تفسير سورة الأنعام

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الإثنين 21 شهر رمضان 1447هـ | عدد الزيارات: 367 القسم: المفيد في تفسير القرآن الكريم -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

سورة الأنعام مكية، وهي مائة وخمس وستون آية ، وقد نزلت بمكة؛ لتقرير عقيدة التوحيد ، ونقض الاعتقادات الشركية.

{بسم الله الرحمن الرحيم}.

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)}.

قوله:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، هذا إخبار عن حمده والثناء عليه بصفات الكمال، ونعوت العظمة والجلال عموما، وعلى هذه المذكورات خصوصا. فحمد نفسه على خلقه السماوات والأرض، الدالة على كمال قدرته، وسعة علمه ورحمته، وعموم حكمته، وانفراده بالخلق والتدبير، (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ) وعلى جعله الظلمات والنور، وذلك شامل للحسي من ذلك، كالليل والنهار، والشمس والقمر. والمعنوي، كظلمات الجهل، والشك، والشرك، والمعصية، والغفلة، ونور العلم والإيمان، واليقين، والطاعة، وهذا كله، يدل دلالة قاطعة أنه تعالى، هو المستحق للعبادة، وإخلاص الدين له، ومع هذا الدليل ووضوح البرهان { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي يعدلون به سواه، يسوونهم به في العبادة والتعظيم، مع أنهم لم يساووا الله في شيء من الكمال، وهم فقراء عاجزون ناقصون من كل وجه.

{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2)}

قوله: (هو الذي خلقكم من طين) يعني آدم عليه السلام ، خاطبهم به إذ كانوا من ولده. ( ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ) الأجل الأول من الولادة إلى الموت ، والأجل الثاني من الموت إلى البعث ، وهو البرزخ ، ( ثم أنتم تمترون ) تشكون في البعث .

{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)}

قوله: (وهو الله في السموات وفي الأرض) يعني: هو المعبود في السموات والأرض، (يعلم سركم وجهركم ) في السموات والأرض (ويعلم ما تكسبون) تعملون من الخير والشر .

{وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)}

قوله: (وما تأتيهم) يعني: أهل مكة، (من آية من آيات ربهم) مثل انشقاق القمر وغيره ، ( إلا كانوا عنها معرضين ) لها تاركين بها مكذبين.
{فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)
قوله:( فقد كذبوا بالحق) بالقرآن وبالرسول، (لما جاءهم) حين جاءهم (فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون) أي: أخبار استهزائهم وجزاؤه، وسيعلمون عاقبة استهزائهم إذا عذبوا يوم القيامة.
{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)}
قوله: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن) ألم يعلم هؤلاء الكافرون سنة الله في الأمم الظالمة، والقرن: الجماعة من الناس ، وجمعه قرون (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) أي: أعطيناهم ما لم نعطكم، (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) يعني: المطر، ( وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ) فينبت لهم بذلك ما شاء الله، من زروع وثمار، يتمتعون بها، ويتناولون منها ما يشتهون، فلم يشكروا الله على نعمه، بل أقبلوا على الشهوات، وألهتهم أنواع اللذات، فجاءتهم رسلهم بالبينات، فلم يصدقوها، بل ردوها وكذبوها (فأهلكناهم بذنوبهم)أي: بسببها (وأنشأنا من بعدهم ) خلقنا وابتدأنا ، ( قرنا آخرين ) أمما أخرى.
{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7)}
قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} : ولو نزلنا يا محمد بمرأى منهم كما زعموا وطلبوا كلاما مكتوبا في صحيفة { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } أي : فعاينوا ذلك ومسوه باليد كما اقترحوا وبالغوا في ميزه وتقليبه جسا بأيديهم ، ليرتفع كل ارتياب ، ويزول عنهم كل إشكال ، لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم ، وقالوا :( إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) إنما سكرت أبصارنا وسحرنا. والمعنى :أن هؤلاء لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من علمي .
{وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8)}
قوله: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ) على محمد صلى الله عليه وسلم ، (ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر) أي: لوجب العذاب ، وفرغ من الأمر، وهذا سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية فأنزلت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، ( ثم لا ينظرون ) أي : لا يؤجلون ولا يمهلون.
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9)}
قوله: (ولو جعلناه ملكا) يعني: لو أرسلنا إليهم رسولا من الملائكة (لجعلناه رجلا ) في صورة رجل آدمي، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة ، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي ، وجاء الملكان إلى داود في صورة رجلين. ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) أي : خلطنا عليهم ما يخلطون وشبهنا عليهم فلا يدرون أملك هو أم آدمي.
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)}
قوله:( ولقد استهزئ برسل من قبلك ) كما استهزئ بك يا محمد، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم (فحاق) فنزل، وحل، ( بالذين سخروا منهم)من العذاب والنقمة، (ما كانوا به يستهزئون ) أي: جزاء استهزائهم .
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)}
قوله: (قل) يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين ، (سيروا في الأرض ) معتبرين ،، ( ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك ، فحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية .
{قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)}
قوله: ( قل لمن ما في السموات والأرض ) فإن أجابوك وإلا ( قل ) أنت ، ( لله ) أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجة ، ( كتب ) أي : قضى ، ( على نفسه الرحمة ) هذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال عليه وإخباره بأنه رحيم بالعباد لا يعجل بالعقوبة ، ويقبل الإنابة والتوبة. ( ليجمعنَّكم ) اللام فيه لام القسم والنون نون التأكيد ، أي: والله ليجمعنكم ، ( إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) أي : لا شك في يوم القيامة ، (الذين خسروا ) أي يوم القيامة ( فهم لا يؤمنون ) أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم .
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)}
قوله:(وله ما سكن في الليل والنهار) أي: استقر، وخص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر، ( وهو السميع ) لأصواتهم ، ( العليم ) بأسرارهم .
{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)}
قوله تعالى : ( قل أغير الله أتخذ وليا ) قل -أيها الرسول- للمشركين الذين يعبدون مع الله غيره من الأصنام وغيرها: أَيُعْقل أن أتخذ غير الله ناصرًا أواليه وأستنصره؟! ؟ ( فاطر السماوات والأرض ) أي : خالقهما ومبدعهما ومبتدئهما ، ( وهو يطعم ولا يطعم ) أي : وهو يرزق ولا يرزق ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) يعني : من هذه الأمة ، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله ، (ولا تكونن من المشركين) أي: ونهيت عن أن أكون من المشركين، لا في اعتقادهم، ولا في مجالستهم، ولا في الاجتماع بهم، فهذا أفرض الفروض عليَّ، وأوجب الواجبات.
{قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)}
قوله تعالى: ( قل إني أخاف إن عصيت ربي ) فعبدت غيره ( عذاب يوم عظيم ) يعني : عذاب يوم القيامة .
{وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)}
قوله عز وجل : ( وإن يمسسك الله بضر ) بشدة وبلية ، ( فلا كاشف له ) لا رافع ، ( إلا هو وإن يمسسك بخير ) عافية ونعمة ، ( فهو على كل شيء قدير ) من الخير والضر .
{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)}
قوله:( وهو القاهر فوق عباده ) القاهر : الغالب ، وفي القهر زيادة معنى على القدرة ، وهي منع غيره عن بلوغ المراد ، ( وهو الحكيم ) في أمره ، ( الخبير ) بأعمال عباده .
{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّا أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (19)}
قوله: (قل أي شيء أكبرشهادة ) أعظم ، فإن أجابوك ، وإلا (قل الله) هو (شهيد بيني وبينكم) على ما أقول ، ويشهد لي بالحق وعليكم بالباطل ، ( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ) لأخوفكم به يا أهل مكة ، (ومن بلغ ) يعني : ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة .(قل لا أشهد ) قل -أيها الرسول-: لا أشهد على ما أقررتم به لبطلانه، (قل إنما هو إله واحد )إنما الله إله واحد لا شريك له،(وإنني بريء مما تشركون) وإني بريء من كل ما تشركونه معه.
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)}
قوله: (الذين آتيناهم الكتاب) ، يعني : التوراة والإنجيل (يعرفونه) ، يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته ، (كما يعرفون أبناءهم)، من بين الصبيان. (الذين خسروا أنفسهم ) أي: فوتوها ما خلقت له، من الإيمان والتوحيد، وحرموها الفضل {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء ، ونوهت به في قديم الزمان وحديثه .
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)}
قوله : ( ومن أظلم ) ، أكثر كفرًا ، ( ممن افترى ) ، اختلق ، ( على الله كذبا ) ، فأشرك معه غيره ، ( أو كذب بآياته ) ، يعني : القرآن (إنه لا يفلح الظالمون) الذين أشركوا مع الله غيره، فهم لا يفوزون أبدا إن لم يتوبوا .
{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (22)}
قوله:(ويوم نحشرهم جميعا)، أي: العابدين والمعبودين، يوم القيامة ،( ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم) استفهام للاستهزاء والتوبيخ ( الذين كنتم تزعمون ) ، الذين تدَّعون كذبا أنهم شركاء لله .
{ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)}
قوله:{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } أي: لم يكن جوابهم حين يفتنون ويختبرون بذلك السؤال، (إلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)إلا إنكارهم لشركهم وحلفهم أنهم ما كانوا مشركين، بل مؤمنين موحدين.
{انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}
قوله:{انظر} - يا محمد - (كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ۚ) كيف كَذَبَ هؤلاء على أنفسهم بنفيهم الشرك عن أنفسهم، (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) وغاب عنهم وخذلهم ما كانوا يختلقونه من الشركاء مع الله في حياتهم الدنيا!
{وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)}
قوله:(وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ ) من هؤلاء الكفار من يستمع إلى القرآن في بعض الوقت لكنه استماع ليس الهدف منه البحث عن الحق والهداية ( وجعلنا على قلوبهم أكنة ) ، أغطية ( أن يفقهوه ) ، كراهة أن يفقهوه ، (وفي آذانهم وقرا) ، صمما وثقلا هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى ، ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن، ( وإن يروا كل آية )، من المعجزات والدلالات، (لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ) ، يعني: أحاديثهم وأقاصيصهم
{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)}
قوله:(وهم ينهون عنه) أي: ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ( وينأون عنه ) ، أي : يتباعدون عنه بأنفسهم ، (وإن يهلكون) ، أي: ما يهلكون، (إلا أنفسهم) أي: لا يرجع وبال فعلهم إلا إليهم، (وما يشعرون) بذلك.
{وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)}
قوله: (ولو ترى إذ وقفوا على النار) يعني:عرضوا على النار وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال ، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال ، فعند ذلك قالوا تحَسُّرا( يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا ، ليعملوا عملا صالحا ، ولا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المصدقين.
{بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)}
قوله:{بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} ظهر ماكانوا يخفون في أنفسهم، أنهم كانوا كاذبين، {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ } من تكذيب الرسل وعدم الإيمان {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في قولهم: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ).

﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (29)
قوله: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) أي قال هؤلاء المشركون: ما هي إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها. (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) إنكار منهم للبعث بعد الموت والحساب والجزاء

﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (30)
قوله: (وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ) أي حُبسوا للعرض على جلاله وسلطانه. (قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا) يقول الله لهم موبخاً: أليس هذا البعث حقاً؟ فيضطرون للاعتراف ويقسمون بربهم أنه حق.(قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) أي بسبب جحودكم في الدنيا.

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاء اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (31)
قوله: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاء اللَّهِ) أي هلك هؤلاء الذين كذبوا بالبعث والجزاء. (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) أي قامت عليهم القيامة فجأة من غير علم. (قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) يندمون على ما ضيعوا من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا.(وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) وهم يحملون سيئاتهم فوق ظهورهم، ألا قبح ما يحملون من تلك السيئات.

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (32)
قوله: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) أي هي فانية لا عاقبة لها كلعب الصبيان الذي لا نفع فيه. (وَلَلَّدارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) الدار الآخرة خير لمن اتقى الشرك، أفلا تتفكرون فتميزوا بين الباقي والفاني.

﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (33)
قوله: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) يعزي النبي ﷺ ويقول: نعلم أن تكذيبهم لك يضيق به صدرك.
(فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) أي بقلوبهم، لأنهم كانوا يعرفون صدقك.(وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) أي ينكرون بظاهرهم بآيات الله المنزلة ظلماً وعناداً.

﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (34)
قوله: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) تسلية أخرى له ﷺ بذكر من سبقه من الأنبياء وصبرهم على الدعوة والجهاد في سبيل الله. (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) لا راد لوعده بنصر رسله، وقد جاءك من أخبارهم ما فيه عبرة وموعظة.

﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (35)
قوله: (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ) إن عظم عليك وشق على نفسك تكذيبهم لك.(فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ) إن قدرت أن تتخذ نفقاً في الأرض أو درجاً إلى السماء فتأتيهم بمعجزة فافعل (والمعنى: أنك لا تستطيع).(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) لو أراد الله لآمنوا كلهم، ولكن لا يكون إلا ما سبق به العلم، فلا تكونن ممن يجهل هذه السنة الإلهية.

﴿۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (36)
قوله: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) أي: سماع قبول واتباع وهم المؤمنون الذين أحيا الله قلوبهم. (وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) هو البعث من القبور يوم القيامة (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) ثم إليه وحده يرجعون ليجازيهم على ما قدموا.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (37)
قوله: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ) أي: معجزة مما اقترحوه كمعجزة صالح وموسى وعيسى.(قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أي: لا يعلمون أن إنزال الآية إذا أعقبه التكذيب استوجب الاستئصال والعذاب المعجل.
﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (38)
قوله: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) أي: خلق مثلكم، قدّر أرزاقها وآجالها وأعمالها. (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) أي: ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئاً إلا كتبناه.(ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) أي: تُجمع الخلائق يوم القيامة للحساب والجزاء.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (39)
قوله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ) أي: صم عن سماع الحق، بكم عن قوله، يتخبطون في ظلمات الكفر.
(مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الهدى والضلال بمشيئة الله تعالى وحده.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (40)
قوله: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ) أي: أخبروني إن نزل بكم بلاء في الدنيا أو قامت القيامة.
(أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي: هل تفزعون حينها لآلهتكم؟ بل ستتركونها وتدعون الله وحده..
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (41)
قوله: (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ) أي: يزيل عنكم الضر إن أراد سبحانه.
(وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) أي: تتركون أصنامكم التي أشركتم بها ولا تدعونها في ذلك الوقت لعلمكم أنها لا تنفع.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (42)
قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) أي: فابتليناهم بالفقر والشدة والأمراض والأسقام.(لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) لكي يخضعوا لله، ويستكينوا ويخلصوا في الدعاء.
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (43)
قوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) أي: فهلا حين جاءهم عذابنا خضعوا وتابوا. (وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) أي: يبست من الإيمان، فلم يلينوا ولم يخشعوا. (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وحسَّنَ لهم الشيطان ما كانوا يرتكبون من الكفر والمعاصي فاستمروا عليها.
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (44)
قوله: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) أي: تركوا ما وُعظوا به من البأساء والضراء ولم يتعظوا. (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) من النعيم والرزق استدراجاً لهم. (حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) أي: فاجأهم العذاب وهم غافلون، فصاروا آيسين من كل خير، حزناء منكسرين.
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (45)
قوله: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: استُؤصلوا بالهلاك حتى لم يبق منهم أحد، والدابر هو الأخير الذي يدبر القوم. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) على إهلاك الكفرة ونصرة الأولياء.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ (46)
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ أي أصمكم، ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ أي أعماكم، ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فلا تفقهون شيئاً، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي بما سلبكم من السمع والبصر؟ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي نكررها ونبينها، ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي يعرضون عنها ويعدلون .
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ (47)
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ أي فجأة ليلاً وهم نائمون، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ نهاراً وهم يبصرون، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعني المشركين .
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (48)
قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ بالثواب لمن آمن، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بالعقاب لمن كفر، ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ عمله، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوا في الدنيا .
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (49)
قوله: ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي يصيبهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي بخروجهم عن الطاعة وكفرهم .
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (50)
قوله: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ أي مقدوراته ورزقه، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ إلا ما أطلعني الله عليه، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي لست من جنس الملائكة بل أنا بشر، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي لا آمركم إلا بما أُمرت به، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي الكافر والمؤمن، ، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ فتعرفون فضل البصير على الأعمى .
﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (51)
قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ أي بالقرآن، ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وهم المؤمنون الذين صدقوا بالبعث، ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي لا قريب ينصرهم ولا شافع يشفع لهم من الله، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لكي يحذروا في الدنيا ما وجب عليهم حذره.
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (52)
قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ نزلت في فقراء الصحابة حين طلب أشراف المشركين من النبي إبعادهم ليجلسوا معه، ومعنى يدعون ربهم: أي يعبدونه ويصلون له، ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي يطلبون بعبادتهم الله وحده، ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي لست بمؤاخذ بذنوبهم إن كانت لهم ذنوب، ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي إن فعلت ذلك كنت من المعتدين.
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (53)
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ابتلينا الغني بالفقير والشريف بالوضيع، ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي أيسبقنا هؤلاء الضعفاء إلى الإيمان؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ أي الله أعلم بمن يشكر نعمة الإيمان فيهديه لها.
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (54)
قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ وهم الذين نهى الله عن طردهم، ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي ابدأهم بالسلام وأكرمهم، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي أوجبها فضلاً منه وكرمًا، ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي كل من عصى الله فهو جاهل، ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أي ندم وعمل صالحًا، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر له ما سلف.
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (55)
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ وكما بينا لك ما ذكر﴿ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ نوضحها ونبينها، ونميز بين طريق الهدى من الضلال، والغي والرشاد، ليهتدي بذلك المهتدون، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي لتظهر وتنكشف طريق أهل الباطل والمعصية فتجتنبها.
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (56)
قوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي الأصنام والأوثان، ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ فيما دعوتموني إليه من عبادة غير الله، ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ أي إن اتبعت أهواءكم فقد زللت عن طريق الحق، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي ولست حينئذٍ على طريق الرشاد.
﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (57)
قوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي على بصيرة ويقين من ديني، ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ أي بالحق ، ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي ليس في قدرتي العذاب الذي تستعجلون نزوله، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي القضاء والأمر لله وحده، ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ أي يقول الحق، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي خير من يقضي بين المحق والمبطل.
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ (58)
قوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي لو كان أمر العذاب بيدي وأنزلتُه بكم، ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فأوقعته بكم ولا خير لكم في ذلك، ولكن الأمر، عند الحليم الصبور، الذي يعصيه العاصون، ويتجرأ عليه المتجرئون، وهو يعافيهم، ويرزقهم، ويسدي عليهم نعمه، الظاهرة والباطنة، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فيمهلهم ولا يهملهم.
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (59)
قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ وهي خزائن الغيب، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ لا يخفى عليه منهما شيء، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ أي: في أي مكان ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ أي مخبوءة في الأرض، ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي في اللوح المحفوظ، وهو تأكيد لإحاطة علمه بكل شيء.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (60)
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي يقبض أرواحكم عند النوم، وهو الموت الأصغر، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ أي ما كسبتم من الأعمال، ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي يوقظكم في النهار، ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ وهو منتهى عمر الإنسان، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي بالبعث بعد الموت، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يخبركم ويجازيكم بأعمالكم.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (61)
قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي الغالب الذي خضعت له الرقاب، ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ وهم الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي حتى ينتهي أجل أحدكم بقبض ملك الموت وأعوانه روحه ، ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ أي لا يقصرون ولا يتوانون فيما أمروا به.
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (62)
قوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ أي رجعوا بالبعث إلى الله الذي يملك أمورهم، ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي القضاء النافذ وحده، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ لأنه لا يحتاج إلى عقد أصابع ولا فكر، بل يحاسب الخلق كلهم في ساعة واحدة.
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (63)
قوله: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي من شدائدهما وأهوالهما، ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي علانية وسرًا، ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي من هذه الشدة والظلمة، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي من الموحدين المؤمنين.
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (64)
قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ أي من تلك الظلمات، ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ أي غم وشدة، ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ أي بعد النجاة تعودون إلى عبادة الأصنام، وهذا توبيخ لهم.
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (65)
قوله: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ كالرجم والصيحة، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ كالخسف والغرق، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ أي يخلطكم فرقاً وأهواءً مختلفة، ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ أي بالقتل والقتال بينكم، ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نكرر الحجج، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ليفهموا.
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (66)
قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ أي بالقرآن، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ الصدق واليقين، ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي بحفيظ أجازيكم بأعمالكم، إنما أنا منذر والله المجازي.
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (67)
قوله: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أي لكل خبر وقت يقع فيه، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك عندما تبعثون يوم القيامة.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (68)
قوله: ﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي بالاستهزاء والتكذيب، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي اتركهم ولا تجالسهم، ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي غير الكفر والطعن في القرآن، ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ أي: بأن جلست معهم، على وجه النسيان والغفلة، ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ أي بعد أن تتذكر النهي، ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني المشركين.
﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (69)
قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي ليس على المؤمنين من إثم هؤلاء الخائضين شيء إذا اعتزلوهم، ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ أي ولكن عليهم أن يذكروهم ويعظوهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لعل الخائضين ينتهون عن خوضهم.
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (70)
قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ أي اتركهم، وهم الذين استهزؤوا بالدين، ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ حتى آثروها على الآخرة، ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي وعظ بالقرآن، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ أي لكي لا تُسلَم للهلاك وتُرتَهَن بسبب ما ارتكبت من المعاصي، ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ أي وإن تفتدِ بكل فداء، ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ لا يُقبل منها فدية، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ أي أُسلموا للهلاك وعُوقبوا بما اقترفوا من الذنوب، ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو الماء الحار الذي انتهى حره. ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ موجع ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم.
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (71)
قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا﴾ إن عبدناه، ﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إن تركناه وهي الأصنام، ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أي نرجع إلى الشرك، ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ أي أضلته وذهبت به، ﴿حَيْرَانَ﴾ تائهاً لا يدري أين يذهب، ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ أي له رفقاء على الطريق المستقيم يدعونه للنجاة وهو تائه، ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي التوحيد هو الدين الحق.
﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (72)
قوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي وأُمرنا أن نقيم الصلاة بمواقيتها وحدودها، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ خافوا عقابه باجتناب معاصيه، ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي تجمعون في الآخرة للجزاء.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (73)
قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي لم يخلقهما عبثاً، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي يوم القيامة يأمر بقيام الخلق فيقومون، ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ والصور هو "القرن" الذي ينفخ فيه إسرافيل، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي ما غاب عن العباد وما شاهدوه، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في خلقه، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بأعمالهم.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (74)
قوله: ﴿لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ هو اسم أبيه ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ استفهام إنكار، أي كيف تعبد حجارة لا تضر ولا تنفع، ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي في عدول عن الحق ظاهر لا يخفى.
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (75)
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي كما أريناه ضلال أبيه وقومه، نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ملكها وسلطانها وعجائبها ليرى قدرة الله، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ أي ليستدل بما رأى على توحيد الله
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (76)
قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي أظلم وستر كل شيء، ﴿رَأَى كَوْكَبًا ﴾ كوكب الزهرة: وهو القول الأشهر عند كثير من المفسرين مثل السدي وقتادة، ﴿ قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ قاله على وجه الاحتجاج على قومه لا معتقداً، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غاب، ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي لا أريد رباً يتغير وينتقل من حال إلى حال؛ لأن الإله لا يجوز عليه الذهاب والزوال.
﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ (77)
قوله: ﴿رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي طالعاً، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ غاب، ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أي يثبتني على الهدى، ﴿لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ تعريضاً لقومه بأنهم على ضلال في عبادة الكواكب.
﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (78)
قوله: ﴿رأى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ طالعة، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي أضخم من الكوكب والقمر، ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ غابت، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي من عبادة هذه الأجسام المتغيرة التي تدعون أنها آلهة.
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (79)
قوله: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي قصدت بعبادتي وتوحيدي، ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي خلقهما وابتدأهما، ﴿حَنِيفًا﴾ أي مائلاً عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تأكيداً لبراءته من طريق قومه.
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (80)
قوله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أي خاصموه وجادلوه في توحيد الله، ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ أتجادلونني في وحدانية الله، ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ لأنها أصنام لا تنفع ولا تضر، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي لا يصيبني مكروه إلا بمشيئة الله وحده، ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أحاط علمه بكل شيء، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تتعظون فتؤمنوا بالله وحده.
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (81)
قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي كيف أخاف أصناماً لا تضر ولا تنفع، ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ أي وأنتم لا تخافون عقاب الله مع إشراككم به، ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ دون برهان لكم على ذلك، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أي نحن أم أنتم؟ الموحدون أم المشركون؟. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن كنتم تعلمون أولاهما فاتبعوه، وأولاهما دون ريب هو جمع المؤمنين الموحدين.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (82)
قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي لم يخلطوا توحيدهم بشرك، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ من عذاب الله في الآخرة، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وهم موفقون، وفقهم ربهم لطريق الهداية .
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (83)
قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني ما احتج به من الكوكب والقمر والشمس، ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ حتى انقطعت حجتهم، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلم والنبوة والحجة، ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في تدبير خلقه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحهم.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (84)
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ من بعد كبره، ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾ أي وفقنا للنبوة، ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل إبراهيم، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي ذرية إبراهيم، ﴿داوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ ذكر الله هؤلاء الأنبياء تشريفاً لهم، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي كما جزيناهم على طاعتهم نجزي كل محسن.
﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (85)
قوله: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ أثنى عليهم بالصلاح، ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي المصطفين الأخيار، اختارهم الله رسلا.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (86)

قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾ عطفهم على من سبق من الأنبياء، ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي عالمي زمانهم بالنبوة والرسالة.
﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (87)

قوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ أي وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم، ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ أي اخترناهم واصطفيناهم للنبوة، ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام.
﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (88)
قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ أي التوفيق الذي هدى به هؤلاء الأنبياء، ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ممن سبقت له الحسنى، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي لبطلت أعمالهم، قاله على سبيل الفرض؛ لأن الأنبياء معصومون من الشرك، لأن الشرك مبطل للعمل الصالح.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (89)
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ يعني هؤلاء الأنبياء الثمانية عشر، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ يعني أهل مكة، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ هم المهاجرون والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين .
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (90)
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أُولَئِكَ الأنبياء ومن ذكر معهم من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم هم أهل الهداية حقا، فاتبعهم وتأسَّ بهم، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي لا أطلب عرضاً من الدنيا على تبليغ الرسالة، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ أي ما القرآن إلا عظة وتذكرة للإنس والجن ليسترشدوا به إلى الصراط المستقيم.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (91)
قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموه حق عظمته، ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ نزلت في اليهود، ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ يعني التوراة، ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ أي قطعاً تفرقونها، ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أي تظهرون ما وافق أهواءكم وتخفون ما فيه نعت محمد ﷺ، ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي الله أنزله، ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي اتركهم في باطلهم وجهلهم.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (92)
قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ يعني القرآن، ﴿مُبَارَكٌ﴾ كثير النفع، ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي الكتب السابقة، ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وهي مكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من سائر الناس في شرق الأرض وغربها.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (93)
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بادعاء النبوة، ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ويشمل ذلك مدعي النبوة كذباً وبهتاناً. ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وهم المستهزئون الذين زعموا قدرتهم على الإتيان بمثل القرآن الكريم معارضةً وتحدياً.﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي سكراته وشدائده، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ بالضرب والعذاب، ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي يقولون لهم: أخرجوا أرواحكم كرهاً، ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي الهوان والخزي.﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ هذا هو سبب شقائهم؛ كذبهم على الله، وترفعهم عن اتباع الحق والعمل بآياته.
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (94)
قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ أي وحيداً لا مال معكم ولا ولد ولا خدم، ﴿مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ أي ما أعطيناكم في الدنيا، ﴿شُفَعَاءَكُمُ﴾ الأصنام، ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي انقطع ما كان بينكم من الوصل والارتباط في الدنيا.
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (95)
قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أي شاقها للإنبات، ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كالإنسان من النطفة، ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ،﴾ كالبيضة من الدجاج، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فكيف تُصرفون أيها المشركون عن الحق وتعدلون عنه إلى عبادة غيره بعد وضوح هذه الدلائل؟
﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (96)
قوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ أي شاق ظلمة الليل عن نور النهار، ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ يسكن فيه الخلق ويستريحون، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي يجريان بحساب معلوم لتعرف الشهور والسنين.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (97)
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ أي لتعرفوا بها الطرق والجهات، ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ عند غياب الأدلة الأخرى.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (98)
قوله: ﴿أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم عليه السلام، ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أي في الأرحام، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي في الأصلاب.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (99)
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ أي زرعاً أخضر، ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ كالسنابل، ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ عذوق النخل قريبة التناول، ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَوَيَنْعِهِ﴾ أي نضجه وإدراكه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي دلالات وعلامات واضحة وباهرة على قدرة الخالق، وحكمته، ورحمته بعباده.﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خصَّ المؤمنين هنا لأنهم هم الذين يتدبرون بقلوبهم وينتفعون بما يرون، فيستدلون بإحياء النبات بعد جفافه على قدرة الله على إحياء الموتى والبعث.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (100)
قوله: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ أي هو الذي خلق الجن فكيف يعبدون معه؟ ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ أي اختلقوا وكذبوا عليه، ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ كقول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله ، وقول المشركين :الملائكة بنات الله، تنزه وتقدس عما يصفه به أهل الباطل.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (101)
قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي خالقهما على غير مثال سابق، ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ وكيف يكون ذلك والولد يقتضي الجنسية والمماثلة؟ وهو سبحانه لا مثيل له.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (102)
قوله: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحدوه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي حفيظ وقائم بتدبير خلقه.
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (103)
قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي لا تراه العيون في الدنيا، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارُ﴾ أي يحيط بها. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ بعباده الصالحين.﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (104)
قوله: ﴿بَصَائِرُ﴾ أي حجج وبراهين، ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أي نفعه له،(وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا)من أعرض عن هذه الدلائل وتجاهلها، فإن ضرر هذا الضلال والجهل سيعود عليه وحده، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ لست برقيب أحصي عليكم أعمالكم.
﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (105)
قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ أي تعلمت وقرأت كتب أهل الكتاب، ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي لنبين القرآن لقوم يطلبون العلم.
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (106)
قوله: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أي استقم على الوحي، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ولا تشغل قلبك بالكافرين وعنادهم، فأمرهم إلى الله.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (107)
قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ بيان لمشيئته وإرادته النافذة، ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي رقيباً تحصي عليهم أعمالهم.﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ بقيم، إنما أنت رسول، وما عليك إلا البلاغ.
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (108)
قوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ نهي عن سب أصنامهم كي لا يقابلوا ذلك بسب الله، ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي ظلماً وجهلاً.﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ خيرا كان أو شرا،(ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيخبرهم بما كانوا يعملون في الدنيا ويجازيهم عليه.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (109)
قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وأقسم المشركون بالله أشد أيمانهم التي يقدرون عليها ،﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا أي حلفوا لئن جاءتهم معجزة خارقة (كعصا موسى أو مائدة عيسى) ليصدقنّك يا محمد وليدخلنّ في الإسلام ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِتوجيه للنبي ﷺ بأن يجيبهم بأن إنزال المعجزات ليس بيده ولا باختياره، بل هو أمر يختص به الله وحده، ينزلها متى شاء وكيفما شاء وفق حكمته.
﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ أي وما يدريكم أيها المؤمنون؟، ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لعلم الله أنهم لا يصدقون حتى لو رأوا الآيات.
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (110)
قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ أي نصرف قلوبهم وأفئدتهم عن الحق، ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي كما حلنا بينهم وبين الإيمان بالقرآن أول مرة بسبب عنادهم، (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ) ضلالهم وتمردهم على ربهم . ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حيارى يتخبطون.
(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) 111
قوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ) كما سألوا واقترحوا، (وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ) بإحيائنا لهم ليخبروهم بصدقك، (وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا) أي جمعنا كل شيء وواجهناهم به عياناً ليشهدوا بنبوتك، (مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) ذلك، لأن الإيمان بيد الله ولطفه، (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) أن الإيمان بمشيئة الله.
(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) 112
قوله: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ) أي كما ابتليناك بهؤلاء المشركين جعلنا لكل نبي قبلك أعداء من متمردي الإنس والجن، (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) أي يلقي بعضهم إلى بعض الكلام المزين المموه بالباطل ليخدعوا به الناس، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) أي لمنعهم من ذلك قسراً ولكن أراد الابتلاء، (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) أي دعهم وما يختلقون من الكذب، وهذا منسوخ بآية السيف، وهي قوله تعالى :{فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } (التوبة: 5)
(وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) 113
قوله: (وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ) أي ولتميل إلى هذا القول المزين، (أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) أي قلوب الكفار، (وَلِيَرْضَوْهُ) لأنفسهم، (وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) أي ليكتسبوا من الأعمال السيئة ما هم مكتسبون.
(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) 114
قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) أي قل لهم يا محمد: أأطلب قاضياً بيني وبينكم غير الله؟ (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا) أي القرآن مبيناً فيه الحق والباطل، (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) أي مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، (يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ) لما يجدونه في كتبهم، (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي من الشاكين في ذلك.
(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) 115
قوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) أي استقرت، والمراد القرآن، (صِدْقًا) في الإخبار، (وَعَدْلًا) في الأحكام، (لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) لا يقدر أحد أن يغيرها أو يحرفها كما فُعل بالكتب السابقة، (وَهُوَ السَّمِيعُ) لأقوالكم، (الْعَلِيمُ) بنياتكم.
(وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) 116
قوله: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ) أي الكفار الذين هم الكثرة، (يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) عن دين الحق، (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) في ادعائهم أن ما حرموه حرام وما أحلوه حلال، (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي يكذبون ويقدرون بغير يقين.
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) 117
قوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ) أي من يزيغ عن دينه، (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) السالكين لطريقه، فيجزي كلاً بما يستحق.
(فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) 118
قوله: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أي من الذبائح التي سمي الله عليها عند ذبحها، (إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) أي مصدقين، وهذا رد على المشركين الذين كانوا يجادلون في تحريم الميتة وتحليل ما ذبح لغير الله.
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) 119
قوله: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أي أي غرض لكم في ترك الأكل مما سمي الله عليه، (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) أي بيّن لكم المحرمات في آيات أخرى، (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) فإنه حلال في حال الجوع الشديد، (وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي يدعون إلى تحريم الحلال وتحليل الحرام بغير حجة، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) المتجاوزين للحلال إلى الحرام.
(وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) 120
قوله: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) أي اتركوا علانية الذنوب وسرها، (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ) أي يفعلونه، (سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) أي يعاقبون في الآخرة بما اكتسبوا من المعاصي.
(وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) 121
قوله: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أي: الميتة، وما ذبح للأصنام، وما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه عمداً، (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) أي: وإن الأكل منه لخروج عن الحق ومعصية، (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ) من المشركين بالوسوسة والإلقاء، (لِيُجَادِلُوكُمْ) في تحليل الميتة، حيث قالوا: تأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله! (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ) في تحليل الميتة، (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) لأنكم عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره، ومن اتخذ غير الله حكماً فقد أشرك.
(أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) 122
قوله: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا) أي: كافراً ميّت القلب، (فَأَحْيَيْنَاهُ) بالإيمان والهدى، (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) وهو القرآن يهتدي به، (كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ) أي: كمن هو باقٍ في ظلمات الكفر والضلالة، (لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) أبداً، أي لا يستوي المؤمن والكافر، (كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: كما زين الله الإيمان في قلب المؤمن، زين للكافرين أعمالهم القبيحة حتى رأوها حسنة.
(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) 123
قوله: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) أي: كما جعلنا في مكة، (أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا) أي: رؤساءها وعظماءها في الشر، (لِيَمْكُرُوا فِيهَا) بالصد عن سبيل الله، (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ) لأن وبال مكرهم يعود عليهم، (وَمَا يَشْعُرُونَ) بذلك في الحال.
(وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) 124
قوله: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) أي: من النبوة والوحي، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) رد عليهم بأن النبوة اختيار إلهي لمن يصلح لها، (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ) أي: ذل وهوان بسبب تكبرهم على الحق، (وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) بسبب مكرهم.
(فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) 125
قوله: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) أي: يفتحه وينوره لليقين، (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) أي: شديد الضيق لا يدخله الإيمان، (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) لشدة صعوبة الإيمان عليه، (كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ) أي: العذاب، (عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ).لا يوحدون الله تعالى.
(وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) 126
قوله: (وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا) أي: الإسلام، (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ) بيناها، (لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) لأنهم المنتفعون بها.
(لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) 127
قوله: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ) هي الجنة، وسميت بذلك لأنها دار السلامة من كل آفة، (عِندَ رَبِّهِمْ) كرامة لهم، (وَهُوَ وَلِيُّهُم) ناصرهم وحافظهم، (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) في الدنيا.
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) 128
قوله: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ) أي: أضللتم كثيراً منهم، (وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) استمتاع الجن بالإنس بطاعتهم، والإنس بالجن بنيل الشهوات، (وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا) وهو الموت، (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ) مقامكم، (خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) من إخراج عصاة الموحدين، (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ). الحكمة: وضع الشيء في موضعه، عليم: بماكان وماهو كائن
(وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) 129
قوله: (وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا) أي: نسلط بعضهم على بعض، ، (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) من المعاصي.
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) 130
قوله:(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ)أي:رسل من الإنس، (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا) وهو يوم القيامة، (قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا) بالتبليغ، (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) وخدعتهم الحياة الدنيا بما فيها من زخرف، ونعيم زائل(وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا في الدنيا كافرين بالله وبرسله، ولن ينفعهم هذا الإقرار، ولا الإيمان؛ لفوات وقته.
{ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)}
قوله:( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى ) لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل ، (بظلم) أي: بشرك من أشرك، (وأهلها غافلون) لم نعذب أمة من الأمم إلا بعد إرسال الرسل إليهم.
{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)}
قوله:( ولكل درجات مما عملوا ) يعني في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا ، فمنهم من هو أشد عذابا ومنهم من هو أجزل ثوابا ، ( وما ربك بغافل عما يعملون ) لا يخفى عليه شي، وسيجازيهم على أعمالهم.
{وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)}.
قوله:(وربك الغني ) عن خلقه، (ذو الرحمة) ذو الرحمة بأوليائه وأهل طاعته، (إن يشأ يذهبكم ) يهلككم ، وعيد لأهل مكة ، (ويستخلف) يخلق وينشئ، (من بعدكم ما يشاء) خلقا غيركم أمثل وأطوع ، (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين) أي: آبائهم الماضين قرنا بعد قرن .
{إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ۖ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (134)}.
قوله:(إن ما توعدون) أي: ما توعدون من مجيء الساعة والحشر، (لآت) كائن، (وما أنتم بمعجزين) أي: بفائتين، يعني: يدرككم الموت حيث ما كنتم .
{قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)}
قوله:(قل) يا محمد (يا قوم اعملوا على مكانتكم اعملوا على ما أنتم عليه . يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة: على مكانتك يا فلان، أي: اثبت على ما أنت عليه، وهذا أمر وعيد على المبالغة، (إني عامل) ما أمرني به ربي - عز وجل - ، ( فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ) أي : الجنة ، ( إنه لا يفلح الظالمون ) معناه لا يسعد من كفر بي وأشرك .
{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)}
قوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا )، كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا ، وللأوثان نصيبا فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيوف والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها ، فإن سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا ، وإن سقط شيء من نصيب الأصنام فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان ، وقالوا : إنها محتاجة ، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام جبروه بما جعلوه لله ، فذلك قوله تعالى (وجعلوا لله مما ذرأ) خلق (من الحرث والأنعام نصيبا) وفيه اختصار مجازه : وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا .
( فقالوا هذا لله بزعمهم ) الزعم: هو القول من غير حقيقة ، ( وهذا لشركائنا ) يعني الأوثان ، ( فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ) ومعناه : ما قلنا أنهم كانوا يتمون ما جعلوه للأوثان مما جعلوه لله ، ولا يتمون ما جعلوه لله مما جعلوه للأوثان .( ساء ما يحكمون ) أي : بئس ما يصنعون .
(وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) 137
قوله: (وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) أي: كما زين لهم الشيطان ما مضى، حسّن لهم شياطينهم من الجن والإنس قتل أولادهم خشية الفقر أو العار، (لِيُرْدُوهُمْ) أي: ليهلكوهم بالمعاصي، (وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) أي: ويخلطوا عليهم أحكام دينهم الحنيف بشعائر الشرك، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) أي: لو أراد الله منعهم لَفَعَل، ولكنها المشيئة القائمة على الابتلاء، (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) أي: فاتركهم يا محمد وما يختلقونه من الكذب.
(وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) 138
قوله: (وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ) أي: جعلوا بعض الأنعام والزروع محرمة وممنوعة، (لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ) أي: لا يأكلها إلا من حددوه هم بأهوائهم، (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا) أي: وهي السوائب والحوامي التي لا تُرْكب، (وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) أي: يذبحونها لغير الله، (افْتِرَاءً عَلَيْهِ) أي: كذباً منهم بنسبة هذه التشريعات لله، (سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: سينالون عقاب كذبهم.
(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) 139
قوله: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا) أي: ما تلده الأنعام المحرمة حلال للرجال فقط، (وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا) أي: وممنوع على النساء أكله، (وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ) أي: وإذا ولد ميتاً اشترك الجميع في أكله، (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) أي: سيعاقبهم الله على كذبهم وتغييرهم لشرعه، (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) أي: حكيم في تدبيره عليم بأفعالهم.
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) 140
قوله: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي: خسروا في الدنيا والآخرة لقتلهم فلذات أكبادهم بجهل، (وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ) أي: منعوا أنفسهم من الحلال الذي رزقهم الله كذباً عليه، (قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) أي: انحرفوا عن الصواب ولم يسلكوا سبيل الرشاد.
(وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) 141
قوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ) أي: خلق بساتين منها ما يرتفع عن الأرض كالعنب ومنها ما ينمو على الأرض، (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) أي: متنوع الثمار والأطعم، (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) أي: يتشابه في شكل الورق ويختلف في طعم الثمرة، (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) أي: أباح الله لكم الأكل من رزقه، (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) أي: أخرجوا الزكاة الواجبة وقت جني المحصول، (وَلَا تُسْرِفُوا) أي: لا تفرطوا في الصدقة فتضروا أنفسكم أو لا تضيعوا المال، (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) أي: الله يبغض المتجاوزين لحدوده.
(وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ۚ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) 142
قوله: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا) أي: خلق من الأنعام ما يُحمل عليه الأثقال كالإبل وما هوغير صالح لذلك كصغاره وكالغنم ، (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أي: لا تحرموا ما أحله الله لكم، (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) أي: لا تسلكوا طرق تزيينه في التحليل والتحريم بغير علم، (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) أي: عداوته ظاهرة ومؤكدة.
(ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) 143
قوله: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) أي: خلق لكم من الأنعام ثمانية أنواع، (مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) أي: الذكر والأنثى من الغنم والذكر والأنثى من المعز، (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ) أي: اسألهم يا محمد، هل حرم الله الذكور منها أم الإناث؟ (أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ) أي: أم حرم ما في بطونهما من الأجنة؟، (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي: أخبروني بدليل صحيح على هذا التحريم إن كنتم محقين في دعواكم.
(وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) 144
قوله: (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) أي: وخلق من الإبل نوعين ومن البقر نوعين (الذكر والأنثى)، (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ) أي: تكرار للتوبيخ ببيان بطلان تحريمهم لبعضها دون مستند، (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا) أي: هل حضرتم الله وهو يأمر بهذا التحريم؟، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي: لا أحد أشد ظلماً ممن ينسب لله أحكاماً باطلة بجهل، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي:إن الله لا يوفق للرشاد من تجاوز حدوده وافترى عليه.
(قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) 145
قوله: (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) أي: قل يا محمد لا أجد في القرآن شيئاً محرماً من الأطعمة التي تدعون تحريمها، (إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً) أي: ما مات دون ذكاة، (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا) وهوالدم الذي يصب من البهيمة من حلقها عند الذبح، يقال له: مسفوح، وهو نجس ومحرم، وهكذا الدماء التي تصب منها عند إصابتها بحادث ، (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) أي: لأنه نجس ومستقذر، (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) أي: ما ذبح على اسم الأصنام أو غير الله، (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) أي: من ألجأته الضرورة لأكل هذه المحرمات دون رغبة منه أو تجاوز للقدر المحتاج إليه، (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) أي: فالله يغفر له ويرحمه لضرورته.
(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) 146
قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) أي: وحرمنا على اليهود كل حيوان وطير ليس منفرج الأصابع كالإبل والنعام، (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا) أي: وحرمنا عليهم دهون البقر والغنم، (إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) أي: إلا الشحم الذي على الظهر أو في الأمعاء أو الملتصق بالعظم، (ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ) أي: هذا التحريم كان عقوبة لهم بسبب ظلمهم، (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) أي: وإنا لصادقون في إخبارنا عما حرمناه عليهم وعن سبب تحريمه.
(فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) 147
قوله: (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) أي: فإن كذبك هؤلاء اليهود فقل لهم إن رحمة الله واسعة بعباده حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) أي: ولكن إذا حل عذابه وعقابه فلا رادّ له عن أهل الإجرام.
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) 148
قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ) أي: سيحتج المشركون بالقدر قائلين لو أراد الله لمنعنا من الشرك والتحريم، (كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا) أي: بمثل هذه الشبهة كذب المكذبون السابقون حتى نزل بهم عذابنا، (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) أي: هل لديكم دليل من الله يؤيد احتجاحكم بالقدر؟، (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) أي: ما تتبعون إلا أوهاماً وما أنتم إلا تكذبون وتتخرصون.
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) 149
قوله: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) أي: لله وحده الحجة القاطعة التي تنقطع عندها معاذيركم (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) أي: لو أراد هدايتكم جميعاً لفعل، ولكنه أعطاكم الاختيار وأرسل الرسل لتقوم الحجة عليكم.
(قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) 150
قوله: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا) أي: هاتوا شهداءكم الذين يزعمون أن الله هو من شرع هذه التحريمات، (فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أي: فإن شهدوا كذباً وزوراً فلا تصدقهم ولا توافقهم، (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: ولا تساير رغبات المكذبين بالوحي، (وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي: والذين ينكرون البعث ويجعلون لله شركاء وأنداداً.
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) 151
قوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) أي: قل لهم يا محمد هلموا أقرأ عليكم المحرمات الحقيقية التي شرعها الله لا ما حرمتموه بأهوائكم، (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) أي: أول المحرمات هو الشرك بالله، فافردوه بالعبادة وحده، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي: وأوصاكم بالبر بالوالدين والإحسان إليهما بالقول والفعل، (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ) أي: ولا تقتلوا أبناءكم بسبب الفقر والحاجة، (نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) أي: الله هو المتكفل برزقكم ورزقهم فلا تخشوا فقراً، (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) أي: لا تقربوا الذنوب العظيمة كالقذف والزنا، سواء ما كان منها علانية أو سراً، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي: لا تقتلوا النفس المعصومة إلا بما يبيحه الشرع كالقصاص، (ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: هذا ما أمركم الله به لكي تتدبروا وتعملوا بعقولكم فيما ينفعكم.
(وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) 152
قوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) أي: لا تتصرفوا في مال من فقد أباه إلا بما فيه مصلحة وتنمية له حتى يصل لسن الرشد، (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) أي: أتموا المقادير والموازين بالعدل دون نقص، (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) أي: الله لا يكلف أحداً فوق طاقته في تحري الدقة المطلقة، (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ) أي: قولوا الحق في الشهادة والحكم حتى لو كان ضد الأقارب، (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) أي: التزموا بما عاهدتم الله عليه وبأوامره ونواهيه، (ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي: هذه وصايا الله لكي تتعظوا وتعملوا بها.
(وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) 153
قوله: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) أي: إن هذا الدين الذي شرعته هو طريقي القويم فاسلكوه، (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) أي: لا تتبعوا طرق الضلال والبدع فتبعدكم عن الحق، (ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: وصاكم بهذا لكي تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية بالعمل الصالح.
(ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) 154
قوله: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) أي: أعطينا موسى التوراة إكمالاً للنعمة على من أحسن الطاعة، (وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) أي: وتبييناً لكل ما يحتاجونه من أحكام دينهم، (وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) أي: ليكون بصيرة ورحمة لهم كي يصدقوا بالبعث والجزاء.
(وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) 155
قوله: (وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) أي: وهذا القرآن الذي أنزلناه كثير الخير والبركة، (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي: فاعملوا بما فيه واحذروا مخالفته لتنالوا رحمة الله.
(أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) 156
قوله: (أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا) أي: أنزلنا القرآن لئلا تحتجوا قائلين إن الوحي نزل فقط على اليهود والنصارى، (وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) أي: ولم نكن نعلم لغتهم أو نفهم ما في كتبهم.
(أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ) 157
قوله: (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ) أي: أو لئلا تقولوا لو نزل علينا وحي لسرنا على الطريق الصحيح أفضل منهم، (فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) أي: فقد وصلكم البرهان الواضح من الله، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا) أي: لا أحد أشد جرماً ممن أنكر كلام الله وأعرض عنه، (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ) أي: سنعاقب المعرضين بأشد العقوبة بسبب صدودهم.
(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) 158
قوله: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) أي: هل ينتظر هؤلاء إلا موتهم أو قيام الساعة أو علاماتها الكبرى، (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُن آمَنَت مِن قَبْلُ) أي: حين تظهر العلامات الكبرى (كطلوع الشمس من مغربها) يغلق باب التوبة، (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) أي: ولا ينفع المقصر توبته حينها، (قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) أي: قل لهم ترقبوا ما سيحل بكم وإنا مترقبون نصر الله.
(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) 159
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) أي: الذين اختلفوا في أصول الدين وصاروا أحزاباً وجماعات متناحرة، (لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) أي: أنت يا محمد بريء من فعلهم ومنهم، (إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) أي: مرجعهم وحسابهم على الله وسيجازيهم على تفرقهم.
(مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) 160
قوله: (مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) أي: من فعل طاعة ضاعف الله له الأجر إلى عشرة أضعاف فضلاً منه، (وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا) أي: ومن فعل معصية لا يعاقب إلا بقدرها دون زيادة، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي: لا ينقص من ثوابهم ولا يزاد في عقابهم.
(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) 161
قوله: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) أي: أخبرهم يا محمد أن الله أرشدني للطريق الحق، (دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) أي: ديناً قائماً بمصالح الدنيا والآخرة، وهو دين إبراهيم ،عليه السلام، المستقيم على الحق، (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي: ولم يكن إبراهيم عليه السلام يشرك مع الله أحداً.
(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) 162
قوله: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي) أي: قل إن عبادتي لله وذبحي لله وحده، (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: وكل ما أفعله في حياتي وما أموت عليه هو خالص لخالق هذا الكون ومدبره.
(لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) 163
قوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي: ليس لله نديد في ملكه أو عبادته، (وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ) أي: وهذا التوحيد الخالص هو ما أمرني الله به، (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) أول المقرين به من هذه الأمة.
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) 164
قوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) أي: قل يا محمد أأطلب إلهاً غير الله وهو خالق كل موجود ومُدبره؟، (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا) أي: لا يتحمل تبعة الذنب إلا من ارتكبه، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) أي: لا تُحمل نفسٌ ذنبَ نفسٍ أخرى، (ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ) أي: مآلكم جميعاً إلى الله يوم القيامة، (فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أي: فيخبركم بحقيقة ما اختلفتم فيه من الدين ويجازيكم عليه.
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) 165
قوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) أي: جعلكم الله يخلف بعضكم بعضاً في عمارة الأرض جيلاً بعد جيل، (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) أي: فاوت بينكم في الرزق والقوة والعلم والمكانة، (لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) أي: ليختبركم فيما منحكم من النعم ومدى شكركم عليها، (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ) أي: عقابه آتٍ لا محالة لكل من عصاه، (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) أي: وهو واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
تم، بفضل الله، تفسير سورة الأنعام.

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

2 + 9 =

/500
جديد الدروس الكتابية