قوله:{فَرِيقًا} منكم {هَدَى} اللّه، أي: وفقهم للهداية، ويسر لهم أسبابها، وصرف عنهم موانعها. {وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ } أي: وجبت عليهم الضلالة بما تسببوا لأنفسهم وعملوا بأسباب الغواية. فـ { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، استحبوا ولاية الشيطان، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد الخسران. {وَهم يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } ظنوا الباطل حقا والحق باطلا.
{۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)}
قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) يابني آدم البسوا مايستر عوراتكم، وما تتجملون به من اللباس الطاهر عند الصلاة والطواف.(وكلوا واشربوا) ماشئتم من الطيبات التي أحلها الله (ولا تسرفوا) ولا تتجاوزوا حد الاعتدال في ذلك ، ( إنه لا يحب المسرفين ) الذين يفعلون ذلك .
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)}
قوله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ) يعني لبس الثياب في الطواف، (والطيبات من الرزق) ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب.(قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) فيه حذف تقديره: هي للذين آمنوا وللمشركين في الحياة الدنيا فإن أهل الشرك يشاركون المؤمنين في طيبات الدنيا، وهي في الآخرة خالصة للمؤمنين لا حظ للمشركين فيها. (كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) مثل هذا التفصيل نفصل الآيات لقوم يتدبرون؛ لأنهم الذين ينتفعون بها.
{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)}
قوله:(قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) (الفواحش) :هي قبائح الذنوب، ظاهرة كانت أبو باطنة. (والإثم) الذنب والمعصية. (والبغي) الظلم والكبر، (بغير الحق)في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ( وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا) أن تشركوا مع الله غيره مما ليس لكم حجة فيه ، (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وحرم عليكم القول عليه من غير علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه .
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)}
قوله: (ولكل أمة أجل) ولكل جيل مدة وميقات محدد لآجالهم ، (فإذا جاء أجلهم ) فإذا جاء ميقاتهم المقدر، ( لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) لا يتأخرون عنه زمنًا، وإن قل ، ولا يتقدمون عليه.
{يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ۙ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)}
قوله تعالى: (يابني آدم إما يأتينكم رسل منكم ) من أقوامكم (يقصون عليكم آياتي) فرائضي وأحكامي ، (فمن اتقى وأصلح) أي : اتقى الشرك وأصلح عمله . (فلا خوف عليهم) إذا خاف الناس، (ولا هم يحزنون) أي: إذا حزنوا .
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36)}
قوله:(والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها ) تكبروا عن الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر. ( أولئك أصحاب النار) الملازمون لها، (هم فيها خالدون) ماكثون فيها أبدا.
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)}
قوله تعالى: ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) جعل له شريكا ، ( أو كذب بآياته ) بالقرآن ، ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) أي : حظهم مما كتب لهم في اللوح المحفوظ . .
(حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ) يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت وأعوانه، ( قالوا ) يعني يقول الرسل للكافر ، ( أين ما كنتم تدعون ) تعبدون ، ( من دون الله ) سؤال تبكيت وتقريع ، ( قالوا ضلوا عنا ) بطلوا وذهبوا عنا ، ( وشهدوا على أنفسهم ) اعترفوا عند معاينة الموت ، ( أنهم كانوا كافرين ) لكن إقرارهم في ذلك الحين حجة عليهم ولن ينفعهم.
{قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ (38)}
قوله: ( قال ادخلوا في أمم ) يعني: يقول الله لهم يوم القيامة ادخلوا في أمم ، أي: مع جماعات ، (قد خلت) مضت، (من قبلكم من الجن والإنس في النار) يعني كفار الأمم الخالية ، ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) يريد أختها في الدين لا في النسب ، فتلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى ، وكل فرقة تلعن أختها ويلعن الأتباع القادة ، ولم يقل أخاها لأنه عنى الأمة والجماعة ، (حتى إذا اداركوا فيها جميعا) أي: تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار، ( قالت أخراهم ) يعني أخراهم دخولا النار وهم الأتباع ، ( لأولاهم ) أي : لأولاهم دخولا وهم القادة ، لأن القادة يدخلون النار أولا ، ( ربنا هؤلاء ) الذين ، ( أضلونا ) عن الهدى يعني القادة ( فآتهم عذابا ضعفا من النار ) أي: ضعف عليهم العذاب، (قال) الله تعالى، (لكل ضعف) يعني للقادة والأتباع ضعف من العذاب ، (ولكن لا تعلمون) ما لكل فريق منكم من العذاب.
{وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (39)}
قوله: (وقالت أولاهم) يعني القادة (لأخراهم) للأتباع ، ( فما كان لكم علينا من فضل ) لأنكم كفرتم كما كفرنا فنحن وأنتم في الكفر سواء وفي العذاب سواء، (فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) فذوقوا - أيها الأتباع - العذاب مثلما ذقناه بسبب ما كنتم تكسبون من الكفر والمعاصي.
