الحمدُ للهِ الذي جعلَ الصيامَ جُنَّةَ مِن النَّار، وزيادةً في الأجْرِ الإحسان، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الكبيرُ المُتَعالُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، خيرُ مَن صَلَّى لِربِّه وصَامَ، فصَلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
قالَ صلى الله عليه وسلم في شأنِ رمضان: " إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ "، (صحيح البخاري) فَيَا لِسعَادةِ مَن شمَّرَ عن ساعِدِ الجِّدِ فسَلَكَ بها سَبيلَ الجنَّةِ، وجنَّبَها سُبُلَ النَّارِ، وقد يُسِّرَتْ لَهُ الأسبابُ، فسُلْسِلَتِ الشياطينُ وصُفِّدَت.
أيُّها المُسلِمونَ:
مَن لم يَتْبْ في رمضانَ فمتَى يَتوبُ؟ ومَن لم يُقلِعْ عن الذُّنوبِ في رمضانَ فمتَى يُقلِعُ، ومَن لم يَرْحَمْ نفسَهُ وقتَ الصيامِ فمتَى يَرحمُها؟ وقد ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حينَ صعِدَ المنبرَ قال:" أتاني جبريلُ عليْهِ السَّلامُ فقالَ : يا محمَّدُ مَن أدرَكَ أحدَ والديْهِ ، فماتَ ؛ فدخلَ النَّارَ فأبعدَهُ اللَّهُ ، قل : آمينَ ، فقلتُ : آمينَ ، فقالَ يا محمَّدُ من أدرَكَ شَهرَ رمضانَ فماتَ ، فلم يُغفَر لَهُ ، فأُدخِلَ النَّارَ ؛ فأبعدَهُ اللَّهُ ، قُل : آمينَ . فقلتُ : آمينَ ، قالَ : ومن ذُكرتَ عندَهُ فلم يصلِّ عليْكَ فماتَ ؛ فدخلَ النَّارَ ؛ فأبعدَهُ اللَّهُ ، قُل : آمينَ . فقلتُ : آمينَ "،(صحيح الترغيب للألباني)، فيا لِحَسرَةِ وبُؤسِ وشِقوَةِ مِن دخلَ في دعوَةِ جبريلَ ــ عليهِ السلامُ ــ هذِهِ، وتأمِينِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عليها، فأبعدَهُ اللهُ.
ولَئِنْ كُنتَ يا عبدَ اللهِ تُريدُ مغفرَةَ الخطايا: فإن الفرصة أمامك، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنه قالَ: " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ".(صحيح البخاري)
وإنْ كُنتَ تُريدُ مُضاعفَةَ الحسَناتِ: فشمِّر عن ساعد الجد، إذ صحَّ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي ".(صحيح مسلم)
وإنْ كُنتَ تُريدُ أنْ تكونَ مِن أهلِ الجنَّةِ: فاعقد العزم والنية ، فقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:" اتَّقوا اللَّهَ ربَّكم وصلُّوا خمسَكم وصوموا شَهرَكم وأدُّوا زَكاةَ أموالِكم وأطيعوا ذا أمرِكم تدخلوا جنَّةَ ربِّكُم".( صحيح الترمذي للألباني)
وإنْ كانتْ نفسُكُ تَتُوقُ لِلمنازِلِ العالِيَةِ: فدُونَكَ رمضانَ، فقد ثبتَ أنَّ رجُلًا أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَصَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ الزَّكَاةَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ وَقُمْتُهُ، فَمِمَّنْ أَنَا؟ قَالَ: مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ )).
أيُّها المُسلِمونَ:
ها قدْ أقبَلَ شهرُ رمضان، شهرٌ جَعلَ اللهُ صيامَهُ أحدَ أركانِ دِينِهِ الإسلامِ، شهرٌ نَزَلَ فيه القرآنُ، شهرٌ فيه تُصَفَّدُ الشياطينُ، وتُفَتَّحُ أبوابُ الجِنانِ، وتُغَلَّقُ أبوابُ النِّيرانِ، فاحرِصُوا شديدًا على أنْ تكونوا مِمَّن يُحقِّقُ الغرَضَ مِن صيامِهِ، ألَا وهوَ: تقوى اللهِ سبحانَهُ، ألَا وهوَ: أنْ يَزجُرَكُم الصيامُ ويُبعِدَكُم عن معصيَةِ ربِّكُم، ويَدفَعَكُم ويُقويَّكُم على العبادَةِ، ويَجعلَكُم معها في ازديادٍ وإحسانٍ وخُشوعٍ، طاعَةً لِربِّكُم سبحانَهُ القائلُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }.
أيُّها المُسلِمونَ:
إنَّ الصُّوامَ بترْكِ الطعامِ والشَّرابِ والجِماعِ وباقِي المُفطِّراتِ لكُثُرٌ جدًّا، وهوَ سَهلٌ عليهِم، وقد ثبتَ عن عددٍ مِن تلامِذَةِ الصحابَةِ أنَّهُم قالوا:" إِنَّ أَهْوَنَ الصَّوْمِ تَرْكُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ "، ولكنَّ الصائِمَ المُسدَّدَ مَن صامَتْ جوارحُهُ عنِ الآثام، ولِسانُهُ عنْ كلِّ قولٍ مُحرَّمٍ، وبطنُهُ عنِ الطعامِ والشرابِ، وفرْجُه عنِ الجِماعِ والاستِمناءِ، وعَينُهُ عنِ النظرِ إلى المُحرَّمَاتِ، وكسْبُهُ وإنفاقُهُ عنِ الحرامِ، وكَمَا أنَّ الطعامَ والشَّرابَ يَقطعانِ الصيامَ ويُفسِدانِهِ، فكذلِكَ الآثام تَقطعُ ثوابَهُ وتُفسِدُ ثمرَتَهُ حتى تُصَيِّرَ صاحبَهُ بمنزِلَةِ مَن لم يَصُمْ، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))، والمُرادُ بالزُّورِ: جميعُ الكلامِ المُحرَّمِ، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ))،
أيُّها المُسلِمونَ:
أقبِلوا على تلاوَةِ القرآنِ في شهرِ رمضانَ كثيرًا، فلَقدْ كانَ السَّلفُ الصالِحُ يُقبِلونَ عليهِ في رمضانَ إقبالًا كبيرًا، ويَهتمُّونَ بِه اهتمامًا عظيمًا، ويتزوَّدُونَ مِن تلاوتِهِ كثيرًا، فكانَ الشافِعيُّ يَختمُ في اليومِ والليلَةِ مِن رمضانَ خَتمتينِ، وكانَ البُخارِيُّ يَقرأُ في كلِّ يومٍ وليلِةٍ مِن رمضانَ ختمَةً واحدَةً، وبعضُ السَّلفِ كانَ يَختِمُ في كلِّ ثلاثَةِ أيَّامٍ، وبعضُهُم يَختِمُ كلَّ خمسَةِ أيَّامٍ، ومِنهُم مَن يَختِمُ كلَّ جُمعَةٍ، وكيفَ لا يكونُ هذا حالُهُم مع القرآن، ورمضانُ شهرُ نُزولِهِ، وشهرُ مُدَارَسَةِ جِبريلَ لهُ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وزمَنُهُ أفضلُ الأزمانِ، والحسناتُ فيهِ مُضاعَفَةٌ، وقد قالَ اللهُ سُبحانَهُ:{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ }.
أيُّها المُسلِمونَ:
لقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: " كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ "، فاقتدُوا بِنَبيِّكُم صلى الله عليه وسلم وجُودُوا في رمضانَ كثيرًا، وأذهِبُوا عن أنفسِكُم لَهَفَ الدِّرهَمِ والدِّينار، وخشيَتَها مِن الحاجَةِ والفقرِ، فقدْ قالَ اللهُ سبحانَهُ مُعاتِبًا ومُرهِّبًا: { هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }، وإيَّاكُم أنْ تَحْقِروا قليلَ الصَّدقَةِ فترُدَّكُم عنِ الإنفاقِ، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُحرِّضًا لَكُم على الصَّدقَةِ: " فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ "، واعلموا أنَّ مِن أفضلِ الجُودِ في رمضانَ تفطيرَ الصائِمينَ مِن القرَابَةِ والجِيرانِ والأصحابِ والفقراءِ والعُزَّابِ وغيرِهِم، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: " مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ "
هذا ، وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ أن بلغنا رمضان، وأصلي وأسلم على خير من صام وقام، وصلى بالليل والناس نيام.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فاتقوا اللهَ ربَّكُم حقَّ تقواهُ، وأجِلُّوهُ حقَّ إجلالِهِ، وعظِّمُوا أوامِرَهُ، وأكبِرُوا زواجِرَهُ، ولا تُهِينوا أنفسَكُم بعصيانِهِ، وتُذلُّوا رِقابَكُم بالوقوعِ في ما حرَّمَ عليكُم،
هذا وأسألُ اللهَ الكريمَ: أنْ يُعينَنا على صيامِه رمضان وقيامِهِ، اللهمَّ: قِنَا شرَّ أنفُسِنا والشيطانِ، واغفِرْ لَنَا ولِوالِدِينا وأهلِينا وجميعِ المُسلِمينَ، اللهمَّ: خفِّفِ عنِ المُسلِمينَ، في كل مكان، ما نَزَلَ بِهِم مِن ضُرٍّ وبَلاءٍ، اللهمَّ: أبعِدْ عن الفسادِ والمُفسِدينَ أبناءَنَا وبناتَنَا، وسدِّدْ إلى الخيرِ وُلَاتَنَا أمورنا، ووفقهم لكل ما تنحب وترضى، إنَّكَ سميعُ الدَّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.