الحمد لله الذي أنِّعَمِ على خلقه وتفضل، وبسط يده بالعطاء فأكْثَرَ، نعمه تترى، وفضله لا يُحصَى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم واتبع طريقهم.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، فتقوى الله طريق الفوز؛ ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: 63].
أيها الأحبة: من رحمة الله وفضله أنْ جعل إماطة الأذى عن الناس من أسباب دخول جنته والفوز برضاه؛ فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس"؛ [رواه مسلم].
ولأننا في هذه الأيام في فصل الشتاء، ويكثر خروج الناس للتنزه والفرجة، فإليكم بعض الأمور التي ينبغي مراعاتها أثناء ذلك:
الحرص على عدم تلويث المُتَنَزَّهات بمخلفات الأكل والشرب وغيرها، واستشعار ما يترتب على تركها من إفساد وإيذاء للناس، وترك المخلفات أو رميها في غير الأماكن المخصصة لها دليل على الجهل، وقلة العلم، وفساد الذوق والطبع، بل إن تلويث هذه الأماكن من الإيذاء المحرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل"؛ [رواه أبو داود، وحسنه الألباني].
ويُقَاس عليه رمْيُ مخلفات الأكل الورقية والبلاستيكية والمعدنية، وأقبح منه ما تفعله بعض النساء أكرمكم الله من رمي حفائظ الأطفال، وليس الحل هو إحراق المخلفات قبل الارتحال من المكان، ولكن بجمعها في كيس وربطها ثم إلقائها بأقرب حاوية؛ ليسْلَمَ مِن أذاها مَن أتاها من إنسان أو حيوان، وإلا فقد ماتت حيوانات بسبب ابتلاعها لهذه المخلفات.
ومما ينبغي مراعاته الحذر من إيذاء المسلمين في طرقهم، سيما أولئك الشباب الذين يذهبون لرؤية الأودية والشعاب وهي تجري بالماء، فيقلب بعضهم ساعات الفرح والمتعة إلى فجائعَ ومصائبَ وأحزان دائمة، بتهور مجنون، ومغامرات لا تُحسَب عواقبها، فمنهم من يغامر بقطع الأودية بسيارته؛ لإظهار قدرته على القيادة في الأماكن الخطرة، أو لينال إعجاب من ينظرون إليه خصوصًا في ظل التوثيق والتصوير، وبثها في وسائل التواصل الاجتماعي، فيعلق ويغرَق ويهلِك.
ومنهم من لا يكفيه أن يخاطر بنفسه حتى يخاطر بغيره، فيأخذ أصحابه أو أهله في سيارته ليقطع بهم واديًا يجري، فيجرفهم السيل، حتى يُغْرِقهم، وكذلك صعود كثبان الرمل المرتفعة بتهور، مما يعرض صاحبها إلى خطر الحوادث المميتة، أو الإعاقات المستديمة.
ومما ينبغي مراعاته أيضًا الحذر من الإسراف في المشرب والمأكل، ثم إهانتها بإلقائها في الأرض، بحجة أن البهائم والطيور تأكلها.
ومنها الالتزام بعدم إشعال النار إلا في الأماكن المسموح بها، والالتزام بإطفائها عند مغادرة المكان؛ فالنار خطيرة، وكم حصل من الكوارث بسبب إشعال النار في أماكن غير مناسبة، أو تركها مشتعلةً عند المغادرة من غير إطفاء لها أو دفن؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: "احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فحُدِّث بشأنهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطْفِئوها عنكم"؛ [متفق عليه].
فالحذر كل الحذر من أذية إخوانكم مرتادي المتنزهات والبراري بأي نوع من أنواع الأذى؛ وتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من آذى المسلمين في طرقهم، وجبت عليه لعنتهم"؛ [أخرجه الطبراني، وحسنه الألباني].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ...
الـخـطبة الـثـانـية
الحمد لله الذي أرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته، والصلاة والسلام على من أرسله الله إلى الناس كافةً بشيرًا ونذيرًا، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين ؛ أما بعد:
فيا أيها المؤمنون:
أمَرَ ديننا الحنيف بالحرص على الزرع، ولو قامت القيامة - يعني: ولو ظهرت علاماتها - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألَّا يقوم حتى يغرسها فليفعل"؛ [رواه أحمد، وصححه الألباني].
وقال صلى الله عليه وسلم: "من قطع سِدْرَةً صوَّب الله رأسه في النار"؛ [أخرجه أبو داود، وحسنه الألباني]، وقال أبو داود معلقًا: "يعني: من قطع سدرةً في فَلَاة يستظل بها ابن السبيل، والبهائم؛ عبثًا وظلمًا بغير حقٍّ يكون له فيها، صوَّب الله رأسه في النار".
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد..
اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما فيه صالح العباد والبلاد، اللهم من أراد بلادنا بسوء فرد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، واحفظنا وأهلَنا من كل سوء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.