الحمد لله الذي جعل المساجد بيوته في الأرض، ورفع شأنها وأعلى قدرها، وأمر بتطهيرها وتعظيمها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل حب المساجد من الإيمان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان أشد الناس تعظيماً لبيوت الله ورعاية لحقوق المصلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها المسلمون:
اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن من أجلّ القربات وأعظم الطاعات تعظيم ما عظم الله، وإن من أعظم شعائر الدين هذه المساجد التي تقام فيها الصلاة، ويُرفع فيها ذكره.
عباد الله، إن للمساجد في دين الله مكانة لا تدانيها مكانة، فهي البقاع التي اختارها الله لتكون مواطن للعبادة والسكينة. وصفها الله سبحانه بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36]. فرفعُها معنويٌ بالإجلال والتقدير، وحسيٌ بالبناء والتشييد والتنظيف.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا) [رواه مسلم]. فهي واحة المؤمن، ومأوى الروح، ومنطلق الهداية، ومنها يشع نور الحق إلى الآفاق.
أيها المؤمنون، إن تعظيم المسجد ليس مجرد شعور، بل هو سلوك وعمل. إن كف الأذى عن المصلين والابتعاد عن كل ما يشوش عليهم خشوعهم من صميم التقوى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾[الحج: 32].
فالمصلي الذي يقصد بيت الله يرجو رحمة ربه، ومن أعظم الظلم أن يتأذى في بيت الله برائحة كريهة، أو لغط مرتفع، أو مضايقة في مكان، فكل فعل يؤدي إلى نفور المصلين أو إيذائهم هو قدح في تعظيم هذه الشعيرة العظيمة.
أيها الإخوة في الله، إن طهارة المسجد ونظافته عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه. وقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قائلة: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ -أي الأحياء- وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ) [رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني].
وهذا الأمر النبوي يشمل قاعة الصلاة، كما يشمل بالضرورة مرافقها كأماكن الوضوء ودورات المياه. إن المحافظة على نظافة هذه المرافق، وعدم الإسراف في الماء، أو ترك المخلفات فيها، هو دليل على رقي المسلم واستشعاره لعظمة المكان، فالمسلم لا يترك وراءه إلا أثراً طيباً، ومن الإيمان أن يحرص كل مصلٍ على أن يبقى المسجد ومرافقه أنقى وأطهر مما كانت عليه.
معاشر المصلين، ثمَّةَ ظاهرةٌ تتنافى مع العدل والإنصاف، وهي "حجز الأماكن" في الصفوف الأولى بوضع سجادة أو عصا أو غير ذلك، ثم التأخر عن الحضور. إن هذا الفعل فيه تعدٍ على حقوق من حضر مبكراً، فالصف الأول حق لمن سبق بجسده لا بجماده.
تذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا) [رواه البخاري ومسلم]. والمسابقة إلى الصف الأول تكون بالبكور لا بالحجز. فلا يجوز لمسلم أن يحرم أخاه مكاناً فاضلاً وهو غائب عنه، فديننا دين مساواة وأدب.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. أما بعد:
أيها المسلمون، إن حرمة المسجد تمتد إلى أبوابه وطرقاته. ومن المظاهر المؤسفة وضع الأحذية في ممرات المشاة أو أمام الأبواب بشكل عشوائي، مما يضيق على الداخلين والخارجين.
إن هذا الفعل يلحق ضرراً بالغاً، لا سيما بكبار السن وذوي الإعاقة الذين قد يتعثرون بها وتسكنهم الآلام بسببه. تذكروا أن الشريعة جعلت "إماطة الأذى عن الطريق" من شعب الإيمان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) [صححه الألباني].
فإذا كانت إماطة الأذى عن طريق الناس العام صدقة، فكيف بإماطته عن طريق عُمّار مساجد الله؟ وكيف بمن هو نفسه يضع الأذى في طريقهم؟ إن ترتيب الأحذية في الأماكن المخصصة وتوسعة المداخل هو من كمال الأدب والالتزام.
أيها المؤمنون، نداءٌ هام لكل مرتادي بيوت الله: إن صلاتكم وعبادتكم لا تكتمل إذا اقترنت بأذية المسلمين في طرقاتهم. إن إغلاق الطرقات بمركباتكم، أو الوقوف خلف سيارات الآخرين وحبسهم، أو التضييق على الجيران المحيطين بالمسجد بإغلاق مداخل بيوتهم، هو أذى محرم شرعاً.
إن هذه الظواهر تتنافى مع مقاصد الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فالمسلم الحق هو من لا يترك جاره أو عابر السبيل يضيق ذرعاً بحضور الصلاة بسبب سوء إيقاف مركبته. كن سمحاً، وابحث عن موقف لا يؤذي أحداً ولو كان بعيداً قليلاً، فكل خطوة تخطوها إلى المسجد لك بها صدقة.
ختاماً عباد الله:
اجعلوا مساجدنا عنواناً للنظام، والنظافة، والسكينة. ليرى العالم في مساجدنا أدب الإسلام وعظمة تعاليمه. اتقوا الله في بيوته، واتقوا الله في عباده، لعلكم ترحمون.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم طهر قلوبنا، وعظم في نفوسنا شعائرك، واجعلنا من عُمّار مساجدك القائمين بحقها، اللهم وفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وأطل في عمره على طاعتك. اللهم وفق ولي عهده، وسدده في أقواله وأفعاله، واجعله عونًا لولي أمره في خدمة البلاد والعباد، اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، وارزق أهله من الثمرات، ووفق ولاة أمورنا لما فيه خير البلاد والعباد وصلاح العاجل والآجل.وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله .