الحج.. تعظيم للشعائر، وامتثال للأنظمة، وحفظ للأنفس

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الثلاثاء 26 ذو القعدة 1447هـ | عدد الزيارات: 8 القسم: خطب الجمعة

إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ عَلَى أَبْوَابِ شَعِيرَةٍ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ، وَرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ العِظَامِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا هَذَا الدِّينُ العَظِيمُ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عِمْرَان: 97].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ الحَجَّ عِبَادَةُ العُمُرِ، وَمَوْطِنُ تَجَلِّي التَّوْحِيدِ، فَالحُجَّاجُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ، وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ. وَهَذِهِ العِبَادَةُ الجَلِيلَةُ تَقُومُ عَلَى رُكْنَيْنِ عَظِيمَيْنِ: الإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَلَا رِيَاءَ وَلَا سُمْعَةَ وَلَا مُفَاخَرَةَ، بَلْ ذُلٌّ وَانْكِسَارٌ لِلْخَالِقِ الجَبَّارِ، وَالاتِّبَاعِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ مَنْسَكٍ، فَقَدْ وَقَفَ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ يُنَادِي فِي النَّاسِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِم].
وَإِنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ هَذِهِ الفَرِيضَةَ قَائِمَةً عَلَى الاسْتِطَاعَةِ، فَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المَائِدَة: 6].
وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّ الالتِزَامَ بِالأَنْظِمَةِ وَالتَّعْلِيمَاتِ الَّتِي تَضَعُهَا الجِهَاتُ الرَّسْمِيَّةُ المُنَظِّمَةُ لِلْحَجِّ هُوَ مِنْ صَمِيمِ الدِّينِ وَكَمَالِ الاتِّبَاعِ؛ إِذْ إِنَّ الحُصُولَ عَلَى تَصْرِيحِ الحَجِّ النِّظَامِيِّ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِجْرَاءٍ تَنْظِيمِيٍّ، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَمَصْلَحَةٌ مُرْسَلَةٌ تَهْدِفُ إِلَى حِفْظِ الضَّرُورَاتِ الخَمْسِ، وَعَلَى رَأْسِهَا حِفْظُ الأَنْفُسِ.
إِنَّ التَّسَلُّلَ لِلْحَجِّ بِلَا تَصْرِيحٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ عَظِيمَةٌ؛ مِنْ تَضْيِيقٍ عَلَى الحُجَّاجِ النِّظَامِيِّينَ، وَإِرْبَاكٍ لِخُطَطِ التَّفْوِيجِ وَالأَمْنِ وَالصِّحَّةِ، وَإِحْدَاثِ فَوْضَى تَذْهَبُ بِطُمَأْنِينَةِ ضُيُوفِ الرَّحْمَنِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».[السلسلة الصحيحة للألباني] فَالمُؤْمِنُ الحَقُّ هُوَ مَنْ يَمْتَثِلُ لِوَلِيِّ الأَمْرِ فِيمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ، كَفًّا لِلأَذَى وَتَحْقِيقًا لِلْيُسْرِ.
عِبَادَ اللَّهِ: اذْكُرُوا مَا تَبْذُلُهُ قِيَادَةُ هَذِهِ البِلَادِ المُبَارَكَةِ -أَيَّدَهَا اللَّهُ- مِنْ جُهُودٍ تَرْمِي لِرَاحَةِ ضُيُوفِ الرَّحْمَنِ؛ مِنْ عِمَارَةٍ لِلْحَرَمَيْنِ، وَتَطْوِيرٍ لِلْمَشَاعِرِ وَالبُنَى التَّحْتِيَّةِ. فَحَقٌّ عَلَيْنَا الدُّعَاءُ لَهُمْ بِالتَّوْفِيقِ، وَالدُّعَاءُ لِرِجَالِ أَمْنِنَا البَوَاسِلِ، فَجَزَى اللَّهُ الجَمِيعَ خَيْرَ الجَزَاء الأَوْفَى.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عَبْدِهِ المُصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اجْتَبَى، أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الحَاجُّ الكَرِيمُ: إِنَّ جَسَدَكَ أَمَانَةٌ، فَخُذْ بِالأَسْبَابِ الوِقَائِيَّةِ، وَالتَزِمْ بِاللَّقَاحَاتِ، وَتَجَنَّبِ التَّعَرُّضَ المُبَاشِرَ لِلشَّمْسِ، وَأَكْثِرْ مِنْ شُرْبِ المَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البَقَرَة: 195].
وَتَحَلَّ بِالسَّكِينَةِ وَالرِّفْقِ، وَإِيَّاكَ وَالتَّدَافُعَ أَوْ إِيذَاءَ الآخَرِينَ، وَالتَزِمْ بِمَسَارَاتِ التَّفْوِيجِ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ حِينَ رَأَى زِحَامًا: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» [أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ].
اسْتَثْمِرْ وَقْتَكَ فِي الذِّكْرِ وَالتَّلْبِيَةِ، وَاحْذَرِ اللَّغْوَ وَالجِدَالَ وَرَفْعَ الشِّعَارَاتِ السِّيَاسِيَّةِ، فَالحَجُّ لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَعَلَى أَصْحَابِ الحَمَلَاتِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُؤَدُّوا الأَمَانَةَ بِإِخْلَاصٍ وَوَفَاءٍ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الحَجَّ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا لِكُلِّ مَنْ قَصَدَ بَيْتَكَ الحَرَامَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ حُجَّاجَ بَيْتِكَ، وَأَعِدْهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِما لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ اجْزِ خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ خَيْرَ الجَزَاءِ عَلَى مَا يُقَدِّمُهُ لِلإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، وَبَارِكْ فِي جُهُودِ رِجَالِ أَمْنِنَا وَكُلِّ العَامِلِينَ فِي خِدْمَةِ ضُيُوفِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: اذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

9 + 4 =

/500
جديد الخطب الكتابية
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي