خطر المخدرات

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الأربعاء 9 جمادى الأولى 1442هـ | عدد الزيارات: 560 القسم: خطب الجمعة

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين.

أما بعدُ: عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى. يقول الحق تبارك وتعالى: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا " (الإسراء :70)؛ وميز الله الإنسان عن سائر مخلوقاته بالعقل؛ لذا جاءت الشرائعُ السماويةِ بالمحافظة على هذا العقل، وحمايته من كل داء وبليَّةٍ تؤثِّرُ فيه أو تُعطِّل فوائدَه؛ حفاظاً على كرامةِ الإنسان، فالعقل هو مناط التكليف، فقد رَفَعَ الله القلم عن فاقدِه، وأمر بالوِلاَيَةِ والوصايةِ عليه.

ومن نظر في تلك الحياة وجد العقلَ هو الأساس الذي تُبنَى عليه شؤونها، وهو سبب النجاح فيها، ففاقدُه غيرُ مكلفٍ بالأحكام الشرعية ، ولا يُحسن التصرف في نفسٍ ولا مال، ولا يُؤمَنُ على عِرض، ولا يوجد في البشرية من يرضى أن يوصف بالجنون مهما كان عقلُهُ وعلى أيَّةِ مِلّةٍ كان؛ فكيف بمن يتسبَّبُ بنفسه، ويبذُلُ مالَهُ لفُقْدَانِ عقله.

بل إن العَبَثَ بالعقل وإفسادَهُ يعدُّ من أفظع الجرائم، وهو في الدين من الكبائر، وإن من أعظم الوسائل التي تُفسِدُ العقلَ تعاطي المسكرات؛ لذا جاءت نصوصُ الشرعِ بتحريم كلِّ مُسكِرٍ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " (المائدة :90) وقال تعالى: " إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ " (المائدة :91) " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا " (البقرة 219) ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " أخرجه مسلم ، وفي رواية : " إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ:عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ " أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، وسماها الرسول صلى الله عليه وسلم أمَّ الخبائث، فقال :"اجتنِبوا الخمرَ فإنها أمُّ الخبائثَ " رواه النسائي وصححه الألباني ، فمن تعاطى المسكرات فقد أدخل على نفسه النقصَ في دينه وماله وعقله، وربما انسلخ من ذلك كلِّه.

أيها الأحبَّةُ : إن متعاطي المخدرات لا يُعَدُّ من الأسوياء.. فأين هو من اجتماعات المسلمين ؟! أين هو من عمله أو دراسته أين هو من طاعة ربه ، وبر والديه وصلةِ رحمه وأعمالِ الخير والإحسان؟! والله المستعان .

أيها المسلمون: لقد حرصَ أعداءُ هذه الأمةِ على إفسادِها، وهدمِ كيانِها، وشلِّ حركتِها، والقضاءِ عليها، وضربِها في أعزِّ ما تملك من حيثُ لا تشعر، وذلك بإفساد شبابها، ونخرِ أجسامهم وعقولهم، وكانت المخدراتُ من الأسلحةِ الفتاكةِ التي صدَّرُوها إلى العالمِ كافةً، وإلى المجتمعاتِ المسلمةِ بصورةٍ خاصة، فهي في عصرنا هذا من أكبر الأخطارِ المحدقةِ بالأمة، وهي الشبحُ الذي يُهدِّدُ الشعوبَ الإسلامية، لأنها إذا انتشرت في المجتمع تقضي فيه على الدين والأخلاق والموارد. والمجتمع الذي تنتشر فيه المخدراتُ يسُودُهُ القلقُ والتَّوتُرُ، ويُخيِّمُ عليه الشقاقُ والتمزق.

ولو نظرنا إلى انتشارِ الجرائمِ وتفشِّيها في المجتمعات، لوجدنا أنَّ تهريبَ المخدراتِ وترويجها وتعاطيها من أهم الأسباب الرئيسة في ظهور تلك الجرائم؛ فالمهربُ لا يتورَّعُ عن ارتكابِ أبشع الجرائم ليُوصِلَ ما لديه من سمومٍ إلى المكان المقصود، والمروِّجُ لا يتوقف عن ابتكارِ الطُّرُقِ والوسائلِ للوصولِ إلى فريسته ، والمُدمِنُ ليس لديه شعورٌ بالمسؤولية، نتيجةَ تعاطيه تلك السموم، لذا فإنه ُيقْدِمُ على طلب المال وتحصيلِهِ من أيِّ مصدر وبأي وسيلة، حتى لو استدعى ذلك أن يرتكبَ الجرائمَ بشتى صورها.

أيها الإخوة : إن غرسَ الإيمان بالله تعالى واليومِ الآخر وبكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في نفوس الناس أساسُ الصلاح والوقاية من كل فسادٍ وخطرٍ يهدد المجتمع بأسره، فيجب على كل مسلم أياً كان عملُهُ ، وفي أي مكانٍ وُجِد، أن يغرِسَ الإيمانَ في نفوسِ من حولَهُ من الأفرادِ والأُسَرِ والمجتمعات، لتخليصهم من اقتراف المنكرات، وقيامهم بطاعة الله تعالى، والاستقامةِ على شرعه ومنهجه القويم ، " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ " (فصلت 30 - 31)

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

هذا ، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد فاتقوا الله أيها المسلمون ، وراقبوه مراقبةَ مَنْ يعلم أنه يسمعه ويراه، ويعلم سره ونجواه، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا "(الأحزاب 70 – 71)

عباد الله:

إنَّ مِن أهم أسباب الوقوع في هذا الوباء : الرفقةَ السيِّئةَ ، فإذا صَحِبَ الشاب رفقةً سيِّئةً تتعاطى المخدرات أغروه بها.

ويسعى ولاةُ الأمر في هذه البلاد بكل ما أُوتوا من جُهدٍ ومالٍ لمكافحةِ هذا الوباءِ الخطير، ومُلاحقةِ المهربين والمروجين، وتطبيقِ أقصى العقوباتِ عليهم.

ومن تلك الجهود: إقامة المصحات النفسية لعلاج المدمنين، وتوجيههم وتأهيلهم، وتبصيرهم بأخطار الإدمان وعواقبه؛ ليكونوا أفرادا صالحين في المجتمع .

ومن واجبات أفراد هذا المجتمع أن يكونوا فاعلين ومتعاونين مع الأجهزة المختصة في مواجهة هذا الخطر الذي يهدد مجتمعنا، وذلك بالإبلاغِ عمَّن يروِّجُ هذه المخدرات، فهذا من إنكار المنكر الواجب؛ ليكفَّ شرَّه عن المسلمين، قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في (مجموع الفتاوى): " لا ريبَ أن مكافحةَ المسكراتِ والمخدرات من أعظم الجهاد في سبيل الله، ومن أهمِّ الواجبات التعاون بين أفراد المجتمع في مكافحة ذلك؛ لأن مكافحَتَهَا في مصلحةِ الجميع، ولأن فُشُوَّها ورَواجَها مَضَرَّةٌ على الجميع، ومن قُتِلَ في سبيل مكافحة هذا الشرِّ وهو حَسَنُ النية، فهو من الشهداء، ومن أعان على فضحِ هذه الأوكار وبيانها للمسئولين، فهو مأجور، وبذلك يعتبر مجاهدًا في سبيل الحقِّ، وفي مصلحة المسلمين وحماية مجتمعهم مما يضرُّ بهم " ا. هـ.

نسألك اللهم أن تحفظ بلادنا من كيد الكائدين، وخطر المتربصين، اللهم احفظ شباب المسلمين من الشرور كلِّها، واجعلهم هداة مهتدين ولدينهم ووطنهم حُماةً مجاهدين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وارزقه البطانة الصالحة الناصحة ، وانصر جنودنا في الحد الجنوبي على الرافضة الإرهابيين .

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

1442/5/8 هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

9 + 8 =

/500
جديد الخطب الكتابية
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي