الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
قوله:" ثم يرجع "فيبيت بمنى ثلاث ليال" فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف سبع حصيات ويجعلها عن يساره ويتأخر قليلا ويدعو طويلا ثم مثلها، ثم جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال مستقبلَ القبلة مرتبا وإن رماه كله في الثالث أجزأه ويرتبه بنيته فإن أخره عنه أو لم يبت بها فعليه دم ".
يرجع من مكة بعد أن يطوف ويسعى فيبيت ثلاث ليالي إن تأخر وإن تعجل فليلتين، فيبيت الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة إن تأخر، وإن تعجل فالحادية عشرة والثانية عشرة ويرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات يرمي مستقبلاً القبلة بسبع حصيات متعاقبات.
ثم يتأخر قليلاً ويدعو طويلاً مستقبلاً القبلة، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بقدر ما يقرأ سورة البقرة رافعاً يديه ثم الوسطى مثلها.
أما الثالثة فيرميها مستقبلاً الجمرة وتكون الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه؛ لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رماها كذلك وقال:" هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة "، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وحينئذ يستثنى من استقبال القبلة رمي جمرة العقبة وإنما كان الأمر كذلك لأنه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن تستقبل القبلة وترمي جمرة العقبة بحيث تكون بين يديك لأجل الجبل لأنها ملاصقة بالجبل قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (2/285):" ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى منى من يومه ذلك فبات بها فلما أصبح انتظر زوال الشمس فلما زالت مشي من رحله إلى الجمار ولم يركب فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة الله أكبر ثم تقدم إلى الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلاً بقدر سورة البقرة ثم أتى الجمرة الوسطى فرماها كذلك ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه قريباً من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك ." أ.هــ
قوله:"ولا يقف عندها"، لا يقف عند جمرة العقبة وإنما يقف بعد الأولى والثانية، قال العلماء: لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في جوف العبادة ولا يكون بعدها وهذا على قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية واضح؛ ولهذا يرى أن الإنسان إذا أراد أن يدعوا في الصلاة فليدع قبل أن يسلم لا بعد أن يسلم لا في الفريضة ولا في النافلة لكن ابن باز رحمه الله يجيز الدعاء بعد الفريضة سراً من غير أن يرفع يديه بالدعاء وأما في النافلة فيرفع يديه بالدعاء سراً.
قوله:"... يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال مستقبل القبلة مرتبا، وإن رماه كله في الثالث أجزأه ويرتبه بنيته ".
يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال مستقبلاً القبلة مرتباً، والمراد بالترتيب هنا أن يرمي الأولى ثم الوسطى ثم العقبة وما دام الإنسان في سعة فيجب الترتيب وأنه لو سألنا في أيام التشريق فقال إنه رمى منكساً لقلنا له اذهب وارم مرتباً لكن إذا كان الأمر قد فات بفوات أيام التشريق فرميه صحيح لأنه ليس هناك قول عن الرسول صلى الله عليه وسلم بوجوب الترتيب بينها ويفتى بهذا الشيخ ابن باز رحمه الله وليس هناك إلا عموم قوله صلى الله عليه وسلم "لتأخذوا عني مناسككم". (صحيح مسلم)
ولا يجزئ الرمي قبل الزوال عدا يوم العيد والدليل على أنه لا يجزئ قبل الزوال أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بعد الزوال وقال:" لتأخذوا عني مناسككم " (صحيح مسلم)، ولأنه لو كان الرمي قبل الزوال جائز لفعله صلى الله عليه وسلم؛ لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها والرسول صلى الله عليه وسلم بادر بالرمي حين زالت الشمس.
ويجزئ الرمي ليلاً إذ لا دليل على التحديد بالغروب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حدد أوله بفعله ولم يحدد آخره وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في صحيح البخاري " رميت بعد ما أمسيت قال: لا حرج " أخرجه البخاري، والمساء يكون آخر النهار وفي أول الليل .
فإذا كان لا يتيسر للإنسان الرمي في النهار فله أن يرمي في الليل وإذا تيسر لكن مع المشقة والأذى وفي الليل يكون أيسر له وأكثر طمأنينة فإنه يرمي في الليل لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من المتعلق بزمن العبادة.
وما دام أنه ليس هناك دليل صحيح صريح يحدد آخر وقت الرمي فالأصل عدم ذلك ولا ينبغي أن تلزم الناس بذلك.
ولا يجوز أن يؤخر رمي الجمرات إلى آخر يوم إلا في حال واحدة من منزله بعيد من الشمال أو من الشرق ويصعب عليه أن يتردد كل يوم لا سيما في أيام الحر والزحام فهنا لا بأس أن يؤخر الرمي إلى آخر يوم ويرميه مرة واحدة؛ لأن هذا أولى بالعذر من الرعاة الذين رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمعوا الرمي في يوم وأما من كان قادراً والرمي عليه سهل لقربه من الجمرات أو لكونه يستطيع أن يركب السيارات حتى يقرب من الجمرات فإنه يجب أن يرمي كل يوم في يومه.
قوله:"فإن أخره عنه أو لم يبت بها فعليه دم".
وإن أخر الرمي عن أيام التشريق فعليه الدم وإن كان لعذر سقط عنه الإثم فلو فرض أن رجلاًُ من الناس ظن أن رمي الجمرات غير واجب أو ظن أن الترتيب فيها غير واجب وجاء يسألنا بعد أن قضت أيام التشريق نقول له يجب عليك دم فإذا قال أنا جاهل قلنا نعم أنت جاهل ويسقط عنك الإثم لكن هذا العمل الذي فات بجهلك له بدل وهو الدم فيجب عليك أن تذبح فدية توزعها على الفقراء في مكة، ومن لم يبت في منى أيام التشريق ليلتين إن تعجل أو ثلاث ليال إن تأخر فعليه دم والدم إذا أطلق فهو ما يجزئ في الأضحية بأن يكون من بهيمة الأنعام وقد تم له السن المعتبر شرعاً وسلم من العيوب المانعة من الإجزاء
لكن لو ترك ليلة من الليالي فإنه ليس عليه دم بل عليه إطعام مسكين وإن ترك ليلتين اطعام مسكينين إن لم يتعجل وعليه دم إن ترك ثلاث ليالي وهذا هو المذهب
(مسألة): لو أن مفتياً أفتى بغير علم وقال للحاج: عليك دم فذهب الحاج واشترى دماً بخمسمائة ريال وتصدق به على الفقراء فإن المفتي يضمن؛ لأنه أفتاه بغير علم وألزمه بما لم يلزمه الله به.
قوله:" ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد ".
ومن تعجل في يومين خرج من منى قبل أن تغرب الشمس وذلك ليصدق عليه أنه خرج في يومين إذ لو أخر الخروج إلى ما بعد الغروب لم يكن تعجل في يومين لأن اليومين قد فاتا.
وإذا لم يخرج قبل غروب الشمس من منى في اليوم الثاني عشر لزمه المبيت ليلة الثالث عشر والرمي من الغد بعد الزوال كاليومين قبله
والدليل قوله تعالى :" واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى " .
(مسألة): لو أن جماعة حلو الخيام وحملوا العفش وركبوا ولكن حبسهم المسير لكثرة السيارات فغربت عليهم الشمس قبل الخروج من منى فلهم أن يستمروا في الخروج لأن هؤلاء حبسوا بغير اختيار منهم وإلا فقد تعجلوا فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما :" أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض " أخرجه البخاري، إلا أنهم استثنوا من ذلك إذا قام لانتظار الرفقة فإنه لا يلزمه إعادة الطواف ولو طال الوقت وكذلك لو فرض أنه تبين له عطل في سيارته بعد الطواف فجلس في مكة من أجل إصلاحه فإنه لا يلزمه إعادة الطواف لأنه إنما أقام لسبب متى زال واصل سفره.
رأي اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز:" لا يحرم البيع ولا الشراء بعد طواف الوادع لكن لو ودع الحاج ثم تأخر كثيراً عرفاً شرع أن يعيد الطواف." أ.هـ
قوله:" فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع فإن أقام أو اتجر بعده أعاده وإن تركه رجع إليه فإن شق "أو لم يرجع" فعليه دم ".
ويعفى عن البيع والشراء اليسير لا التجارة ولو اشترى حاجة أو باع حاجة في طريقه أو هدايا لأهله فإنه لا بأس به.
وإذا تركت الحائض طواف الوداع فإنه لا يلزمها الرجوع ولو طهرت إلا إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة فإنه يلزمها الرجوع أما إذا طهرت بعد مفارقة البنيان ولو بيسير ولو داخل الحرم فإنه لا يلزمها أن ترجع، والدليل على هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما:" إلا أنه خفف عن الحائض ".
قوله:"فإن شق "أو لم يرجع" فعليه دم".
وإن شق الرجوع ولم يرجع فعليه دم، وإن تركه لغير مشقة لزمه الإثم لأنه تعمد ترك واجب.
وإذا ترك طواف الوادع ولم يرجع قبل مسافة القصر فإن جاوز المسافة استقر عليه الدم سواء رجع أو لم يرجع وكذلك لو وصل إلى بلده فإن الدم يستقر عليه سواء رجع أو لم يرجع وعلى هذا فأهل جدة لو خرجوا إلى جدة قبل طواف الوداع ثم رجعوا بعد أن خف الحرم وطافوا فإن الدم لا يسقط عنهم لأنه استقر بمسافة القصر أو بوصوله إلى بلده
والدليل على وجوب الدم الأثر المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:" من ترك شيئاَ من نسكه أو نسي فليهرق دما ".
قوله:"... وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع ".
وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزء عن الوداع، وطواف الزيارة هو طواف الإفاضة أي طواف الحج فلا ينوي طواف الإفاضة طواف وداع بل ينوي طواف إفاضة ويسقط عنه طواف الوداع.
وبالله التوفيق
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين