تفسير سورة الأعراف

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الإثنين 8 شعبان 1447هـ | عدد الزيارات: 726 القسم: المفيد في تفسير القرآن الكريم -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

سورة الأعراف من السبع الطوال، وعدد آياتها (206)، وهي سورة مكية إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: {واسألهم عن القرية} [ الأعراف : 163 ] إلى قوله:{وإذ نتقنا الجبل فوقهم} [ الأعراف : 171 ]، بدأت بحروف مقطعة (المص) وتُعرف بسورة الميثاق والأعراف، وتتميز بالحديث عن أصحاب الأعراف وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ويقفون على السور بين الجنة والنار.

{بسم الله الرحمن الرحيم}

{المص (1)}

الحروف المقطعة في أوائل السور الأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.

{كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)}

يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم مبينا له عظمة القرآن: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أي: هذا كتاب جليل حوى كل ما يحتاج إليه العباد، وجميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، محكما مفصلا {فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} أي: ضيق وشك واشتباه، بل لتعلم أنه تنزيل من حكيم حميد {لِتُنْذِرَ بِهِ} الخلق، فتعظهم وتذكرهم، فتقوم الحجة على المعاندين.{و َذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} ولتذكر به المؤمنين، فهم الذين ينتفعون بالذكرى.

{اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (3)}

قوله: (اتبعوا) أي: وقل لهم اتبعوا: (ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) أي: لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى، كالشياطين والأحبار والرهبان (قليلا ما تذكرون ) تتعظون؛ إذ لو تذكرتم لما آثرتم على الحق غيره.

{وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)}

قوله:(وكم من قرية أهلكناها) بالعذاب ، (وكم) للتكثير ، (فجاءها بأسنا) عذابنا، (بياتا ) ليلا (أو هم قائلون) من القيلولة، تقديره: فجاءها بأسنا ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون، أي نائمون ظهيرة. والقيلولة الاستراحة نصف النهار ، وإن لم يكن معها نوم ، ومعنى الآية: أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له إما ليلا أو نهارا .

{فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)}

قوله: (فما كان دعواهم) أي: قولهم ودعاؤهم وتضرعهم (إذ جاءهم بأسنا) عذابنا، (إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين) معناه لم يقدروا على رد العذاب ، وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ينفع الاعتراف.

{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)}

قوله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} أي: لنسألن الأمم الذين أرسل اللّه إليهم المرسلين، عما أجابوا به رسلهم، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام ، يعني : لنسألهم عما عملوا فيما بلغتهم الرسل {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} عن تبليغهم لرسالات ربهم، وعما أجابتهم به أممهم.

{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)}

قوله:{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ} أي: على الخلق كلهم ما عملوا في الدنيا فيما أمرناهم به وما نهيناهم عنه {بِعِلْمٍ} منه تعالى لأعمالهم { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} في وقت من الأوقات.

{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)}

قوله: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} أي: والوزن يوم القيامة يكون بالعدل والقسط، الذي لا جور فيه ولا ظلم. {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} بأن رجحت كفة حسناته على سيئاته {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي: الناجون الذين حصل لهم الربح العظيم، والسعادة الدائمة.

{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)}

قوله تعالى :{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} بأن رجحت سيئاته، وصار الحكم لها، {فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} إذ فاتهم النعيم المقيم، وحصل لهم العذاب الأليم {بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} بسبب تجاوزهم الحد بجحد أيات الله تعالى، وعدم الانقياد لها كما يجب عليهم ذلك.

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (10)}

قوله تعالى: (ولقد مكناكم في الأرض) أي: ملكناكم إياها وأقدرناكم عليها ، (وجعلنا لكم فيها معايش) أي: أسبابا تعيشون بها أيام حياتكم من التجارات والمكاسب والمآكل والمشارب، والمعايش، (قليلا ما تشكرون) فيما صنعت إليكم .
{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11)}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} بخلق أصلكم ومادتكم التي منها خرجتم: وهو أبوكم آدم عليه السلام {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} في أحسن صورة، وأحسن تقويم، {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ } سجود إكرام واحترام، وإظهار لفضله، فامتثلوا أمر ربهم، {فَسَجَدُوا} كلهم أجمعون {إِلَّا إِبْلِيسَ } أبى أن يسجد له؛ تكبرا عليه وإعجابا بنفسه.
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12)}
قوله: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ} أي: وما منعك أن تسجد {قَالَ} إبليس مجيبا: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} لأنك: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } وموجب هذا أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق من طين لعلو النار على الطين وصعودها، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، فإنه باطل من عدة أوجه: منها: أن هناك نص من الله بالسجود فلا يعارضه، والقياس إذا عارض النص، فإنه قياس باطل ومنها: أن قوله: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} بمجردها كافية لنقص إبليس الخبيث. فإنه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبره، والقول على اللّه بلا علم. وأي نقص أعظم من هذا؟" ومنها: أنه كذب في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب، فإن مادة الطين فيها الخشوع والسكون والرزانة، ومنها تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات، على اختلاف أجناسه وأنواعه، وأما النار ففيها الخفة والطيش والإحراق. ولهذا لما جرى من إبليس ما جرى، انحط من مرتبته العالية إلى أسفل سافلين.
{قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)}
قوله تعالى : (قال فاهبط منها) أي: من الجنة، (فما يكون لك أن تتكبر) بمخالفة الأمر، (فيها) أي: في الجنة ، فلا ينبغي أن يسكن في الجنة ولا السماء متكبر مخالف لأمر الله تعالى: (فاخرج إنك من الصاغرين) من الأذلاء ، والصغار : الذل والمهانة .
{قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)}
قوله:(قال) إبليس عند ذلك ، (أنظرني) أخرني وأمهلني فلا تمتني ، (إلى يوم يبعثون ) من قبورهم وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، أراد الخبيث أن لا يذوق الموت، وليتمكن من إغواء من يقدر عليه من بني آدم .
{قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (15)}
قوله: ( قال ) الله تعالى ، (إنك من المنظرين) المؤخرين ، ممن كتبت عليهم تأخير الأجل إلى النفخة الأولى في القرن إذ يموت الخلق كلهم.
{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)}
أي: قال إبليس - لما أيس من رحمة اللّه - {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} فبسبب ما أضللتني {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } لاجتهدن في إغواء بني آدم عن طريقك القويم، ولأصدنهم عن الإسلام الذي فطرتهم عليه .
{ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)}
قوله:{ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } أي: من جميع الجهات والجوانب، ومن كل طريق يتمكن فيه من إدراك بعض مقصوده فيهم،وذلك بالتزهيد في الآخرة، والترغيب في الدنيا، وإلقاء الشبهات، وتحسين الشهوات، وكان جازما ببذل مجهوده على إغوائهم، ظن وصدق ظنه فقال: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} لك، لما أمليه عليهم من الكفر، فإن القيام بالشكر من سلوك الصراط المستقيم، وهو يريد صدهم عنه، وعدم قيامهم به، ونبهنا اللّه على ما قال؛ لنأخذ منه حذرنا ونستعد لعدونا، ونحترز منه بعلمنا، بالطريق التي يأتي منها، ومداخله التي ينفذ منها، فله تعالى علينا بذلك، أكمل نعمة.
{قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18)}
(قال) الله لإبليس، (اخرج منها مذءوما مدحورا) أي: معيبا مطرودا، (لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين) أي: منك وممن تبعك من بني آدم.
{وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)}
أي: أمر اللّه تعالى آدم وزوجته حواء، التي أنعم اللّه بها عليه ليسكن إليها، أن يأكلا من الجنة حيث شاءا ويتمتعا فيها بما أرادا، إلا أنه عين لهما شجرة، ونهاهما عن أكلها، { فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} المتجاوزين حدود الله.
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)}
قوله: (فوسوس لهما الشيطان) أي: إليهما. والوسوسة: حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان (ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما) لتكون عاقبتهما انكشاف ما ستر من عوراتهما، ثم بين الوسوسة فقال: (وقال) يعني: إبليس لآدم وحواء (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين) يعني: لئلا تكونا، كراهية أن تكونا ملكين من الملائكة ، (أو تكونا من الخالدين) من الباقين الذين لا يموتون.
{وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)}
قوله:( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) أي : وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد ، قال قتادة : حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله ، فقال : إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما ، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا ، فلما حلف ظنَّا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، فاغترا به.
{فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22)}
قوله: ( فدلاهما بغرور ) أي : خدعهما ، يقال : ما زال فلان يدلي لفلان بغرور ، يعني : ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف باطل من القول ، والغرور : إظهار النصح مع إبطان الغش .(فلما ذاقا الشجرة) فلما أكلا منها ،(بدت لهما سوآتهما) ظهرت لهما عوراتهما ، وسقط عنهما لباسُهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه، (وطفقا) أقبلا وجعلا (يخصفان عليهما من ورق الجنة) يلزقان عليهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما .
(وناداهما ربهما) وهما بتلك الحال موبخا ومعاتبا(ألم أنهكما عن تلكما الشجرة) يعني: الأكل منها ، (وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين) أي : بين العداوة .
{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)}
قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} أي: قد فعلنا الذنب، الذي نهيتنا عنه، (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا ) بمحو أثر الذنب وعقوبته، (وَتَرْحَمْنَا) بقبول التوبة والمعافاة من أمثال هذه الخطايا. (لنكونن من الخاسرين)، من الهالكين.
{قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (24)}
قوله: {قَالَ اهْبِطُوا} خاطب الله آدم وزوجته وإبليس، يأمرهم بالهبوط من الجنة إلى الأرض،{بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ } وأنهم سيكونون أعداء لبعضهم البعض، {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}وأن للأرض مكان استقرار ومتاع لهم إلى وقت محدد.
{قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)}
قوله: ( قال فيها تحيون ) يعني في الأرض تعيشون ، ( وفيها تموتون ومنها تخرجون ) أي : من الأرض تخرجون من قبوركم للبعث
{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)}
قوله:{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ } امتن عليهم بما يسر لهم من اللباس الضروري، {وَرِيشًا ۖ} أي: ولباسا للزينة، ليكون معونة لهم على عبادته وطاعته، {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} أي: خير من اللباس الحسي، فإن لباس التقوى يستمر مع العبد، ولا يبلى ولا يبيد، وهو جمال القلب والروح. وأما اللباس الظاهري، فغايته أن يستر العورة الظاهرة، في وقت من الأوقات، {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي: ذلك المذكور لكم من اللباس، مما تذكرون به ما ينفعكم ويضركم وتشبهون باللباس الظاهر على الباطن.
{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)}
يا بني آدم، لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوءاتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم، كما فعل بأبويكم آدم وحواء عند اختباره إياهما فأطاعاه وعصيا ربهما، فأخرجهما بما سبَّب لهما من مكره وخدعه، من الجنة, ونـزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس، ليريهما سوءاتهما بكشف عوراتهما، وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترةً.
{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)}
يقول تعالى مبينا لقبح حال المشركين الذين يفعلون الذنوب، وينسبون أن الله أمرهم بها. {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} وهي: كل ما يستفحش ويستقبح، ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة {قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } وصدقوا في هذا. {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} وكذبوا في هذا، ولهذا رد اللّه عليهم هذه النسبة فقال: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} لا يليق بكماله وحكمته أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره {أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ) أيها المشركون(مَا لَا تَعْلَمُونَ) أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته افتراءً عليه سبحانه.
{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)}
(قل)، يا محمد، لهؤلاء الذين يزعمون أن الله أمرهم بالفحشاء كذبًا على الله: ما أمر ربي بما تقولون بل (أمر ربي بالقسط)، يعني: بالعدل، (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، أي: وجِّهوا وجوهكم حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة. (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۚ) واعملوا لربكم مخلصين له الدين والطاعة، لا تخلطوا ذلك بشرك، ولا تجعلوا في شيء مما تعملون له شريكًا، (كَمَا بَدَأَكُمْ) أول مرة (تَعُودُونَ) للبعث، فالقادر على بدء خلقكم، قادر على إعادته، بل الإعادة، أهون من البداءة.
{فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ۗ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (30)}
قوله:{فَرِيقًا} منكم {هَدَى} اللّه، أي: وفقهم للهداية، ويسر لهم أسبابها، وصرف عنهم موانعها. {وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ } أي: وجبت عليهم الضلالة بما تسببوا لأنفسهم وعملوا بأسباب الغواية. فـ { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، استحبوا ولاية الشيطان، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد الخسران. {وَهم يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } ظنوا الباطل حقا والحق باطلا.
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)}
قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) يابني آدم البسوا مايستر عوراتكم، وما تتجملون به من اللباس الطاهر عند الصلاة والطواف.(وكلوا واشربوا) ماشئتم من الطيبات التي أحلها الله (ولا تسرفوا) ولا تتجاوزوا حد الاعتدال في ذلك ، ( إنه لا يحب المسرفين ) الذين يفعلون ذلك .
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)}
قوله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ) يعني لبس الثياب في الطواف، (والطيبات من الرزق) ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب.(قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) فيه حذف تقديره: هي للذين آمنوا وللمشركين في الحياة الدنيا فإن أهل الشرك يشاركون المؤمنين في طيبات الدنيا، وهي في الآخرة خالصة للمؤمنين لا حظ للمشركين فيها. (كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) مثل هذا التفصيل نفصل الآيات لقوم يتدبرون؛ لأنهم الذين ينتفعون بها.
{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)}
قوله:(قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) (الفواحش) :هي قبائح الذنوب، ظاهرة كانت أبو باطنة. (والإثم) الذنب والمعصية. (والبغي) الظلم والكبر، (بغير الحق)في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ( وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا) أن تشركوا مع الله غيره مما ليس لكم حجة فيه ، (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وحرم عليكم القول عليه من غير علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه .
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)}
قوله: (ولكل أمة أجل) ولكل جيل مدة وميقات محدد لآجالهم، (فإذا جاء أجلهم ) فإذا جاء ميقاتهم المقدر، ( لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) لا يتأخرون عنه زمنًا، وإن قل، ولا يتقدمون عليه.
{يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ۙ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)}
قوله تعالى: (يابني آدم إما يأتينكم رسل منكم ) من أقوامكم (يقصون عليكم آياتي) فرائضي وأحكامي ، (فمن اتقى وأصلح) أي : اتقى الشرك وأصلح عمله . (فلا خوف عليهم) إذا خاف الناس، (ولا هم يحزنون) أي: إذا حزنوا .
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36)}
قوله:(والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها ) تكبروا عن الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر. ( أولئك أصحاب النار) الملازمون لها، (هم فيها خالدون) ماكثون فيها أبدا.
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)}
قوله تعالى: ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) جعل له شريكا ، ( أو كذب بآياته ) بالقرآن ، ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) أي : حظهم مما كتب لهم في اللوح المحفوظ . .
(حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ) يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت وأعوانه، ( قالوا ) يعني يقول الرسل للكافر ، ( أين ما كنتم تدعون ) تعبدون ، ( من دون الله ) سؤال تبكيت وتقريع ، ( قالوا ضلوا عنا ) بطلوا وذهبوا عنا ، ( وشهدوا على أنفسهم ) اعترفوا عند معاينة الموت ، ( أنهم كانوا كافرين ) لكن إقرارهم في ذلك الحين حجة عليهم ولن ينفعهم.
{قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ (38)}
قوله: ( قال ادخلوا في أمم ) يعني: يقول الله لهم يوم القيامة ادخلوا في أمم ، أي: مع جماعات ، (قد خلت) مضت، (من قبلكم من الجن والإنس في النار) يعني كفار الأمم الخالية ، ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) يريد أختها في الدين لا في النسب ، فتلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى ، وكل فرقة تلعن أختها ويلعن الأتباع القادة ، ولم يقل أخاها لأنه عنى الأمة والجماعة ، (حتى إذا اداركوا فيها جميعا) أي: تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار، ( قالت أخراهم ) يعني أخراهم دخولا النار وهم الأتباع ، ( لأولاهم ) أي : لأولاهم دخولا وهم القادة ، لأن القادة يدخلون النار أولا ، ( ربنا هؤلاء ) الذين ، ( أضلونا ) عن الهدى يعني القادة ( فآتهم عذابا ضعفا من النار ) أي: ضعف عليهم العذاب، (قال) الله تعالى، (لكل ضعف) يعني للقادة والأتباع ضعف من العذاب ، (ولكن لا تعلمون) ما لكل فريق منكم من العذاب.
{وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (39)}
قوله: (وقالت أولاهم) يعني القادة (لأخراهم) للأتباع ، ( فما كان لكم علينا من فضل ) لأنكم كفرتم كما كفرنا فنحن وأنتم في الكفر سواء وفي العذاب سواء، (فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) فذوقوا - أيها الأتباع - العذاب مثلما ذقناه بسبب ما كنتم تكسبون من الكفر والمعاصي.
{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)}
قوله:( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ) لأرواحهم لأنها خبيثة لا يصعد بها بل يهوى بها إلى سجين ، إنما تفتح أبواب السماء لأرواح المؤمنين وأدعيتهم وأعمالهم ، ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) أي : حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة ، والمراد منه : أنهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن الشيء إذا علق بما يستحيل كونه يدل ذلك على تأكيد المنع .
{لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)}
قوله:( لهم من جهنم مهاد ) أي : فراش ، (ومن فوقهم غواش ) أي : لحف ، وهي جمع غاشية ، يعني ما غشاهم وغطاهم ، يريد إحاطة النار بهم من كل جانب (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) ومثل هذا الجزاء نجزي المتجاوزين لحدود الله بكفرهم وإعراضهم عنه
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)}
قوله:( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها ) أي : طاقتها وما لا تحرج فيه ولا تضيق عليه ، ( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) الملازمون لها ، المقيمون فيها أبدا
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)}
قوله:(ونزعنا) وأخرجنا، (ما في صدورهم من غل) ومن تمام نعيمهم في الجنة أن نزع الله ما في قلوبهم من البغضاء والحقد. ( تجري من تحتهم الأنهار ) منعمين فيها (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا ) وفقنا لدخول الجنة بفضله وهدايته (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) وما كنا لنوفق إليه من تلقاء أنفسنا لولا أن الله وفقنا إليه ( لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) بالحق الذي لا مرية فيه والصدق في الوعد والوعيد ، ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) هذا النداء إذا رأوا الجنة من بعيد نودوا أن تلكم الجنة أعقبكم الله إياها بما كنتم تعملون من الأعمال الصالحة، التي تريدون بها وجه الله.
{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)}
قوله: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) ونادى أهل الجنة الملازمون لها أهل النار الملازمين لها بعد دخول كل منهما منزله المُعَد له (أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا) من الثواب، (حقا) أي صدقا، (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) من العذاب، (قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم) أي:نادى منادٍ أسمع الفريقين، (أن لعنة الله على الظالمين ) أي: الكافرين.
{الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)}
قوله:(الذين يصدون) أي: يصرفون الناس ، (عن سبيل الله) طاعة الله ، (ويبغونها عوجا) أي : يطلبونها زيغا وميلا .( وهم بالآخرة كافرون ) منكرون لها .
{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)}
قوله:(وبينهما حجاب) بين أهل الجنة وبين أهل النار حجاب، وهو السور الذي ذكر الله في قوله: " فضرب بينهم بسور له باب " ( الحديد ، 13 ) .
قوله: ( وعلى الأعراف ) والأعراف السور الذي بين الجنة والنار، جمع عرف ، وهو اسم للمكان المرتفع ، ومنه عرف الديك لارتفاعه عما سواه من جسده . (رجال ) هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة ، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار ، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء ، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته ، وهم آخر من يدخل الجنة. (يعرفون كلا بسيماهم) يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم وأهل النار بسواد وجوههم. (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم) أي: إذا رأوا أهل الجنة قالوا سلام عليكم، (لم يدخلوها) يعني: أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة ، (وهم يطمعون) في دخولها، وما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة بهم .
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)}
قوله:( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ) وإذا حُوِّلت أبصار أصحاب الأعرافِ إلى أصحاب النار، وشاهدوا ما هم فيه من العذاب الشديد، قالوا داعين الله ، ( قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) مع الكافرين .
{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)}
قوله:(ونادى أصحاب الأعراف رجالا ) كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار، (يعرفونهم بسيماهم )بسواد وجوههم، ( قالوا ما أغنى عنكم جمعكم) في الدنيا من المال والولد، (وما كنتم تستكبرون ) عن الإيمان .
{أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (49)}
يقول أهل الأعراف للمشركين: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ) أي: حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة . ثم تقول الملائكةُ لأهل الأعراف: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ). لا خوف عليكم فيما تستقبلونه، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من حظوظ الدنيا لما لقيتم من النعيم المقيم.
{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)}
قوله: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا) أي: صبوا، (علينا من الماء أو مما رزقكم الله) أي: أوسعوا علينا مما رزقكم الله من طعام الجنة ، (قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) بسبب كفرهم.
{الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)}
قوله: ( الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ) هؤلاء الكافرون الذين صيروا دينهم باطلا ولهوا من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والمكاء والتصدية حول البيت، وسائر الخصال الذميمة ، التي كانوا يفعلونها في الجاهلية ، ( وغرتهم الحياة الدنيا ) وخدعتهم الحياة الدنيا بزخرفها (فاليوم ننساهم ) نتركهم في النار ، ( كما نسوا لقاء يومهم هذا ) أي : كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا ، ( وما كانوا بآياتنا يجحدون ) وبسبب إنكارهم للآيات الدالة على قدرتنا.
{وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)}
قوله: (ولقد جئناهم بكتاب) يعني : القرآن (فصلناه) بيناه ، (على علم) منا لما يصلحهم ، (هدى ورحمة ) أي : جعلنا القرآن هاديا وذا رحمة ، ( لقوم يؤمنون ) يؤمنون بالله ويعترفون بأياته.
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)}
قوله:( هل ينظرون ) أي : هل ينتظرون ، ( إلا تأويله ) هل ينتظرون إلا ما يئول إليه أمرهم في العذاب ومصيرهم إلى النار . ( يوم يأتي تأويله ) أي: جزاؤه وما يئول إليه أمرهم ، ( يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ) اعترفوا به حين لا ينفعهم الاعتراف ، ( فهل لنا ) اليوم ، ( من شفعاء فيشفعوا لنا) ليت لنا وسطاء يشفعون لنا عند الله ليعفينا من العذاب( أو نرد ) إلى الدنيا ، ( فنعمل غير الذي كنا نعمل) من السيئات ( قد خسروا أنفسهم ) أهلكوها بالعذاب ، ( وضل عنهم ) وبطل ( ما كانوا يفترون ) يدعون.
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)}
قوله تعالى : (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) أراد به في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها ، ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء، (ثم استوى على العرش) استقر، والاستواء على العرش صفة لله تعالى ، بلا كيف ، يجب على الرجل الإيمان به ، ويكل العلم فيه إلى الله .(يغشي الليل النهار) يأتي الليل على النهار فيغطيه ، وفيه حذف أي: ويغشي النهار الليل ، ولم يذكره لدلالة الكلام عليه، (يطلبه حثيثا) سريعا. (والشمس والقمر والنجوم مسخرات) خلق هذه الأشياء مسخرات، مذللات ( بأمره ألا له الخلق والأمر) له الخلق لأنه خلقهم وله الأمر ، يأمر في خلقه بما يشاء .(تبارك الله) تعالى الله وتعظم. ( رب العالمين ) رب الخلق أجمعين.
{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)}
قوله:( ادعوا ربكم تضرعا ) تذللا واستكانة ، ( وخفية ) أي سرا . ( إنه لا يحب المعتدين ) المتجاوزين لحدوده في الدعاء، ومن أعظم التجاوز لحدوده في الدعاء دعاء غيره معه كما يفعل المشركون.
{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56)}
قوله:( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) أي لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة ، والدعاء إلى طاعة الله ( وادعوه خوفا وطمعا ) خوفا منه ومن عذابه ، وطمعا فيما عنده من مغفرته وثوابه . ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) أي: ثوابه قريب من المحسنين، فكونوا منهم.
{وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)}
قوله تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا) تبشر بالمطر بدليل قوله: (الرياح مبشرات) [الروم:46] ،( بين يدي رحمته) أي: قدام المطر. (حتى إذا أقلت) حملت الرياح ( سحابا ثقالا ) بالمطر، ( سقناه لبلد ميت ) إلى بلد مجدب ، ( فأنزلنا به الماء ) بذلك البلد المجدب المحتاج إلى المطر، ( فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى) استدل بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى ، ( لعلكم تذكرون) رجاء أنكم تتذكرون قدرة الله وبديع صنعه، وأنه قادر على إحياء الموتى.
{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)}
قوله: ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ) هذا مثل ضربه الله - عز وجل - للمؤمن والكافر فمثل المؤمن مثل البلد الطيب ، يصيبه المطر فيخرج نباته بإذن ربه ، (والذي خبث) يريد الأرض السبخة التي (لا يخرج) نباتها ، ( إلا نكدا) أي: عسرا قليلا بعناء ومشقة . فالأول: مثل المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله وانتفع به ، والثاني : مثل الكافر الذي يسمع القرآن فلا يؤثر فيه ، كالبلد الخبيث الذي لا يتبين أثر المطر فيه ( كذلك نصرف الآيات ) نبينها ، ( لقوم يشكرون ) نعم الله، فلا يكفرونها، ويطيعون ربهم.
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)}
قوله تعالى: ( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ) لقد بعثنا نوحًا رسولًا إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله، وترك عبادة غيره، ( فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ) اعبدوا الله وحده، فليس لكم معبود بحق غيره، (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إني أخشى عليكم -يا قوم- عذابَ يوم عظيم في حال إصراركم على الكفر.
{قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (60)}
قوله:(قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ) قال له سادة قومه وكبراؤهم، ( إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ) إنا لنراك -يا نوح - في بعد عن الصواب ( مُّبِينٍ) واضح.
{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61)}
قوله:(قال يا قوم ليس بي ضلالة ) قال نوح لكبراء قومه: لست ضالًّا كما زعمتم، وإنما أنا على هدى من ربي، ( لكني رسول من رب العالمين ) فأنا رسول إليكم من الله ربي وربكم ورب العالمين كلهم.
{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)}
قوله:( أبلغكم رسالات ربي ) أبلِّغكم ما أرسلني الله به إليكم مما أوحى إلي، (وأنا لكم ناصح أمين) أريد لكم الخير بترغيبكم في امتثال أمر الله وما يترتب عليه من ثواب، وترهيبكم من ارتكاب نواهيه وما يترتب عليه من العقاب، (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وأعلم من الله سبحانه ما لا تعلمون مما علمني عن طريق الوحي.
{أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)}
قوله:(أوعجبتم) ألف استفهام دخلت على واو العطف، (أن جاءكم ذكر من ربكم) موعظة. (على رجل منكم لينذركم) عذاب الله إن لم تؤمنوا، (ولتتقوا) أي: لكي تتقوا الله، (ولعلكم ترحمون) لكي ترحموا .
{فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)}
قوله:(فكذبوه) يعني: كذبوا نوحا، (فأنجيناه) من الطوفان، (والذين معه في الفلك) في السفينة، (وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين) عموا عن الحق والإيمان.
{۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65)}
قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا) أي: وأرسلنا إلى قبيلة عاد - وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام - ، وهي عاد الأولى " أخاهم " في النسب لا في الدين " هودا " ، وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص ، ( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) اعبدوا الله وحده، فليس لكم معبود بحق غيره( أفلا تتقون ) أفلا تخافون نقمته بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؟
{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)}
قوله:(قال الملأ الذين كفروا من قومه) قال الكبراء والسادة من قومه الذين كفروا بالله وكذبوا رسله، (إنا لنراك ) يا هود، (في سفاهة) في حمق وجهالة، (وإنا لنظنك من الكاذبين) فيما تدعيه من أنك مرسل تدعونا إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام .
{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (67)}
قوله: (قال) هود ، ( يا قوم ليس بي سفاهة ) ليس بي حمق وطيش،(ولكني رسول من رب العالمين ) بل إني رسول من رب الخلق أجمعين.
{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)}
قوله:(أبلغكم رسالات ربي) أبلغكم ما أمرني الله بتبليغه إليكم من توحيده، وشرعه (وأنا لكم ناصح) فيما أمرت بتبليغه( أمين) لا أزيد فيه ولا أنقص.
{أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)}
قوله:( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم) أوَأَثار عجبكم واستغرابكم أن جاءكم تذكير من ربكم على لسان رجل من جنسكم، ليس من جنس الملائكة أو الجن لينذركم؟! ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) واحمدوا ربكم واشكروه على أن مَكَّن لكم في الأرض، وجعلكم تخلفون قوم نوح الذين أهلكهم الله بكفرهم، (وزادكم في الخلق بسطة ) أي: طولا وقوة.(فاذكروا آلاء الله) نعم الله، (لعلكم تفلحون) تفوزوا بالمطلوب، وتنجوا من المرهوب.
{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)}
قوله:(قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ ) قال قومه له: أجئتنا -يا هود- لتأمرنا بعبادة الله وحده، ولنترك ما كان يعبده آباؤنا؟ (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت صادقًا فيما تدعيه.
{قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (71)}
قوله:(قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ) فرد عليهم هود قائلًا: لقد استوجبتم عذاب الله وغضبه فهو واقع بكم لا محالة، (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ) أتجادلونني في أصنام سمَّيتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وليس لها حقيقة؟! (فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ) فانتظروا ما طلبتم تعجيله لكم من العذاب، وأنا معكم من المنتظرين، فهو واقع.
{فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)}
قوله: (فأنجيناه) يعني هودا عند نزول العذاب، (والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا) أي : استأصلناهم وأهلكناهم عن آخرهم، (وما كانوا مؤمنين) بل كانوا مكذبين، فاستحقوا العذاب.
{وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)}
قوله: (وإلى ثمود أخاهم صالحا) وهو ثمود بن عابر ابن إرم بن سام بن نوح، وأراد هاهنا القبيلة .(أخاهم صالحا) أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب، لا في الدين صالحا ، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماشيح ابن عبيد بن خادر بن ثمود، ( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم) حجة من ربكم على صدقي، (هذه ناقة الله) أضافها إليه على التفضيل والتخصيص، كما يقال بيت الله، وهي ناقة تخرج من صخرة، (لكم آية) واضحة من الله على صدق ما جئتكم به، (فذروها تأكل في أرض الله) العشب، (ولا تمسوها بسوء) لا تصيبوها بعقر، (فيأخذكم عذاب أليم ) فيصيبكم بسبب إيذائها عذاب موجع.
{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)}
قوله: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد) تذكروا نعمة الله عليكم حين أخلفكم قوم عاد، (وبوأكم في الأرض ) أسكنكم وأنزلكم، (تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا) تبنون في سهول الأرض القصور، وتقطعون الجبال لتصنعوا بيوتًا لكم ، ( فاذكروا آلاء الله ) فاذكروا نعم الله عليكم لتشكروا الله عليها،(ولا تعثوا ، في الأرض مفسدين ) العيث: أشد الفساد . والمعنى: واتركوا السعي في الأرض بالفساد، وذلك بترك الكفر بالله وترك المعاصي.
{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75)}
قوله: (قال الملأ) السادة والكبراء( الذين استكبروا من قومه ) الذين تعظموا عن الإيمان بصالح ، ( للذين استضعفوا ) يعني الأتباع ، ( لمن آمن منهم ) للمؤمنين ، ( أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ) إليكم ، ( قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون ) فأجابهم المؤمنون المستضعفون: إنا بالذي أرسل به صالح إلينا مصدقون ومقرّون ومنقادون، وبشرعه عاملون
{قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ (76)}
قوله ( قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ) جاحدون .
{فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)}
قوله:( فعقروا الناقة ) العقر هو قطع عرقوب البعير ، ثم جعل النحر عقرا لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره ، ( وعتوا عن أمر ربهم ) والعتو الغلو في الباطل ، يقال : عتا يعتو عتوا : إذا استكبروا ، والمعنى : عصوا الله وتركوا أمره في الناقة وكذبوا نبيهم . ( وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ) أي : من العذاب ، ( إن كنت من المرسلين ) من رسل الله حقًّا.
{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)}
قوله:( فأخذتهم الرجفة ) وهي زلزلة الأرض، وأهلكوا بالصيحة، التي بلغت الغاية في الشدة والهول، قال تعالى ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ) (الحجر:83) .
(فأصبحوا في دارهم) أراد في أرضهم وبلدتهم، ولذلك وَحَّد الدار، (جاثمين) خامدين ميتين .
{فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)}
قوله:(فتولى عنهم) فأعرض صالح عليه السلام عن قومه بعد اليأس من استجابتهم،، (وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم) لقد أوصلت لكم ما أمرني الله بتبليغه إليكم، ونصحتكم مرغِّبًا لكم ومرهِّبًا،( ولكن لا تحبون الناصحين ) ولكنكم قوم لا تحبون الناصحين الحريصين على دلالتكم على الخير وإبعادكم عن الشر.
{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (80)}
قوله تعالى: (ولوطا) أي: وأرسلنا لوطا، وهو، ابن أخي إبراهيم عليه السلام ، وهو من أرض بابل سافر مع عمه إبراهيم عليهما السلام مؤمنا به مهاجرا معه إلى الشام ، فنزل إبراهيم فلسطين وأنزل لوطا الأردن، ( إذ قال لقومه) وهم أهل سدوم، فقال لهم: ( أتأتون الفاحشة ) يعني: إتيان الذكران، ( ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) هذه الفعلة التي ابتدعتموها، فلم يسبقكم إلى ارتكابها أحد!
{إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81)}
قوله:( إنكم لتأتون الرجال ) في أدبارهم ، ( شهوة من دون النساء ) تلك الفاحشة أشهى عندكم من فروج النساء ، (بل أنتم قوم مسرفون ) مجاوزون الحلال إلى الحرام .
{وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)}
قوله : (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا) وما كان ردَّ قومه المرتكبين لهذه الفاحشة عما أنكره عليهم إلا أن قالوا معرضين عن الحق: (أخرجوهم) يعني: لوطا وأتباعه ، (من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) يتنزهون عن عملنا هذا.
{فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83)}
قوله: (فأنجيناه وأهله) فسلمناه وابنتاه حيث أمرناهم بالخروج ليلا من القرية التي سيقع عليها العذاب، ( إلا امرأته كانت من الغابرين ) من الهالكين، فقد شملها العذاب؛ لأنها بقيت معهم فأصابها ما أصابهم من العذاب.
{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)}
قوله: (وأمطرنا عليهم مطرا) رميناهم بحجارة من طين، وقلبنا القرية، فجعلنا عاليها سافلها، (فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) فتأمل -أيها الرسول- كيف كان عاقبة قوم لوط المجرمين؟ فقد كانت عاقبتهم الهلاك والخزي الدائم.
{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85)}
قوله تعالى: ( وإلى مدين أخاهم شعيبا ) أي: وأرسلنا إلى قبيلة مدين - وتنسب إلى مدين بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام - وهم أصحاب الأيكة : أخاهم شعيبا في النسب لا في الدين .
( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم ) قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به .
( فأوفوا الكيل ) أتموا الكيل ، ( والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) لا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها ، ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) أي : ببعث الرسل والأمر بالعدل ، وكل نبي بعث إلى قوم فهو صلاحهم ، ( ذلكم ) الذي ذكرت لكم وأمرتكم به ، ( خير لكم إن كنتم مؤمنين ) مصدقين بما أقول .
{وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)}
قوله: (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) أي: لا تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم. (بكل صراط ) وهي الطرق، (وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا) أي : وتودون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة . (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم) أي: كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزة لكثرة عددكم ، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك ، (وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية ، ما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله .
{وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)}
قوله: (وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا) إن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مكذبين ومصدقين (فاصبروا) أي: انتظروا (حتى يحكم الله بيننا) أي: يفصل، (وهو خير الحاكمين) فإنه سيجعل العاقبة للمتقين ، والدمار على الكافرين .
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)}
قوله:(قال الملأ الذين استكبروا من قومه) يعني الرؤساء الذين تكبروا عن الإيمان به، ( لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) لترجعُنَّ إلى ديننا الذي نحن عليه ، (قال أولو كنا كارهين ) قال لهم شعِيب متعجبًا: أنتابعكم على دينكم وملَّتكم حتى لو كنا كارهين لها لِعِلْمِنا ببطلان ما أنتم عليه؟!
{قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)}
قوله:(قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ) قد اختلقنا على الله كذبًا إن نحن اعتقدنا ما أنتم عليه من شرك وكفر بعد أن سلَّمَنا الله بفضله منه،(وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ ) وما يصح ولا يستقيم لنا أن نرجع إلى ملَّتكم الباطلة إلا أن يشاء الله ربنا؛ لخضوع الجميع لمشيئته سبحانه،(وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ ) أحاط ربنا بعلم كل شيء، لا يخفى عليه منه شيء،(عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ ) على الله وحده اعتمدنا ليثبتنا على الصراط المستقيم، ويعصمنا من طرق الجحيم، (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) يا ربنا، احكم بيننا وبين قومنا الكافرين بالحق، فانصر صاحب الحق المظلوم على الظالم المعاند، فأنت -يا ربنا- خير الحاكمين.
{وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (90)}
قوله:( وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا ) وتركتم دينكم ، ( إنكم إذا لخاسرون ) لهالكون.
{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)}
قوله:(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) الزلزلة الشديدة، (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) فأصبحوا هَلْكى في ديارهم، منكبّين على ركبهم ووجوههم، ميتين هامدين في دارهم.
{الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)}
قوله: (الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ) أي: لم يقيموا ولم ينزلوا فيها ويتنعموا فيها. (الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ) لا المؤمنين كما زعموا.
{فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)}
قوله:( فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ) أعرض عنهم نبيهم شعيب عليه السلام لَمَّا أتاهم العذاب، وقال مخاطبًا إياهم، (وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم )يا قوم، لقد أبلغتكم ما أمرني ربي بإبلاغه إليكم، ونصحت لكم فلم تقبلوا نصحي، ولم تنقادوا لإرشادي ( فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ ) فكيف أحزن على قوم كافرين بالله، مصرين على كفرهم .
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)}
قوله : ( وما أرسلنا في قرية من نبي ) فيه إضمار ، يعني : فكذبوه ، ( إلا أخذنا ) عاقبنا ( أهلها ) حين لم يؤمنوا ، ( بالبأساء والضراء) البأساء : الفقر ، والضراء: المرض (لعلهم يضرعون) لكي يتضرعوا فيتوبوا .
{ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)}
قوله: (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة) مكان البأساء والضراء النعمة والسعة والخصب والصحة، (حتى عفوا) أي: كثروا وازدادوا ، وكثرت أموالهم (وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) أي: هكذا كانت عادة الدهر قديما لنا ولآبائنا، ولم يكن ما مسنا من الضراء عقوبة من الله، بل عادة مطَّردة أصابت أسلافنا من قبل، ولم يدركوا أن ما أصابهم من نقم يراد به الاعتبار، وما أصابهم من نعم يرادب به الاستدراج، (فأخذناهم بغتة ) فجأة ( وهم لا يشعرون ) بالعذاب ولا يترقبونه.
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)}
قوله:(ولو أن أهل القرى) أهل هذه القرى التي أرسلنا إليها رسلنا( آمنوا واتقوا) ربهم بترك الكفر، وامتثال أوامره (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) يعني: المطر من السماء والنبات من الأرض، ورفعنا عنهم القحط والجدب، (ولكن كذبوا) فلم يؤمنوا بما جاءت به رسلهم، (فأخذناهم بما كانوا يكسبون) من الآثام والذنوب.
{أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97)}
قوله:( أفأمن أهل القرى) الذين كفروا وكذبوا، يعني: أهل مكة وما حولها، (أن يأتيهم بأسنا) عذابنا، (بياتا ) ليلا ( وهم نائمون ) في غفلتهم، وغرتهم وراحتهم.
{أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98)}
قوله:( أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى ) أي : نهارا ، والضحى : صدر النهار ، ووقت انبساط الشمس ، ( وهم يلعبون ) وهم لاهون غافلون؛ لانشغالهم بدنياهم.
{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)}
قوله:(أفأمنوا مكر الله) مكر الله استدراجه إياهم بما أنعم عليهم في دنياهم، (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) الهالكون .
{أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100)}
قوله:(أولم يهد) أولم يبين، (للذين يرثون الأرض من بعد) هلاك (أهلها) الذين كانوا فيها قبلهم (أن لو نشاء أصبناهم) أي: أخذناهم وعاقبناهم، (بذنوبهم) كما عاقبنا من قبلهم، (ونطبع) نختم (على قلوبهم فهم لا يسمعون ) الإيمان ولا يقبلون الموعظة .
{تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)}.
قوله: {تِلْكَ الْقُرَى} الذين تقدم ذكرهم {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا} ما يحصل به عبرة للمعتبرين، وازدجار للظالمين، وموعظة للمتقين. {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي: ولقد جاءت هؤلاء المكذبين رسلهم تدعوهم إلى ما فيه سعادتهم، وأيدهم اللّه بالمعجزات الظاهرة، والبينات المبينات للحق بيانا كاملا، ولكنهم لم يفدهم هذا، ولا أغنى عنهم شيئا، {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ} أي: بسبب تكذيبهم وردهم الحق أول مرة، ما كان ليهديهم للإيمان، جزاء لهم على ردهم الحق، {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} عقوبة منه. وما ظلمهم اللّه ولكنهم ظلموا أنفسهم.
{وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)}
قوله:(وما وجدنا لأكثرهم من عهد) أي: وفاء بالعهد الذي عاهدهم يوم الميثاق، حين أخرجهم من صلب آدم ( وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) أي : ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين ناقضين للعهد .
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)}
قوله: (ثم بعثنا من بعدهم) أي: من بعد نوح وهود وصالح وشعيب، (موسى بآياتنا) بأدلتنا ، (إلى فرعون وملئه ) وقومه ( فظلموا بها ) فجحدوا بها، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، فظلمهم وضع الكفر موضع الإيمان ، (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) فتأمل أيها الرسول كيف كانت عاقبة فرعون وقومه ، فقد أهلكهم الله بالغرق.
{وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (104)}
قوله: (وقال موسى) لما دخل على فرعون، (يا فرعون إني رسول من رب العالمين) أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه.
{حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)}
قوله: (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ) أي : أنا خليق بأن لا أقول على الله إلا الحق، (قد جئتكم ببينة من ربكم) بحجة واضحة تدل على صدقي، وأني مرسل من ربي إليكم ، (فأرسل معي بني إسرائيل) فأطلق معي بني إسرائيل مما كانوا فيه من الأسر والقهر .
{قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106)}
قوله: (قال) أي: فرعون لموسى، (إن كنت جئت بآية فأت بها) إن كانت معك حجة فأظهرها لنراها، (إن كنت من الصادقين ) ، إن كنت صادقا فيما ادعيت .
{فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (107)}
قوله:(فألقى) فرمى موسى (عصاه) من يده ،( فإذا هي ثعبان مبين ) فتحولت حية عظيمة ظاهرة لمن يشاهدها .
{وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)}
قوله: (ونزع يده) وأخرج يده وأظهرها من فتحة قميصه من عند صدره ، (فإذا هي بيضاء للناظرين)، فخرجت بيضاء من غير سوء تتلألأ للناظرين؛ لشدة بياضها، وكان موسى، عليه السلام، آدم اللون.
{قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109)}
قوله:(قال الملأ من قوم فرعون) وقال الكبراء والرؤساء لما شاهدوا انقلاب عصا موسى حية وصيرورة يده بيضاء من غير سوء: (إن هذا لساحر عليم) ليس موسى إلا ساحرًا قوي العلم بالسحر.
{يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110)}
قوله: ( يريد أن يخرجكم ) يا معشر القبط ، ( من أرضكم ) مصر ، ( فماذا تأمرون ) فاستشارهم فرعون بشأن موسى عليه السلام قائلًا لهم: ماذا تشيرون به عليَّ من الرأي؟
{قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111)}
قوله: (قَالُوا) لفرعون: (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ)أَخِّرْ موسى وأخاه هارون، (وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ)وابْتَعِث في مدائن مصر من يجمع السحرة فيها.
{يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)}
قوله:(يَأْتُوكَ) يَأْتِكَ هؤلاء الذين أرسلتهم لجمع السحرة من المدائن ( بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) بكل ساحر ماهر بالسحر قوي في صناعته.
{وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113)}
قوله: (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا) فبعث فرعون من يجمع السحرة، فلما جاء السحرة فرعون سألوه:(إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) هل لهم مكافاة إن غلبوا موسى بسحرهم وانتصروا عليه؟
{قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)}
قوله:( قال ) فرعون ( نعم ) لكم مكافأة ، وفق ذلك (وإنكم لمن المقربين ) وستكونون من القريبين بالمناصب.
{قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115)}
قوله:(قَالُوا يَا مُوسَىٰ) قال السحرة واثقين بنصرهم على موسى باستعلاء وتكبر:( إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) اختر -يا موسى- ما شئت من ابتدائك بإلقاء ما تريد إلقاءه أو ابتدائنا بذلك.
{قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)}
قوله:(قَالَ أَلْقُوا ۖ )فأجابهم موسى واثقًا بنصر ربه له غير مبال بهم: ارموا حبالكم وعصيكم، (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ) بصرفها عن صحة إدراكها، (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ)ورَعَبُوهم، (وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) وجاؤوا بسحر قوي في أعين الناظرين.
وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)}
قوله:(وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ) وأوحى الله إلى نبيه وكليمه موسى عليه السلام:(أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ) أن ارم -يا موسى- عصاك، فرماها، (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) فانقلبت العصا حية تبتلع حبالهم وعصيهم التي كانوا يستعملونها في قلب الحقائق، وإيهام الناس أنها حيات تسعى.
{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118)}
قوله: (فَوَقَعَ الْحَقُّ) فظهر الحق وتبين صدق ما جاء به موسى عليه السلام، (وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وتبين بطلان ما صنعه السحرة من السحر.
{فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119)}
قوله: (فَغُلِبُوا هُنَالِكَ) فَغُلِبُوا وهُزِموا، وانتصر موسى عليهم في ذلك المشهد، (وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ)ورجعوا أذلاء مقهورين.
{وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)}
قوله: ( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ) ألقاهم الله . وألهمهم الله أن يسجدوا فسجدوا . ومن سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا .(سَاجِدِينَ) فما كان من السحرة حين شاهدوا عظيم قدرة الله، ورأوا الآيات البينات، إلا أن خرُّوا سُجَّدًا له سبحانه وتعالى.
{قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ (122)}
قوله: (قَالُوا) قال السحرة: (آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) آمنا برب الخلق أجمعين. {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} رب موسى وهارون عليهما السلام، فهو المستحق للعبادة دون غيره من الآلهة المزعومة.
{قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)}
قوله: (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ ) قال لهم فرعون متوعدًا إياهم بعد إيمانهم بالله وحده: صدَّقتم بموسى قبل أن آذن لكم؟ (إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ) إن إيمانكم به وتصديقكم لِمَا جاء به موسى لخدعة ومكيدة دبَّرتموها أنتم وموسى لإخراج أهل المدينة منها، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) فسوف تعلمون - أيها السحرة - ما يحل بكم من عقاب وما يصيبكم من نكال.
{لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)}
قوله: (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) وهو أن يقطع من كل شق طرفا ، (ثم لأصلبنكم أجمعين) ثم لأعلقنَّكم جميعًا على جذوع النخل تنكيلًا بكم وترهيبًا لكل من يشاهدكم على هذه الحالة.
{قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (125)}
قوله: (قالوا) السحرة لفرعون، (إنا إلى ربنا منقلبون) راجعون في الآخرة، فلا نبالي بما تتوعد به.
{وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)}
قوله:(وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ ) ولست تنكر منا وتجد علينا -يا فرعون- إلا تصديقنا بآيات ربنا لَمَّا جاءتنا على يد موسى،(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) يا ربنا، صُبَّ علينا الصبر حتى يغمرنا لنثبت على الحق، أَمِتْنَا مسلمين لك، منقادين لأمرك، متبعين لرسولك.
{وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)}
قوله:(وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ) وقال السادة والكبراء من قوم فرعون لفرعون، محرضين إياه على موسى ومن معه من المؤمنين: أتترك -يا فرعون- موسى وقومه ، (لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) لينشروا الفساد في الأرض؛ بمخالفتك، (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ) ويتركك أنت وآلهتك، ويدعو إلى عبادة الله وحده؟! (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) قال فرعون: سَنُقَتِّلُ أبناء بني إسرائيل الذكور، ونستبقي نساءهم للخدمة، وإنا مستعلون عليهم بالقهر والغلبة والسلطان.
{قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)}
قوله: (قال موسى لقومه) موصيًا إياهم، ( استعينوا بالله واصبروا ) اطلبوا العون من الله وحده في دفع الضر عنكم وجلب النفع إليكم، واصبروا على ما أنتم فيه من الابتلاء، ( إن الأرض لله ) يعني: أرض مصر ، (يورثها ) يعطيها ( من يشاء من عباده ) والله يداولها بين الناس حسب مشيئته، (والعاقبة للمتقين ) العاقبة الحسنة في الأرض للمؤمنين الذين يلتزمون أوامر ربهم ، ويجتنبون نواهيه.
{قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)}
قوله: (قَالُوا أُوذِينَا) إنا أوذينا ، (من قبل أن تأتينا) بالرسالة بقتل الأبناء، (ومن بعد ما جئتنا) بإعادة القتل علينا، (قال) موسى (عسى ربكم أن يهلك عدوكم) فرعون، (ويستخلفكم في الأرض) ويمكن لكم في أرض فلسطين بعد تحريرها من الجبابرة ، (فينظر كيف تعملون) ما تعملون بعد ذلك من شكر أو كفر حيث طلب منهم موسى عليه السلام تحرير أرض فلسطين من الجبابرة فأبوا فعاقبهم الله بالتيه في أرض سيناء أربعين سنة حتى مات موسى وهارون ثم دخل بهم يوشع بن نون عليه السلام وحررها.
{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)}
قوله: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ) أي : بالجدب والقحط .، (ونقص من الثمرات) والغلات بالآفات والعاهات ، (لعلهم يذكرون) أي : يتعظون وذلك لأن الشدة ترقق القلوب وترغبها فيما عند الله .
{فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)}
قوله: (فإذا جاءتهم الحسنة) يعني: الخصب والسعة والعافية، (قالوا لنا هذه) أي: نحن أهلها ومستحقوها ، (وإن تصبهم سيئة) جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون، (يطيروا) يتشاءموا، (بموسى ومن معه) وقالوا: ما أصابنا بلاء حتى رأيناهم ، فهذا من شؤم موسى وقومه . ( ألا إنما طائرهم عند الله) بتقدير من الله سبحانه ، ( ولكن أكثرهم لا يعلمون )، فينسبونه إلى غير الله.
{وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)}
قوله: (وقالوا) يعني: قوم فرعون لموسى عليه السلام عنادًا للحق: (مهما تأتنا به من آية) من حجة أقمتها على بطلان ما عندنا لتصرفنا عنه، وعلى صدق ما جئت به؛ (لتسحرنا بها) لتنقلنا عما نحن عليه من الدين ، ( فما نحن لك بمؤمنين ) بمصدقين .
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (133)}
قوله:(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ) فأرسلنا عليهم الماء الكثير عقابًا لهم على تكذيبهم وعنادهم، فأغرق زروعهم وثمارهم، (وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ)وأرسلنا عليهم الجراد فأكل محاصيلهم، وأرسلنا عليهم دويبة تسمى القمل تؤذي الإنسان في شعره، وأرسلنا عليهم الضفادع فملأت أوعيتهم، وأفسدت أطعمتهم، وأرّقَتْ مضاجعهم، وأرسلنا عليهم الدم فتحولت مياه آبارهم وأنهارهم دمًا، أرسلنا كل ذلك آيات مُبَيَّنَاتٍ مفرقات يتبع بعضها بعضًا، (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) ومع كل ما أصابهم من العقوبات استعلوا عن الإيمان بالله والتصديق بما جاء به موسى عليه السلام، وكانوا قومًا يرتكبون المعاصي، ولا ينزعون عن باطل، ولا يهتدون إلى حق.
{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)}
قوله: (ولما وقع عليهم الرجز) أي: نزل بهم العذاب
( قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ) بما اختصك به من النبوة، وبما عهد إليك من رفع العذاب بالتوبة أن يرفع عنا ما أصابنا من العذاب، .( لئن كشفت عنا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) فإن رفعت عنا ذلك لنؤمنن لك ( ولنرسلن معك بني إسرائيل )، ولنرسلن معك بني إسرائيل، ونطلقهم.
{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (135)}
قوله:(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ ) فلما رفعنا عنهم العذاب إلى مدة معلومة قبل إهلاكهم بالغرق (إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ)إذا هم ينقضون ما أخذوه على أنفسهم من التصديق وإرسال بني إسرائيل، فاستمروا على كفرهم، وامتنعوا من إرسال بني إسرائيل مع موسى عليه السلام.
{فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)}
قوله: ( فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ) يعني: البحر (بأنهم كذبوا بآياتنا) بسبب تكذيبهم بآيات الله (وكانوا عنها غافلين ) معرضين عما دلت عليه من الحق.
{وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)}.
قوله:(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) وأورثنا بني إسرائيل الذين كان يستذلهم فرعون وقومه، (مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ ) المقصود بذلك بلاد الشام، هذه البلاد التي بارك الله فيها بإخراج زروعها وثمارها على أكمل ما يكون، (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا)، وتمت كلمة ربك -أيها الرسول- الحسنى وهي المذكورة في قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5]، فَمَكَّنَ الله لهم في الأرض بسبب صبرهم على ما أصابهم من أذى فرعون وقومه، (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)، ودمرنا ما كان يصنع فرعون من المزارع والمساكن، وما كانوا يبنون من القصور.
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)}
قوله: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ )وَعَبَرنا ببني إسرائيل البحر لَمَّا ضربه موسى بعصاه فانفلق، (فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ) فمرّوا على قوم يقيمون على عبادة أصنام لهم يعبدونها من دون الله،(قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) فقال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: يا موسى، اجعل لنا صنمًا نعبده كما لهؤلاء أصنام يعبدونها من دون الله، (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) قال لهم موسى: يا قوم، إنكم قوم تجهلون ما يجب لله من تعظيم وتوحيد، وما لا يليق به من شرك وعبادة لغيره.
{إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)}
قوله: ( إن هؤلاء متبر ما هم فيه ) مهلك ، والتتبير الإهلاك ، ( وباطل ما كانوا يعملون ) وباطل جميع ما كانوا يعملون من طاعة لإشراكهم في العبادة مع الله غيره.
{قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)}
قوله:(قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا )قال موسى لقومه: يا قوم، كيف أطلب لكم إلهًا غير الله تعبدونه، وقد شاهدتم من آياته العظام ما شاهدتم، (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) وهو سبحانه وتعالى فضَّلكم على العالمين في زمانكم بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم، واستخلافكم في الأرض، والتمكين لكم فيها؟!
{وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)}
قوله:(وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ ) واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أنجيناكم بإنقاذكم من استذلال فرعون وقومه لكم، (يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ )إذ كانوا يذيقونكم أنواع الهوان من تقتيل أبنائكم الذكور، واستبقاء نسائكم للخدمة، (وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) وفي إنقاذكم من فرعون وقومه اختبار عظيم من ربكم يقتضي منكم الشكر.
وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142))
قوله:(وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ)وواعد الله رسوله موسى لمناجاته ثلاثين ليلة، ثم أكملها الله بزيادة عشر، فصارت أربعين ليلة،( وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) كن خليفة لي في قومي، وأصلح أمرهم بحسن السياسة والرفق بهم، (وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)ولا تسلك طريق المفسدين بارتكاب المعاصي، ولا تكن معينًا للعصاة.
{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)}
قوله: (ولما جاء موسى لميقاتنا) أي: للوقت الذي ضربنا له أن نكلمه فيه من الأوامر والنواهي وغيرها،(قال رب أرني أنظر إليك): أرني نفسك أنظر إليك، وقد هاجت نفسه عليه السلام لرؤيا ربه. (قال) الله تعالى (لن تراني ) لأنه ليس لبشر أن يطيق النظر إليَّ في الدنيا، (ولكن انظر إلى الجبل ) وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير، ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) : ظهر نور ربه للجبل ، جبل زبير فساخ في الأرض، (وخر موسى صعقا): مغشيا عليه.(فلما أفاق) موسى من صعقته وثاب إليه عقله عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له (قال سبحانك تبت إليك) عن سؤال الرؤية (وأنا أول المؤمنين) من قومي .
{قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (144)}
قوله:(قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس) اخترتك على الناس وفضلتك، ( برسالاتي وبكلامي ) حين أرسلتك إليهم، وفضَّلتك بكلامي لك دون واسطة، ( فخذ ما آتيتك) أعطيتك (وكن من الشاكرين) لله على هذا العطاء العظيم .
{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)}
قوله: (وكتبنا له) يعني لموسى، (في الألواح) ألواح التوراة (من كل شيء) مما أمروا به ونهوا عنه، (موعظة ) نهيا عن الجهل، وحقيقة الموعظة: التذكرة والتحذير بما يخاف عاقبته، (وتفصيلا لكل شيء) أي : تبيينا لكل شيء من الأمر والنهي، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام . (فخذها بقوة) أي : بجد واجتهاد ، وبقوة القلب وصحة العزيمة ، لأنه إذا أخذه بضعف النية أداه إلى الفتور، (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) يحلوا حلالها ، ويحرموا حرامها ، ويتدبروا أمثالها ، ويعملوا بمحكمها (سأريكم دار الفاسقين) . منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا.
{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)}.
قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي) سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها عقوبةً لهم (الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي (وإن يروا) يعني : هؤلاء المتكبرين (كل آية) دالة على قدرتي وتستوجب الإيمان بي (لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد): الرشد - بالضم - الصلاح في الأمر، (لا يتخذوه) لأنفسهم ( سبيلا )طريقا (وإن يروا سبيل الغي ) أي طريق الضلال ( يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) ذلك الذي أصابهم إنما أصابهم لتكذيبهم بآيات الله العظيمة الدالة على صدق ما جاء به الرسل، ولغفلتهم عن النظر فيها، والاتعاظ بها.
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)}
قوله - عزَّ وجلَّ- : (والذين كذبوا بآياتنا) الدالة على صدق رسلنا، (ولقاء الآخرة) أي: ولقاء الدار الآخرة التي هي موعد الثواب والعقاب، (حبطت أعمالهم ) بطلت أعمالهم التي هي من جنس الطاعات، فلا يُثَابون عليها لفقد شرطها الذي هو الإيمان، (هل يجزون) في العقبى (إلا ما كانوا) أي إلا جزاء ما كانوا (يعملون) في الدنيا.
{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)}
قوله: (واتخذ قوم موسى من بعده) أي : بعد انطلاقه إلى الجبل (من حليهم) التي استعاروها من قوم فرعون ، واتخذ السامري منها (عجلا جسدا له خوار) لا روح فيه وله صوت البقر، (ألم يروا) ألم يعلموا أن هذا العجل الذين عبدوا (أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا) لا يكلمهم، ولا يرشدهم إلى طريق خيرٍ حسيّ أو معنويّ، ولا يجلب لهم نفعًا أو يكشف عنهم ضرًّا؟، (اتخذوه وكانوا ظالمين) اتخذوه معبودًا وكانوا ظالمين لأنفسهم بذلك.
{وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)}
قوله: (ولما سقط في أيديهم ) أي ندموا على عبادة العجل ، تقول العرب لكل نادم على أمر: قد سقط في يديه ، (ورأوا أنهم قد ضلوا ) عن الصراط المستقيم (قالوا لئن لم يرحمنا ربنا) يتب علينا ربنا، (ويغفر لنا) يتجاوز عنا، (لنكونن من الخاسرين ) من الذين خسروا دنياهم وآخرتهم.
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)}
قوله:(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا)ولما عاد موسى من مناجاة ربه إلى قومه ممتلئًا عليهم غضبًا وحزنا لِمَا وجدهم عليه من عبادة العجل ، (قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ )قال: بئست الحالة التي خلفتموني -يا قوم- بها بعد ذهابي عنكم؛ لِمَا تؤديه من الهلاك والشقاء، (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ)أَمللتم من انتظاري، فأقدمتم على عبادة العجل؟! (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ ) ، ورمى الألواح من شدة ما أصابه من الغضب والحزن، وأمسك برأس أخيه هارون ولحيته يسحبه إليه لبقائه معهم وعدم تغييره لِمَا رآهم عليه من عبادة العجل، (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي )قال هارون معتذرًا إلى موسى مستعطفًا إياه: يا ابن أمي، إن القوم حسبوني ضعيفًا فاستذلوني، وأوشكوا أن يقتلوني،(فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ) فلا تعاقبني بعقوبة تسرّ أعدائي، ولا (وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ولاتصيرني بسبب غضبك عليَّ في عداد الظالمين من القوم؛ بسبب عبادتهم غير الله.
{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)}
قوله:( قال ) موسى لما تبين له عذر أخيه، ( رب اغفر لي ) ما صنعت إلى أخي ، ( ولأخي ) إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل ، ( وأدخلنا ) جميعا ( في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ) أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا، وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)}
قوله تعالي: (إن الذين اتخذوا العجل) أي: اتخذوه إلها (سينالهم غضب من ربهم) الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل، هو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة ، حتى قتل بعضهم بعضا، قال تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) [ البقرة : 54 ] (وذلة في الحياة الدنيا) أي: هوانا؛ لاستهانتهم بأمر ربهم. (وكذلك نجزي المفترين ) الكاذبين.
{وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (153)}
قوله:(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ)وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ من شرك وكبائر، وصغائر ، (ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا )ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا بأن ندموا على ما مضى، وأقلعوا عنها، وعزموا على أن لا يعودوا ، (وَآمَنُوا) باللّه وبما أوجب اللّه من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا) أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات، (لَغَفُورٌ) يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قراب الأرض (رَحِيمٌ) بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
{وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)}
قوله تبارك وتعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب) أي: سكن، (أخذ الألواح) التي كان ألقاها (وفي نسختها هدى ورحمة) وفيما كتب فيها (هدى) بيان للحق ( ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) للخائفين من ربهم.
{وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)}
قوله: (واختار موسى قومه) أي: من قومه، (سبعين رجلا لميقاتنا) أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا ( فلما ) أتوا ذلك المكان قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة .
( فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أخذتهم الصاعقة فماتوا،
( قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي) تضرَّع موسى إلى ربه، فقال: يا رب، لو شئت إهلاكهم وإهلاكي معهم من قبل مجيئهم لأهلكتهم،
( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) أتهلكنا بسبب ما فعله خفاف العقول منا؟. ( إن هي إلا فتنتك ) أي : التي وقع فيها السفهاء ، لم تكن إلا اختبارك وابتلاءك ، ( تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء) أضللت بها قوما فافتتنوا ، وهديت قوما فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك ، ( أنت ولينا ) ناصرنا وحافظنا ، (فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين) الغفر هو: الستر ، وترك المؤاخذة بالذنب، (وأنت خير الغافرين) خير من غفر ذنبا وعفا عن إثم.
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)}
قوله:( واكتب لنا ) أوجب لنا ( في هذه الدنيا حسنة ) نعمة وعافية ، ( وفي الآخرة حسنة ) مغفرة وجنة ،
(إنا هدنا إليك) أي: تبنا إليك ، ( قال ) الله تعالى : (عذابي أصيب به من أشاء) من خلقي ، ( ورحمتي وسعت كل شيء) عمت كل شيء، ( فسأكتبها للذين يتقون) الَّذِينَ يَتَّقُونَ الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ( ويؤتون الزكاة) يعطون الزَّكَاةَ الواجبة مستحقيها. (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) يصدقون.
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)}
قوله:(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) الذين يتبعون محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، وهو النبي الأمِّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وإنما يوحي إليه ربه، (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ) الذي يجدون اسمه وصفاته وما أنزل إليه مكتوبًا في التوراة المُنَزَّلة على موسى عليه السلام، والإنجيل المُنَزَّل على عيسى عليه السلام، (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) يأمرهم بما عُرِف حسنه وصلاحه، وينهاهم عما عُرِف قبحه في العقول الصحيحة والفطر السليمة، (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) ويبيح لهم المُسْتَلذَّات مما لا ضرر فيه من المطاعم والمشارب والمناكح، ويحرم عليهم المُسْتَخْبثات منها، (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ) والإصر: كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل .(وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ) ويزيل عنهم التكاليف الشاقة التي كانوا يُكلّفون بها، كوجوب قتل القاتل سواء كان القتل عمدًا أم خطأ، (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فالذين آمنوا به من بني إسرائيل ومن غيرهم، وعظَّموه ووقَّروه، ونصروه على من يعاديه من الكفار، واتبعوا القرآن الذي أنزل عليه كالنور الهادي؛ أولئك هم المفلحون الذين ينالون ما يطلبونه، ويُجَنَّبُونَ ما يرهبونه.
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)}
قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم. (الذي له ملك السماوات والأرض )يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والشرعية (لا إله إلا هو يحيي ويميت ) لا معبود بحق إلا اللّه وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، ومن جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد،(فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي) إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح، ( الذي يؤمن بالله وكلماته) الذي يؤمن بالله ، وبما أنزل إليه من ربه . ( واتبعوه لعلكم تهتدون ) تفلحون
{وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)}
قوله: (ومن قوم موسى) يعني: بني إسرائيل (أمة) أي: جماعة، (يهدون بالحق) أي: يرشدون ويدعون إلى الحق. (وبه يعدلون) أي: بالحق يحكمون وبالعدل يقومون .
{وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)}
قوله - عز وجل: (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما) وقسَّمنا بني إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة، والأسباط القبائل واحدها سبط، (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه )حين طلب منه قومه أن يدعو الله أن يسقيهم ،(أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا) أن اضرب -يا موسى- بعصاك الحجر، فضربه موسى، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا بعدد قبائلهم الاثنتي عشرة(قد علم كل أناس مشربهم) قد علمت كل قبيلة منهم مَشْربها الخاص بها، فلا تشترك معها فيه قبيلة أخرى، (وظللنا عليهم الغمام) في التيه تقيهم حر الشمس، (وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ). وأنزلنا عليهم من نعمنا شرابًا حلوًا مثل العسل وطائرًا صغيرًا طيب اللحم يشبه السُّمانى، وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)وما نقصونا شيئا بما وقع منهم من الظلم وكفران النعم، وعدم تقديرها حق قدرها، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بنقص حظوظها حين أوردوها موارد الهلاك بما ارتكبوه من مخالفة أمر الله والتنكر لنعمه.
{وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161)}
قوله: ( وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ) ادخلوا بيت المقدس، (وكلوا منها حيث شئتم) وكلوا من ثمارها من أي مكان وفي أي وقت شئتم.(وقولوا حطة) وَقُولُوا حين تدخلون الباب: حِطَّةٌ أي: احطط عنا خطايانا، واعف عنا.( وادخلوا الباب سجدا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ) خاضعين لربكم مستكينين لعزته، شاكرين لنعمته، فأمرهم بالخضوع، وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل فقال: ( سَنـزيدُ الْمُحْسِنِينَ )من خير الدنيا والآخرة.
{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)}
قوله:(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ )أي: عصوا اللّه واستهانوا بأمره( قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) فقالوا بدل طلب المغفرة (حِطَّة)، قالوا: حنطة بدلوا القول - مع يسره وسهولته - فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا وهم يزحفون على أستاههم. (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ) حين خالفوا أمر اللّه وعصوه (رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) عذابا شديدا، وما ظلمهم اللّه بعقابه وإنما كان ذلك (بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) أي: يخرجون من طاعة الله إلى معصيته، من غير ضرورة ألجأتهم ولا داع دعاهم سوى الخبث والشر الذي كان كامنا في نفوسهم.
{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)}
قوله:(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) واسأل -أيها الرسول- اليهود تذكيرًا لهم بما عاقب الله به أسلافهم عن قصة القرية التي كانت بقرب البحر، (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ) حين كانوا يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت بعد نهيهم عنه حين ابتلاهم الله، (كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم) بأن صارت الأسماك تأتيهم ظاهرة على وجه البحر يوم السبت، وفي سائر الأيام لا تأتيهم، ابتلاهم الله بذلك (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) بسبب خروجهم عن الطاعة وارتكابهم المعاصي، فاحتالوا لصيده بأن نصبوا شباكهم، وحفروا حفرهم، فكانت الحيتان تقع فيها يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد أخذوها وأكلوها.
{وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) }
قوله تعالى: ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم ) قالت فرقة منهم وهم الساكتون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه، إما بهلاك أو عذاب شديد. قال الناهون (معذرة) موعظتنا معذرة، ومعناه أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله، (ولعلهم يتقون) يتقون الله ويتركون المعصية .
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)}
قوله - عز وجل- : ( فلما نسوا ما ذكروا به ) تركوا ما وعظوا به، ( أنجينا الذين ينهون عن السوء) الفرقة الآمرة بالمعروف (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) يعني الفرقة العاصية باعتدائهم بالصيد يوم السبت، (بعذاب بئيس) شديد ، من البأس وهو الشدة .(بما كانوا يفسقون ) بسبب خروجهم عن طاعة الله ، وإصرارهم على المعصية .
{فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)}
قوله تعالى: (فلما عتوا عن ما نهوا عنه ) فلما تجاوزوا في معصية الله، وأبوا أن يرجعوا عنها ( قلنا لهم كونوا قردة) فانقلبوا بإذن اللّه قردة، (خاسئين) أذلاء، مبعدين عن رحمته.
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (167)}
قوله: (وإذ تأذن ربك) أمر وحكم . ( ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة ) أي: على اليهود، ( من يسومهم سوء العذاب ) من يذلهم ويهينهم ، (إن ربك لسريع العقاب) لمن عصاه، حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا.( وإنه لغفور رحيم ) لمن تاب إليه وأناب.
{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)}
قوله تعالي:( وقطعناهم في الأرض) وفرقناهم (أمما) فرقا فرقهم الله فتشتت أمرهم ولم تجتمع لهم كلمة ، (منهم الصالحون) الذين أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به (ومنهم دون ذلك) يعني الذين بقوا على الكفر، ( وبلوناهم بالحسنات) اليسر، (والسيئات) العسر، (لعلهم يرجعون) لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا .
{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169)}
قوله: (فخلف من بعدهم) أي: جاء من هؤلاء الذين وصفناهم (خلف) والخلف: القرن الذي يجيء بعد قرن ( ورثوا الكتاب) أي: انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة ، (يأخذون عرض هذا الأدنى) فالعرض متاع الدنيا الفانية ، وهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها وضيعوا العمل بما فيها ، وخالفوا حكمها ، يرتشون في حكم الله وتبديل كلماته، (ويقولون سيغفر لنا) ذنوبنا يتمنون على الله الأباطيل، (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب ، يقول إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما ، ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه . ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) أي : أخذ عليهم العهد في التوراة أن لا يقولوا على الله الباطل ، وهي تمني المغفرة مع الإصرار ، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار، (ودرسوا ما فيه) قرأوا ما فيه، فهم ذاكرون لذلك ، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة ، ودرس الكتاب : قراءته وتدبره مرة بعد أخرى ، ( والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر للعواقب.
{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)}
قوله تعالى :( والذين يمسكون بالكتاب ) يتمسكون بالكتاب الذي جاء به موسى فلم يحرفوه ولم يكتموه. ( وأقاموا الصلاة ) ، أقاموها ظاهرا وباطنا؛ ولهذا خصها الله بالذكر لفضلها، وشرفها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات.
(إنا لا نضيع أجر المصلحين ) في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم.
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)}
قوله تعالى : ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ): واذكر -يا محمد- إذ اقتلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل لَمَّا امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فصار الجبل كأنه سحابة تظل رؤوسهم ، (وظنوا أنه واقع بهم) وأيقنوا أنه ساقط عليهم، (خذوا ما آتيناكم بقوة )وقيل لهم: خذوا ما أعطيناكم بجد واجتهاد وعزيمة، (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) وتذكروا ما فيه من الأحكام التي شرعها الله لكم ولا تنسوه؛ رجاء أن تتقوا الله إذا قمتم بذلك.
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172)}
قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم , فقررهم بتوحيده , وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك , وإقرارهم به( قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) أي: إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم، من أن اللّه تعالى ربكم، خشية أن تنكروا يوم القيامة، فلا تقروا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجة اللّه ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون. فاليوم قد انقطعت حجتكم، وثبتت الحجة البالغة للّه عليكم.
{أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)}
قوله تعالى : ( أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ) يقول : إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون : إنما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعدهم ، أي كنا أتباعا لهم فاقتدينا بهم ، فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا : ( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين ، فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد .
{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)}
قوله:( وكذلك نفصل الآيات ) نبين الآيات ليتدبرها العباد ، ( ولعلهم يرجعون ) من الكفر إلى التوحيد .
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)}
قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ) أيها الرسول على بني إسرائيل ، (نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) خبر رجل منهم من علماء أهل الكتاب أعطيناه آياتنا. (فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) فانخلع منها . (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ) فلحقه الشيطان، وصار قرينا له، (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) فأصبح من الضالين الهالكين، بعد أن كان من الراشدين المرشدين.
{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)}
قوله:( ولو شئنا لرفعناه بها ) أي : رفعنا درجته ومنزلته بتلك الآيات . ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) أي : سكن إلى الدنيا ومال إليها . ( واتبع هواه ) انقاد لما دعاه إليه الهوى ، فأراد الدنيا وأطاع شيطانه ،( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) يقال : لهث الكلب يلهث لهثا : إذا أدلع لسانه ، والمعنى: إن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر ، وإن تركته لم يهتد ، فالحالتان عنده سواء ، كحالتي الكلب : إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا ، وإن ترك وربض كان لاهثا . ( ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ) ذلك المثل المذكور مثل القوم الضالين لتكذيبهم بآياتنا، (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) فاقصص ،أيها الرسول، القصصَ عليهم ؛ رجاءَ أن يتفكروا وينزجروا عما هم فيه، وهذا مثل لكفار مكة وذلك أنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله ، فلما جاءهم نبي لا يشكون في صدقه كذبوه فلم يهتدوا .
{سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}
قوله:(سَاءَ مَثَلا ) ليس أقبح من ، (الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) كذبوا بحُجَجنا وبراهيننا، ولم يصدقوا بها، (وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) وهم بذلك يظلمون أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك.
{مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)}
قوله:(مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ) من يوفقه الله للهداية إلى صراطه المستقيم فهو المهتدي حقًّا؛ (وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ومن يبعده عن الصراط المستقيم، فأولئك الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)}
قوله:(ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) ولقد خلقنا كثيرا من الجن والإنس للنار ، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها. ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) أي لا يعلمون بها الخير والهدى . ( ولهم أعين لا يبصرون بها ) طريق الحق وسبيل الرشاد ، ( ولهم آذان لا يسمعون بها ) مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون بها ، ثم ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الأكل والشرب ، فقال : ( أولئك كالأنعام) أي : كالأنعام في أن همتهم في الأكل والشرب والتمتع بالشهوات ،(بل هم أضل) لأن الأنعام تميز بين المضار والمنافع ، فلا تقدم على المضار، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة ، مع العلم بالهلاك ، ( أولئك هم الغافلون ) عن الإيمان بالله واليوم الآخر.
{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)}
قوله:(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ) التي تدل على جلاله وكماله، (فَادْعُوهُ بِهَا ۖ) فتوسَّلوا بها إلى الله في طلب ما تريدون وأثنوا عليه بها، (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ) واتركوا الذين يميلون عن الحق في هذه الأسماء بجعلها لغير الله، أو نفيها عنه، أو تحريف معناها أو تشبيه غيره بها،(سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سنجزي هؤلاء الذين يميلون بها عن الحقِّ: العذاب المؤلم بما كانوا يعملون.
{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)}
قوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ)أي: ومن جملة من خلقنا أمة فاضلة كاملة في نفسها، مكملة لغيرها، (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) يهدون أنفسهم وغيرهم بالحق، فيعلمون الحق ويعملون به، ويعلِّمونه، ويدعون إليه وإلى العمل به. (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) بين الناس في أحكامهم إذا حكموا في الأموال والدماء والحقوق، وغير ذلك، وهؤلاء هم، أئمة الهدى ، الذين أنعم اللّه عليهم بالإيمان والعمل الصالح.
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182)}
قوله:(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) بآيات اللّه الدالة على صحة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، من الهدى فردوها ولم يقبلوها. (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) سنفتح لهم أبواب الرزق لا إكراما لهم، بل لاستدراجهم حتى يتمادوا فيما هم عليه من الضلال ، ثم يصيبهم عذابنا على حين غرة.
{وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)}
قوله:( وأملي لهم )وأؤخر عنهم العقوبة حتى يظنوا أنهم غير معاقبين، فيستمروا على تكذيبهم وكفرهم حتى يُضاعَف عليهم العذاب، ( إن كيدي متين )إن كيدي قوي، فأظهر لهم الإحسان، وأريد بهم الخذلان .
{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (184)}
قوله:(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ ) أولم يتأمل هؤلاء المكذبون بآيات الله وبرسوله، فَيُعْمِلُوا عقولهم(مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ) ليتضح لهم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ليس بمجنون، (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ)إنما هو رسول من الله بعثه محذرًا من عذاب الله تحذيرًا بيِّنًا.
{أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)}
قوله: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أولم يتأملوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الدالة على توحيد الله، وعلى ما له من صفات الكمال. و كذلك ليتأملوا إلى جميع ( مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) فإن جميع أجزاء العالم، يدل أعظم دلالة على اللّه وقدرته وحكمته وسعة رحمته،( وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) ويحذرُوا أن تكون آجالهم قد اقتربت، ويفجأهم الموتُ وهم في غفلة معرضون، فلا يتمكنون حينئذ، من استدراك ما فرطوا فيه. (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل، فبأي حديث يؤمنون به؟ أبكتب الكذب والضلال؟ أم بحديث كل مفتر دجال؟ ولكن الضال لا حيلة فيه، ولا سبيل إلى هدايته.
{مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)}
قوله: (من يضلل الله فلا هادي له) من أضلَّه الله عن الرشاد فلا هادي له إليه (ويذرهم) يتركهم (في طغيانهم يعمهون ) متحيرين يترددون، لا يخرجون منه ولا يهتدون إلى حق.
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)}
قوله: ( يَسْأَلُونَكَ) أي: المكذبون لك، المتعنتون (عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) أي: متى وقتها الذي تجيء فيه.
(قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) أي: إنه تعالى مختص بعلمها، (لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ) أي: لا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تقوم فيه إلا هو. (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) ثقل علمها وخفي أمرها على أهل السماوات والأرض ، وكل خفي ثقيل . (لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً) أي: فجأة من حيث لا تشعرون. (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) أي: هم حريصون على سؤالك عن الساعة، كأنك عالم بها، فإنه لا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه.(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) فلذلك حرصوا على ما لا ينبغي الحرص عليه، وخصوصا مثل حال هؤلاء الذين يتركون السؤال عن الأهم، ويدعون ما يجب عليهم من العلم، ثم يذهبون إلى ما لا سبيل لأحد أن يدركه، ولا هم مطالبون بعلمه.
{قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)}
قوله( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيرا ولا أدفع عنها شرا، فكيف أملك علم الساعة، (إلا ما شاء الله) أن يملكني ويمكنني منه، (وما مسني السوء) لو علمت الغيب لما مسني سوء ولحذرت .(إن أنا إلا نذير) لمن لا يصدق بما جئت به ، (وبشير) بالجنة ، ( لقوم يؤمنون ) يصدقون .
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)}
قوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) يعني: آدم ، (وجعل) وخلق (منها زوجها) حواء، ( ليسكن إليها ) ليأنس بها ويأوي إليها (فلما تغشاها) أي: واقعها (حملت حملا خفيفا) وهو أول ما تحمل المرأة من النطفة يكون خفيفا عليها ، (فمرت به) أي: استمرت به وقامت وقعدت به، لم يثقلها، (فلما أثقلت) أي: كبر الولد في بطنها وصارت ذات ثقل بحملها ودنت ولادتها، (دعوا الله ربهما) يعني آدم وحواء، (لئن آتيتنا) يا ربنا (صالحا ) أي: بشرا سويا تام الخلقة ، (لنكونن من الشاكرين) ممن يشكرك على ما وهبت لنا من الولد صالحًا.
{فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)}
قوله: (فلما آتاهما صالحا) بشرا سويا (جعلا له شركاء فيما آتاهما )كلام مستأنف يراد به اليهود والنصارى ، رزقهم الله أولادا ، فهودوا ونصروا (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تنزه الله عن ذلك.
{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)}
قوله:(أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا )هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ، من الأنداد والأصنام والأوثان ، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر ، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة ، لا تملك شيئا من الأمر ، ولا تضر ولا تنفع، فكيف يجعلونها شركاء لله؟!
{وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (192)}
قوله: (ولا يستطيعون لهم نصرا) أي: الأصنام لا تنصر من أطاعها ، (ولا أنفسهم ينصرون) لا يدفعون عن أنفسهم مكروها، فكيف تتخذ مع اللّه آلهةً؟ إن هذا إلا أظلمُ الظلمِ، وأسفُه السفهِ.
{وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (193)}
قوله: (وإن تدعوهم ) وإن تدعوا أيها المشركون هذه الأصنام التي تتخذونها آلهة من دون الله إلى الهدى، ( لا يتبعوكم ) لا يجيبوكم إلى ما دعوتموهم إليه (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ) سواء عندها دعاؤكم لها وسكوتكم عنها؛ لأنها لا تسمع ولا تعقل، ولا تنطق.
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194)}
قوله:(إن الذين تدعون من دون الله) يعني الأصنام، (عباد أمثالكم) يريد أنها مملوكة أمثالكم، وهي أمثالكم في التسخير. (فادعوهم) فاعبدوهم، (فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ) إن كنتم صادقين أن لكم عندها منفعة ، وأنها آلهة.
{أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ (195)}
قوله: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ) الاستفهام يراد به النفي، والمعنى: أن هذه الأصنام ليس لها هذه الجوارح ، فأنتم مفضلون عليها بالأرجل الماشية والأيدي الباطشة والأعين الباصرة والآذان السامعة ، فكيف تعبدون من أنتم أفضل وأقدر منهم؟ (قل ادعوا شركاءكم) يا معشر المشركين، (ثم كيدون) ثم اصنعوا أنتم وهم ماشئتم من كيد، (فلا تنظرون) أي: لا تمهلوني وأعجلوا في كيدي.
{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)}
قوله: (إن وليي الله الذي نزل الكتاب) يعني القرآن ، أي أنه يتولاني وينصرني كما أيدني بإنزال الكتاب، (وهو يتولى الصالحين) الذين لا يعدلون بالله شيئا فالله يتولاهم بنصره فلا يضرهم عداوة من عاداهم.
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (197)}
قوله:(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) وهي الأصنام (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ) لا يقدرون على نصركم ، ولا على نصر أنفسهم، فهم عاجزون.
{وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)}
قوله تعالى: ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ) يعني : المشركين لا يسمعوا ولا يعقلوا ذلك بقلوبهم ، ( وتراهم ) يا محمد ( ينظرون إليك ) بأعينهم ، ( وهم لا يبصرون ) بقلوبهم
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)}
قوله تعالى : ( خذ العفو )يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس ، وذلك مثل قبول الاعتذار والعفو والمساهلة وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك .( وأمر بالعرف ) أي : بالمعروف ، وهو كل ما يعرفه الشرع . (وأعرض عن الجاهلين ) فلا تقابلهم بجهلهم .
{وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)}
قوله تعالى: ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ) أي : يصيبك ويعتريك ويعرض لك من الشيطان نزغ نخسة ، والنزغ من الشيطان الوسوسة . ( فاستعذ بالله ) أي : استجر بالله ( إنه سميع عليم ) سميع لما تقوله، عليم بالتجائك، فسيحميك من الشيطان .
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201)}
قوله:(إن الذين اتقوا) امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه ، (إذا مسهم طائف من الشيطان) الطائف ما طاف بالإنسان من وسوسة الشيطان، (تذكروا) عظمة الله وعقابة للعصاة، وثوابه للمطيعين، فتابوا من ذنوبهم. (فإذا هم مبصرون) فإذا هم قد استقاموا على الحق ، وصحوا مما كانوا عليه، وانتهوا.
{وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)}
قوله: ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ) وإخوان الشياطين من الفجار والكفار لا يزال الشياطين يزيدونهم في الضلال بذنب بعد ذنب، (ثم لا يقصرون) لا يُمْسِكُ الشياطين عن الإغواء والإضلال، ولا الفجار من الإنس عن الانقياد وفعل الشر.
{وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)}
قوله:(وإذا لم تأتهم بآية) يعني: إذا لم تأت المشركين بآية ، (قالوا لولا اجتبيتها) هلا افتعلتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك؟ فقد كان أهل مكة يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - الآيات تعنتا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا : لولا اجتبيتها؟ أي : هلا أحدثتها وأنشأتها من عندك؟ (قل) لهم يا محمد (إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي) ثم قال: (هذا) يعني: القرآن (بصائر) حجج وبيان وبرهان (من ربكم) واحدتها بصيرة، وأصلها ظهور الشيء واستحكامه حتى يبصره الإنسان ، فيهتدي به ، يقول: هذه دلائل تقودكم إلى الحق. (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) وإرشاد ورحمة للمؤمنين من عباده، وأما غير المؤمنين فهم ضُلَّالٌ أشقياء.
{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)}
قوله:(إذا قرئ، )عليكم، أيها المؤمنون,(القرآن فاستمعوا له)، أصغوا له سمعكم، لتتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه (وأنصتوا)، إليه لتعقلوه وتتدبروه (لعلكم ترحمون)،رجاء أن يرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيه.
{وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205)}
قوله تعالى : ( واذكر ربك في نفسك ) الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بهما،، فأمر اللّه رسوله محمدا - وأمته تبعا له- بذكر ربه في نفسه، أي: مخلصا ، (تضرعا وخيفة) خوفا، أي : تتضرع إليَّ وتخاف منّي هذا في صلاة السر. (ودون الجهر من القول) وسطًا بين الجهر والمخافتة ( بالغدو والآصال)في أول النهار وآخره ؛ لفضل هذين الوقتين، (ولا تكن من الغافلين) عن ذكر الله تعالى.
{إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩ (206)}
قوله:(إن الذين عند ربك) يعني: الملائكة المقربين بالفضل والكرامة، (لا يستكبرون عن عبادته) لا يتكبرون ، (ويسبحونه) وينزهونه ويذكرونه ، فيقولون : سبحان الله . (وله يسجدون) وَلَهُ وحده لا شريك له يَسْجُدُونَ فليقتد العباد بهؤلاء الملائكة الكرام، وليداوموا على عبادة الملك العلام.
تم تفسير سورة الأعراف وللّه الحمد والشكر والثناء، وصلى اللّه على محمد وآله وصحبه وسلم.

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

5 + 7 =

/500
جديد الدروس الكتابية