قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} : ولو نزلنا يا محمد بمرأى منهم كما زعموا وطلبوا كلاما مكتوبا في صحيفة { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } أي : فعاينوا ذلك ومسوه باليد كما اقترحوا وبالغوا في ميزه وتقليبه جسا بأيديهم ، ليرتفع كل ارتياب ، ويزول عنهم كل إشكال ، لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم ، وقالوا :( إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) إنما سكرت أبصارنا وسحرنا. والمعنى :أن هؤلاء لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من علمي .
{وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8)}
قوله: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ) على محمد صلى الله عليه وسلم ، (ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر) أي: لوجب العذاب ، وفرغ من الأمر، وهذا سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية فأنزلت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، ( ثم لا ينظرون ) أي : لا يؤجلون ولا يمهلون.
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9)}
قوله: (ولو جعلناه ملكا) يعني: لو أرسلنا إليهم رسولا من الملائكة (لجعلناه رجلا ) في صورة رجل آدمي، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة ، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي ، وجاء الملكان إلى داود في صورة رجلين. ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) أي : خلطنا عليهم ما يخلطون وشبهنا عليهم فلا يدرون أملك هو أم آدمي.
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)}
قوله:( ولقد استهزئ برسل من قبلك ) كما استهزئ بك يا محمد، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم (فحاق) فنزل، وحل، ( بالذين سخروا منهم)من العذاب والنقمة، (ما كانوا به يستهزئون ) أي: جزاء استهزائهم .
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)}
قوله: (قل) يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين ، (سيروا في الأرض ) معتبرين ،، ( ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك ، فحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية .
{قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)}
قوله: ( قل لمن ما في السموات والأرض ) فإن أجابوك وإلا ( قل ) أنت ، ( لله ) أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجة ، ( كتب ) أي : قضى ، ( على نفسه الرحمة ) هذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال عليه وإخباره بأنه رحيم بالعباد لا يعجل بالعقوبة ، ويقبل الإنابة والتوبة. ( ليجمعنَّكم ) اللام فيه لام القسم والنون نون التأكيد ، أي: والله ليجمعنكم ، ( إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) أي : لا شك في يوم القيامة ، (الذين خسروا ) أي يوم القيامة ( فهم لا يؤمنون ) أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم .
{۞ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)}
قوله:(وله ما سكن في الليل والنهار) أي: استقر، وخص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر، ( وهو السميع ) لأصواتهم ، ( العليم ) بأسرارهم .