{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)}
قوله:( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ) لأرواحهم لأنها خبيثة لا يصعد بها بل يهوى بها إلى سجين ، إنما تفتح أبواب السماء لأرواح المؤمنين وأدعيتهم وأعمالهم ، ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) أي : حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة ، والمراد منه : أنهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن الشيء إذا علق بما يستحيل كونه يدل ذلك على تأكيد المنع .
{لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)}
قوله:( لهم من جهنم مهاد ) أي : فراش ، (ومن فوقهم غواش ) أي : لحف ، وهي جمع غاشية ، يعني ما غشاهم وغطاهم ، يريد إحاطة النار بهم من كل جانب (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) ومثل هذا الجزاء نجزي المتجاوزين لحدود الله بكفرهم وإعراضهم عنه
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)}
قوله:( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها ) أي : طاقتها وما لا تحرج فيه ولا تضيق عليه ، ( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) الملازمون لها ، المقيمون فيها أبدا
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)}
قوله:(ونزعنا) وأخرجنا، (ما في صدورهم من غل) ومن تمام نعيمهم في الجنة أن نزع الله ما في قلوبهم من البغضاء والحقد. ( تجري من تحتهم الأنهار ) منعمين فيها (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا ) وفقنا لدخول الجنة بفضله وهدايته (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) وما كنا لنوفق إليه من تلقاء أنفسنا لولا أن الله وفقنا إليه ( لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) بالحق الذي لا مرية فيه والصدق في الوعد والوعيد ، ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) هذا النداء إذا رأوا الجنة من بعيد نودوا أن تلكم الجنة أعقبكم الله إياها بما كنتم تعملون من الأعمال الصالحة، التي تريدون بها وجه الله.
{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)}
قوله: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) ونادى أهل الجنة الملازمون لها أهل النار الملازمين لها بعد دخول كل منهما منزله المُعَد له (أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا) من الثواب، (حقا) أي صدقا، (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) من العذاب ، ( قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم ) أي : نادى منادٍ أسمع الفريقين ، (أن لعنة الله على الظالمين ) أي: الكافرين.
{الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)}
قوله:( الذين يصدون ) أي : يصرفون الناس ، ( عن سبيل الله ) طاعة الله ، ( ويبغونها عوجا ) أي : يطلبونها زيغا وميلا .( وهم بالآخرة كافرون ) منكرون لها .
{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)}
قوله:(وبينهما حجاب) بين أهل الجنة وبين أهل النار حجاب، وهو السور الذي ذكر الله في قوله: " فضرب بينهم بسور له باب " ( الحديد ، 13 ) .
قوله: ( وعلى الأعراف ) والأعراف السور الذي بين الجنة والنار، جمع عرف ، وهو اسم للمكان المرتفع ، ومنه عرف الديك لارتفاعه عما سواه من جسده . (رجال ) هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة ، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار ، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء ، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته ، وهم آخر من يدخل الجنة. (يعرفون كلا بسيماهم) يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم وأهل النار بسواد وجوههم. (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم) أي: إذا رأوا أهل الجنة قالوا سلام عليكم، (لم يدخلوها) يعني: أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة ، (وهم يطمعون) في دخولها، وما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة بهم .
{۞ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)}
قوله:( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ) وإذا حُوِّلت أبصار أصحاب الأعرافِ إلى أصحاب النار، وشاهدوا ما هم فيه من العذاب الشديد، قالوا داعين الله ، ( قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) مع الكافرين .
{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)}
قوله:(ونادى أصحاب الأعراف رجالا ) كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار، (يعرفونهم بسيماهم )بسواد وجوههم، ( قالوا ما أغنى عنكم جمعكم) في الدنيا من المال والولد، (وما كنتم تستكبرون ) عن الإيمان .
{أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (49)}
يقول أهل الأعراف للمشركين: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ) أي: حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة . ثم تقول الملائكةُ لأهل الأعراف: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ). لا خوف عليكم فيما تستقبلونه، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من حظوظ الدنيا لما لقيتم من النعيم المقيم.
{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)}
قوله: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا) أي: صبوا، (علينا من الماء أو مما رزقكم الله) أي: أوسعوا علينا مما رزقكم الله من طعام الجنة ، (قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) بسبب كفرهم.
{الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)}
قوله: ( الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ) هؤلاء الكافرون الذين صيروا دينهم باطلا ولهوا من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والمكاء والتصدية حول البيت، وسائر الخصال الذميمة ، التي كانوا يفعلونها في الجاهلية ، ( وغرتهم الحياة الدنيا ) وخدعتهم الحياة الدنيا بزخرفها (فاليوم ننساهم ) نتركهم في النار ، ( كما نسوا لقاء يومهم هذا ) أي : كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا ، ( وما كانوا بآياتنا يجحدون ) وبسبب إنكارهم للآيات الدالة على قدرتنا.
{وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)}
قوله: (ولقد جئناهم بكتاب) يعني : القرآن (فصلناه) بيناه ، (على علم) منا لما يصلحهم ، (هدى ورحمة ) أي : جعلنا القرآن هاديا وذا رحمة ، ( لقوم يؤمنون ) يؤمنون بالله ويعترفون بأياته.
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)}
قوله:( هل ينظرون ) أي : هل ينتظرون ، ( إلا تأويله ) هل ينتظرون إلا ما يئول إليه أمرهم في العذاب ومصيرهم إلى النار . ( يوم يأتي تأويله ) أي: جزاؤه وما يئول إليه أمرهم ، ( يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ) اعترفوا به حين لا ينفعهم الاعتراف ، ( فهل لنا ) اليوم ، ( من شفعاء فيشفعوا لنا) ليت لنا وسطاء يشفعون لنا عند الله ليعفينا من العذاب( أو نرد ) إلى الدنيا ، ( فنعمل غير الذي كنا نعمل) من السيئات ( قد خسروا أنفسهم ) أهلكوها بالعذاب ، ( وضل عنهم ) وبطل ( ما كانوا يفترون ) يدعون.
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)}
قوله تعالى : (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) أراد به في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها ، ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء، (ثم استوى على العرش) استقر، والاستواء على العرش صفة لله تعالى ، بلا كيف ، يجب على الرجل الإيمان به ، ويكل العلم فيه إلى الله .(يغشي الليل النهار) يأتي الليل على النهار فيغطيه ، وفيه حذف أي: ويغشي النهار الليل ، ولم يذكره لدلالة الكلام عليه، (يطلبه حثيثا) سريعا. (والشمس والقمر والنجوم مسخرات) خلق هذه الأشياء مسخرات، مذللات ( بأمره ألا له الخلق والأمر) له الخلق لأنه خلقهم وله الأمر ، يأمر في خلقه بما يشاء .(تبارك الله) تعالى الله وتعظم. ( رب العالمين ) رب الخلق أجمعين.
{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)}
قوله:( ادعوا ربكم تضرعا ) تذللا واستكانة ، ( وخفية ) أي سرا . ( إنه لا يحب المعتدين ) المتجاوزين لحدوده في الدعاء، ومن أعظم التجاوز لحدوده في الدعاء دعاء غيره معه كما يفعل المشركون.
{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56)}
قوله:( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) أي لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة ، والدعاء إلى طاعة الله ( وادعوه خوفا وطمعا ) خوفا منه ومن عذابه ، وطمعا فيما عنده من مغفرته وثوابه . ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) أي: ثوابه قريب من المحسنين، فكونوا منهم.
{وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)}
قوله تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا) تبشر بالمطر بدليل قوله: (الرياح مبشرات) [الروم:46] ،( بين يدي رحمته) أي: قدام المطر. (حتى إذا أقلت) حملت الرياح ( سحابا ثقالا ) بالمطر، ( سقناه لبلد ميت ) إلى بلد مجدب ، ( فأنزلنا به الماء ) بذلك البلد المجدب المحتاج إلى المطر، ( فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى) استدل بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى ، ( لعلكم تذكرون) رجاء أنكم تتذكرون قدرة الله وبديع صنعه، وأنه قادر على إحياء الموتى.
{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)}
قوله: ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ) هذا مثل ضربه الله - عز وجل - للمؤمن والكافر فمثل المؤمن مثل البلد الطيب ، يصيبه المطر فيخرج نباته بإذن ربه ، (والذي خبث) يريد الأرض السبخة التي (لا يخرج) نباتها ، ( إلا نكدا) أي: عسرا قليلا بعناء ومشقة . فالأول: مثل المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله وانتفع به ، والثاني : مثل الكافر الذي يسمع القرآن فلا يؤثر فيه ، كالبلد الخبيث الذي لا يتبين أثر المطر فيه ( كذلك نصرف الآيات ) نبينها ، ( لقوم يشكرون ) نعم الله، فلا يكفرونها، ويطيعون ربهم.
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)}
قوله تعالى: ( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) لقد بعثنا نوحًا رسولًا إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله، وترك عبادة غيره، ( فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ) اعبدوا الله وحده، فليس لكم معبود بحق غيره، (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إني أخشى عليكم -يا قوم- عذابَ يوم عظيم في حال إصراركم على الكفر.
{قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (60)}
قوله:(قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ) قال له سادة قومه وكبراؤهم، ( إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ) إنا لنراك -يا نوح - في بعد عن الصواب ( مُّبِينٍ) واضح.
{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61)}
قوله:(قال يا قوم ليس بي ضلالة ) قال نوح لكبراء قومه: لست ضالًّا كما زعمتم، وإنما أنا على هدى من ربي، ( لكني رسول من رب العالمين ) فأنا رسول إليكم من الله ربي وربكم ورب العالمين كلهم.
{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)}
قوله:( أبلغكم رسالات ربي ) أبلِّغكم ما أرسلني الله به إليكم مما أوحى إلي، (وأنا لكم ناصح أمين) أريد لكم الخير بترغيبكم في امتثال أمر الله وما يترتب عليه من ثواب، وترهيبكم من ارتكاب نواهيه وما يترتب عليه من العقاب، (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وأعلم من الله سبحانه ما لا تعلمون مما علمني عن طريق الوحي.
{أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)}
قوله:(أوعجبتم) ألف استفهام دخلت على واو العطف، (أن جاءكم ذكر من ربكم) موعظة. (على رجل منكم لينذركم) عذاب الله إن لم تؤمنوا، (ولتتقوا) أي: لكي تتقوا الله، (ولعلكم ترحمون) لكي ترحموا .
{فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)}
قوله:(فكذبوه) يعني: كذبوا نوحا، (فأنجيناه) من الطوفان، (والذين معه في الفلك) في السفينة، (وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين) عموا عن الحق والإيمان.
{۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65)}
قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا) أي: وأرسلنا إلى قبيلة عاد - وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام - ، وهي عاد الأولى " أخاهم " في النسب لا في الدين " هودا " ، وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص ، ( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) اعبدوا الله وحده، فليس لكم معبود بحق غيره( أفلا تتقون ) أفلا تخافون نقمته بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؟
{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)}
قوله:(قال الملأ الذين كفروا من قومه) قال الكبراء والسادة من قومه الذين كفروا بالله وكذبوا رسله، (إنا لنراك ) يا هود، (في سفاهة) في حمق وجهالة، (وإنا لنظنك من الكاذبين) فيما تدعيه من أنك مرسل تدعونا إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام .
{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (67)}
قوله: (قال) هود ، ( يا قوم ليس بي سفاهة ) ليس بي حمق وطيش،(ولكني رسول من رب العالمين ) بل إني رسول من رب الخلق أجمعين.
{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)}
قوله:(أبلغكم رسالات ربي) أبلغكم ما أمرني الله بتبليغه إليكم من توحيده، وشرعه (وأنا لكم ناصح) فيما أمرت بتبليغه( أمين) لا أزيد فيه ولا أنقص.
{أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)}
قوله:( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم) أوَأَثار عجبكم واستغرابكم أن جاءكم تذكير من ربكم على لسان رجل من جنسكم، ليس من جنس الملائكة أو الجن لينذركم؟! ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) واحمدوا ربكم واشكروه على أن مَكَّن لكم في الأرض، وجعلكم تخلفون قوم نوح الذين أهلكهم الله بكفرهم، (وزادكم في الخلق بسطة أي: طولا وقوة.(فاذكروا آلاء الله) نعم الله، (لعلكم تفلحون) تفوزوا بالمطلوب، وتنجوا من المرهوب.
{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)}
قوله:(قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ ) قال قومه له: أجئتنا -يا هود- لتأمرنا بعبادة الله وحده، ولنترك ما كان يعبده آباؤنا؟ (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت صادقًا فيما تدعيه.
{قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (71)}
قوله:(قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ) فرد عليهم هود قائلًا: لقد استوجبتم عذاب الله وغضبه فهو واقع بكم لا محالة، (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ) أتجادلونني في أصنام سمَّيتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وليس لها حقيقة؟! (فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ) فانتظروا ما طلبتم تعجيله لكم من العذاب، وأنا معكم من المنتظرين، فهو واقع.
{فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)}
قوله: (فأنجيناه) يعني هودا عند نزول العذاب، (والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا) أي : استأصلناهم وأهلكناهم عن آخرهم، (وما كانوا مؤمنين) بل كانوا مكذبين، فاستحقوا العذاب.
{وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)}
قوله: (وإلى ثمود أخاهم صالحا ) وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح ، وأراد هاهنا القبيلة .(أخاهم صالحا) أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب، لا في الدين صالحا ، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماشيح بن عبيد بن خادر بن ثمود، ( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم) حجة من ربكم على صدقي، (هذه ناقة الله) أضافها إليه على التفضيل والتخصيص، كما يقال بيت الله، وهي ناقة تخرج من صخرة، (لكم آية) واضحة من الله على صدق ما جئتكم به، (فذروها تأكل في أرض الله) العشب، (ولا تمسوها بسوء) لا تصيبوها بعقر، (فيأخذكم عذاب أليم ) فيصيبكم بسبب إيذائها عذاب موجع.