوه من مخالفة أمر الله والتنكر لنعمه.
{وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161)}
قوله: ( وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ) ادخلوا بيت المقدس، (وكلوا منها حيث شئتم) وكلوا من ثمارها من أي مكان وفي أي وقت شئتم.(وقولوا حطة) وَقُولُوا حين تدخلون الباب: حِطَّةٌ أي: احطط عنا خطايانا، واعف عنا.( وادخلوا الباب سجدا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ) خاضعين لربكم مستكينين لعزته، شاكرين لنعمته، فأمرهم بالخضوع، وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل فقال: ( سَنـزيدُ الْمُحْسِنِينَ )من خير الدنيا والآخرة.
{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)}
قوله:(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ )أي: عصوا اللّه واستهانوا بأمره( قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) فقالوا بدل طلب المغفرة (حِطَّة)، قالوا: حنطة بدلوا القول - مع يسره وسهولته - فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا وهم يزحفون على أستاههم. (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ) حين خالفوا أمر اللّه وعصوه (رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) عذابا شديدا، وما ظلمهم اللّه بعقابه وإنما كان ذلك (بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) أي: يخرجون من طاعة الله إلى معصيته، من غير ضرورة ألجأتهم ولا داع دعاهم سوى الخبث والشر الذي كان كامنا في نفوسهم.
{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)}
قوله:(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) واسأل -أيها الرسول- اليهود تذكيرًا لهم بما عاقب الله به أسلافهم عن قصة القرية التي كانت بقرب البحر، (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ) حين كانوا يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت بعد نهيهم عنه حين ابتلاهم الله، (كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم) بأن صارت الأسماك تأتيهم ظاهرة على وجه البحر يوم السبت، وفي سائر الأيام لا تأتيهم، ابتلاهم الله بذلك (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) بسبب خروجهم عن الطاعة وارتكابهم المعاصي، فاحتالوا لصيده بأن نصبوا شباكهم، وحفروا حفرهم، فكانت الحيتان تقع فيها يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد أخذوها وأكلوها.
{وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) }
قوله تعالى: ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم ) قالت فرقة منهم وهم الساكتون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه، إما بهلاك أو عذاب شديد. قال الناهون (معذرة) موعظتنا معذرة، ومعناه أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله، (ولعلهم يتقون) يتقون الله ويتركون المعصية .
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)}
قوله - عز وجل- : ( فلما نسوا ما ذكروا به ) تركوا ما وعظوا به، ( أنجينا الذين ينهون عن السوء) الفرقة الآمرة بالمعروف (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) يعني الفرقة العاصية باعتدائهم بالصيد يوم السبت، (بعذاب بئيس) شديد ، من البأس وهو الشدة .(بما كانوا يفسقون ) بسبب خروجهم عن طاعة الله ، وإصرارهم على المعصية .
{فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)}
قوله تعالى: (فلما عتوا عن ما نهوا عنه ) فلما تجاوزوا في معصية الله، وأبوا أن يرجعوا عنها ( قلنا لهم كونوا قردة) فانقلبوا بإذن اللّه قردة، (خاسئين) أذلاء، مبعدين عن رحمته.
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (167)}
قوله: (وإذ تأذن ربك) أمر وحكم . ( ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة ) أي: على اليهود، ( من يسومهم سوء العذاب ) من يذلهم ويهينهم ، (إن ربك لسريع العقاب) لمن عصاه، حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا.( وإنه لغفور رحيم ) لمن تاب إليه وأناب.
{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)}
قوله تعالي:( وقطعناهم في الأرض) وفرقناهم (أمما) فرقا فرقهم الله فتشتت أمرهم ولم تجتمع لهم كلمة ، (منهم الصالحون) الذين أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به (ومنهم دون ذلك) يعني الذين بقوا على الكفر، ( وبلوناهم بالحسنات) اليسر، (والسيئات) العسر، (لعلهم يرجعون) لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا .
{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169)}
قوله: (فخلف من بعدهم) أي: جاء من هؤلاء الذين وصفناهم (خلف) والخلف: القرن الذي يجيء بعد قرن ( ورثوا الكتاب) أي: انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة ، (يأخذون عرض هذا الأدنى) فالعرض متاع الدنيا الفانية ، وهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها وضيعوا العمل بما فيها ، وخالفوا حكمها ، يرتشون في حكم الله وتبديل كلماته، (ويقولون سيغفر لنا) ذنوبنا يتمنون على الله الأباطيل، (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب ، يقول إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما ، ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه . ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) أي : أخذ عليهم العهد في التوراة أن لا يقولوا على الله الباطل ، وهي تمني المغفرة مع الإصرار ، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار، (ودرسوا ما فيه) قرأوا ما فيه، فهم ذاكرون لذلك ، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة ، ودرس الكتاب : قراءته وتدبره مرة بعد أخرى ، ( والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر للعواقب.
{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)}
قوله تعالى :( والذين يمسكون بالكتاب ) يتمسكون بالكتاب الذي جاء به موسى فلم يحرفوه ولم يكتموه. ( وأقاموا الصلاة ) ، أقاموها ظاهرا وباطنا؛ ولهذا خصها الله بالذكر لفضلها، وشرفها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات.
(إنا لا نضيع أجر المصلحين ) في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم.
{۞ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)}
قوله تعالى : ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ): واذكر -يا محمد- إذ اقتلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل لَمَّا امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فصار الجبل كأنه سحابة تظل رؤوسهم ، (وظنوا أنه واقع بهم) وأيقنوا أنه ساقط عليهم، (خذوا ما آتيناكم بقوة )وقيل لهم: خذوا ما أعطيناكم بجد واجتهاد وعزيمة، (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) وتذكروا ما فيه من الأحكام التي شرعها الله لكم ولا تنسوه؛ رجاء أن تتقوا الله إذا قمتم بذلك.
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172)}
قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم , فقررهم بتوحيده , وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك , وإقرارهم به( قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) أي: إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم، من أن اللّه تعالى ربكم، خشية أن تنكروا يوم القيامة، فلا تقروا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجة اللّه ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون. فاليوم قد انقطعت حجتكم، وثبتت الحجة البالغة للّه عليكم.
{أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)}
قوله تعالى : ( أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ) يقول : إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون : إنما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعدهم ، أي كنا أتباعا لهم فاقتدينا بهم ، فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا : ( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين ، فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد .
{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)}
قوله:( وكذلك نفصل الآيات ) نبين الآيات ليتدبرها العباد ، ( ولعلهم يرجعون ) من الكفر إلى التوحيد .
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)}
قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ) أيها الرسول على بني إسرائيل ، (نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) خبر رجل منهم من علماء أهل الكتاب أعطيناه آياتنا. (فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) فانخلع منها . (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ) فلحقه الشيطان، وصار قرينا له، (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) فأصبح من الضالين الهالكين، بعد أن كان من الراشدين المرشدين.
{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)}
قوله:( ولو شئنا لرفعناه بها ) أي : رفعنا درجته ومنزلته بتلك الآيات . ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) أي : سكن إلى الدنيا ومال إليها . ( واتبع هواه ) انقاد لما دعاه إليه الهوى ، فأراد الدنيا وأطاع شيطانه ،( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) يقال : لهث الكلب يلهث لهثا : إذا أدلع لسانه ، والمعنى: إن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر ، وإن تركته لم يهتد ، فالحالتان عنده سواء ، كحالتي الكلب : إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا ، وإن ترك وربض كان لاهثا . ( ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ) ذلك المثل المذكور مثل القوم الضالين لتكذيبهم بآياتنا، (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) فاقصص ،أيها الرسول، القصصَ عليهم ؛ رجاءَ أن يتفكروا وينزجروا عما هم فيه، وهذا مثل لكفار مكة وذلك أنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله ، فلما جاءهم نبي لا يشكون في صدقه كذبوه فلم يهتدوا .
{سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}
قوله:(سَاءَ مَثَلا ) ليس أقبح من ، (الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) كذبوا بحُجَجنا وبراهيننا، ولم يصدقوا بها، (وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) وهم بذلك يظلمون أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك.
{مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)}
قوله:(مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ) من يوفقه الله للهداية إلى صراطه المستقيم فهو المهتدي حقًّا؛ (وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ومن يبعده عن الصراط المستقيم، فأولئك الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)}
قوله:(ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) ولقد خلقنا كثيرا من الجن والإنس للنار ، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها. ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) أي لا يعلمون بها الخير والهدى . ( ولهم أعين لا يبصرون بها ) طريق الحق وسبيل الرشاد ، ( ولهم آذان لا يسمعون بها ) مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون بها ، ثم ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الأكل والشرب ، فقال : ( أولئك كالأنعام) أي : كالأنعام في أن همتهم في الأكل والشرب والتمتع بالشهوات ،(بل هم أضل) لأن الأنعام تميز بين المضار والمنافع ، فلا تقدم على المضار، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة ، مع العلم بالهلاك ، ( أولئك هم الغافلون ) عن الإيمان بالله واليوم الآخر.
{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)}
قوله:(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ) التي تدل على جلاله وكماله، (فَادْعُوهُ بِهَا ۖ) فتوسَّلوا بها إلى الله في طلب ما تريدون وأثنوا عليه بها، (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ) واتركوا الذين يميلون عن الحق في هذه الأسماء بجعلها لغير الله، أو نفيها عنه، أو تحريف معناها أو تشبيه غيره بها،(سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سنجزي هؤلاء الذين يميلون بها عن الحقِّ: العذاب المؤلم بما كانوا يعملون.
{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)}
قوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ)أي: ومن جملة من خلقنا أمة فاضلة كاملة في نفسها، مكملة لغيرها، (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) يهدون أنفسهم وغيرهم بالحق، فيعلمون الحق ويعملون به، ويعلِّمونه، ويدعون إليه وإلى العمل به. (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) بين الناس في أحكامهم إذا حكموا في الأموال والدماء والحقوق، وغير ذلك، وهؤلاء هم، أئمة الهدى ، الذين أنعم اللّه عليهم بالإيمان والعمل الصالح.
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182)}
قوله:(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) بآيات اللّه الدالة على صحة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، من الهدى فردوها ولم يقبلوها. (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) سنفتح لهم أبواب الرزق لا إكراما لهم، بل لاستدراجهم حتى يتمادوا فيما هم عليه من الضلال ، ثم يصيبهم عذابنا على حين غرة.
{وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)}
قوله:( وأملي لهم )وأؤخر عنهم العقوبة حتى يظنوا أنهم غير معاقبين، فيستمروا على تكذيبهم وكفرهم حتى يُضاعَف عليهم العذاب، ( إن كيدي متين )إن كيدي قوي، فأظهر لهم الإحسان، وأريد بهم الخذلان .
{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (184)}
قوله:(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ ) أولم يتأمل هؤلاء المكذبون بآيات الله وبرسوله، فَيُعْمِلُوا عقولهم(مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ) ليتضح لهم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ليس بمجنون، (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ)إنما هو رسول من الله بعثه محذرًا من عذاب الله تحذيرًا بيِّنًا.
{أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)}
قوله: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أولم يتأملوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الدالة على توحيد الله، وعلى ما له من صفات الكمال. و كذلك ليتأملوا إلى جميع ( مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) فإن جميع أجزاء العالم، يدل أعظم دلالة على اللّه وقدرته وحكمته وسعة رحمته،( وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) ويحذرُوا أن تكون آجالهم قد اقتربت، ويفجأهم الموتُ وهم في غفلة معرضون، فلا يتمكنون حينئذ، من استدراك ما فرطوا فيه. (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل، فبأي حديث يؤمنون به؟ أبكتب الكذب والضلال؟ أم بحديث كل مفتر دجال؟ ولكن الضال لا حيلة فيه، ولا سبيل إلى هدايته.
{مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)}
قوله: (من يضلل الله فلا هادي له) من أضلَّه الله عن الرشاد فلا هادي له إليه (ويذرهم) يتركهم (في طغيانهم يعمهون ) متحيرين يترددون، لا يخرجون منه ولا يهتدون إلى حق.
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)}
قوله: ( يَسْأَلُونَكَ) أي: المكذبون لك، المتعنتون (عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) أي: متى وقتها الذي تجيء فيه.
(قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) أي: إنه تعالى مختص بعلمها، (لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ) أي: لا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تقوم فيه إلا هو. (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) ثقل علمها وخفي أمرها على أهل السماوات والأرض ، وكل خفي ثقيل . (لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً) أي: فجأة من حيث لا تشعرون. (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) أي: هم حريصون على سؤالك عن الساعة، كأنك عالم بها، فإنه لا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه.(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) فلذلك حرصوا على ما لا ينبغي الحرص عليه، وخصوصا مثل حال هؤلاء الذين يتركون السؤال عن الأهم، ويدعون ما يجب عليهم من العلم، ثم يذهبون إلى ما لا سبيل لأحد أن يدركه، ولا هم مطالبون بعلمه.
{قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)}
قوله( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيرا ولا أدفع عنها شرا، فكيف أملك علم الساعة، (إلا ما شاء الله) أن يملكني ويمكنني منه، (وما مسني السوء) لو علمت الغيب لما مسني سوء ولحذرت .(إن أنا إلا نذير) لمن لا يصدق بما جئت به ، (وبشير) بالجنة ، ( لقوم يؤمنون ) يصدقون .
{۞ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)}
قوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) يعني: آدم ، (وجعل) وخلق (منها زوجها) حواء، ( ليسكن إليها ) ليأنس بها ويأوي إليها (فلما تغشاها) أي: واقعها (حملت حملا خفيفا) وهو أول ما تحمل المرأة من النطفة يكون خفيفا عليها ، (فمرت به) أي: استمرت به وقامت وقعدت به، لم يثقلها، (فلما أثقلت) أي: كبر الولد في بطنها وصارت ذات ثقل بحملها ودنت ولادتها، (دعوا الله ربهما) يعني آدم وحواء، (لئن آتيتنا) يا ربنا (صالحا ) أي: بشرا سويا تام الخلقة ، (لنكونن من الشاكرين) ممن يشكرك على ما وهبت لنا من الولد صالحًا.
{فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)}
قوله: (فلما آتاهما صالحا) بشرا سويا (جعلا له شركاء فيما آتاهما )كلام مستأنف يراد به اليهود والنصارى ، رزقهم الله أولادا ، فهودوا ونصروا (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تنزه الله عن ذلك.
{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)}
قوله:(أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا )هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ، من الأنداد والأصنام والأوثان ، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر ، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة ، لا تملك شيئا من الأمر ، ولا تضر ولا تنفع، فكيف يجعلونها شركاء لله؟!
{وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (192)}
قوله: (ولا يستطيعون لهم نصرا) أي: الأصنام لا تنصر من أطاعها ، (ولا أنفسهم ينصرون) لا يدفعون عن أنفسهم مكروها، فكيف تتخذ مع اللّه آلهةً؟ إن هذا إلا أظلمُ الظلمِ، وأسفُه السفهِ.
{وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (193)}
قوله: (وإن تدعوهم ) وإن تدعوا أيها المشركون هذه الأصنام التي تتخذونها آلهة من دون الله إلى الهدى، ( لا يتبعوكم ) لا يجيبوكم إلى ما دعوتموهم إليه (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ) سواء عندها دعاؤكم لها وسكوتكم عنها؛ لأنها لا تسمع ولا تعقل، ولا تنطق.
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194)}
قوله:(إن الذين تدعون من دون الله) يعني الأصنام، (عباد أمثالكم) يريد أنها مملوكة أمثالكم، وهي أمثالكم في التسخير. (فادعوهم) فاعبدوهم، (فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ) إن كنتم صادقين أن لكم عندها منفعة ، وأنها آلهة.
{أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ (195)}
قوله: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ) الاستفهام يراد به النفي، والمعنى: أن هذه الأصنام ليس لها هذه الجوارح ، فأنتم مفضلون عليها بالأرجل الماشية والأيدي الباطشة والأعين الباصرة والآذان السامعة ، فكيف تعبدون من أنتم أفضل وأقدر منهم؟ (قل ادعوا شركاءكم) يا معشر المشركين، (ثم كيدون) ثم اصنعوا أنتم وهم ماشئتم من كيد، (فلا تنظرون) أي: لا تمهلوني وأعجلوا في كيدي.
{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)}
قوله: (إن وليي الله الذي نزل الكتاب) يعني القرآن ، أي أنه يتولاني وينصرني كما أيدني بإنزال الكتاب، (وهو يتولى الصالحين) الذين لا يعدلون بالله شيئا فالله يتولاهم بنصره فلا يضرهم عداوة من عاداهم.
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (197)}
قوله:(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) وهي الأصنام (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ) لا يقدرون على نصركم ، ولا على نصر أنفسهم، فهم عاجزون.
{وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)}
قوله تعالى: ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ) يعني : المشركين لا يسمعوا ولا يعقلوا ذلك بقلوبهم ، ( وتراهم ) يا محمد ( ينظرون إليك ) بأعينهم ، ( وهم لا يبصرون ) بقلوبهم
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)}
قوله تعالى : ( خذ العفو )يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس ، وذلك مثل قبول الاعتذار والعفو والمساهلة وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك .( وأمر بالعرف ) أي : بالمعروف ، وهو كل ما يعرفه الشرع . (وأعرض عن الجاهلين ) فلا تقابلهم بجهلهم .
{وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)}
قوله تعالى: ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ) أي : يصيبك ويعتريك ويعرض لك من الشيطان نزغ نخسة ، والنزغ من الشيطان الوسوسة . ( فاستعذ بالله ) أي : استجر بالله ( إنه سميع عليم ) سميع لما تقوله، عليم بالتجائك، فسيحميك من الشيطان .
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201)}
قوله:(إن الذين اتقوا) امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه ، (إذا مسهم طائف من الشيطان) الطائف ما طاف بالإنسان من وسوسة الشيطان، (تذكروا) عظمة الله وعقابة للعصاة، وثوابه للمطيعين، فتابوا من ذنوبهم. (فإذا هم مبصرون) فإذا هم قد استقاموا على الحق ، وصحوا مما كانوا عليه، وانتهوا.
{وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)}
قوله: ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ) وإخوان الشياطين من الفجار والكفار لا يزال الشياطين يزيدونهم في الضلال بذنب بعد ذنب، (ثم لا يقصرون) لا يُمْسِكُ الشياطين عن الإغواء والإضلال، ولا الفجار من الإنس عن الانقياد وفعل الشر.
{وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)}
قوله:(وإذا لم تأتهم بآية) يعني: إذا لم تأت المشركين بآية ، (قالوا لولا اجتبيتها) هلا افتعلتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك؟ فقد كان أهل مكة يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - الآيات تعنتا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا : لولا اجتبيتها؟ أي : هلا أحدثتها وأنشأتها من عندك؟ (قل) لهم يا محمد (إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي) ثم قال: (هذا) يعني: القرآن (بصائر) حجج وبيان وبرهان (من ربكم) واحدتها بصيرة، وأصلها ظهور الشيء واستحكامه حتى يبصره الإنسان ، فيهتدي به ، يقول: هذه دلائل تقودكم إلى الحق. (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) وإرشاد ورحمة للمؤمنين من عباده، وأما غير المؤمنين فهم ضُلَّالٌ أشقياء.
{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)}
قوله:(إذا قرئ، )عليكم، أيها المؤمنون,(القرآن فاستمعوا له)، أصغوا له سمعكم، لتتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه (وأنصتوا)، إليه لتعقلوه وتتدبروه (لعلكم ترحمون)،رجاء أن يرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيه.
{وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205)}
قوله تعالى : ( واذكر ربك في نفسك ) الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بهما،، فأمر اللّه رسوله محمدا - وأمته تبعا له- بذكر ربه في نفسه، أي: مخلصا ، (تضرعا وخيفة) خوفا، أي : تتضرع إليَّ وتخاف منّي هذا في صلاة السر. (ودون الجهر من القول) وسطًا بين الجهر والمخافتة ( بالغدو والآصال)في أول النهار وآخره ؛ لفضل هذين الوقتين، (ولا تكن من الغافلين) عن ذكر الله تعالى.
{إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩ (206)}
قوله:(إن الذين عند ربك) يعني: الملائكة المقربين بالفضل والكرامة، (لا يستكبرون عن عبادته) لا يتكبرون ، (ويسبحونه) وينزهونه ويذكرونه ، فيقولون : سبحان الله . (وله يسجدون) وَلَهُ وحده لا شريك له يَسْجُدُونَ فليقتد العباد بهؤلاء الملائكة الكرام، وليداوموا على عبادة الملك العلام.
تم تفسير سورة الأعراف وللّه الحمد والشكر والثناء، وصلى اللّه على محمد وآله وصحبه وسلم.