تفسير سورة الأنعام

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الإثنين 21 شهر رمضان 1447هـ | عدد الزيارات: 28 القسم: المفيد في تفسير القرآن الكريم -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

سورة الأنعام مكية، وهي مائة وخمس وستون آية ، وقد نزلت بمكة؛ لتقرير عقيدة التوحيد ، ونقض الاعتقادات الشركية .

{بسم الله الرحمن الرحيم}

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)}

قوله:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، هذا إخبار عن حمده والثناء عليه بصفات الكمال، ونعوت العظمة والجلال عموما، وعلى هذه المذكورات خصوصا. فحمد نفسه على خلقه السماوات والأرض، الدالة على كمال قدرته، وسعة علمه ورحمته، وعموم حكمته، وانفراده بالخلق والتدبير، (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ) وعلى جعله الظلمات والنور، وذلك شامل للحسي من ذلك، كالليل والنهار، والشمس والقمر. والمعنوي، كظلمات الجهل، والشك، والشرك، والمعصية، والغفلة، ونور العلم والإيمان، واليقين، والطاعة، وهذا كله، يدل دلالة قاطعة أنه تعالى، هو المستحق للعبادة، وإخلاص الدين له، ومع هذا الدليل ووضوح البرهان { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي يعدلون به سواه، يسوونهم به في العبادة والتعظيم، مع أنهم لم يساووا الله في شيء من الكمال، وهم فقراء عاجزون ناقصون من كل وجه.

{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2)}

قوله: (هو الذي خلقكم من طين) يعني آدم عليه السلام ، خاطبهم به إذ كانوا من ولده. ( ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ) الأجل الأول من الولادة إلى الموت ، والأجل الثاني من الموت إلى البعث ، وهو البرزخ ، ( ثم أنتم تمترون ) تشكون في البعث .

{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)}

قوله: (وهو الله في السموات وفي الأرض) يعني: هو المعبود في السموات والأرض، (يعلم سركم وجهركم ) في السموات والأرض (ويعلم ما تكسبون) تعملون من الخير والشر .

{وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)}

قوله: (وما تأتيهم) يعني: أهل مكة، (من آية من آيات ربهم) مثل انشقاق القمر وغيره ، ( إلا كانوا عنها معرضين ) لها تاركين بها مكذبين .
{فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)
قوله:( فقد كذبوا بالحق) بالقرآن وبالرسول، (لما جاءهم) حين جاءهم (فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون) أي: أخبار استهزائهم وجزاؤه، وسيعلمون عاقبة استهزائهم إذا عذبوا يوم القيامة.
{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)}
قوله: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن) ألم يعلم هؤلاء الكافرون سنة الله في الأمم الظالمة، والقرن: الجماعة من الناس ، وجمعه قرون (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) أي: أعطيناهم ما لم نعطكم، (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) يعني: المطر، ( وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ) فينبت لهم بذلك ما شاء الله، من زروع وثمار، يتمتعون بها، ويتناولون منها ما يشتهون، فلم يشكروا الله على نعمه، بل أقبلوا على الشهوات، وألهتهم أنواع اللذات، فجاءتهم رسلهم بالبينات، فلم يصدقوها، بل ردوها وكذبوها (فأهلكناهم بذنوبهم)أي: بسببها (وأنشأنا من بعدهم ) خلقنا وابتدأنا ، ( قرنا آخرين ) أمما أخرى.
{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7)}
قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} : ولو نزلنا يا محمد بمرأى منهم كما زعموا وطلبوا كلاما مكتوبا في صحيفة { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } أي : فعاينوا ذلك ومسوه باليد كما اقترحوا وبالغوا في ميزه وتقليبه جسا بأيديهم ، ليرتفع كل ارتياب ، ويزول عنهم كل إشكال ، لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم ، وقالوا :( إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) إنما سكرت أبصارنا وسحرنا. والمعنى :أن هؤلاء لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من علمي .
{وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8)}
قوله: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ) على محمد صلى الله عليه وسلم ، (ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر) أي: لوجب العذاب ، وفرغ من الأمر، وهذا سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية فأنزلت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، ( ثم لا ينظرون ) أي : لا يؤجلون ولا يمهلون.
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9)}
قوله: (ولو جعلناه ملكا) يعني: لو أرسلنا إليهم رسولا من الملائكة (لجعلناه رجلا ) في صورة رجل آدمي، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة ، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي ، وجاء الملكان إلى داود في صورة رجلين. ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) أي : خلطنا عليهم ما يخلطون وشبهنا عليهم فلا يدرون أملك هو أم آدمي.
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)}
قوله:( ولقد استهزئ برسل من قبلك ) كما استهزئ بك يا محمد، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم (فحاق) فنزل، وحل، ( بالذين سخروا منهم)من العذاب والنقمة، (ما كانوا به يستهزئون ) أي: جزاء استهزائهم .
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)}
قوله: (قل) يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين ، (سيروا في الأرض ) معتبرين ،، ( ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك ، فحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية .
{قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)}
قوله: ( قل لمن ما في السموات والأرض ) فإن أجابوك وإلا ( قل ) أنت ، ( لله ) أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجة ، ( كتب ) أي : قضى ، ( على نفسه الرحمة ) هذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال عليه وإخباره بأنه رحيم بالعباد لا يعجل بالعقوبة ، ويقبل الإنابة والتوبة. ( ليجمعنَّكم ) اللام فيه لام القسم والنون نون التأكيد ، أي: والله ليجمعنكم ، ( إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) أي : لا شك في يوم القيامة ، (الذين خسروا ) أي يوم القيامة ( فهم لا يؤمنون ) أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم .
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)}
قوله:(وله ما سكن في الليل والنهار) أي: استقر، وخص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر، ( وهو السميع ) لأصواتهم ، ( العليم ) بأسرارهم .

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

2 + 4 =

/500
جديد الدروس الكتابية