الرشوة

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الأربعاء 27 شوال 1444هـ | عدد الزيارات: 555 القسم: خطب الجمعة

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له ولي الصالحين، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله؛ أرسلَه ربُّه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا ، وداعيًا بإذنه وسراجًا منيرًا.

أما بعد: عبادَ الله؛{ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]،

واعلموا أنه حينما يضعُف الإيمان، وتقِلُّ الخشية من رب الأنام، تفسدُ الأخلاق، ويَسْودُّ القلب، وتُظلِم النفس، فلا تعرف معروفًا، ولا تُنكر منكرًا، فالحلال بالنسبة لها ما هَوتْه النفس وأدركته، والحرام ما لم تستطعْ إدراكه، ومِن ذلك الحرام الذي تهواه النفوس المريضة الفاسدة الرشوة، فهي فضلا عن حرمتها وجرمها من مساوئ الأخلاق، يترتب عليها إحقاق الباطل وإبطال الحق .

عباد الله؛ الرِّشوةُ كبيرةٌ من كبائر الذنوب، صاحبُها إذا لم يتبْ منها فهو على خطر عظيم، فعن عبدالله بن عمرو قال: "لعنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الرَّاشي والمُرتَشي "؛ صحيح الترمذي للألباني.


ولا شك أن أثرها سيِّئ على الفرد والمجتمع؛ فهي تولِّد العداوة والبغضاء ، وينتشر بسببها الفسادُ الإداري فلا تُقضَى الأعمال إلاَّ بها، فتتعطَّل المصالح، ويكون هَمُّ الموظَّف كيف ينتفع على حساب وظيفته ومجتمعه، فيرتقي الوظائفَ غيرُ المؤهَّلين، ويُنحَّى جانبا أهلُ الأمانة والكفاءة، فيسند أمرُ الأمَّة إلى غير أهله، وإذا حدث ذلك فارتقب الساعة . ففي صحيح البخاري"إذا أُسْنِدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ." ، وفي رواية أخري" إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"


بالرِّشوة تضيع الأمَّة وتُسلب أمنَها،واستقرارها المجتمعي فليس عند المرتشي ممنوعٌ ، أو سقف يقف عنده بل كل الأشياء مباحةٌ لديه مقابلَ السُّحت الذي يدفع له.

عباد الله: الرشوةُ عامةٌ، تشمل الموظفَ الحكوميَّ وغيرَه من العاملين كوكلاء التجار، وغيرِهم ممَّن يعمل في مال غيرِه.


ومن صور الرِّشوة: هدايا العُمَّال، وهم الموظَّفون الذين يأخذون مرتَّبًا من بيت المال، ويتولَّون مناصبَ وولاياتٍ، سواء كانت صغيرة أم كبيرة، فما يُهدى لهم بسبب هذه الأعمال، ولو لم يكونوا بهذا العمل لم يُهدَ إليهم، فهو غُلول يحرُم عليهم قَبولُه، ؛ فعن بريدةَ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: " منِ استعملناهُ على عملٍ فرزقناهُ رزقًا فما أخذَ بعدَ ذلِكَ فَهوَ غُلولٌ "صحيح أبي داود للألباني.

هذا ، وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله أمرنا بأكل الحلال ، والبعد عن الحرام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء: 29]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه.

وبعدُ:

أيها المسلمون: إن من شر المكاسب وأخبث الأموال ما يأخذه الراشي من رشوة، تلك الرشوة مكسبٌ خبيثٌ ومالٌ محرمٌ، عواقبه سيئةٌ في الدنيا والآخرة؛ ولهذا حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء في صحيح البخاري "اسْتَعْمَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَجُلًا مِن بَنِي أسْدٍ يُقَالُ له ابنُ الأُتَبِيَّةِ علَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قالَ: هذا لَكُمْ وهذا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى المِنْبَرِ - قالَ سُفْيَانُ أيضًا فَصَعِدَ المِنْبَرَ - فَحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَى عليه ثُمَّ قالَ: ما بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتي يقولُ: هذا لكَ وهذا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أيُهْدَى له أمْ لا، والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا يَأْتي بشيءٍ إلَّا جَاءَ به يَومَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ علَى رَقَبَتِهِ، إنْ كانَ بَعِيرًا له رُغَاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إبْطَيْهِ ألا هلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا."

عباد الله؛ {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. [الأحزاب 56]

اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التَّابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك وإحسانك .

اللَّهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل اللَّهمَّ هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللَّهمَّ أمِّنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، اللَّهمَّ وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} .[الحشر 10]

عبادَ الله، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل 90] فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

٢٧ شوال ١٤٤٤ هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

6 + 4 =

/500
جديد الخطب الكتابية
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي