{ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [50]
قوله: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } أي: أيريدون حكم أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والجهالات، { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا } أي: لا أحد أحسن حكماً من الله، { لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي: عند قوم يصدقون ويعلمون يقيناً حقيقة حكمه وعدله.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [51]
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} ياأيها الذين صدقوا الله واتبعوا رسوله لا تجعلوا من اليهود والنصاري حلفاء وأصفياء توالوهم، فاليهود إنما يوالون أهل ملتهم ، والنصاري إنما يوالون أهل ملتهم ، {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} في العون والنصرة واليد الواحدة على المسلمين، {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} فيوافقهم ويعينهم، {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أي صار من جملتهم وحكمه حكمهم، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} بموالاتهم الكفار.
{ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبَحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ } [52]
قوله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شك ونفاق، {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي يبادرون إلى موالاة اليهود والنصارى، {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} أي نخاف أن يظفر هؤلاء المسلمون وتكون لهم الدولة فينالنا منهم مكروه، {فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} أي فلعل الله أن يجعل الظفر لرسوله والمؤمنين، {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} تندفع به صولة اليهود ومن يواليهم، {فَيُصْبَحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} فيصبح المسارعون إلى موالاتهم نادمين على ما أخفوا من النفاق في قلوبهم.
{ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ } [٥٣]
قوله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: يقول المسلمون بعضهم لبعض على وجه التعجب، {أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي: غلظ أيمانهم وأكدوا حلفهم، {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} أي: إنهم لفي دينكم ومعكم على أعدائكم، {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي: بطلت حسناتهم التي عملوها في الدنيا، {فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} أي: صاروا خاسرين في الدنيا والآخرة.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [٥٤]
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر، {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} أي بدل هؤلاء المرتدين، {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أي رحماء متواضعين للمؤمنين، {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي أشداء غلاظ على أهل الكفر، {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لإعلاء كلمة الله، {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} أي لا يبالون بلوم من لَامهم في طاعة الله، {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} أي هذا الذي ذكرت من الأوصاف الحميدة هو فضل الله يعطيه من يشاء، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} أي واسع الفضل، {عَلِيمٌ} بمن يستحق هذا الفضل.
{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } [٥٥]
قوله: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } أي: ناصركم ومعينكم ومحبكم الله ورسوله والمؤمنون، { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } أي: يحافظون على أوقاتها وحدودها، { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } أي: يعطونها لأهلها، { وَهُمْ رَاكِعُونَ } أي: خاضعون متواضعون لله عز وجل.
{وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [٥٦]
قوله: { وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } أي: من يتخذهم أولياء وأنصاراً ويرضى بولايتهم، { فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ } يعني أنصاره وأولياءه، { هُمُ الْغَالِبُونَ } أي: لهم الغلبة والنصرة على جميع أعدائهم.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [٥٧]
قوله: { لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا } أي يسخرون من صلاتكم وشرائعكم، { مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } وهم اليهود والنصارى، { وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ } يعني مشركي العرب، { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي خافوا الله في موالاتهم إن كنتم مصدقين بأمره.
{ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ } [٥٨]
قوله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} يعني الأذان، {اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} أي استهزءوا وسخروا وضحكوا من الأذان والصلاة، {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} أي لا يفهمون حقيقة العبادة لشدة كفرهم.
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [٥٩]
قوله: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا } أي: هل تعيبون منا وتكرهون، { إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } يعني القرآن، { وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ } يعني التوراة والإنجيل، { وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } أي: ولأن أكثركم خارجون عن طاعة الله، فنقمتكم علينا بسبب إيماننا وفسقكم، كما تعيبونه علينا محمدة لنا وليس مذمة.
{ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ } [٦٠]
قوله: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ} أي: قل أيها الرسول هل أخبركم بمن هم أولى بالعيب وأشد عقابا من هؤلاء {مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ } إنهم أسلافهم الذين طردهم الله من رحمته وصيرهم بعد المسخ قردة وخنازير {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ }، وجعل منهم عبادا للطاغوت ، والطاغوت كل من يعبد من دون الله راضيا {أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ } ولكن أولئك المذكورون شر منزلة يوم القيامة وأضل سعيا عن الطريق المستقيم .
{ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ } [٦١]
قوله: { وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا } يعني هؤلاء المنافقين من اليهود، { وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ } أي دخلوا عليك يا محمد وهم كفار، وخرجوا من عندك وهم كفار، لم يمنعهم ما رأوا من الدلائل من الكفر، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ } بما يضمرونه من الكفر، وإظهار الإيمان لكم، وسيجازيهم على ذلك.
{ وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [٦٢]
قوله: { وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ } أي من اليهود، { يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ } يبادرون في الإثم من قول الكذب وشهادة الزور { وَالْعُدْوَانِ } وهو الظلم ومجاوزة الحد، { وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ } يعني الحرام كالرشوة، { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي قَبُحَ عَمَلُهُم هذا.
{ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [٦٣]
قوله: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} أي: هلا ينهاهم أئمتهم وعلماؤهم، {عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} أي: عن كذبهم وأكلهم الحرام، {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} أي: لبئس الصنيع صنيع هؤلاء الأئمة والعلماء في تركهم النهي عن المنكر.
{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [٦٤]
قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} أي: ممسكة متبخلة عن الرزق، {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} أي: حبست عن الخيرات، وهو دعاء عليهم بالبخل والفقر في الدنيا والغل في الآخرة، {وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا } أي: أبعدوا من رحمة الله، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي: هو جواد لا يبخل، وذكر اليدين على وجه المبالغة في الكرم، {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} من التوسيع والتضييق لا اعتراض عليه، {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} أي: كلما نزل عليك الوحي زادهم ذلك حسداً وتمردًا وجحودًا.{ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ} يعني بين اليهود والنصارى، {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ} أي: كلما أجمعوا أمرهم على محاربتك يا محمد، وتحزبوا لقتال المؤمنين، {أَطْفَأَهَا اللَّهُ} أي: قهرهم وشتت شملهم ورد كيدهم، {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} أي: يعملون بمعاصي الله، { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} أي: لا يرضى فعلهم ولا يثيبهم عليه.
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } [٦٥]
قوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ} يعني اليهود والنصارى، {آمَنُوا} أي بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، {وَاتَّقَوْا} وخافوا الله باجتناب المعاصي ، {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي لغفرنا لهم ما سلف من ذنوبهم، {وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} في الآخرة ليتنعموا فيها.
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } [٦٦]
قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ} أي عملوا بما فيهما من غير تحريف، {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ} يعني سائر كتب أنبيائهم، {لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} يعني لوسع عليهم الرزق ولأسبغ عليهم النعمة، فالمطر من فوقهم، والنبات والثمار من تحت أرجلهم، {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} أي جماعة عادلة غير غالية ولا مقصرة، وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} أي قبُحَ عملُهم في تكذيب الرسل وتحريف الكتب.
{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [٦٧]
قوله: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } أي أظهر التبليغ، لأنه كان في أول الإسلام يخفي التبليغ خوفاً من المشركين، ثم أمر بإظهاره . { وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } أي إن كتمت شيئاً مما أنزل إليك فكأنك لم تبلغ شيئاً من رسالته. { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } أي يمنعك ويحفظك من القتل والهلاك لتبلغ رسالته. { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } إنَّ الله لا يوفق للرشد الجاحدين الذين لا يريدون الهداية.
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } [٦٨]
قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} أي: لستم على شيء من الدين يُعتد به، {حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ} أي: تعملوا بما فيهما وتؤمنوا بما أُخذ عليكم فيهما من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} يعني القرآن، {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} أي: كلما نزل عليك الوحي زادهم ذلك حسداً وتمردًا وجحودًا، {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} أي: فلا تحزن على هؤلاء الكافرين الخارجين عن طاعة الله.
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [٦٩]
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} أي المؤمنون المخلصون، {وَالَّذِينَ هَادُوا} وهم اليهود، {وَالصَّابِئُونَ} قوم ليس لهم دين، {وَالنَّصَارَىٰ} أتباع عيسى عليه السلام، {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} أي أخلص الإيمان وصدق بالبعث من هذه الأصناف في زمانه قبل النسخ {وَعَمِلَ صَالِحًا} أي وافق الشريعة، {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما خلفوا في الدنيا.
{ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ } [٧٠]
قوله: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: لقد أخذنا العهود المؤكدة على بني إسرائيل بالسمع والطاعة ، فنقضوا ما أخذ عليهم منها {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ} أي: بما لا تريده ولا تشتهيه أنفسهم من الحق، {فَرِيقًا كَذَّبُوا} وهم من كذبوهم في دعوتهم، {وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} أي: وقتلهم بعضا .
{ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } [٧١]
قوله: { وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي: ظنوا ألا يصيبهم بلاء ولا عقوبة على قتلهم الأنبياء وتكذيبهم إياهم، { فَعَمُوا } عن الحق فلا يبصرونه، { وَصَمُّوا } عن سماعه فلا يعونه، { ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } أي: تجاوز عنهم بعد ذلك، { ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا } أي: عادوا إلى كفرهم بعد التوبة، { كَثِيرٌ مِّنْهُمْ } وهم الذين أقاموا على الكفر، { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } لا يخفى عليه شيء من أفعالهم.
{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } [٧٢]
قوله: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } وهم طائفة من النصارى، { وَقَالَ الْمَسِيحُ } أي عيسى عليه السلام في الرد عليهم، { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } فأقر بالعبودية لله، { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ } أي منعها عنه، { وَمَأْوَاهُ النَّارُ } أي مقامه ومسكنه جهنم، { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } أي ليس للمشركين من يمنعهم من عذاب الله.
{ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [٧٣]
قوله: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} وهم النسطورية والملكانية من النصارى، قالوا: أب وابن وروح القدس، {وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} أي: ليس في الوجود مستحق للعبادة إلا الله المتفرد بالوحدانية، {وَإِن لَّم يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ} أي: إن لم يرجعوا عن هذا القول والاعتقاد، {لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: لينالنهم في الآخرة عذاب موجع دائم وهو النار.
{أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[٧٤]
قوله: {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} وهذا استفهام ترغيب وحث، أي: فليتوبوا إليه من مقالتهم هذه وليطلبوا منه المغفرة، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب إليه من أي ذنب كان.
{ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } [٧٥]
قوله: { مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ } أي ليس هو بإله، بل هو كمن سبقه من الأنبياء أرسله الله بالهدى، { وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } أي كثيرة الصدق والتصديق بآيات ربها، { كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ } كغيرهما من البشر، ومن يحتاج إلى الغذاء والأكل لا يكون إلهاً، { انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ } أي الدلائل على وحدانيتنا، { ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } أي كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان الواضح.
{ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [٧٦]
قوله: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} أي: كيف تعبدون جماداً أو مخلوقاً لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا جلب نفع لكم، {وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} لأقوالكم، {الْعَلِيمُ} بضمائركم وأفعالكم.
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ } [٧٧]
قوله: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ } أي: لا تجاوزوا الحد في دينكم بالباطل كغلو اليهود في تقصيرهم في أمر عيسى عليه السلام، وغلو النصارى في إفراطهم فيه، { وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ } وهم أئمة الضلالة منهم ورؤساؤهم الذين وضعوا لهم البدع، { وَأَضَلُّوا كَثِيرًا } أي: أضلوا كثيراً من الناس بغير دين الله، { وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ } أي: عدلوا عن قصد الطريق والحق الذي يجب اتباعه.
{ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ } [٧٨]
قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} أي: أُبعدوا من رحمة الله في كتابيهما (الزبور والإنجيل) بدعائهما عليهم، {ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ} أي: إنما استحقوا هذا اللعن بسبب عصيانهم لأمر الله ومجاوزتهم لحدوده.
{كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [٧٩]
قوله: { كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ } أي: لا ينهى بعضهم بعضاً عن ارتكاب المعاصي، { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } أي: قَبُحَ فعلُهم هذا من ترك النهي عن المنكر.
{ تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ } [٨٠]
قوله: {تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي يوالون مشركي مكة بالمعونة والنصرة، { لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} أي قبح ما قدموا لأنفسهم من موالاتهم الكافرين، {أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي وهو موجب غضب الله عليهم، {وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} أي دائمون لا ينقطع عنهم.
{ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } [٨١]
قوله: { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ } يعني ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله حقا و بمحمد صلى الله عليه وسلم، ، {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ } يعني القرآن ، {مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} أي: ما اتخذوا هؤلاء المشركين أنصاراً يوالونهم، {وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي: خارجون عن الإيمان متمردون في كفرهم.
{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } [٨٢]
قوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} أي: أشد الناس بغضاً للمسلمين هم اليهود ومشركو العرب، {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ} وهم الذين آمنوا بعيسى عليه السلام، {ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ} وهم علماؤهم، {وَرُهْبَانًا} وهم عبادهم في الصوامع، {وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} أي: لا يتعاظمون عن قبول الحق كاستكبار اليهود.
{ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } [٨٣]
قوله: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ} يعني القرآن، {تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} أي تسيل وتمتلئ بالبكاء، {مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} أي من موافقة القرآن لما عندهم من البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم، {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا} أي صدقنا بكتابك ونبيك، {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} أي اجعلنا من الشاهدين على الناس من هذه الأمة يوم القيامة. .
{ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ } [٨٤]
قوله: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ} أي: وأي مانع لنا من الإيمان بالله وبالقرآن الذي جاءنا من الحق، {وَنَطْمَعُ} أي: ونحن نرجو، {أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} أي: مع الأنبياء وأتباعهم.
{ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ } [٨٥]
قوله: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ} أي: فأعطاهم الله وجازاهم، {بِمَا قَالُوا} من الاعتراف بالحق والإيمان، { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أي: تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهارُ {خَالِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها أبداً لا يخرجون منها، {وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} أي: ثواب من أحسن في قوله وعمله.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}[٨٦]
قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي جحدوا توحيد الله وكذبوا برسله وكتبه، {أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} أي سكان النار الملازمون لها الذين لا يخرجون منها أبداً.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [٨٧]
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} نزلت في رهط من الصحابة أرادوا التخلي من الدنيا وترك أكل اللحم والنساء والملذات والتفرغ للعبادة، فنهاهم الله عن ذلك؛ لأن الطيبات هي المستلذات من الطعام والشراب والنكاح، {وَلَا تَعْتَدُوا} أي: لا تتجاوزوا حدود الله بالتحريم،، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أي: الذين يتجاوزون ما حدَّ لهم في الدين.
{ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } [٨٨]
قوله: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا}أي: استمتعوا بما رزقكم الله من الأطعمة والخيرات حال كونها حلالاً في حكم الله، طاهرًا لا قذارة فيه ولا ضرر، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي: خافوا الله بطاعته وترك معصيته فيما أمركم به ونهاكم عنه، {الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} أي: اتقوه لأنكم صدقتم بوحدانيته، والإيمان يقتضي اتباع أمره.
{لَايُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [٨٩]
قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه من غير عقد قلب، {وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ} أي بما صممت عليه قلوبكم من اليمين، { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} أي من القصد الذي تطعمون عيالكم، لا الأفضل ولا الأردأ، {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} بما يسمى كسوة، {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي إعتاق مملوك، { فَمَن لَّمْ يَجِدْ} شيئًا من هذه الثلاثة، {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} وحنثتم، {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} عن الابتذال أو عن الحنث، مالم يكن الحنث خيرا، فعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حَلَفْتَ على يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَها خَيْرًا منها، فَأْتِ الذي هو خَيْرٌ، وكَفِّرْ عن يَمِينِكَ" [متفق عليه] {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي تشكرون الله على أن علمكم مالم تكونوا تعلمون .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [٩٠]
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ وهو كل مسكر يغطي العقل، ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ وهو القمار والمراهنات، ﴿وَالْأَنصَابُ﴾ وهي الحجارة التي كانت تُنصب للذبح عندها لغير الله، ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ وهي السهام التي كان يُطلب بها علم ما قُسم لهم، ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي مستقذر وقبيح من تزيين الشيطان، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي كونوا في جانب والمنكر في جانب آخر مبالغة في الترك، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لكي تدركوا النجاح والظفر.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [٩١]
قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أي يسعى الشيطان من خلال هذه المحرمات إلى إثارة المشاحنات وقطع الروابط بين المؤمنين، ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ أي يشغلكم بها عن طاعة الله وعن أعظم العبادات وهي الصلاة بسبب السكر، و الانغماس في القمار، ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ وهو استفهام بمعنى الأمر، أي انتهوا عن ذلك فوراً لظهور قبحه وضرره، ولا شك أن هذا هو اللائق بكم؛ فانتهوا
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [٩٢]
قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي التزموا بأوامر الله وما جاء به الرسول في تحريم الخمر والميسر وغيرهما، ﴿وَاحْذَرُوا﴾ أي احذروا من مخالفة هذه الأوامر ومن الوقوع في المعاصي، ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي فإن أعرضتم عن الطاعة واستمررتم على غيكم، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي ليس عليه إكراهكم، بل وظيفته تبليغ الرسالة بوضوح، وقد فعل وقامت عليكم الحجة.
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [٩٣]
قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ أي ليس عليهم إثم فيما تناولوه من الخمر والميسر قبل التحريم، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي إذا اجتنبوا المحرمات وصدقوا بالله وعملوا بطاعته بعد نزول الحكم، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ تأكيد على الاستمرار على التقوى واليقين في كل حال، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ أي ترقوا في مراتب الطاعة حتى وصلوا إلى رتبة الإحسان بأن يعبدوا الله كأنهم يرونه، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ثناء من الله على من استقام على أمره وأحسن في عبادته ومعاملة خلقه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [٩٤]
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يا أيها الذين صدقوا الله واتبعوا رسوله {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾ أي ليختبرنكم الله وأنتم محرمون بما ييسره لكم من صيد البر، ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ وهو صيد الصغار وفراخ الطير التي يسهل أخذها باليد، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ وهو ما يُصاد بالرماح وغيرها من كبار الصيد، ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي ليظهر للناس من يراقب الله ويخشاه في حال سره ومغيبه عن أعين الناس فلا يقرب الصيد، ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ﴾ أي فمن تجرأ على الصيد وهو محرم بحج أو عمرة بعد هذا البيان والتحريم، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي عقاب موجع لمخالفته أمر الله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [٩٥]
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ أي وأنتم محرمون بحج أو عمرة، أو كنتم داخل حدود الحرم، ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أي فعليه فدية من الإبل أو البقر أو الغنم تشبه ما قتله في الخِلقة، ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ أي يقدّر هذا المِثل رجلان صاحبا عدالة وفقه، ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي يُذبح هذا الجزاء في الحرم ويُوزع على مساكينه، ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ أي إذا لم يجد مِثلاً، فعليه كفارة بديلة وهي: إطعام مساكين بقيمة الصيد، ﴿أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا﴾ أو صيام يوم مقابل نصف صاع من الطعام ، ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي ليدرك سوء عاقبة مخالفته، ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي عما كان منكم قبل التحريم، ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي من رجع للقتل بعد التحريم عرّض نفسه للانتقام الإلهي، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ أي قوي لا يُغلب وينتقم ممن عصاه.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [٩٦]
قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ أي أباح الله لكم صيد ما في الماء وما قذفه البحر ميتاً، ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي منفعة للمقيمين والمسافرين، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي منعتم من صيد الحيوانات البرية حال الإحرام، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تحذير من مخالفته فإنه الجامع لكم يوم القيامة.
قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ أي أباح الله لكم صيد ما في الماء وما قذفه البحر ميتاً، ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي منفعة للمقيمين والمسافرين، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي منعتم من صيد الحيوانات البرية حال الإحرام، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تحذير من مخالفته فإنه الجامع لكم يوم القيامة.
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [٩٧]
قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ أي صلاحاً لدينهم وأمناً لحياتهم، ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ أي جعل هذه الشعائر سبباً للأمن وسلامة الناس، ﴿ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي ليظهر لكم كمال علمه بتدبيره المحكم لمصالحكم، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إحاطة علم الله بكل التفاصيل.
قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ أي صلاحاً لدينهم وأمناً لحياتهم، ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ أي جعل هذه الشعائر سبباً للأمن وسلامة الناس، ﴿ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي ليظهر لكم كمال علمه بتدبيره المحكم لمصالحكم، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إحاطة علم الله بكل التفاصيل.
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [٩٨]
قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه وتعدى حدوده، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن تاب إليه وأناب، فجمع بين الترهيب والترغيب.
قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه وتعدى حدوده، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن تاب إليه وأناب، فجمع بين الترهيب والترغيب.
﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [٩٩]
قوله: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي ليس على الرسول إلا تبليع ما أمره الله بتبليغه، وليس عليه توفيق الناس إلى الهداية، فذلك بيد الله وحده ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي مطلع على أعمالكم الظاهرة ونياتكم الخفية وسيجازيكم عليها.
قوله: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي ليس على الرسول إلا تبليع ما أمره الله بتبليغه، وليس عليه توفيق الناس إلى الهداية، فذلك بيد الله وحده ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي مطلع على أعمالكم الظاهرة ونياتكم الخفية وسيجازيكم عليها.
﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [١٠٠]
قوله: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ أي لا يتساوى الحرام والحلال، ولا الكافر والمؤمن، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ أي لا تغرنك كثرة الشيء الفاسد أو المال الحرام، فإن كثرته لا تدل على فضله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي يا أصحاب العقول السليمة اجتنبوا الخبائث، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لتنالوا السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
قوله: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ أي لا يتساوى الحرام والحلال، ولا الكافر والمؤمن، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ أي لا تغرنك كثرة الشيء الفاسد أو المال الحرام، فإن كثرته لا تدل على فضله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي يا أصحاب العقول السليمة اجتنبوا الخبائث، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لتنالوا السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [١٠١]
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ أي لا تسألوا عن أمور مستورة لا حاجة لكم بها، لو ظهرت لكم لشقّت عليكم وأحزنتكم، ﴿وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي إذا سألتم وقت الوحي فقد ينزل التشريع بسبب سؤالكم فيُشدد عليكم، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي عفا عما سلف منكم من الأسئلة، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ يستر الذنوب ولا يعاجل بالعقوبة.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ أي لا تسألوا عن أمور مستورة لا حاجة لكم بها، لو ظهرت لكم لشقّت عليكم وأحزنتكم، ﴿وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي إذا سألتم وقت الوحي فقد ينزل التشريع بسبب سؤالكم فيُشدد عليكم، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي عفا عما سلف منكم من الأسئلة، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ يستر الذنوب ولا يعاجل بالعقوبة.
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [١٠٢]
قوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ أي سأل أقوام سلفوا أنبياءهم عن مثل هذه الأشياء وطلبوا المعجزات، ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أي جحدوا بها ولم يؤمنوا بعد ظهورها، فاستحقوا الهلاك.
قوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ أي سأل أقوام سلفوا أنبياءهم عن مثل هذه الأشياء وطلبوا المعجزات، ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أي جحدوا بها ولم يؤمنوا بعد ظهورها، فاستحقوا الهلاك.
﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [١٠٣]
قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ البَحِيرة هي الناقة التي تُقْطَعُ أذنها إذا أنجبت عددا معينًا، والسائبة وهي الناقة التي إذا بلغت سِنًا معينة تتْرَكُ لأصنامهم، والوصِيلة وهي الناقة التي تصل إنجاب أنثى بأنثى، والحامي وهو فحل الإبل إذا نتج عدد من الإبل من صلبه، والمعنى: أي لم يشرع الله تحريم هذه الأنعام التي حرّمها أهل الجاهلية بأسمائها، ﴿وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بنسبتهم هذه الأحكام والتحريمات إلى الله، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي يتبعون آباءهم بغير تمييز ولا عقل.
قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ البَحِيرة هي الناقة التي تُقْطَعُ أذنها إذا أنجبت عددا معينًا، والسائبة وهي الناقة التي إذا بلغت سِنًا معينة تتْرَكُ لأصنامهم، والوصِيلة وهي الناقة التي تصل إنجاب أنثى بأنثى، والحامي وهو فحل الإبل إذا نتج عدد من الإبل من صلبه، والمعنى: أي لم يشرع الله تحريم هذه الأنعام التي حرّمها أهل الجاهلية بأسمائها، ﴿وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بنسبتهم هذه الأحكام والتحريمات إلى الله، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي يتبعون آباءهم بغير تمييز ولا عقل.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [١٠٤]
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي هلموا إلى شرع الله وسنة نبيه، ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي يكفينا ما ورثناه عن أسلافنا من الضلال، ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ استنكار لتقليدهم آباءهم وهم في جهل تام وضلال.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي هلموا إلى شرع الله وسنة نبيه، ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي يكفينا ما ورثناه عن أسلافنا من الضلال، ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ استنكار لتقليدهم آباءهم وهم في جهل تام وضلال.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [١٠٥]
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي الزموا طاعة الله وأصلحوا شأنكم، ﴿لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ أي لا يضركم كفر الضالين وعصيانهم إذا قمتم بما وجب عليكم ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أي مردكم إليه يوم القيامة، ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كل عامل بعمله.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي الزموا طاعة الله وأصلحوا شأنكم، ﴿لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ أي لا يضركم كفر الضالين وعصيانهم إذا قمتم بما وجب عليكم ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أي مردكم إليه يوم القيامة، ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كل عامل بعمله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [١٠٦]
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أي ما يجب عليكم في الإشهاد عند الوصية،﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ أي إذا ظهرت علامات الموت وأراد الإنسان أن يوصي بماله أو ما عليه من ديون، ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ أي مسلمان عدلان، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير المسلمين عند الضرورة، ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي سافرتم، ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي تستحلفونهما بعد صلاة العصر تعظيماً للوقت، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي يحلفان بالله عند الشك في صدقهما، ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ أي يقول الشاهدان في حلفهما: لا نحلف كذباً من أجل عرض زائل أو لمحاباة قريب، ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أي نؤديها كما هي دون تغيير.﴿إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي إن فعلنا ذلك فنحن مستحقون للإثم والعقوبة.
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [١٠٧]
قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي إذا ظهرت أدلة أو قرائن قوية تدل على أن الشاهدين الأولين (اللذين ذكرا في الآية السابقة) قد خانا الأمانة أو كذبا أو سرقا شيئاً من التركة، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ أي في هذه الحالة يقوم شاهدان آخران لرد الحق، ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ أي من أولياء الميت والورثة الذين وقع الضرر عليهم بسبب خيانة الشاهدين الأولين، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي يحلف هذان الوليان اليمين بالله، ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ أي يقسمان أن قولهما في إثبات الخيانة هو الحق، وأن شهادة الأولين كاذبة ومزورة، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أي لم نتجاوز الصدق ولم نظلمهما في هذا الاتهام، ﴿إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي إن كنا كاذبين في يميننا هذه فنحن من الظالمين المتجاوزين لحدود الله.
﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [١٠٨]
قوله: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا﴾ أي هذا الحكم أقرب لإجبار الشهود على الصدق، ﴿أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي يخشوا افتضاح أمرهم برد اليمين للورثة، فيحلفون على خلاف ما شهدا به ، فيفتضحان ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ أمر بمراقبة الله وسماع نصائحه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي الخارجين عن طاعته.
قوله: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا﴾ أي هذا الحكم أقرب لإجبار الشهود على الصدق، ﴿أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي يخشوا افتضاح أمرهم برد اليمين للورثة، فيحلفون على خلاف ما شهدا به ، فيفتضحان ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ أمر بمراقبة الله وسماع نصائحه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي الخارجين عن طاعته.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [١٠٩]
قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي يوم القيامة يسأل الله رسله عن استجابة أممهم، ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ تفويضاً للأمر إلى الله وتأدباً معه، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ أي أنت المحيط ببواطن الأمور وما أخفته الصدور.
قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي يوم القيامة يسأل الله رسله عن استجابة أممهم، ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ تفويضاً للأمر إلى الله وتأدباً معه، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ أي أنت المحيط ببواطن الأمور وما أخفته الصدور.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [١١٠]
قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ﴾ أي اذكر ما أنعمت به عليك من النبوة والآيات، وعلى أمك مريم من التطهير والاصطفاء، ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي حين قويتك بجبريل عليه السلام وصحبته لك، ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي خاطبت الناس وأنت رضيع لتبرئ أمك، وخاطبتهم بعد نزول الوحي إليك وأنت كبير بالدعوة إلى الله، ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ أي وهبتك العلم بالكتابة، وفهم أسرار الشريعة، وحفظ التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل الذي أُنزل عليك، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أي حين تصور وتصنع من الطين شكلاً كشكل الطير بأمري وتسخيري، ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ أي فتبعث فيها الروح بقدرة الله فتطير عياناً، ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ أي تشفي من وُلِد أعمى، ومن أصابه البرض (بياض الجلد) بدعائك، ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي﴾ أي تحيي الموتى من قبورهم بقدرة الله تعالى، ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي حين منعتهم وصرفت كيدهم عنك عندما همّوا بقتلك وصلبك بعد أن أريتهم المعجزات الواضحة، ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي جحدوا بالحق وادعوا أن ما جئت به من الآيات ما هو إلا سحر ظاهر.
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [١١١]
قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ أي واذكر حين ألهمتُ أصحاب عيسى المخلصين وقذفت في قلوبهم الحق، ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أي صدقوا بوحدانية الله وبنبوة عيسى عليه السلام، ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ أي استجابوا،وأعلنوا تصديقهم، ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي: واشهد يا رب، بأننا منقادون وخاضعون لأمرك وموحدون لك.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [١١٢]
قوله: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أي اذكر حين سأل أصحاب عيسى المقربون نبيهم، ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ أي هل يُسأل ربُّك ويطلب منه أن ينزل علينا خواناً عليه طعام من السماء (وهو سؤال استعلام لا تشكيك في القدرة)، ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي زجرهم عيسى عليه السلام وأمرهم بخشية الله وترك طلب المعجزات مع وجود الإيمان، فالمؤمن الصادق لا يشترط لليقين رؤية الآيات.
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [١١٣]
قوله: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي ذكروا أسباب طلبهم ومنها الأكل من طعام الجنة تبركاً، ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ أي ليزداد يقيننا بمشاهدة القدرة الإلهية عياناً، ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي لنعلم علماً يقينياً لا يخالطه شك أنك رسول الله حقاً، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي لنشهد بهذه الآية العظيمة عند من لم يروها من الناس ونبين لهم عظيم قدرة الله.
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [١١٤]
قوله: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ أي استجاب عيسى لطلبهم وتوجه إلى الله بالدعاء لإنزال خِوان فيه طعام، ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أي نتخذ يوم نزولها يوماً للسرور والعبادة، يعظمه من حضر منا ومن جاء بعدنا، ﴿وَآيَةً مِّنكَ﴾ أي دليلاً باهراً وحجة قاطعة على قدرتك وعلى صدق نبوتي، ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي تفضل علينا بهذا الطعام، فأنت وحدك من يعطي بغير حساب وبمحض الفضل.
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [١١٥]
قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أي استجاب الله دعاء عيسى عليه السلام ووعد بإنزال المائدة كما طلبوا، ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أي فمن جحد منكم بعد رؤية هذه الآية العظيمة والمعجزة الباهرة، ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي سيعاقبه الله عقاباً شديداً يفوق عذاب غيره من الناس؛ لأن كفره جاء بعد قيام الحجة القاطعة ومعاينة الآية عياناً.
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ﴾ [١١٦]
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ المراد به يوم القيامة، وهذا السؤال على رؤوس الأشهاد ليكون أشد لتوبيخ مَنِ اتخذه إلهاً، وإظهاراً لكذبهم وضلالهم، ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو استفهام توبيخ للكفرة، وإلا فقد علم الله أن عيسى لم يقل ذلك، ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهاً لك عن أن يكون لك شريك، ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي لا يجوز لي ولا ينبغي أن أدعي لنفسي مقام الألوهية وهو ليس لي بحق، ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أي لو صدر مني هذا القول لعلمته أنت؛ لأنه لا يخفى عليك شيء، ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي تعلم ما أضمره في سري ولا أعلم أنا ما في علمك وما غاب عني من أمرك، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ أي العالم بكل ما غاب عن الخلق وما لم يكن بعد مما سيكون.
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [١١٧]
قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ أي لم أقل لهم من تلقاء نفسي شيئاً، بل بلّغتهم رسالتك التي أمرتني بها، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي أمرتهم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له وحده، مقراً بأنه خالقي وخالقهم، ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي: وكنت رقيبا على ما يقولون طيلة وجودي بين أظهرهم، ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي فلما قبضتني إليك ورفعتني إلى السماء، ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي الحافظ لأعمالهم، والمطلع على سرائرهم، والمراقب لهم بعدي، ﴿وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي لا يخفى عليك ما فعلوه بعدي وما أحدثوه من البدع والضلال.
﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [١١٨]
قوله: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ أي إن تعاقبهم فبذنوبهم، وهم ملكك وخلقك وأنت مالكهم، لا اعتراض عليك فيهم ولا يسألك أحد عما تفعل، ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي لمن آمن منهم وتاب، ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي العزيز الذي لا يغلبه شيء ولا يمتنع من عقابه أحد، الحكيم في تدبيره ووضعه الأشياء في مواضعها، فلا يعذب إلا بظلم، ولا يغفر إلا بحكمة.
﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [١١٩]
قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ أي هذا يوم القيامة الذي ينفع فيه أهل التوحيد توحيدهم وإخلاصهم في الدنيا، ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي لهم البساتين التي تجري من تحت أشجارها ومساكنها المياه، باقون فيها لا يظعنون عنها ولا يموتون، ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي رضي عن أعمالهم وطاعتهم، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي رضوا بما أعطاهم من الكرامة والثواب، ﴿ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي ذلك هو الظفر بكل مطلوب، والنجاة من كل مكروه.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [١٢٠]
قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ أي له سبحانه السلطان التام والخلق والتدبير في العالم العلوي والسفلي وَمَا فِيهِنَّ من جميع المخلوقات، لا شريك له في ملكه ولا منازع له في حكمه، ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي لا يعجزه شيء أراده، ومن قدرته بعث الخلائق ومجازاتهم، وفي هذا ردٌّ على من اتخذ من دون الله آلهة لا تملك ضراً ولا نفعاً.
تم تفسير سورة المائدة ، ولله الحمد والمنَّة.


