الدرس الثامن والأربعون : الاعذار المسقطة للجمعة والجماعة

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الثلاثاء 9 ربيع الثاني 1434هـ | عدد الزيارات: 6668 القسم: شرح زاد المستقنع -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد

قوله "يعذر بترك جمعة وجماعة مريض"

أولاً: المرض المسقط للجمعة والجماعة هو الذي يلحق المريض منه مشقة لو ذهب يصلي ودليل ذلك

أولاً: قول الله تعالى: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" التغابن(16)

ثانياً: قوله: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" البقرة (286)

ثالثاً: قوله تعالى: "لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ" النور(61)

رابعاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم "وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ" أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه

خامساً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض تخلف عن الجماعة مع أن بيته كان إلى جنب المسجد . كما في حديث محمد الزهري قال "أَخْبَرَنِي أنَسُ بنُ مَالِكٍ الأنْصَارِيُّ - وكانَ تَبِعَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وخَدَمَهُ وصَحِبَهُ - أنَّ أبَا بَكْرٍ كانَ يُصَلِّي لهمْ في وجَعِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الذي تُوُفِّيَ فِيهِ، حتَّى إذَا كانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وهُمْ صُفُوفٌ في الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سِتْرَ الحُجْرَةِ يَنْظُرُ إلَيْنَا وهو قَائِمٌ كَأنَّ وجْهَهُ ورَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الفَرَحِ برُؤْيَةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَنَكَصَ أبو بَكْرٍ علَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وظَنَّ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَارِجٌ إلى الصَّلَاةِ فأشَارَ إلَيْنَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ أتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِن يَومِهِ" أخرجه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري

سادساً: قول ابن مسعود رضي الله عنه "لقَدْ رَأَيْتُنَا وَما يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إلَّا مُنَافِقٌ قدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ أَوْ مَرِيضٌ..." رواه مسلم فكل هذه الأدلة تدل على أن المريض يسقط عنه وجوب الجمعة والجماعة

ثانياً: قوله "و مدافعة أحد الأخبثين" والأخبثان هما البول والغائط

ثالثاً: قوله "ومن بحضرة طعام محتاج إليه" متمكناً من تناوله مثاله: رجل جائع حضر عنده الطعام وهو يسمع الإقامة فهو بين أمرين إن ذهب إلى المسجد انشغل قلبه بالطعام لجوعه وإن أكل اطمئن وانسد جوعه فنقول كل ولا حرج وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ، فَابْدَؤُوا به قَبْلَ أنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ المَغْرِبِ، ولَا تَعْجَلُوا عن عَشَائِكُمْ" رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أحَدِكُمْ وأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بالعَشَاءِ ولَا يَعْجَلْ حتَّى يَفْرُغَ منه" أخرجه البخاري وروى البخاري أيضا "أن ابنُ عُمَرَ يُوضَعُ له الطَّعَامُ، وتُقَامُ الصَّلَاةُ، فلا يَأْتِيهَا حتَّى يَفْرُغَ، وإنَّه لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإمَامِ"

رابعاً: قوله "خائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه" أي إذا كان عنده مال يخشى إذا ذهب عنه أن يسرق أو معه دابة يخشى لو ذهب للصلاة أن تنفلت وتضيع فهو في هذه الحال معذور في ترك الجمعة والجماعة لأنه لو ذهب وصلى فإن قلبه سيكون منشغلاً بهذا المال الذي يخاف ضياعه وكذلك إذا كان يخشى من فواته بأن يكون قد أضاع دابته وقيل إن دابتك في المكان الفلاني وحضرت الصلاة وخشي إن ذهب يصلي الجمعة أو الجماعة تذهب الدابة عن المكان الذي قيل إنها فيه فهذا خائف من فواته فله أن يترك الصلاة ويذهب إلى ماله ليدركه ومن ذلك أيضاً لو كان يخشى من ضرر فيه كإنسان وضع الخبز بالتنور فأقيمت الصلاة فإن ذهب يصلي احترق الخبز فله أن يدع الصلاة من أجل ألا يفوت ماله بالاحتراق والعلة انشغال القلب لكن يؤمر الخباز أن يلاحظ وقت الإقامة فلا يدخل الخبز في التنور حينئذ وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين المال الخطير والمال الصغير الذي لا يعتبر شيئاً لأنه أطلق فقال من ضياع ماله وقد يقال أنه يفرق بين المال الخطير الذي له شأن وبين المال القليل في صلاة الجمعة خاصة لأن صلاة الجمعة إذا فاتت فيها الجماعة لا تعاد وإنما يصلى بدلها ظهراً وغير الجمعة إذا فاتت فيها الجماعة يصليها كما هي

خامساً: قوله "أو موت قريبه" وهو غير حاضر أي أنه في سياق الموت فيخشى أن يموت وهو غير حاضر وأحب أن يبقى عنده ليلقنه الشهادة وما أشبه ذلك فهذا عذر

سادساً: قوله "أو على نفسه من ضرر" وهو أن يخشى على نفسه من الأمور التي ذكرها المؤلف من ضرر بأن كان عند بيته كلب عقور وخاف إن خرج أن يعقره الكلب فله أن يصلي في بيته ولا حرج عليه وكذلك لو فرض أن في طريقه إلى المسجد ما يضره مثل ألا يكون عنده حذاء والطريق كله شوك أو كله قطع زجاج فهذا يضره فهو معذور بترك الجمعة والجماعة

سابعاً: قوله "أو سلطان" مثل أن يطلبه ويبحث عنه أمير ظالم له وخاف إن خرج أن يمسكه ويحبسه أو يغرمه مالاً أو يؤذيه أو ما أشبه ذلك ففي هذه الحال يعذر بترك الجمعة والجماعة لأن في ذلك ضرر عليه أما إذا كان السلطان يأخذه بحق فليس له أن يتخلف عن الجماعة والجمعة لأنه إذا تخلف أسقط حقين حق الله في الجماعة والجمعة والحق الذي يطلبه به السلطان

ثامناً: قوله "أو ملازمة غريم ولا شيء معه" بأن كان غريم ويلازمه وليس عنده ما يسدد به دينه هذا عذر وذلك لما يلحقه من الأذية لملازمة الغريم له فإن كان معه شيء يستطيع أن يوفي به فليس له الحق في ترك الجمعة والجماعة لأنه إذا تركها في هذه الحال أسقط حقين حق الله في الجمعة والجماعة وحق الآدمي في الوفاء

مسألة: إذا كان عليه دين مؤجل لكن غريمه لازمه فهل له أن يتخلف ؟

الجواب: ينظر فإن كانت السلطة قوية بحيث لو اشتكاه على السلطة لمنعته منه فهو غير معذور لأن له الحق أن يقدم الشكوى إلى السلطة أما إذا كانت السلطة ليست قوية أو أنها تحابي الرجل ولا تأخذ الحق منه فهو معذور

تاسعاً: قوله "أو من فوات رفقة" إذا كان يخشى من فوات الرفقة وهذا عذر لوجهين

أولاً: أنه يفوت مقصده إذا انتظر الصلاة مع الجماعة أو الجمعة

ثانياً: أنه ينشغل قلبه كثيراً فإذا سمع تشغيل السيارة وهو يصلي فإنه يقلق كثيراً خشية فوات السيارة وكذلك الطائرة فهذا معذور

عاشراً: قوله "أو غلبة النعاس" مثال ذلك: رجل متعب بسبب عمل أو سفر فأخذه النعاس فهو بين أمرين إما أن يذهب ويصلي مع الجماعة وهو في غلبة النعاس لا يدري ما يقول وإما أن ينام حتى يأخذ ما يزول به النعاس ثم يصلي براحة فنقول افعل الثاني لأنك معذور

الحادي عشر: قوله "أو أذى بمطر أو وحل" الأذية بالمطر أو الوحل إذا خاف الأذى بمطر أو وحل أي أن السماء تمطر وإذا خرج للجمعة أو الجماعة تأذى بالمطر فهو معذور والأذية بالمطر يتأذى في بل ثيابه أو ببرودة الجو أو ما أشبه ذلك وكذلك لو خاف التأذي بوحل وكان الناس في الأول يعانون من الوحل لأن الأسواق طين تربص مع المطر فيحصل فيها الوحل والزلق فيتعب الإنسان في الحضور إلى المسجد فإذا حصل هذا فهو معذور وأما في وقتنا الحاضر فإن الوحل لا يحصل به تأذ لأن الأسواق مزفَّته وليس فيها طين وغاية ما هنالك أن تجد في بعض المواضع المنخفضة مطراً متجمعاً وهذا لا يتأذى به الإنسان لا بثيابه ولا بقدمه فالعذر في مثل هذه الحال إنما يكون بنزول المطر فإذا توقف المطر فلا عذر لكن في بعض القرى التي لم تُزفّت يكون العذر موجوداً ولهذا كان منادي الرسول صلى الله عليه وسلم ينادي في الليلة الباردة والمطيرة "أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ" رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وإذا كان المطر خفيفا فإنه لا عذر له بل يجب عليه الحضور وما أصابه من المشقة اليسير فإنه يثاب عليها

الثاني عشر: قوله "وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة" الريح شديدة البرودة ، فإذا وجدت ريح باردة شديدة تشق على الناس فإنه عذر في ترك الجمعة والجماعة أما الريح الخفيفة العادية فليس فيها مشقة وهي أولى من العذر للتأذي من المطر والريح الساخنة ليس فيها أذى ولا مشقة والرياح الباردة بالنسبة لنا في نجد هي التي تأتي من الشمال لأننا الآن إلى القطب الشمالي أقرب منا إلى القطب الجنوبي وفي الجهة الجنوبية من الأرض تكون الرياح الباردة هي التي تأتي من الجنوب

قوله "في ليلة مظلمة" لا يتأتى هذا الشرط في الجمعة والجماعة

وبالله التوفيق

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

1434/4/9 هــ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

5 + 8 =

/500
جديد الدروس الكتابية
 الدرس 146 الجزء الرابع  الاستسلام لشرع الله - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 145 الجزء الرابع: وجوب طاعة الله ورسوله - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 144  الجزء الرابع الحلف بغير الله - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 143 الجزء الرابع تأويل الصفات - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 142 الجزء الرابع التحدث بالنعم والنهي عن الإسراف - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 141 الجزء الرابع ‌‌أخلاق أهل العلم  . - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر