الدرس 352 ‌‌حكمة الداعي وأدب المدعو 

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الأربعاء 20 ذو القعدة 1447هـ | عدد الزيارات: 136 القسم: تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين أما بعد:
فإن التذكير بالله والدعوة إلى سبيله من سنة المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فقد بعثهم الله دعاة للحق وهداة للخلق، يبشرون وينذرون لإقامة الحجة وقطع المعذرة كما قال جل وعلا: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء : 165]

والدعاة إلى الله وعلماء الحق هم خلفاء الرسل، وهم الورثة للرسل في الدعوة إلى الخير، وبيان طريق السعادة ليسلك، وبيان طريق الشقاء والهلاك ليجتنب ويحذر.

والداعي إلى الله يتحرى في دعوته الكلمات المناسبة والأوقات المناسبة، والأسلوب المناسب، حتى يكون ذلك أقرب إلى النجاح، ومن حكمة الداعي أن يكون عنده العلم بما يدعو إليه وما ينهى عنه، كما قال عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} [النحل: 125] يعني: بالعلم قال الله وقال رسوله.

ومن حكمة الداعي أن يأتي بالأسلوب المناسب والبيان المناسب ويخاطب كل قوم بما يعقلون ويفهمون، قال تعالى:{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] أي بالأسلوب الحسن لا بالعنف والشدة لكن بالتي هي أحسن حتى يقبلوا الحق وحتى ينقادوا له، وقال تعالى في أهل الكتاب: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46] وهم اليهود والنصارى، فلا يجوز جدالهم إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم فمن ظلم له شأن آخر.
وإذا كان هذا التوجيه من المولى سبحانه في جدال أهل الكتاب فالمسلمون من باب أولى، وقال عز وجل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] يعني المدعوين من قريش وغيرهم، {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] وقال لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام لما بعثهما إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44] وهذا توجيه من الله سبحانه لرسوليه موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون، ليتأسى بذلك الدعاة ويتخلقوا به في دعوتهم إلى الله لا سيما مع الرؤساء والعظماء، ولا سيما في عصرنا هذا، فإن الحكمة والأسلوب الحسن والرفق من أهم المهمات في كل وقت وفي هذا الوقت بوجه أخص، لكثرة الجهل وغلبة الهوى على أكثر الخلق، وبالشدة ينفر منك الناس ويبتعدون عنك ولا يقبل الحق إلا من رحم الله.
وهكذا المدعو له آداب: منها الإنصات والإقبال على ما يسمع من الدعوة والتذكير ليستفيد ويفهم، ومنها إخلاص النية، وأن يكون قاصدا للفائدة وللعلم والمعرفة والعمل، ومنها حسن السؤال إذا سأل، هذا كله من أدب المدعو: الإنصات، والإقبال على الناصح، والإخلاص في ذلك، وحسن الرغبة، وطلب الحق، والعزم على فعل الخير، والأخذ بالنصيحة، قال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر:17] {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}.[الزمر:18]

فالمدعو مشروع له أن يقبل بقلبه وقالبه على الدعوة، وأن يريد وجه الله والدار الآخرة، وأن يؤسس بقلبه ونيته قبول الحق والعمل بالحق متى عرفه ومحاربة الهوى والشيطان، وإن أهم الأمور التي يجب التنبيه عليها دائما هو إخلاص العبادة لله وحده، وأن يحاسب العبد نفسه حتى تكون أعماله وأقواله لله وحده في جميع تصرفاته في صلاته وفي صومه ودعوته إلى الله وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر إلى غير ذلك فيخلص لله في جميع أعماله، وأن يكون هدفه طاعة الله ورسوله وإرضاءه سبحانه، والفوز بكرامته، وأداء الحق الذي على العبد.

وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن يهدينا جميعا صراطه المستقيم، وأن يجعلنا وإياكم من المسارعين إلى كل خير والمتباعدين عن كل شر، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وأن ينصر بهم دينه، وأن يصلح لهم البطانة وأن يعينهم على كل خير وأن يعيذهم من كل شر، وأن يوفق جميع المسئولين لكل ما فيه رضاه وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، كما أسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يولي عليهم خيارهم وأن يصلح قادتهم، وأن يمنحهم الفقه في الدين والثبات عليه إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

1 + 6 =

/500
جديد الدروس الكتابية