أمانة التقنية ومسؤولية الكلمة

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الثلاثاء 19 ذو القعدة 1447هـ | عدد الزيارات: 20 القسم: خطب الجمعة

الحمد لله الذي جعل السمعَ والبصرَ والفؤادَ أماناتٍ يُسأل عنها العباد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه الله ليتمم مكارمَ الأخلاق، فكان خُلقه القرآن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أننا نعيش في عصرٍ تسارعت فيه خطى التقنية، وبرزت فيه وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي كواقعٍ يفرض نفسه على الجميع. وإن المؤمن البصير يدرك أن هذه الوسائل من نعم الله التي سخرها للإنسان، وهي في الوقت ذاته من الابتلاءات التي يُختبر بها دينه وأمانته؛ إذ هي وسائل يُسأل عنها العبد بين يدي ربه يوم القيامة، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 3]

فالواجب الشرعي يحتم علينا استعمال هذه التقنيات فيما يرضي الله سبحانه، مع استشعار مراقبته الدائمة في كل ما يُنشر ويُقال، فالله عز وجل يقول: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]

إن الكلمة في ميزان الإسلام عظيمة المسؤولية، وما يُبث عبر الفضاء الرقمي ليس مجرد حروف عابرة، بل هو عملٌ مسطر يحاسب عليه الإنسان؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم" [رواه البخاري ومسلم] وهذا يوجب علينا الحذر الشديد من التهاون في نقل المعلومات أو تداول الأخبار دون تثبّت، لئلا يقع المرء في الوعيد الشديد، فقد قال ﷺ كما في صحيح مسلم: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع".

وعندما نتأمل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، نجد أنها قد أتاحت قدرات هائلة على التزوير والتضليل، كتركيب المقاطع وتقليد الأصوات وانتحال الشخصيات، وهذا والله من أعظم الغش والتدليس، وهو من تغيير الحقائق وإظهار الباطل في صورة الحق. وقد حذر النبي ﷺ من ذلك أشد التحذير، ففي الصحيحين قال ﷺ: "من غشنا فليس منا" [رواه مسلم] إن نسبة الأقوال زوراً إلى غير أصحابها، وانتهاك الخصوصيات عبر هذه التقنيات، هو إعانة على نشر الباطل، ووقوع في الكذب الذي يبلغ الآفاق، وقد رأى النبي ﷺ في منامه -كما في صحيح البخاري- عقوبة الكذاب الذي "يُشرشر شدقه إلى قفاه" لأنه يكذب الكذبة تُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق.

هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه.. أما بعد:

أيها المسلمون، إن ضرورة التثبت في الأخبار والمقاطع المتداولة فريضة شرعية، لاسيما في زمن الزيف العميق الذي يختلط فيه الحق بالباطل، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

فلا يصح للمسلم أن ينساق خلف كل ما يُنشر، أو يعيد بث المحتويات المجهولة أو المفبركة، فإن في ذلك إشاعة للباطل، وإثارة للبلبلة بين الناس. وإن سوء استخدام هذه التقنيات يترتب عليه مفاسد عظمى، كتشويه السمعة، وانتهاك الخصوصيات، والاحتيال المالي، وإثارة الرأي العام وتأجيجه، وهو ما يضر بالأمن المجتمعي ويشيع الفتنة، وهذا كله داخل في الإفساد في الأرض الذي قال الله فيه: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64].

إن وعي المسلم وحذره هو الحصن الحصين لمجتمعه ودولته، وإن توجيه المنابر لهذه القضايا المعاصرة يعكس الحرص على مواكبة المستجدات التي تمس حياة الناس ودينهم، لترسيخ القيم الإسلامية وحماية المجتمع من الانحراف الرقمي.

اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله الطيبين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين. اللهم وفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفقه وولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد، واجعل عملهما في رضاك، وأيدهما بالحق وأيد الحق بهما. اللهم احفظ رجال أمننا، وحدودنا، وانصر جنودنا المرابطين، وأدم على هذه البلاد أمنها وعزها واستقرارها.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم طهر ألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، وجوارحنا من كل ما يغضبك. اللهم اجعل ما رزقتنا من تقنية حجة لنا لا علينا، واصرف عنا فتنها وشرورها. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].

عباد الله، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].فاذكروا الله يذكركم،، واشكروه على نعمه يزدكم، {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}. [العنكبوت: 45]

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

3 + 5 =

/500
جديد الخطب الكتابية
تعظيم بيوت الله - خطب الجمعة
اغتنام رمضان - خطب الجمعة
الظلم - الخطب الكتابية
تيسير الزواج - خطب الجمعة
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي