المداومة على الاستقامة بعد رمضان

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الأحد 26 شهر رمضان 1444هـ | عدد الزيارات: 1184 القسم: خطب الجمعة

الحمد لله مقدرِ الأقدارِ ومصرفِ الأيامِ والشهورِ، أحمده على جزيل نعمه وهو الغفور الشكور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه البشيرُ النذيرُ والسراجُ المنيرُ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [102آل عمران] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء1] { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [الأحزاب70 ،71]

عباد الله؛ كان رمضان ميدانًا للتنافس على الخيرات وعمل الطاعات، وكانت أحوال الناس بين ساجدٍ وراكعٍ، ومتصدقٍ ، وتالٍ للقرآن ، والكيِّسُ من داوم على الطاعة وجعل رمضان وسيلةً وسببًا للاستقامة بقية العام. واعلموا إن التقاعس عن العبادة بعد رمضان يهدم الأعمال الصالحة التي تمت خلال الشهر الفضيل. إن المتكاسلين يظنون أن اجتهادهم في رمضان يكفر عنهم ما يجري منهم في سائر العام من القبائح والموبقات،ألا ساء ما يعتقدون.!

عباد الله؛ استمروا على مواصلة الأعمال الصالحة التي كنتم تؤدونها في رمضان بقيةَ العام، فإن ربَّ الدهر هو ربُّ رمضان، وهو مُطَّلعٌ علينا وشاهدٌ على أعمالنا، وقد أمرنا سبحانه بفعل الطاعات في جميع الأزمنة والأوقات، ومن كان يعبد شهر رمضان فإن شهر رمضان قد مضى وفات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

عباد الله؛ إن من أعظم الطاعات المحافظة على الصلاة في وقتها فلا تضيعوها، فإنه لا كبيرة بعد الشرك أعظم من إضاعة الصلاة. فقد كان آخرُ كلامِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: " الصلاةَ الصلاةَ ! " صحيح أبي داود للألباني.

واعلموا أن الاجتهاد في رمضان لا ينفع شيئاً عند الله إذا أتبعه الإنسانُ بترك الواجبات والوقوع في المعاصي والسيئات.

وقد صدق بشر الحافي رحمه الله حينما سُئل عن قوم يجتهدون في شهر رمضان، فإذا انقضى ضيّعوا وأساءوا، فقال: "بئس القومُ لا يعرفون الله حقًا إلا في شهر رمضان، إنَّ الصالحَ الذي يتعبدُ ويجتهد السنةَ كُلَّها".

إنَّ المؤمنَ الصادقَ المحبَّ لربِّه يفرحُ بانتهاءِ شهرِ رمضانَ؛ لأنه استكملَ فيه العبادةَ والطاعةَ، فهو يرجو أجرَه وثوابَه من الله، ويتبعُ ذلك أيضًا بالاستغفارِ والتكبيرِ ولزومِ العبادةِ، إنَّ هذا حَرِيٌّ به أن يفرح، وكيف لا، وقد بشَّره رسولُ الله بذلك في قوله: " لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ...". (صحيح البخاري)

عباد الله؛ إن أعظم المعاني التي ينبغي أن نستحضرها في هذا اليوم المبارك، أن من فاز بالتوبة في شهر رمضانِ ، وذاق حلاوةَ الإيمان والعمل الصالح، فإنه لا ينبغي له أن يترك هذا النعيم عند انقضاء الشهر بترك التوبة والاستقامة.

هذا ، وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أمَّا بعدُ:

أيُّها المسلمونَ لقد كان رمضان مدرسةً حقيقيةً تَلَقَّى فيها المسلمُ دروسَ الخيرِ المتنوعة، وتعوَّد فيها الابتعاد عن الشر وأسبابه، وأنه ما أن انتهى إلا والمؤمن قد أَلِفَ الخيرَ ونفَرَ عن الشر. ممَّا يكون سبباً لاستمراره على الاستقامة بقية السنة.

لابدَّ أيُّها الإخوةُ من جرد الحساب لمعرفة هل استفدنا من رمضان أم لا؟، فإنْ كُنَّا قد استفدْنَا نحمد الله على هذه النعمة ونحافظ عليها في بقية الأشهر ولا نفرّط فيها.، وإن كان هناك تقصير فلا بد من المسارعة بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى. ولا نيأس من رحمة الله، فان الله، يتوب على من تاب (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ). [الشورى 25]

اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، اللهم ارض عن الخلفاء الأربعة : أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعنَّا معهم بجودك ومنك وكرمك، اللهم ارزقنا طاعتك ، والعمل بكتابك وسنةِ نبيك صلى الله عليه وسلم ، واعتق رقابنا من النيران ، وارزقنا المداومة على الاستقامة ، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

٢٥ رمضان ١٤٤٤ هـ
_________________________________________

التوحيد: أقسامه ونواقضه

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، نحمده ونشكره على ما أولانا من نعم الدنيا والدين، وحمدُه وشكرُه واجبٌ على جميع المكلفين ومن أعظم نعمه علينا أن جعلنا مسلمين ، نسأله أن يمن علينا بالثبات على الإسلام والإيمان إلى أن يأتينا اليقين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحق المبين، قسَّمَ عباده قسمين: أصحابِ يمين وأصحابِ شمال، عمَّرَ طريقَ الجنة بأوليائه المؤمنين، وعمَّر طريق النار بأعدائه المجرمين، وجعل الجنة مقراً لعباده الصالحين والنار مقراً لأعدائه الظالمين، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله إمامُ المتقين وقائدُ الغر المحجلين، نبيٌّ بصَّرَ الله به من العمى وهدى به من الضلالة، ونوَّرَ به بعد الظلمة { من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم }[الأنعام:39]

أما بعدُ:

عباد الله: اتقوا الله فيما تفعلون وتذرون، واعلموا أن أول واجب عليكم معرفة الله وما له عليكم من العبادة فهو الذي خلقكم ورزقكم كما يجب على كل مسلم معرفة دين الإسلام الذي شرعه الله لعباده ورضيه لهم ولن يقبل منهم دينا سواه كما على المسلم أن يعرف ما ينافيه أو ينافي كماله من الشرك والبدع والمعاصي والخرافات التي أحدثها أهل الجهالات فالشرك أعظم ذنب عصي الله به وهو الذنب الذي لا يُغفر لمن مات عليه والجنة على المشرك حرام قال تعالى:{إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء:48].وقال تعالى :{ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} [المائدة:72] ، وقال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة:256]. وهي لا إله إلا الله والطاغوت الذي يجب الكفر به كل معبود غير الله وكل متبوع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل مطاع في معصية الله ورؤوس الطواغيت الخمسة ابليس لعنه الله ومن عبد وهو راض ومن دعى الناس إلى عبادة نفسه ومن ادعى شيئاً من علم الغيب ومن حكم بغير ما أنزل الله وما أكثر الطواغيت على ظهر المعمورة لا كثرهم الله.

وأصل دين الإسلام توحيد الله والأمر بطاعته والنهي عن معصيته والحب في الله والبغض في الله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وتكفير من أشرك بعبادته أو فعل ناقضا من نواقض الإسلام.

والتوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات فتوحيد الربوبية هو معرفة الله بأفعاله وأنه هو الخالق الرزاق المحيي المميت المدبر وهذا التوحيد قد أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام بل قاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يفردوا الله بالعبادة الذي هو النوع الثاني وهو افراد الله بالعبادة فلا يدعى ولا يرجى ولا يذبح ولا يصلى إلا له وحده كما قال تعالى:{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا.} [النساء:36].

الثالث: توحيد الأسماء والصفات وهو إثبات ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله على ما يليق بجلاله إثباتاً بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل قال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى:11]. ومعنى: لا إله إلا الله، لا يعبد إلا الله، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله بأنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، وأن يطاع فيما أمر، ويصدق فيما أخبر ويجتنب فيما عنه نهى وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. ولا يخفى أن مفتاح الجنة لا إله إلا الله ومن كان آخر كلامه في الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة ولكن ليس قولها باللسان كاف في تحقيقها فإن لها شروط وأركان لا تنفع قائلها إلا بشروطها وأركانها فاليهود والنصارى والمنافقين وعباد القبور يقولونها ولكن لا تنفعهم وهم يناقضونها بأقوالهم وأفعالهم واعتقادهم فكيف تنفع اليهود وهم يقولون عزير ابن الله والنصارى يقولون المسيح ابن الله وكفار العرب يقولون الملائكة بنات الله والمنافقون آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم وعباد القبور يقولون مرة يا الله ومرة يقولون يا ولي الله فأشركوا الأولياء مع الله وهذا أعظم ذنب عصي الله به ولذا لا يغفر لصاحبه، وأركان لا إله إلا الله ركنان: نفي وإثبات، فقول: لا إله: نافياً كل معبود غير الله لا نبياً ولا ولياً ولا غيرهما، وقول: إلا الله: مثبتاً العبادة لله وحده، فهو الإله الحق وما سواه باطل وكفار العرب أبوا عن قول: لا إله إلا الله؛ لأنهم يعرفون أنها تبطل جميع معبوداتهم.

وشروط (لا إله إلا الله) التي لا تصح ولا تنفع قائلها إلا بها سبعةٌ:

الأول: العلم بمعناها المنافي للجهل

الثاني: اليقين المنافي للشك لأن الشك كفر ونفاق

الثالث: الإخلاص المنافي للشرك

الرابع: الصدق المنافي للكذب

الخامس: القبول لها ولما دلت عليه من الإخلاص

السادس: الانقياد المنافي لضده وهو عدم الانقياد

السابع: المحبة لها ولما دلت عليه وحب من عمل بها وبغض من عاداها وأهلها فمن قالها بلسانه وناقضها بأقواله وأفعاله لم تنفعه قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} [البقرة:217]، فالشرك إذا دخل في العبادة أفسدها كالحدث إذا دخل في الطهارة.

اللهم بارك لنا في القرآن العظيم واعصمنا عن أعمال الجحيم وثبتنا على صراطك المستقيم واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي بذكره تطمئن القلوب وبرحمته تغفر الذنوب نحمده ونشكره ونتوب إليه ونستغفره إنه هو التواب على من يتوب ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له علام الغيوب، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه أحسن الناس عبادة وأسلسهم قلوبا.

أما بعد

عباد الله: اتقوا الله واشكروه على نعمة الإسلام فيا لها من نعمة لو عرف قدرها فإن من مات مسلماً دخل الجنة ومن مات مشركاً دخل النار {إن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.} [آل عمران:85].

والإيمان له ستة أركان هي: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره فمن قام بهذه الأركان بتصديق جازم لا يدخله شك فهو مؤمن، ونواقض الإسلام عشرة:

الأول: الشرك في عبادة الله فإن الله لا يغفر أن يشرك به ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ومنه الذبح لغير الله كمن ذبح للجن أو للقبر أو الولي

الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم

الثالث: من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم أو صحح مذهبهم

الرابع: أن من اعتقد أن هدي غير النبي أحسن من هديه أو حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه

الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ولو عمل به كفر

السادس: من استهزأ بدين الرسول أو ثوابه أو عقابه قال تعالى:{ قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم.} [التوبة:65].

السابع: السحر ومنه الصرف والعطف فمن فعله أو رضي به كفر

الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين قال تعالى :{ومن يتولهم منكم فإنه منهم.} [المائدة:51.]

التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم

العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به.

وهذه النواقض من أخطر ما يقع فيه المسلم إما جهلاً أو تجاهلاً، فعلى المسلم أن يكون حذراً منها حريصاً على حفظ دينه، اللهم توفنا مسلمين غير مبدلين ولا منحرفين اللهم "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، وأعز الإسلام والمسلمين واحم حوزة الدين وانصر عبادك الموحدين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعدائك أعداء الدين اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين واجعلهم هداة مهتدين آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر اللهم ابرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة الدجال {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.} [البقرة:201]. واذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.(العنكبوت:45).

بداية العام الدراسي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليما.

أما بعد

عباد الله؛ أوصيكم بتقوى الله، فإن من اتقى الله وقاه، وهداه إلى أرشد أمور دينه ودنياه، والمتقون من عباد الله هم أهلُ السعادة والفلاح، والفوزِ والغنيمة في الدنيا والآخرة، والعاقبةُ دائما وأبدا لأهل التقوى.

أيها المسلمون: إننا نستقبل بداية عامٍ دراسي جديد، يتوافد الطلاب إلى المدارس والجامعات ويتفاوت الناس في الاستعداد والتهيؤ لهذا الهدف النبيل بحسب ما ييسر الله تبارك وتعالى لكلٍ فيما يعينه الله جلّ وعلا ويوفقه له.

ومع تجدد الأعوام الدراسية، تتجدد المسؤولية، يقول صلى الله عليه وسلم: " كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته" رواه البخاري .

إن المسؤولية أمام الله تبارك وتعالى عظيمة، فالكل يُسأل أمام الله عز وجل عما خُوِّلَ له وائتُمن عليه، ووكل إليه من أمر المسلمين، فعلينا أن نستشعر هذه المسؤولية العظيمة أمام الله تبارك وتعالى.

إن المدارس والجامعات أُنشئت لتكون مناراتٍ للهدى وأبواباً للخير ومجالاً للصلاح وتأسيسًا للفضيلة، ونماءً للعلم، وزكاءً للخير ومجتمعاً للفضل والرفعة وطاعةً لله تبارك وتعالى

إن علينا أن نستشعر في هذا الأمر العظيم وفي كل أمر من الأمور إخلاصَ العمل لله جلّ وعلا.

فالواجبُ على كل واحد منا أن يكون مخلصا لله تبارك وتعالى، فالعلم أمر يحبه الله وأمر عباده به ورغّبهم فيه وهو طاعة لله جلّ وعلا والطاعة أيضاً يجب أن تُؤسَّس على الإخلاص لله وأن تكون قائمة على هذا الأساس العظيم ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: العلم لا يعدله شيء إذا صَلُحت النية.

عباد الله: لابد من همة عالية تسوق الإنسان إلى قمم الفضيلة وأماكن النُبلِ وسمو المكانة ورفعتِها، همةُ عالية تُرَقي الإنسان في دروب الفضيلة، فالهمة لابد أن تكون مصاحبة لطالب العلم، همّة ترقيه في دروب الخير.

أيها الأحبة: لابد من العناية بالنشء عناية عظيمة، ولاسيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن وتنوعت فيه الشرور وكثرت فيه المغريات للفساد.

وينبغي على الطالب أن يتخير لنفسه الجلساء والزملاء، فليس للمؤمن أن يمشي مع من شاء، وإنما يحرص على مصاحبة الأخيار، ومرافقة من يعينونه على العلم والفضيلة والطاعة والعبادة ويسددونه في أعماله وأقواله، وهو بذلك يكون هو ورفيقه متعاونان في الخير، متعاضدان في طاعة الله تبارك وتعالى، وإذا علم الطالب بخلةً مشينةً أو خصلة ذميمة في رفيق له، فليبادره بالنصيحة وليكن موجِّها له ودالا له على الخير.

أسأل الله جلّ وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبارك في مدارسنا وجامعاتنا وأن يجعلها منارات للخير، وأن يجعل عامنا هذا عاما مباركا وأن يوفقنا فيه لكل خير وأن يهدينا جميعا سواء السبيل.

هذا، وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما .

أما بعد: عباد الله؛ علينا أن نقبل على الله عز وجلّ بقلوب صادقة كما ينبغي علينا أن نكون على صلة بالله تبارك وتعالى وكلما كان العبد على صلة بالله تبارك وتعالى، مقبل على الله عز وجلّ إقبالا صادقا، راجيا ربه تبارك وتعالى وطامعا فيما في يده سبحانه، فإنه يُسدد ويُوَفَّق ويُعانُ على كل خير في الدنيا والآخرة

هذا وصلوا وسلموا على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إنَّ الله وملائكتَه يصلُّون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلِّموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقال صلى الله عليه وسلم " من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا" رواه مسلم عن عمرو بن العاص.

اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين، أبى بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وأعنه على البرّ والتقوى وسدده في أقواله وأعماله وألبسه ثوب الصحة والعافية يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم واجعلهم رأفة ورحمة على عبادك المؤمنين، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله و آجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، ونسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تجعل كلَّ قضاء قضيته لنا خيرا، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، دقها وجلها أولها وآخرها سرها وعلنها، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنَّا وما أنت أعلم به منا أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم اغفر ذنوب المذنبين وتب على التائبين، واكتب الصحة والسلامة والعافية لعموم المسلمين يا ذا الجلال والإكرام، ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر،{ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.} [البقرة:201].

عباد الله: اذكر الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدك {ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.} [العنكبوت:45.]

محو الأمية

الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وخلق الإنسان في أحسن تقويم وأشهد أن لا إله إلا الله جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله و صحبه الذين تعلموا الكتاب والحكمة وتفقهوا في الدين فكانوا من المهتدين الآمنين ومن اقتدى بهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فقد قال تعالى:{ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) }. [الشعراء].

أيها المؤمنون: تبين هذه الآية أنه: لا يقي المرء من عذاب الله مالُه ولو افتدى بملء الأرض ذهباً ولا بنون أي ولو افتدى بمن على الأرض جميعاً ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله وإخلاص الدين له والتبرؤ من الشرك وأهله ولهذا قال {إلا من أتى الله بقلب سليم} أي من الدنس والشرك وموقن بأن الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور منقاداً لشرع الله في أمره ونهيه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم نافراً من الضلال والابتداع وبصلاح القلب يصلح الجسد وتستقيم الحياة ولا يكون ذلك إلا بالعلم بالحق والعمل به ونشره وحمايته

والإسلام يوصل إلى هذا النجاح فيكافح أمية القلم فيأمر الله بالقراءة والكتابة وطلب العلم النافع ومن أول آيات نزلت في القرآن { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)}(العلق) لأن الجهل بالقراءة والكتابة داء يحجب عن صاحبه نور العلم والمعارف والحقوق والواجبات

وتعنى الأمم بنشر القراءة والكتابة عناية فائقة وهذا حسن للقضاء على وصمة الأمية ولكن هناك أمية أخطر منها هي أمية القلب وهي داء البشرية في جميع عصورها فقد يكون المرء متعلماً ولكن قلبه فيه جهالة غليظة لا سبيل للقلم أن يزيل عيوبها أو يبدد ظلامها عن بصيرته وعن سلوكه وعن معاملاته وأخلاقه وسائر تصرفاته ويشير إلى ذلك.

قول الله تعالى {ولكنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } [الروم 6، 7 ]. يعني أنهم عرفوا ظواهر الأِشياء وانتفعوا بها في صناعتهم وعلاجهم وحياتهم في السلم والحرب ولكنهم غفلوا عن خالقها وعن توحيده وشكره وعبادته ومعرفة سنته في النجاة والهلاك وعن جزائه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم.

فأمية القلب تحجب صاحبها عن العلم الحق الهادي: العلمِ بالله وبأسمائه الحسنى، وصفاته العليا.

والأسباب التي توصل إلى النتائج في السعادة والشقاوة، فذلك العلم هو رحيق العلم، وروح المعرفة وقمة الثقافة التي تصلح حياة الفرد والمجتمع المادية والروحية والعقلية فيكون مواطناً صالحاً في نفسه وفي عمله أميناً شجاعاً مجاهداً مضحياً قانعاً مخلصاً مطيعاً لله ولرسوله ولأولي الأمر في كل عمل نافع.

فأمية القلب: شر وخطر على صاحبها وعلى أسرته وأمته لأنها تحجبه عن كمال إنسانيته وعن نور بصيرته وعن سر هدايته وسعادته فيتخبط في سلوكه ويضل في حياته ويشقى ويحي في دنياه ضنك ويحشر يوم القيامة أعمى لأنه اكتفى وفرح بما عنده من العلم ونسى آيات الله وأعرض عنها { نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [الحشر 19].

لذلك اهتم الإسلام بمكافحة أمية القلب فأرسل الله الرسل وأنزل الكتب، فيها الأوامر والنواهي والعظات والعبر، وما جرى للأمم من نصر وإبادة وعز وذل وما أعد للمحسن وللمسيء.

عباد الله: إن من صلح قلبه فإنه لا يبيع سعادته ولا دينه ولا وطنه بمنصب ولا بعرض من الدنيا بل يختار الطريق الأسلم ولو كان صعباً طريق الصبر والكفاح للحياتين ليسعد فيهما معاً.

هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وبعد

عباد الله: { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [آل عمران 102] ، تذكروا قول الرسول صلى الله عليه وسلم "فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب" رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

واختاروا لأنفسكم أتريدون أن تكونوا من العلماء أو العباد، إن العالم يستطيع أن ينفع غيره بما علم والرسول صلى الله عليه وسلم يقول "خير الناس أنفعهم للناس" حسنه الألباني. ويقول في موضع آخر "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" رواه مسلم. فابذلوا ما في وسعكم لتكونوا اليوم طلاب علم وغداً من العلماء وليس ذلك على الله بعزيز.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم وخالقكم بذلك في محكم كتابه بقوله {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56]. وقال عليه الصلاة والسلام: " من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا." رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحقن والدين، اللهم اجعلنا من خدمة هذا الدين ، اللهم اغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا ، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى وهيئ له البطانة الصالحة ومتعه وولي عهده بالصحة والعافية، اللهم انصر جنودنا في الحد الجنوبي على الحوثيين الذين دمروا البلاد والعباد واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين،

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } . [العنكبوت:45]

فضائل شهر الله المحرم

الحمدُ للهِ مُصرِّفِ الأَيَّامِ والشُهُور، وأَشهدُ أن لا إِلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لهُ، وأشهدُ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه وخليلُه ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وأصحابهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإِحسانٍ إلى يومِ الدين، وسَلَّمَ تَسلِيمًا.

أَمَّا بَعْدُ: عِبادَ اللهِ؛ " اتَّقَوْا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " آل عمران 102 نعيش هذه الأيام في شهر الله المحرم وهُوَ أَوَّلُ شُهورِ السَنَةِ الهِجرِيَةِ، ولِهذا الَشهرِ فَضَائلُ :

الأُولى: شهرٌ مُحرَّمٌ؛ إذ هو أحدُ الأشهُرِ الأَربعةِ الحُرُم الواردةِ في قولهِ تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} التوبة :36.

والأشهرُ الحُرُمُ هيَ ذُو القَعدةِ وذُو الحِجةِ ومُحرَّمُ ورجب.

الثانيةُ: شهرُ محرمٍ شهر فَاضِل, ومِنْ فَضلِهِ أن الله تعالى نَسَبَهُ إليه نسبة تشريف فقد قال النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: " أَفْضَلُ الصِّيامِ، بَعْدَ رَمَضانَ، شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وأَفْضَلُ الصَّلاةِ، بَعْدَ الفَرِيضَةِ، صَلاةُ اللَّيْلِ". رواه مسلم ، قالَ ابنُ رجبٍ رحمه الله: “وقد سَمَّى النبيُ صلى الله عليه وسلم المُحرَّمَ شهرَ الله. وإضافتُهُ إلى اللهِ تَدُلُ على شرفِهِ وفَضْلِهِ، فإن اللهَ تعالى لا يُضيفُ إليهِ إلا خَوَاصَ مخلوقَاتِه، كما نَسَبَ مُحمَّداً وإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ وغيرَهُم من الأنبياءِ إلى عُبُوديَتِهِ، ونسب إليه بيتَهُ وناقَتَهُ.

الثالثة: مِن أعظمِ الأيامِ التي جاءِ الحَثُّ على صِيامِها يومُ العاشِرِ من مُحَرَّم, كما روى البخاريُ ومسلم في صحيحيهما واللفظ للبخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: " قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا، قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ "، ولما روى مُسلمٌ في صحيحه عن أبي قتادةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: (صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ).رواه مسلم

الرابعة: قال المحققون من أهل العلم في مراتب صيام يوم عاشوراء:

صيام يوم العاشر فقط يجزئ، وصيام التاسع مع العاشر أفضل، وصيام التاسع مع العاشر مع الحادي عشر أكمل .

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ في الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ, وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الآيات وَالذِّكْرَ الْحَكِيمَ, وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَاِمْتِنَانِهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الداعي إِلَى رِضْوَانِهِ, صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وأصحابه , وَمَنْ تبعهم بإحسان إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

عباد الله: اتقوا الله وعظموه في هذا الشهر شهر الله المحرم واجتنبوا فيه الذنوب والمعاصي فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم غالبية هذا الشهر وخير من نتأسى به خليل الله محمد صلى الله عليه وسلم ثم اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّلَاَةِ عَلَى نَبِيهِ مُحَمٍّدِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ لِلصَّلَاَةِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَالْإكْثَارَ مِنْهَا مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأيَّامِ, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " إنَّ من أفضلِ أيَّامِكُم يومَ الجمعةِ فيهِ خُلِقَ آدمُ وفيهِ قُبِضَ وفيهِ النَّفخةُ وفيهِ الصَّعقةُ فأكْثِروا عليَّ منَ الصَّلاةِ فيهِ فإنَّ صلاتَكُم معروضةٌ عليَّ "رواه أبو داود ، و صححه الألباني .

فَاللهَمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحبِهِ أَجَمْعَيْن . اللهم أعز الإسلام والمسلمين واحم حوزة الدين اللهم انصر جنودنا في الحد الجنوبي واحفظ لنا ولي أمرنا ومتعه بالصحة والعافية وانفع به الإسلام والمسلمين واغفر اللهم لنا ولوالدين ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين يا رب العالمين.

عِبَادَ اللهِ.. إِنَّ اللهَ يَأْمَرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وإيتاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ وَالْبَغِيِّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.النحل:90, فَاِذكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذكُركُمْ, وَاُشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ, وَلَذِكرُ اللهُ أكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.العنكبوت:45..

قصة هلاك فرعون

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك فصل اللهم وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.

{يَا أَيها الذين ءامَنُوا اتقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاته ولا تموتُنَّ إلَّا وأنتم مُسلمُون. [آل عمران:102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.} [النساء:1]. { يَا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قَولاً سَديداً يُصلح لَكُم أَعما لكم وَ يَغفر لَكُم ذُ نُو بَكُم وَ مَن يُطع الله وَ رَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً.} [الأحزاب:70-71.]

أما بعد ؛ تعلمون – يا رعاكم الله - أنه لمَّا تمادى قبط مصر على كفرهم وعتوهم وعنادهم، متابعة لملكهم فرعون، ومخالفة لنبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام، وأقام الله على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة، وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحير العقول، وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون، ولا ينزعون ولا يرجعون، ولم يؤمن منهم إلا القليلُ ، ومنهم امرأةُ فرعون، ولا علم لأهل الكتاب بخبرها ومؤمن آل فرعون، الذي ذكر القرآن موعظته ومشورته وحجته عليهم والرجل الناصح، الذي جاء يسعى من أقصى المدينة فقال:{يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20]. وجميع شعب بني إسرائيل ومن ضمنهم السحرة الذين ءامنوا، ويدل على هذا قوله تعالى: {فَمَا ءامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ"} [يونس: 83]. ولما رأى موسى تمادي آل فرعون في كفرهم بالله وطاعتهم لفرعون دعا عليهم: { وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"} [يونس: 88-89].

هذه دعوة عظيمة دعا بها كليم الله موسى على عدو الله فرعون، غضبًا لله عليه ؛ لتكبره عن اتباع الحق، وصده عن سبيل الله، ومعاندته وعتوه وتمرده واستمراره على الباطل، ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسي والمعنوي ، والبرهان القطعي ، ولهذا قال تعالى مخاطبًا موسى حين دعا على فرعون وملئه ، وأمَّن أخوه هارونُ على دعائه، فنزل ذلك منزلة الداعي أيضًا: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [يونس: 89]. قال المفسرون استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلى عيد لهم، فأذن لهم وهو كاره، ولكنهم تجهزوا للخروج، وتأهبوا له، وإنما كان في نفس الأمر، مكيدة بفرعون وجنوده، ليتخلصوا منهم، ويخرجوا عنهم، واستعاروا حليًا منهم، فأعاروهم شيئًا كثيرًا فخرجوا بليل فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم، طالبين بلاد الشام، فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق، واشتد غضبه عليهم. وشرع في استحثاث جيشه وجمع جنوده، ليلحقهم ويمحقهم، قال الله تعالى :{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وعيون} [الشعراء:52-56] ، ولحقهم فرعون بجنوده، وتراءى الجمعان، ولم يبق ثَمَّ ريبٌ ولا لبْسٌ، وعاين كل من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه، ولم يبق إلا المقاتلة والمجادلة، فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون إنا لمدركون، وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلى البحر، فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكه وخوضه وهذا ما لا يستطيعه أحد، ولا يقدر عليه، وفرعون قد غالقهم وواجههم، وعاينوه في جنوده فقال لهم الرسول الصادق المصدوق: { كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الشعراء:62]. وكان في الساقة، فتقدم إلى المقدمة، ونظر إلى البحر، وهو يتلاطم بأمواجه، ويتزايد زبدُ أجاجه، وهو يقول هاهنا أمرت، ومعه أخوه هارون، ويوشع بن نون، وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل، وعلمائهم، وعبَّادهم الكبار وقد أوحى الله إليه، وجعله نبيًا بعد موسى وهارون عليهما السلام ومعهم أيضًا مؤمن آل فرعون، وهم وقوف وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عكوف، ويقال إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مرارًا في البحر، هل يمكن سلوكه فلا يمكن، ويقول لموسى يا نبي الله أهاهنا أمرت ؟ فيقول نعم فلما تفاقم الأمر، وضاق الحال، واشتد الأمر، واقترب فرعون وجنوده في جدهم وحدهم وحديدهم، وغضبهم وحنقهم، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير، رب العرش الكريم، إلى موسى الكليم: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشعراء:63.]، فلما ضربه كان ماء البحر قائمًا مثل الجبال، مكفوفًا بالقدرة العظيمة، الصادرة من الذي يقول للشيء كن فيكون وأمر الله ريح الدبور، فلقحت حال البحر، فأذهبته حتى صار يابسًا لا يعلق في سنابك الخيول والدواب فلما آل أمر البحر إلى هذه الحال أمر الله موسى عليه السلام أن يجوزه ببني إسرائيل فانحدروا فيه مسرعين فلما جاوزوه وخرج آخرهم منه، وانفصلوا عنه، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه، ووفودهم عليه، فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه، ليرجع كما كان فأمره الله أن يترك البحر على هذه الحال قال تعالى :{ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } [الدخان 24]، فرأى فرعون ما رأى، وعاين ما عاين، فهاله هذا المنظر العظيم، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل ربِّ العرش العظيم، فأحجم ولم يتقدم، وندم في نفسه على خروجه في طلبهم والحالة هذه، حيث لا ينفعه الندم، لكنه أظهر لجنوده تجلدًا، وعاملهم معاملة العدا، وحملته النفس الكافرة، والسجية الفاجرة، على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه انظروا كيف انحسر البحر لي، لأدرك عبيدي الآبقين من يدي، الخارجين عن طاعتي وبلدي، وجعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم، ويرجو أن ينجو، وهيهات ويقدم تارة ويحجم تارات ، ويقال : إن جبريل عليه السلام تبدى في صورة فارس راكب على رمكة حايل، فمر بين يدي فحل فرعون ، لعنه الله ، فحمحم إليها، وأقبل عليها، وأسرع جبريل بين يديه، فاقتحم البحرَ، واستبق الجواد، وقد أجاد فبادر مسرعًا، هذا وفرعون لا يملك من نفسه ضرًا ولا نفعًا فلما رأته الجنود قد سلك البحر، اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا في البحر أجمعين حتى همَّ أولهم بالخروج فرتد عليهم البحر كما كان، فلم ينجُ منهم إنسان.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد:

عباد الله: هذه حادثة حصلت في العاشر من الشهر المحرم فهو يوم عظيم انتصر فيه الحق على الباطل لذا يشرع صيام العاشر من شهر محرم من كل عام فهو يكفر ذنوب سنة كما ذكر ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله:" وَصِيَامُ يَومِ .عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ ." رواه مسلم ، فمن صام العاشر وحده أجزأ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن صام التاسع مع العاشر فهو أفضل لحث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مخالفة لليهود، ومن صام التاسع والعاشر والحادي عشر فهو أكمل قال ذلك ابن القيم رحمه الله.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم وخالقكم بذلك في محكم كتابه بقوله : {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } [الأحزاب:56.] وقال عليه الصلاة والسلام :" مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى اللهُ عليه بها عشْرَاً." رواه مسلم. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمدٍ وارضَ اللهمَّ عن الأربعة الخلفاء ، الأئمة الحنفاء : أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ ، وعن الصحابة أجمعين ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين وأذلَّ الشركَ والمشركين ودمِّرْ أعداءَ الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم ، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم ،اللهم اغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا دَيْناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللهم انصر جنودنا في الحد الجنوبي على الرافضة المشركين، واجعل عمل وليّ أمرنا في رضاك. اللهم تقبل منَّا إنك أنت السميع العليم واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله

نعمة الإسلام

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم ما كان وما يكون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وعلم به من الجهالة، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين قاموا بدعوته من بعده، ونشروا دينه في مشارق الأرض ومغاربها، وقادوا البشرية إلى سعادتها فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً. ووفقنا للاقتداء بهم والسير على طريقهم.

أما بعد

أيها الناس: اتقوا الله تعالى واشكروه على نعمه التي أجلها نعمة الإسلام، قال تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" (المائدة: 3)

وقال تعالى :"هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير" (الحج: 78)

فالله سبحانه قد من على هذه الأمة بهذا الدين العظيم الذي فضلها به على سائر الأمم، فيجب عليها من الشكر أكثر مما يجب على غيرها، وقد جعلها الله في منصب المسئولية فقال "لتكونوا شهداء على الناس" (البقرة: 143)

وأمرها بالقيام بشكر هذه النعمة بأداء حق الله بفعل ما أوجب وترك ما حرم، ومن أهم ما أوجب إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة عمود الإسلام وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمن أقامها فقد أقام دينه، ومن ضيعها فقد ضيع دينه، وفي أداء الزكاة إحسان إلى الخلق وبراءة من الشح والبخل، ومن جاد بالزكاة جاد بغيرها من الصدقات، ثم أمر سبحانه بالتوكل عليه والاستعانة به في طلب الحوائج، وجلب المنافع، ودفع المكاره والمضار، والنصر على الأعداء، وهذا هو التوحيد الخالص، والدين القويم، والعقيدة السليمة، فدين الإسلام يشتمل على العقيدة السليمة، والعبادة الصحيحة، والأوامر الرشيدة، والأخلاق القويمة، وينهى عن كل اعتقاد فاسد، وكل عبادة باطلة، وكل فعل أثيم وخلق ذميم، ولهذا شهد الله له بالكمال فقال سبحانه "اليوم أكملت لكم دينكم" (المائدة:3)

فهو كامل في تشريعاته، وأوامره ونواهيه ، وآدابه. وإذا أردت أيها المسلم معرفة نعمة الله عليك بهذا الإسلام فانظر ما عليه أمم الكفر اليوم وما تعيشه من فساد في الأخلاق، وضياع للأعراض ، وتخبط في العقائد ما بين يهودية حاقدة على البشرية تخطط لهلاكها، ونصرانية ضالة، ووثنية تعبد الأشجار والأحجار والقبور والحيوانات وكل ما تزين شياطين الإنس والجن لها عبادته من دون الله، وهكذا كل من حُرم النور فإنه يتخبط في الظلام، قال تعالى: " الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" (البقرة: 257)

عباد الله: لقد حسدونا على نعمة الإسلام كما قال تعالى:" ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسدً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق" (البقرة: 109) وقال تعالى :"ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء" (النساء: 89) وقال تعالى:" وودوا لو تكفرون" (الممتحنة: 2)

وقد ذكر الله ذلك لنا وكرره في كتابه، لنأخذ حذرنا من كيدهم ودسائسهم. فهم يكيدون لهذا الدين وأهله منذ أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم إلى آخر الدنيا، كما قال تعالى: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" (البقرة: 217)

وقال تعالى:" يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " (التوبة: 32)

وليس الخطر على الإسلام نفسه لأنه محفوظ بحفظ الله له كما قال تعالى:" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (الحجر: 9)

ومصداق ذلك أن الإسلام قد تعرض وما زال يتعرض للهجمات الشرسة من مختلف أمم الكفر، ولم تؤثر فيه تلك الهجمات ولم تغير منه شيئاً، فهو لا يزال غضاً طرياً كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يزال الله يقيض لهذا الدين من يدافع عنه ويرد كيد أعدائه ويبينه للناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى وهم على ذلك) صححه الألباني. وكما أخبر صلى الله عليه وسلم (أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) رواه أبو داود وصححه الألباني

فالإسلام بعقيدته وتشريعاته وأحكامه ليس عليه خطر من كيد أعدائه، وإنما الخطر علينا نحن المسلمين أن نُصد عنه أو نُضلل، فأعداؤنا اليوم يواصلون الصد عن سبيل الله وصرف المسلمين عن دينهم بشتى الوسائل والمغريات، ويستخدمون لذلك بعضاً من منسوبي العالم الإسلامي ممن جاء وصفهم في الحديث بأنهم (قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)رواه مسلم.

ففي مجال العقيدة يحاولون إفساد عقائد المسلمين بالعمل على إبراز الفرق المنحرفة من قبورية وصوفية ومبتدعة، فيؤيدون هذه الفرق بشتى الوسائل، حتى تبرز في الساحة، ويكون لها كيان قوي ليقضوا بها على العقيدة الصحيحة، ويجعلوا هذه الفرق المنحرفة هي التي تمثل المسلمين

وفي مجال العبادة يحاولون نشر البدع والخرافات، ويؤيدون أهلها بالدعم المالي والمعنوي، وفي مجال الحكم يجلبون القوانين الوضعية للحكم بها بين المسلمين بديلاً عن الشريعة الإسلامية، حتى أدخلوا دراسة هذه القوانين ضمن المواد التي تدرس في جامعات البلاد الإسلامية إلا من رحم الله، فجعلوها عديلة للشريعة في المؤسسات الدراسية حتى سموا بعض الكليات كلية الشريعة والقانون. وفي مجال إفساد الأخلاق دسوا على المسلمين العري والسفور والاختلاط بين الجنسين والأفلام الهابطة والمسرحيات الهزيلة والمجون والصور الخليعة والموسيقا، وجعلوها باسم الفن، وفي مجال الاقتصاد أدخلوا على المسلمين المعاملات الربوية، والموارد المحرمة كالاتجار بالخمور، والقمار وغير ذلك.

عباد الله: إن عدوكم لا يريد لكم الخير، بل يريد بكم الشر، كما قال تعالى:" ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم" (البقرة: 105)، وقال تعالى:" لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صورهم أكبر" (آل عمران: 118)

إنهم لما عجزوا عن القضاء على دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة حين حاولوا قتله، واجتمعوا عند بابه ينتظرون خروجه ليقتلوه، فأخرجه الله من بينهم وهم لا يشعرون، وأنزل في ذلك قوله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" (الأنفال: 30)

ولما علموا بخروجه من بينهم وفشل خطتهم خرجوا في طلب البحث عنه، فرد الله كيدهم في نحورهم، وهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فعملوا كل ما بوسعهم للقضاء عليه وعلى دعوته، وجيشوا الجيوش لمحاربته، فنصره الله عليهم، ولما رأو أن مقابلته بقوة السلاح والجنود لا تجدي لجأ بعضهم إلى حيلة خبيثة، وهي حيلة النفاق، كما قال تعالى:" وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذي أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ءاخره لعلهم يرجعون"( آل عمران:72)

وذلك بأن يدخلوا في دينه ظاهراً ويكيدوا له في الباطن، ويوقعوا بين أصحابه، فتكونت جماعة المنافقين من اليهود والمشركين، فكشف الله سرهم وهتك سترهم، وعرفت صفاتهم ودسائسهم، فكان المسلمون منهم على حذر، فما زال الكفار يكيدون للمسلمين.

ففي عصرنا هذا استحدثوا طرقاً جديدة للمكر بنا وغزونا عن طريق الحضارة، وما تركوا باباً من أبوابهم إلا دخلوا فيه، دخلوا من طريق وسائل الإعلام والطب، والسياسة والاقتصاد، وهكذا وقفوا في كل طريق ينفثون سمومهم وينفذون مخططاتهم للقضاء على الإسلام وأهله، ولكن الحمد لله لا يزال من المسلمين من يتنبه لدسائسهم، ويحذر من كيدهم، ولو رجعنا إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لوجدنا فيهما البيان الكافي لمكائد أعدائنا، ولوجدنا الدواء الشافي، والسلاح الكافي لصد عدوانهم

قال تعالى:" يا أيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفرو يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين". (آل عمران: 149)

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده،، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من عرف ربه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً. أما بعد

عباد الله: اتقو الله تعالى حقَّ تقاته، وسارعوا إلى مغفرته وجنته ومرضاته

واعلموا أن بعضاً من الناس اليوم ينتسب إلى الإسلام وهو لا يعرف ما هو الإسلام. ولا ما يضاده ويناقضه، بل لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، فبعضهم يدعي أنه مسلم وهو يعبد غير الله، فيستغيث بالأموات ويطوف بالقبور ويدعو غير الله، وبعضهم يدعي أنه مسلم وهو لا يصلي الصلوات الخمس، ولا يزكي ولا يصوم ولا يحج، وبعضهم يدعي أنه مسلم وهو ينفذ مخططات الكفار التي تناقض الإسلام

فالواجب على كل مسلم أن يعرف ما هو الإسلام حتى يقوم بأداء شرائعه ويعرف مناقضات الإسلام حتى يتجنبها ويقوم بردها ومقاومتها والتحذير منها، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام قال (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) رواه ابو داود وصححه الألباني. فقد بين صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الإسلام قول وعمل واعتقاد، وأنه ليس مجرد انتساب

ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على نبيكم محمد بن عبد الله كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً" (الأحزاب: 56)

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم أمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وهيّئ لهم البطانة الصالحة.

اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى يا ذا الجلال والإكرام، ووفق قادتهم بالعمل بشريعتك يا حي يا قيوم، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " (البقرة 201) ، " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " (الأعراف 2)

عباد الله:" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون." (النحل:90).، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. (العنكبوت:45).

*********************

حقيقة الإسلام

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.(آل عمران:102).

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.(النساء:1).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً.(الأحزاب:70-71).

أما بعد: عباد الله: الإسلام في حاجة إلى رجال يخدمونه ويضحون بأموالهم وأنفسهم من أجله لأن الله قال "إن الله اشترى من المؤمن أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" [التوبة:111]. ولا بد من التمحيص قال تعالى "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" [العنكبوت:2-3 ].

إننا في حاجة إلى أن ندرك حقيقة الإسلام لا صورة الإسلام إن الإسلام في حاجة إلى أمثال خبيب بن عدي الذي احتجزه كفار قريش، وكان قد بعثه النبي ﷺ في سرية عيناً، وهم عشرة رهط وأمَّر عليهم عاصمَ بن ثابت، فوقع في الأسر فغدر به المشركون فصلبوه على خشبة وأخذوا يضربونه والرماح تنوشه وتعبث بجسمه وهو صابر حتى فاضت روحه إلى بارئها، كما في صحيح البخاري، فهل صورة الإسلام تستطيع أن تحمل صاحبها على هذا الإخلاص والتفاني كلا إن الصورة لا تستطيع أن تقاوم الشدائد

وعن أنس بن مالك قال " إن صهيبا حين أراد الهجرة إلى المدينة قال له كفار قريش : أتيتنا صعلوكاً حقيراً فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك ، وهناك قامت معركة بين حقيقة الإسلام وحقيقة المال ودارت بينهما رحى الحرب، فانتصرت حقيقة الإسلام على ضدها وقال لهم صهيب : أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي قالوا: نعم ، قال فإني قد جعلت لكم مالي فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ربح صهيب . صححه الألباني ، وهكذا انطلق صهيب بدينه متجرداً من ماله، فرحاً مسروراً كأنه لم يفقد شيئاً، ولم يخسر شيئاً

وفي صحيح البخاري " كانَ أبو طَلْحَةَ (زيد بن سهل الأنصاري)أكْثَرَ الأنْصَارِ بالمَدِينَةِ مَالًا مِن نَخْلٍ، وكانَ أحَبُّ أمْوَالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَدْخُلُهَا ويَشْرَبُ مِن مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هذِه الآيَةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قَامَ أبو طَلْحَةَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى يقولُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، وإنَّ أحَبَّ أمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وإنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أرْجُو برَّهَا وذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يا رَسولَ اللَّهِ حَيْثُ أرَاكَ اللَّهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَخٍ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، وقدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَهَا في الأقْرَبِينَ. فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسولَ اللَّهِ. فَقَسَمَهَا أبو طَلْحَةَ في أقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ.".

واعلموا أيها الناس أن المسلمين أقل عدداً وعدة من الكفار ومع ذلك ينتصر الحق على الباطل والسبب في ذلك لأنهم أقاموا دولة الإسلام في صدورهم فقامت على أرضهم، أصلحوا ما بينهم وبين الله فأصلح الله ما بينهم وبين الناس أصلحوا نفوسهم فصلح المجتمع.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مبارك وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: عباد الله: تسمعون الناس يتحدثون عن الأزمات والمشكلات وهذا العصر هو عصر الأزمات والمشكلات، ولكني اعتقد أن هناك أزمة واحدة لا ثاني لها أزمة الإيمان أزمة الأخلاق سيحوا في الأرض وشاهدوا الأمم والشعوب فإنكم سترون أن هذه الإنسانية بمختلف الشعوب والأقطار في أنحاء العالم كله تعاني أزمة واحدة هي أزمة الإيمان والأخلاق هي كارثة الكوارث وهي مصيبة المصائب وكل مشكلة تحدث الناس عنها واشتكوا منها ترجع إلى هذه الأزمة، والشيء الوحيد الذي فُقِدَ وبفقده وقعنا في هذه المُصيبة العالمية الإيمان، والشي الوحيد الذي اعتل وباعتلاله أصبحنا نواجه هذه المشكلات كلها في نطاق الأفراد والمجتمعات والأوضاع العالمية هو الأخلاق.

أيها الناس: انصفوا نفوسكم فإن الاشتغال بالغير سهل ولكن الاشتغال بالنفس صعب والإنسان يحب السهولة ولذلك اندفع العالم الإسلامي إلى الاهتمام بغيره دون نفسه.

إن مشكلتنا أن كل فرد منا يقول: إذا فسدتُ فماذا يضر العالم الإسلامي وبهذا أصبح كل العالم الإسلامي يعاني من الفساد إلا من عصم الله.

عباد الله: ربوا في نفوسكم الإيمان والعقيدة، كونوا مؤمنين بالله واليوم الآخر.

وفقني الله وإياكم لما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين.

هذا وصلوا وسلموا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ،"رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (الحشر10) ، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى ، وهيء لهما البطانة الصالحة .اللهم احفظ بلادنا من كل سوء ومن كيد كل كائد وأدم علينا نعمة الأمن والاستقرار، اللهم عليك بالحوثيين الذين أفسدوا وبغوا " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"،(البقرة 201)

وقوموا إلى صلاتكم غفر الله لكم.

************************

ابتداء التاريخ الهجري

إن الحمد لله نحمده ، و نستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .وأ شهد أن محمداً عبدُه و رسولُه.
"يَاأَيها الذين آ مَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَا ته ولاتموتن إلا وأنتم مُسلمُون" (آل عمران:102) "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً" (النساء:1)
"يَا أ يها الذين آ منوا اتقوا الله وقولوا قَو لاً سَديداً يُصلح لَكُم أَ عما لكم وَ يَغفر لَكُم ذُ نُو بَكُم وَ مَن يُطع الله وَ رَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً" (الأحزاب:70-71)

أما بعد: عباد الله: إننا نعيش بداية عام جديد إسلامي هجري ابتدأ عقد سنواته من أجلّ مناسبة في الإسلام ألا وهي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم التي ابتدأ بها تكوين الأمة الإسلامية في بلد إسلامي مستقل يحكمه المسلمون ولم يكن التاريخ السنوي معمولًا به في أول الإسلام حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففي السنة الثالثة أو الرابعة من خلافته رضي الله عنه كتب إليه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ فجمع عمر الصحابة رضي الله عنهم فاستشارهم فتفاوتت الآراء، فمنهم من اقترح بأن يؤخذ بتاريخ مولد الرسول عليه الصلاة والسلام كبداية للتقويم، وآخر قال: نأخذ بتاريخ وفاته، إلا أن الرأي الأغلب كان الأخذ بهجرته عليه الصلاة والسلام.، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها فأرخوا من الهجرة واتفقوا على ذلك ثم تشاوروا من أي شهر يكون ابتداء السنة فقال بعضهم من رمضان لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن وقال بعضهم من ربيعٍ الأول لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً واختار عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أن يكون من المحرم لأنه شهر حرام يلي شهر ذى الحجة الذي يؤدي المسلمون فيه حجهم والذي به تمام أركان دينهم والذي كانت فيه بيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم والعزيمة على الهجرة فكان ابتداء السنة الإسلامية الهجرية من شهر المحرم .

عباد الله: إننا نعيش عاماً جديداً إسلامياً هجرياً شهوره الشهور الهلالية التي هي عند الله تعالى في كتابه كما قال تعالى "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ"(التوبة:36) ، الشهور التي جعلها الله تعالى مواقيت للعالم كلهم قال الله عز وجل "يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ" (البقرة:189) مواقيت للناس كلهم بدون تخصيص لا فرق بين عرب و عجم ذلك لأنها علامات محسوسة ظاهرة لكل أحد يعرف بها دخول الشهر وخروجه فمتى رُئي الهلال من أول الليل دخل الشهر الجديد وخرج الشهر السابق.

عباد الله: نعيش بداية عام جديد إسلامي هجري ليس من السنة أن نحدث عيداً لدخوله أو نعتاد التهاني ببلوغه فليس الغبطة بكثرة السنين وإنما الغبطة بما أمضاه العبد منها في طاعة الله فكثرة السنين خير لمن أمضاها في طاعة ربه، شرٌ لمن أمضاها في معصية الله والتمرد على طاعته وشر الناس من طال عمره وساء عمله إن علينا أن نستقبل أيامنا وشهورنا وأعوامنا بطاعة ربنا ومحاسبة أنفسنا وإصلاح ما فسد من أعمالنا ومراقبة من ولانا الله تعالى عليه من الأهل من زوجات وأولاد فاتقوا الله عباد الله وقوموا بما أنتم به معنيون وعنه يوم القيامة مسؤولون " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة" (التحريم:6)

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على المصطفى الأمين.

أما بعد: عباد الله: إن في كل عام جديد يعد المرء نفسَه بالعزيمة الصادقة والجِدِّ ولكن تمضي عليه الأيام وتنطوي الساعاتُ وحالُه لم تتغير إلى أصلح فيبوء بالخيبة والخسران ثم لا يفلح ولا ينجح فاغتنموا الأوقات بطاعته وكونوا كل عامٍ أصلح من العام الذي قبله فإن كل عامٍ يمر بكم يقربكم من القبور عاما ويبعدكم عن القصور عاما يقربكم من الانفراد بأعمالكم ويبعدكم من التمتع بأهليكم.

عباد الله: ما قامت الدنيا إلا لقيام الدين ولا نال العزة والكرامة والرفعة إلا من خضع لرب العالمين ولا دام الأمنُ، والرخاءُ إلا باتباع منهج المرسلين ولئن استمرت زهرةُ الدنيا مع المعاصي والانحراف فإن ذلك لاستدراج يعقبه الهلاك والإتلافُ فاعتصموا بطاعة الله عن عقوبته وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (الأحزاب:56) وقال عليه الصلاة والسلام:

" من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى اللَّهُ عليهِ بها عشرًا" (رواه مسلم)

اللهمَّ صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اسلل سخائم صدورنا ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا ولا تجعلنا حاسدين ولا محسودين واجعلنا صالحين مصلحين محسنين غير مفسدين وآمرين بالمعروف وناهين عن المنكر اللهم طهر قلوبنا من النفاق والرياء والسمعة اللهم عليك بالرافضة وجميع المنافقين، اللهم طهر الأقصى من دنس اليهود اللهم اجعل هذا العام عام نصر لأمة الإسلام. اللهم سدد ولي أمرنا وولي عهده واجعل عملهما في رضاك. "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " البقرة:201 وأدخلنا الجنة مع الأبرار واغفر لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون النحل:90 فاذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون العنكبوت:45

الهجرة

الحمد لله صاحب الفضل والإحسان، شرع لعباده الهجرة، وجعلها باقية على مر الزمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على سائر الأديان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين هاجروا وفتحوا البلدان، ونشروا العدل والإيمان، وسلم تسليما.

أما بعد، أيها الناس ؛اتقوا الله تعالى، وليكن لكم في سيرة نبيكم صلى الله عليه وسلم خير أسوة، وذلك بترسم خطاه والسير على نهجه والاقتداء به في أقواله وأفعاله وأخلاقه كما أمركم الله بذلك فقال (لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا) الأحزاب: 21

الهجرة لغة: مأخوذة من الهجر وهو الترك.

وشرعا: الانتقال من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام

وهي من ملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال (إني ذاهبٌ إلى ربي سيهدين) الصافات: 99

أي: مهاجر من أرض الشرك إلى أرض الإيمان، وقد هاجر عليه الصلاة والسلام ببعض ذريته من العراق إلى الشام حيث البلاد المقدسة والمسجد الأقصى، والبعض الآخر إلى بلاد الحجاز حيث البلد الحرام والبيت العتيق، كما جاء في دعائه لربه (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) إبراهيم: 37

والهجرة من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أمر الصحابة بالهجرة إلى الحبشة لما اشتد عليهم الأذى من المشركين في مكة فخرجوا إلى أرض الحبشة مرتين فرارا بدينهم، وبقى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يدعو إلى الله ويلاقي من الناس أشد الأذى، وهو يقول (رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) الإسراء: 80

فأذن الله له ولأصحابه بالهجرة إلى المدينة، فبادروا إلى ذلك فرارا بدينهم وقد تركوا ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله، وقد أثنى الله عليهم بذلك ومدحهم ووعدهم جزيل الأجر والثواب، وصارت الهجرة قرينة الجهاد في كتاب الله عز وجل، وصار المهاجرون أفضل الصحابة حيث فروا بدينهم وتركوا أعز ما يملكون من الديار والأموال والأقارب والعشيرة، وباعوا ذلك لله عز وجل وفي سبيله وابتغاء مرضاته، وصار ذلك شريعة ثابتة إلى أن تقوم الساعة فقد جاء في الحديث (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها) أخرجه أبو داود وصححه الألباني . فكل من لم يستطع إظهار دينه في بلد فإنه يجب عليه أن ينتقل منها إلى بلد يستطيع فيه إظهار دينه إن أمكنه ذلك

وإظهار الدين معناه: القيام بالدعوة وإعلان البراءة من الكفار والمشركين، وبيان بطلان ما هم عليه، وليس معنى إظهار الدين هو تمكينه من القيام بالشعائر التعبدية فحسب دون القيام بالدعوة إلى الله ومعاداة الكفار وإعلان البراءة منهم ومن دينهم وبيان بطلان ما هم عليه

وقد توعد الله من قدر على الهجرة فلم يهاجر قال تعالى (إن الذين توفاهم الملآئكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) النساء: 97-99

فهذا وعيد شديد لمن ترك الهجرة بدون عذر، وهذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع بنص هذه الآية حيث يقول تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) أي بترك الهجرة (قالوا كنا مستضعفين في الأرض) أي: لا نقدر على الخروج من البلد ولا الذهاب في الأرض، وهذا اعتذار منهم غير صحيح لأنهم كانوا يقدرون على الهجرة فتركوها، ولهذا قالت لهم الملائكة توبيخا لهم (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)

فمن لم يستطع إظهار دينه في بلد وجب عليه الخروج إلى بلد يستطيع فيها ذلك إن تيسر له ذلك، قال تعالى (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة) النساء: 100

أي: مكانا يتحصن فيه من أذى الكفار، وسعة في الرزق، يعوضه الله بها عما ترك في بلده من المال، كما قال تعالى (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الأخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) النحل: 41-42

عباد الله: من أنواع الهجرة هجر الشرك قال تعالى لنبيه (والرجز فاهجر) المدثر: 5

الرجز: الأصنام، وهجرتها: تركها والبراءة منها ومن أهلها

وقال النبي صلى الله عليه وسلم (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) رواه البخاري. أي: ترك ما نهى الله عنه من الأعمال والأخلاق والأقوال والمآكل المحرمة، والمشارب، والنظر المحرم والسماع المحرم، كل هذه الأمور يجب هجرها والابتعاد عنها

ومن أنواع الهجرة هجر العصاة من الكفار والمشركين والمنافقين والفساق وذلك بالابتعاد عنهم، قال الله تعالى (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا) المزمل: 10

أي: اصبر على ما يقوله من كذبك من سفهاء قومك (واهجرهم هجرا جميلا) أي: اتركهم تركا لا عتاب معه

فتبين من هذا أن الهجرة أنواع هي: هجر أمكنة الكفر، وهجر الأشخاص الضالين

فاتقوا الله عباد الله، واقتبسوا من الهجرة وغيرها من أحداث السيرة النبوية دروسا تنهجونها في حياتكم

قال تعالى (والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولـئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ) الأنفال: 74

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، أنجز وعده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده وسوله خاتم النبيين، فلا نبي بعده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

أما بعد، عباد الله؛ اتقوا الله، واعلموا أن الهجرة من أعظم مقامات الدين، بها يحصل اعتزاز المسلم بدينه وشخصيته، وبها يحصل الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين

وقد كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم حدثا عظيما فرق الله به بين أوليائه وأعدائه، وجعلها مبدأ لإعزاز دينه ونصر عبده ورسوله وميزة تميز بها المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غيرهم، فكان المهاجرون أفضل الصحابة وأسبقهم ذكرا في القرآن الكريم

وقد جعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة بداية لتأريخهم، فصاروا يؤرخون بها، وذلك أن عمر رضي الله عنه استشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداية الذي يؤرخون به خطاباتهم ومعاملاتهم، فأشاروا عليه أن يكون التأريخ بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) صححه الألباني. تجنبا لمشابهة الكفار في تأريخهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (من تشبه بقوم فهو منهم) أخرجه أبو داود وصححه الألباني .

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) الأحزاب: 56

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها ،" ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (البقرة 201). اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل . اللهم وفق ولي أمرنا، وأدم عليه موفور الصحة والعافية، واجعله يا ربنا في حفظك وعنايتك اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

عباد الله: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " النحل 90 ، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم

"وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون"العنكبوت45

*********************

التحذير من تعليق التمائم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70 ، 71].

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وعظموا أمره، واحذروا سخطه، وتحببوا إليه بالطاعة، والأعمال الصالحة.

أيها المسلمون: الدين مبني على التناصح، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال صلى الله عليه وسلم : «الدين النصيحة» رواه مسلم.

فإذا رأى المسلم أن غيره قد علق تميمة فأزالها كان له من الأجر مثل أجر من أعتق رقبة، فقد ثبت عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قال: " من قطع تميمة من إنسان، كان كعدل رقبة ".

قال إبراهيم النخعي: كان أصحاب عبد لله بن مسعود يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن.

فقد حرص السلف على سد أبواب الشرك، فمنعوا تعليق التمائم حتى ولو كانت مكتوبة من القرآن حمايةً للتوحيد، وسدًا لأبواب الشرك، وحفظًا للقرآن من الامتهان، فإن الله - سبحانه وتعالى - لم ينزل القرآن لتعليقه في البيوت، أو السيارات، أو على الصدور للتبرك به أو للزينة، وإنما أنزله - سبحانه - لتدبره والعمل به؛ قال - تعالى-: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29].

فعلى المسلم أن يُحصِّن نفسه من الشرور والآفات بالأذكار الواردة التي تنفع من يقولها بصدق وإخلاص، وقوة توكل ويقين، ومن ذلك:

قراءة سورة الإِخلاص والمعوذتين ثلاثًا بعد صلاتي الصبح والمغرب ، ومرة واحدة بعد صلاة الظهر والعصر والعشاء، وكذلك قراءة آية الكرسي بعد كل فريضة وعند النوم.

ومن الأذكار المشروعة قول: «باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاث مرات في الصباح والمساء،(صحيح أبي داود للألباني ) وكذلك قول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» ، ثلاثًا في الصباح والمساء.(رواه مسلم)

والواجب على المسلم أن يُعلق قلبه بالله وحده، ويجتنب الأسباب الواهية للشفاء، كالخيط، والحلقة، والرقى والتمائم الشركية؛ فإنها لا تنفع بل تضر.

أيها المسلمون: الإِيمان هو ما تحقق بكمال اليقين وصدق الإِخلاص وصحة الطَّويَّة، والمؤمن هو من انبعثت نفسه بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأقوال المرضية؛ المؤمن من امتلأ قلبه بمحبة الرسول فقدم قوله على كل أحد، واتبعه واقتدى به، ونصر ما جاء به، فصار بذلك من أنصاره ؛المؤمن من التجأ إلى ربه واعتصم بمولاه، المؤمن يفوض أمره إلى الله ويرضى بحكمه وقضائه وعدله. المؤمن من أحبَّ للمؤمنين من الخير ما يحبه لنفسه، وكره لهم من الشر ما يكرهه لنفسه؛ ومن تواضع وخفض جناحه للمؤمنين، فجعل كبيرهم بمنزلة أبيه، وصغيرهم بمنـزلة بنيه، والنظير بمرتبة أخيه؛ ومن أمنه الناس على دمائهم وأعراضهم، واحتمل ما يلقاه من أذيتهم وجفوتهم وإعراضهم؛ والذي يسلم المسلمون من لسانه ويده لصحة إيمانه وأمانته، وهو التائب من الإِثم والعصيان والفسوق، واجتهد في برِّ القريب والجار والصاحب ؛ ليس المؤمن بالطَّعَّان ولا اللَّعَّان، ولا بالفاحش ولا بذيء اللسان، وليس المؤمن من لا يأمن جاره بوائقه، ولا يأمن من غائلته وغشه، المؤمن بريء من الكذب وإخلاف الوعد والمخاصمة والفجور، ومعرض عن السباب واللغو وقول الزور؛ فطوبى لعبد صدق إيمانه بالقول والعمل، وويل لمن ادَّعى الإِيمان فخالف ظاهره باطنه فخاب وانقطع منه الأمل.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم .

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمد الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله رب العالمين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.

أما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، وعليكم بلزوم التقوى في سركم وعلانيتكم، فعظموا الله واتقوه، فإنه - سبحانه - عليم بأحوالكم، ناظر إليكم، ثم يجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

عباد الله: لا يتم التوحيد حتى يكمل العبد جميع مراتبه، فكما أن على العبد أن يقوم بتوحيد الله، فعليه أن يدعو العباد إلى الله بالتي هي أحسن، وكل من اهتدى على يديه فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله :"يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا" (الأحزاب - 56)، وقال صلى الله عليه وسلم :"من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا" رواه مسلم ، اللهم صل وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وصحبه وسلم ، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وانصر جنودنا في الحد الجنوبي "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"(البقرة 111).

وقوموا إلى صلاتكم يرحمْكُمْ الله.

********************

فضل الصحابة ومكانتهم

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بلَّغَ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمَّة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقينُ ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الغر الميامين.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ " (آل عمران 102).

أما بـعد: عباد الله: إن الله تعالى أرسل رسله للبشرية مبشرين ومنذرين ونزَّل معهم الكتاب، وكلُّ نبي يدعو قومه، ويختار منهم المؤمنين الصادقين أعواناً له وأصحاباً وحواريين، يحملون هَمَّ الدعوة معه ويجاهدون وإياه ويقومون بما تقتضيه مصلحة الرسالة، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اختار الله له صحابةً أخياراً صالحين، آمنوا به واتبعوه وآزروه ونصروه وفدوه بالنفس والأموال والأوقات، فكانوا خير صحبة لخير نبي، إنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الجيل العظيم الذي ربَّاه النبي صلى الله عليه وسلم وأحسن تربيته، فأصبحوا صدارة هذه البشرية بعد الأنبياء والرسل، لقد اجتمع فيهم من عوامل الخير ما لم يجتمع في جيل قبلهم، ولن يجتمع في جيل بعدهم، قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 100]، فصرح جل وعلا في هذه الآية بأنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار، وأنه أعدَّ لهم الجنة، وقوله عز وجل ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: 18، 19]، وهذه البيعة هي بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية، وعدد المبايعين فيها من الصحابة ألفُ وخمسمائة، ومَنْ رضي الله عنه لا يمكنُ موتُه على الكفر؛ لأن العبرة بالوفاة على الإسلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممَّن بايعَ تحت الشجرة)، رواه مسلم في صحيحه، واستمع إلى قول الخليل صلى الله عليه وسلم وهو يثني عليهم حيث قال: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ).رواه البخاري عن عمران بن الحصين.

أيها المؤمنون: إن فضل الصحابة كبير وعظيم؛ لعظم منزلتهم وفضلهم وقدرهم، ،ولكثرة الابتلاءات والمعارك التي خاضوها في حياته وبعده، لقد خاض النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين معركة في عشر سنين، وهو ما يعني أن كل عام كان فيه معركتان، هذا خلاف السرايا التي كان يرسلها والتي تزيد على مائة سرية، فلك أن تتصور حجم التعب والألم الذي حصل لهم بسبب هذه المعارك وحجم القتل الذي وقع فيهم هذا بالإضافة إلى أنهم كانوا يقاتلون آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم، وتحملوا شديد العذاب في سبيل هذا الدين، وما قصةُ آلِ ياسر وبلال وصهيب وخباب عنا ببعيد، وحبهم الشديد للجهاد في سبيل الله، والإنفاق بلا حدود في سبيله .

فها هو ذا عثمان بن عفان يأتي إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بألفِ دينارٍ في كمِّهِ حينَ جَهَّزَ جيشَ العُسرةِ فينثرَها في حجرِهِ . و النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقلِّبُها في حجرِهِ ويقولُ :" ما ضرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعدَ اليومِ ". قالها صلى الله عليه وسلم مرتين ، صحيح الترمذي للألباني عن عبد الله بن سَمْرة.

أيها المؤمنون: الحديث والتذكير بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما يستوجب في كل وقت وحين وتكونُ الحاجة أكثر ما تكون في زمن الحاجة للقدوات الفاضلة للشباب والناشئة وللرجال والكهول على حدٍّ سواء، وتكون الحاجة لبيان فضلهم ومكانتهم واجبة أيضاً رداً على الطوائف الضالة، وعلى رأسهم الرافضة الذين يتخذون من سبِّ الصحابة رضي الله عنهم ديناً لهم.

إن سبَّ الصحابة أو أحدٍ منهم أو انتقاصَهم، هو منكرٌ عظيمٌ وكبيرةٌ من كبائر الذنوب وقَدْحٌ في الدين، وتكذيبٌ للقرآن الكريم وللرسول الكريم، قال ابن مسعود رضي الله عنه (إن الله عز وجل نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه). صحح إسناده أحمد شاكر.

ألا فاتقوا الله أيها المسلمون: واعرفوا قدر نبيكم وأصحابه الكرام البررة " لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " [التوبة: 88، 89].

هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

أما بعـد: اتقوا الله ،واعلموا أنه إذا كانت المحبة مشروعة بين المؤمنين عامة، فمع هذا الجيل الطاهر الطيب أوجب وأهم، إن حب الصحابة رضي الله عنهم دليل على الإيمان وأن بغضهم تهمة بالنفاق، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (الأنْصارُ لا يُحِبُّهُمْ إلَّا مُؤْمِنٌ، ولا يُبْغِضُهُمْ إلَّا مُنافِقٌ، فمَن أحَبَّهُمْ أحَبَّهُ اللَّهُ، ومَن أبْغَضَهُمْ أبْغَضَهُ اللَّهُ. )، صحيح البخاري ، ومن حقوقهم الثناء عليهم باللسان، بما أسدوه من المعروف والإحسان ويشرع الدعاء لهم والترضي عنهم، كما ترضى الله عنهم في آيات تتلى إلي يوم القيامة ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10] كما يجب الإغضاء عما وقع فيه بعضهم من اجتهادات كان المقصد من ذلك نصرة الدين وحماية الملة، وأخطائهم يغمرها بحر حسناتهم، وسيرهم العطرة هي درس للأمة ، فعلينا التأسي بها ونشرها وتعليمها للأبناء .

وقد كان السلف يعلمون أولادهم حبَّ الصحابة وسيرتهم، قال الإمام مالك رحمه الله (كانوا يعلموننا حبَّ أبي بكر وعمر كما يعلموننا السورة من القرآن).

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله في محكم كتابه بقوله "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " (الأحزاب 56) اللهمَّ صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض الله عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ارزقنا حبك ، وحب من يحبك وحب من ينفعنا حبه عندك ، اللهم تجاوز عن السيئات واغفر الزلات ، وعاملنا اللهم بفضلك لا بعدلك وبإحسانك لا بميزانك ، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى ، وارزقهما البطانة الناصحة ،ووفق جميع ولاة أمر المسلمين لما فيه الخير والرشاد.

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

أهوال الجحيم

الحمد لله الذي جعل النار عقاباً لمن عصاه "أليس في جهنم مثوى للمتكبرين"الزمر:60. وأشهد أن لا إله إلا الله لم يجعل للناس حجة يوم العرض فأرسل الرسل وأنزل القرآن لئلا يكون للناس على الله حجة. وأصلي وأسلم وأبارك على من كان هادياً ومبشراً ونذيراً فدعا إلى الله باللين ودافع بالحسنى وصدق من سماه بالمؤمنين رءوف رحيم.

أما بعد: أيها المؤمنون: إذا كان الله سبحانه وتعالى يكافئ الأبرار بالنعيم فإنه يجازي الفجار بالجحيم عقاباً لهم على ما اقترفوا من كبائر الإثم والفواحش الجحيم هي دار العقاب وقد وصفها الله بأوصاف تشيب منها النواحي وتنخلع منها القلوب لكي يرتدع الغاوون عن غيهم "وقودها الناس والحجارة"التحريم:6. وسماها الله بأسماء لو نظر الإنسان المؤمن إليها لبكى بكاء كثيراً ولطلب النجاة في كل وقت وحين وسماها بالسعير "وأعتدنا لهم عذاب السعير"الملك:5. سماها بلظى "كلا إنها لظى نزاعة للشوى"المعارج:16. إنها شديدة تنزع جلد الرأس وتجذب إليها من أعطى ظهره للحق وسماها سقر "سأصليه سقر وما أدراك ما سقر"المدثر:26-27. وسماها الحطمة "كلا لينبذن في الحطمة"الهمزة:4.

أيها المؤمنون: إن النار التي خلقها الله سبحانه وتعالى وأعدها للعصاة لا تشبع مما يلقى فيها بل تطلب المزيد دائماً حتى لا يبقى فيها مكان خال "يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد"ق:30. ثم إن الله سبحانه وتعالى يعلم أن الذين سيدخلون جهنم يحتاجون إلى غذاء لأن كل جسم حي يحتاج إلى غذاء فخلق لهم الزقزم وهي شجرة من أخبث أنواع الشجر المر "أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم انا جعلناها فتنة للظالمين"الصافات:62-63. سبحانك ربي جعلت لهم طعاماً من أصل المكان الذي يعيشون فيه بل جعلت لهم ماءاً من أصل جهنم "وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه"الكهف:29. سبحانك ربي يا من أمرت بستر العورة جعلت لهم ثياباً من نار "فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم الحميم"الحج:19.

والله سبحانه وتعالى جعل لهم الفراش والغطاء من النار "لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي المجرمين"الأعراف:41.، "لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل"الزمر:16. ومع ذلك كله فهم لا يموتون أبداً فيستريحون ولا يحيون حياة هنيئة

وعن رؤية ربهم محرومين "كلا إنهم عن ربهم لمحجوبون"المطففين:15. والله يبدل جلودهم ليذوقوا العذاب "كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها"النساء:56. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من حر جهنم" صححه الألباني. وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى "أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيقلون في نار الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السنبل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية". رواه البخاري.، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. حسنه الألباني وابن حجر.

هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبدُه رسولُه .

أما بعد: عباد الله: قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.التحريم:6.

هذا، وصلوا على نبيكم كما أمركم الله تعالى بذلك في محكم كتابه بقوله :" إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " (الأحزاب56) اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، واغفر اللهم ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وتولَّ أمرنا واحفظنا وأولادنا من كل مكروه وسوء ، اللهم أحسن إلينا في أنفسنا وأولادنا وأنبتهم نباتا حسنا واجعلهم خير خلف لنا وارزقنا برهم وجنبنا عقوقهم ، ، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى وهيء لهما البطانة الناصحة ، "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "(البقرة201)

أهوال يوم القيامة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " آل عمران102. " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً " النساء:1. " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً " الأحزاب:70-71.

أما بعد: عباد الله: اتقوا الله وتصورا يوم القيامة ذلك اليوم العظيم الذي يشيب من هوله الولدان كما قال تعالى " فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا " المزمل:17 ، وقال تعالى " وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد " الحج:2 ، وقال " يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور " لقمان:33 ، وفي ذلك اليوم تندك الأرض وتسير الجبال وتشتد الأمور وتعظم الأهوال وينزل الله للقضاء بين عباده الحكم العدل المتعال وتحشرون حافية أقدامكم عارية أجسامكم شاخصة أبصاركم واجفة قلوبكم ويجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " عبس 34 - 37 ، ويقبض الله الأرض بيده ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون وتدنوا الشمس من رءوس الخلائق حتى تكون قدر ميل فيعرف الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه ومنهم من يبلغ إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق الجاما فعند ذلك يبلغهم من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم فيذهبون إلى آدم فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتونه فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيذهبون إلى موسى فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيذهبون إلى عيسى فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتون نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع في الناس ليقضى بينهم وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله " عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً " الإسراء79 ، في هذا اليوم يحاسب الله الخلائق على أعمالهم فأول ما يحاسب عليه العبد صلاته فإن كانت صالحة أفلح ونجح وإن كانت فاسدة خاب وخسر ويقضى بين الخلائق فترد المظالم إلى أهلها من حسنات الظالم فإن لم يبقى شيء من حسناته أخذ من سيئات المظلوم فطرحت عليه ثم طرح في النار .

في ذلك اليوم ينصب الميزان " فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون " المؤمنون:102-104 ، وفي ذلك اليوم تنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال فيأخذ المؤمنون كتبهم بأيمانهم مستبشرين مغتبطين ويأخذ الكافرون كتبهم بشمائلهم أو خلف ظهورهم حزنين خاسرين ويوضع الصراط على متن جهنم فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالطير وكأشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم صلى الله عليه وسلم قائم على الصراط يقول " يا رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العبد حتى يجئ الرجل فلا يستطيع المشي إلا زحفاً " رواه مسلم .

جعلني الله وإياكم من الناجين يوم القيامة

هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى والصلاة على المصطفى

أما بعد: أيها الناس: " اتقوا الله واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً " لقمان33 .

عباد الله: اعلموا أن هذه الحياة الدنيا دار ممر وعبور ودار عمل وكدح للعباد " فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور " فاطر:5 ، فتذكروا ما أنتم إليه صائرون من الموت وما بعده يوم تحشرون تذكروا حالتكم عند حلول الآجال ومفارقة الأوطان والأهل والعيال تذكروا حينما تشاهدون الآخرة أمامكم وأنتم مقبلين إليها مدبرين عن الدنيا تذكروا حينما ينقسم الناس إلى قسمين فمنهم من توفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ومنهم من توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم تذكروا إذا حملتم على الرقاب إلى القبور فانفردتم بها عن الأهل والأولاد والأموال والقصور جليسكم الأعمال فإما خير تسرون به إلى يوم القيامة وإما شر تجدون به الحسرة والندامة تذكروا إذا " نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " الزمر:68 ، يقومون من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " عبس:34-37 ، تذكروا هذا اليوم العظيم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر .

فتنافسوا أيها المسلمون في أعمال الآخرة لتدركوا بذلك الدنيا والآخرة وإياكم أن تؤثروا الدنيا عليها فتخسروا الدنيا والآخرة فإن الدنيا مزرعة الآخرة

وفقني الله وإياكم لصالح الأعمال

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم وخالقكم بذلك في محكم كتابه بقوله " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " الأحزاب56 ، وقال عليه الصلاة والسلام " من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا " رواه مسلم ، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين وانصر المظلومين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادهم بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ول على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم، اللهم لا تدع لنا في هذا المقام ذنبا إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا اللهم اظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظله واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين .

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم " وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون " العنكبوت:45.

**********************

فضل العلم والعلماء

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه : " الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" .(الرحمن 1-4)، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، صلى الله وسلم عليه.

أما بعد؛ عباد الله : إنَّ أقصر الطرق إلى الله كتابُه، ، فلنجعل القرآن الكريم بيننا وبين الجنَّة سُلماً، و معالمُ الطَّريق كثيرةٌ ، والعلمُ أصدقُها مَعلِّماً، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا ، سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ،).صحيح أبي داود للألباني ، فالعلم دعوة الأنبياء ومرادُهم من الدُّنيا ورغبتُهم. فهذا سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- يقول له ربه: (وَقُل رَبِّ زِدني عِلمًا)، طه 144 أي اطلبْ من الله الزِّيادة، وأمر الله - تعالى- نبيه موسى -عليه السلام- بالرِّحلة إلى طلب العلم حتى لقي الخضر، ليتعلم منه ، قال – تعالى -: (قالَ لَهُ موسى هَل أَتَّبِعُكَ عَلى أَن تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمتَ رُشدًا)، الكهف 66 فلم تمنعه نبوَّتُه من الطلب، وهو من أوتي التَوراة، وكم في التوراة من علمٍ غزير، ولم يتكبَّر على معلِّمه، وقد قال الله -تعالى- فيه: (وَكَانَ عِندَ اللَّـهِ وَجِيهًا).الأحزاب 69

عباد الله: قد تعدَّت فضائلُ العلم سكانَ الأرض والسَّماوات، حتى شملت البهائم و السِّباع الضارية، وذوات المخلب الجارحة، فجعل الله صيد السَّبع المعلَّم من المباحات، فكلوا من رزق الله والطيبات، وجعل صيد غير المعلَّم من المحظورات، لا يستوي الخبيث والطيب، ولا النور والظلمات، حيث قال -تعالى-: (وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّـهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ).المائدة 4 وقد افتخر هُدهد سليمان بعلمه، ، وحُقَّ له ذلك ، يقول سبحانه "فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ "(النمل 22) ومرَّ سليمان بواد النَّمل، فقالت نملة: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).النمل 18.فمنعت حِمى قومها وأنقذتهم من الهلاك.

عباد الله، إنَّ التفقُّه في الدين والعلم النافع يورث الخشية لله والإحسان إلى عباد الله، فطلب العلم ثوابه عظيمٌ عند الله -تعالى- ونافعٌ لعباد الله في عباداتهم ومعاملاتهم الدقيقة والجليلة، ولا شك أن هذا خير عظيم وفضل جسيم، قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ وملائِكتَهُ، وأهلَ السمواتِ والأرضِ، حتى النملةَ في جُحْرِها، وحتى الحوتَ، ليُصَلُّونَ على معلِّمِ الناسِ الخيرَ)،صحيح الترمذي للألباني، فالعلم ميراث الأنبياء، ، فما ورَّث الأنبياءُ درهماً ولا ديناراً، وإنما ورَّثُوا العلم، فأنعِمْ به ميراثا، وتحلَّوا بالعلم، فكانوا أحسن نفعاً وغرساً. والعلم مقرون بالعمل، إن وافقه حلَّ، وإلَّا ارتحل.

هذا وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين.

وبعد؛ عباد الله: مَنْ أراد الله -تعالى- به خيراً في الدِّين جعله من العالِمين، وبعلمه وارثاً للأنبياء والمرسلين .إن هذا العلم عبادةٌ وطاعةٌ، ومن أحسن ما تقرَّب به العبد إلى ربِّه ، فالعالم يموت ولا يموت علمه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له). صحيح مسلم، من طلب العلم أخذ بحظٍ وافرٍ، فإنَّه نعم الزَّاد للمسافر، ومجالس العلم هي رياض الجنَّة، قال صلى الله عليه وسلم :"إذا مررتُم برياضِ الجنَّةِ فارتعوا قالوا وما رياضُ الجنَّةِ قال حِلَقُ الذِّكرِ " صحيح الترمذي للألباني.

هذا، وصلوا على خليل الله محمد اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة : أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، اللهمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ، اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهرم، وعذاب القبر. اللهمَّ آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليها ومولاها، اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يستجاب لها. اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى .

عباد الله، " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النحل90).

********************

خصال الفطرة

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه : " الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" .(الرحمن 1-4)،وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، صلى الله وسلم عليه.

أما بعد؛ عباد الله : إنَّ أقصر الطرق إلى الله كتابُه، ، فلنجعل القرآن الكريم بيننا وبين الجنَّة سُلماً، و معالمُ الطَّريق كثيرةٌ ، والعلمُ أصدقُها مَعلِّماً، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا ، سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ،).صحيح أبي داود للألباني ، فالعلم دعوة الأنبياء ومرادُهم من الدُّنيا ورغبتُهم. فهذا سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- يقول له ربه: (وَقُل رَبِّ زِدني عِلمًا)، طه 144 أي اطلبْ من الله الزِّيادة، وأمر الله -تعالى- نبيه موسى -عليه السلام- بالرِّحلة إلى طلب العلم حتى لقي الخضر، ليتعلم منه ، قال – تعالى -: (قالَ لَهُ موسى هَل أَتَّبِعُكَ عَلى أَن تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمتَ رُشدًا)، الكهف 66 فلم تمنعه نبوَّتُه من الطلب، وهو من أوتي التَوراة، وكم في التوراة من علمٍ غزير، ولم يتكبَّر على معلِّمه، وقد قال الله -تعالى- فيه: (وَكَانَ عِندَ اللَّـهِ وَجِيهًا).الأحزاب 69

عباد الله: قد تعدَّت فضائلُ العلم سكانَ الأرض والسَّماوات، حتى شملت البهائم و السِّباع الضارية، وذوات المخلب الجارحة، فجعل الله صيد السَّبع المعلَّم من المباحات، فكلوا من رزق الله والطيبات، وجعل صيد غير المعلَّم من المحظورات، لا يستوي الخبيث والطيب، ولا النور والظلمات، حيث قال -تعالى-: (وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّـهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ).المائدة 4 وقد افتخر هُدهد سليمان بعلمه، ، وحُقَّ له ذلك ، يقول سبحانه "فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ "(النمل 22) ومرَّ سليمان بواد النَّمل، فقالت نملة: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).النمل 18.فمنعت حِمى قومها وأنقذتهم من الهلاك.

عباد الله، إنَّ التفقُّه في الدين والعلم النافع يورث الخشية لله والإحسان إلى عباد الله، فطلب العلم ثوابه عظيمٌ عند الله -تعالى- ونافعٌ لعباد الله في عباداتهم ومعاملاتهم الدقيقة والجليلة، ولا شك أن هذا خير عظيم وفضل جسيم، قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ وملائِكتَهُ، وأهلَ السمواتِ والأرضِ، حتى النملةَ في جُحْرِها، وحتى الحوتَ، ليُصَلُّونَ على معلِّمِ الناسِ الخيرَ)،صحيح الترمذي للألباني، فالعلم ميراث الأنبياء، ، فما ورَّث الأنبياءُ درهماً ولا ديناراً، وإنما ورَّثُوا العلم، فأنعِمْ به ميراثا، وتحلَّوا بالعلم، فكانوا أحسن نفعاً وغرساً. والعلم مقرون بالعمل، إن وافقه حلَّ، وإلَّا ارتحل.

هذا وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين.

وبعد؛ عباد الله: مَنْ أراد الله -تعالى- به خيراً في الدِّين جعله من العالِمين، وبعلمه وارثاً للأنبياء والمرسلين .إن هذا العلم عبادةٌ وطاعةٌ، ومن أحسن ما تقرَّب به العبد إلى ربِّه ، فالعالم يموت ولا يموت علمه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له). صحيح مسلم، من طلب العلم أخذ بحظٍ وافرٍ، فإنَّه نعم الزَّاد للمسافر، ومجالس العلم هي رياض الجنَّة، قال صلى الله عليه وسلم :"إذا مررتُم برياضِ الجنَّةِ فارتعوا قالوا وما رياضُ الجنَّةِ قال حِلَقُ الذِّكرِ " صحيح الترمذي للألباني.

هذا، وصلوا على خليل الله محمد اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة : أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، اللهمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ، اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهرم، وعذاب القبر. اللهمَّ آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليها ومولاها، اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يستجاب لها. اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى.

عباد الله، " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النحل90).

***********************

وجوب احترام نعم الله

الحمد لله رب العالمين، وعد الشاكرين لنعمه المزيدَ، وتوعَّدَ من كفر بها بالعذاب الشديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أعظمُ الخلق شكراً لله وطاعةً له صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً.

أما بعدُ: أيها الناس؛ اتقوا الله عباد الله بين أيديكم نعم كثيرة، أنتم محاسبون عليها ومسؤولون عن شكرها فأحسنوا التصرف فيها تكون عوناً لكم على طاعة الله، ولا تسيؤوا في استعمالها تكن استدراجاً لكم من حيث لا تعلمون فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخشى على أمته الفقر وإنما يخشى عليها من الغنى أن تبسط عليها الدنيا كما بسطت على من كان قبلها من الأمم فيحصل التنافس والهلاك ونخشى أن نكون اليوم قد وقعنا فيما تخوفه الرسول صلى الله عليه وسلم علينا فقد بسطت علينا نعم الله كثيرة وأساء الكثير منا استعمالها وتفاخروا في الإسراف فيها وإنفاقها في غير وجوهها.

لقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على احترام الطعام وتوقير النعمة وعدم إهدارها فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعيب طعاماً قط بل إن اشتهاه أكله وإلا تركه، وعن أنس رضي الله عنه قال: "مَرَّ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ، فقالَ: لَوْلا أنْ تَكُونَ مِن صَدَقَةٍ لَأَكَلْتُها." صحيح البخاري

فأخْبَرَ أنَّه لَولا خوفه أنْ تَكونَ هذه التَّمرةُ السَّاقطةُ مِن تَمْرِ الصَّدقةِ لَأكَلَها، فتَرَكَها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ تَنزُّهًا لأجْلِ هذه الشُّبْهةِ.

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إنَّ الشَّيْطانَ يَحْضُرُ أحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شيءٍ مِن شَأْنِهِ، حتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعامِهِ، فإذا سَقَطَتْ مِن أحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ ما كانَ بها مِن أذًى، ثُمَّ لِيَأْكُلْها، ولا يَدَعْها لِلشَّيْطانِ، فإذا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أصابِعَهُ؛ فإنَّه لا يَدْرِي في أيِّ طَعامِهِ تَكُونُ البَرَكَةُ. "رواه مسلم.

كل هذا من حفظ النعمة وتوقيرها وتوفيرها عن الضياع وابتعاداً عن التكبر وإذا قارنت بين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وبين ما عليه غالب الناس اليوم من امتهان للنعمة وإسراف في عمل الأطعمة وإهداره تبين لك الفرق العظيم، وخِفْت على الناس من العقوبة العاجلة، فترى كثيراً من الناس في حفلات الزواج وغيرها يضعون الولائم الكبيرة من الأطعمة واللحوم، ثم لا يؤكل منها إلا القليل، وأكثرها يهدر ويلقى في المزابل وينتج عن ذلك مفسدتان عظيمتان

الأولى: مفسدة الإسراف وإفساد المال وقد قال الله تعالى "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"الأعراف:31. وقال تعالى "وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً"الإسراء:26-27.

والمفسدة الثانية: أن في هذه الولائم إهانةَ النعمةَ وإلقاءَها مع القاذورات، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى رفع كسرة الخبز وأخذ التمرة من الطريق وأمر بأخذ اللقمة إذا سقطت وإزالة ما عليها من الأذى ثم أكلها، وأمر بلعق الأصابع ولعق الصحفة؛ لئلا يضيع شيء من نعم الله أو يمتهن فكيف بالذي يهدر الأكوام من الطعام واللحوم وقد يلقيها مع الزبالة إنها لجريمة عظيمة ومنكر ظاهر تخشى عواقبه الوخيمة ثم هذه الذبائح الكثيرة التي تذبح في هذه الولائم من أجل الأكل لأن ذابحها يعلم أنها لن تؤكل، وإنما يذبحها للرياء والسمعة والتفاخر وهي جريمة أخرى تذهب فيها الحيوانات هدراً، والحيوان المباح لا يجوز ذبحه إلا للحاجة ؛لما روى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رضي الله عنه، قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَتَرَامَوْنَهَا، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا ؟! إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا. رواه مسلم

جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه

وبارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات الذكر الحكيم

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً .

عباد الله: ليحذرْ هؤلاء الذين يأتون بالقطعان من الأغنام، ويذبحونها في الولائم، ثم يلقون لحومها تذهب هدراً وربما ترمى في الزبالة مع القاذورات والأنجاس ألم يكونوا في الأمس القريب فقراء عالةً لا يجدون في بيوتهم إلا القوت الضروري أو لا يجدون شيئاً أأمنوا زوال النعم ألم يعلموا ما حل بالبلاد المجاورة لهم من الحروب والمجاعات ألا يرونهم يأتون إلى بلادكم طلباً للقمة العيش.

فاتقوا الله عباد الله واسمعوا قول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.فاطر:5.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا. رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادنا أو أراد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ول على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم، اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيما إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك ، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

غزوة خيبر

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق فأظهره على الباطل وأيده الله بنصره وبالمؤمنين فكانوا متآلفين متحابين مجتمعين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.المائدة:54. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة والتسليم

أما بعد

عباد الله: اتقوا الله تعالى واعلموا أنه لم يزل اليهود في عداء الإسلام متمردين يريدون القضاء عليه وعلى أهله حسدا وبغيا واعتداء والله لا يحب المعتدين فلقد كانت لهم مواقف عدائية مع النبي صلى الله عليه وسلم يعرفها من قرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ حياته كانوا من أعظم الناس تهييجا للأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الدائرة ولله الحمد تكون عليهم في جميع مواقفهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي شهر الله المحرم من السنة السابعة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزوهم في خيبر وكانت خيبر ثمانية حصون أو خمسة تبعد عن المدينة نحو مئة ميل من الشمال الغربي وهي زراعية فحاصر النبي صلى الله عليه وسلم أول حصن من حصونهم فمكث عليه ستة أيام لم يصنع شيئا وفي الليلة السابعة ظفر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيهودي خارج من الحصن فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أدركه الرعب قال إن أمنتموني أدلكم على أمر فيه نجاحكم فقال إن أهل هذا الحصن أدركهم التعب والملل وهم يبعثون بأولادهم إلى الحصن الذي وراءه وسيخرجون لقتالكم غدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله علي يديه" رواه البخاري. فلما أصبح سأل عن علي بن أبي طالب فقيل إنه يشتكي عينيه فدعا به فبصق في عينيه فشفاها الله في الحال كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فحمل المسلمون على اليهود حتى فتح الحصن ومازال المسلمون يفتحونها حصنا حصنا حتى أتم الله فتحها ولله الحمد وأذل اليهود ونصر المسلمين عليهم وغنموا منهم مغانم كثيرة وملكوا أرضهم ولكنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقوا فيها يعمرونها ويزرعونها على النصف فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال نقركم ما شئنا فلما كان زمن عمر أجلاهم عمر رضي الله عنه عنها إلى تيما وأريحا وكان من أسباب إجلاء عمر إياهم أنه في عهده كثرت مؤامرات الاغتيال والتخريب من قبل اليهود في خيبر ومن ذلك أن مظهر بن رافع الحارثي استقدم عشرة من نصارى الشام يعملون بأرضه فأقبل حتى نزل بهم خيبر فأقام بها ثلاثة أيام فجاء رجل من اليهود وقال لهم أنتم نصارى ونحن يهود وهؤلاء قوم قد قهرونا بالسيف وأنتم عشرة رجال أقبل رجل واحد منهم يسوقكم من أرض الخمر والخير إلى الجهد والبؤس وتكونون في رق شديد فإذا خرجتم من قريتنا فاقتلوه قالوا ليس معنا سلاح فخرجوا وقد اعتزموا تنفيذ ما أوحى اليهود به إليهم

فلما وصلوا إلى ثبار في طريقهم إلى المدينة مع مظهر الحارثي قال مظهر لأحدهم ناولني كذا وكذا فاقبلوا إليه جميعهم قد شهروا سكاكينهم فخرج مظهر يعدوا إلى سيفه ولكنهم بعجوا بطنه قبل أن يخرج السيف من غماده وبعد أن قتلوه عادوا إلى خيبر فآواهم اليهود وأخفوهم ثم زودوهم وأعطوهم قوة فلحقوا بالشام.

ثم إن المسلمين استغنوا عن بقائهم بخيبر وكان الشرط الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنا نقرهم ما شئنا فلما حصل منهم العدوان واستغنى عنهم المسلمون أجلاهم عمر سنة عشرين من الهجرة إلى تيما وأريحا

فهذا تاريخ اليهود مع الإسلام وأهله قاتلهم الله وأذلهم وقلبهم على أعقابهم خائبين إنه جواد كريم قال الله تعالى "وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"البقرة:109.

هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبده وسوله ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد عباد الله: قبل أن يحمل المسلم السلاح لقتال أعداء الله وأعداء الحرية عليه أن يجاهد أولاً نفسه التي بين جنبيه عليه أن يكون في جهاد دائم مع نوازع الهدى ودوافع الإثم حتى يقوى على مقاومة الشر في الحياة ومن قدر على الاستعلاء على هواه كان أقدر على الانتصار على الأعداء والإنسان في صراع شاق بين دوافع الروح التي تدعوا إلى الخير وبين وساوس الشيطان الموجهة إلى الشرور

وإذا انتصر الإنسان في جهاده مع نفسه استرخص الحياة وقدمها فداءاً لعقيدته وعاش حياته عزيزاً حراً يهابه الأعداء ويحترمه الأصدقاء

والمسلمون الأولون رضوان الله عليهم أجمعين صانوا عقيدتهم ونشروا مبادئهم وحفظوا مقدساتهم بقوة إيمانهم وبجهادهم أعدائهم ولقد ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يتعلقون بزينة الحياة الدنيا فقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة وعبد القطيفة إن أعطى رضى وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"أخرجه البخاري.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين اللهم طهر بلاد المسلمين من رجس اليهود اللهم كما أخرجتهم من المدينة النبوية وطهرتها من رجسهم فأخرجهم من بلاد المسلمين أذلاء صاغرين وصل اللهم على نبينا محمد .

***********************

الإخلاص في العمل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا..

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً. (الأحزاب:70-71)

عباد الله: اعلموا أن الدنيا ممر، وأن الآخرة هي المستقر، فاستبقوا الخيرات قبل فواتها، وحاسبوا أنفسكم على زلاتها وهفواتها، وكفوها عن الإغراق في شهواتها، فالكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، فالله الله في السرائر، فما ينفع في فسادها جمال الظاهر

أيها المسلمون: في زخم الحياة وتراكم مشاغل الدنيا قد يغفل الإنسان عن وظيفته الأساسية التي من أجلها وُجِدَ، والغاية التي من أجلها ولد، ألا وهي عبادة الله سبحانه وطاعته: وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ. (الذاريات:56)

فأرسل الله الرسل وأنزل الكتب وخلق الإنسان وسخر له ما في السماوات والأرض، كل ذلك لأجل القيام بحق العبودية، ووعد بالجنة من أطاعه وتوعد بالنار من عصاه، وأخبر -جل في علاه- أن يومًا تعرض فيه الخلائق على الله، وتنشر فيه الصحف، وتوزن الأعمال، فينظر كل لميزانه بإشفاق ووجل، يتمنى كمال عمله وحسن ما قدم، لعلَّ ميزانه أن يثقل بالحسنات، سيأتي يوم يكون فيه الحساب والجزاء بالأعمال، وللذرة قيمة وميزان، وللحسنة تأثير؛ يشح بها المرء على أمه وأبيه، وزوجه وبنيه وأخيه: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي. (الفجر:23-24)

والمقصر يندم على تقصيره وفي يوم القيامة مواقف وعرصات، وأهوال وكربات، ووزن للحسنات والسيئات، لن ينجو منها إنس ولا جان إلا بالعمل، فماذا قدمت لحياتك الأخرى يا عبد الله؟! ما مقداره ونوعه وما مدى كماله وصحته، عن معاذ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ بيدي وقال: "يا معاذ: والله إني لأحبك، أوصيك -يا معاذ- لا تدعنَّ في دبر كل صلاه تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". رواه أبو داود وصححه الألباني

فهذا إرشاد نبوي كريم بأن ندعو الله بعد الفراغ من الصلاة، ونسأله حسن عبادته، وقبل ذلك يقول الخالق -جل في علاه-: الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. (الملك:2)

ولئن كان الكثير من المسلمين حريصين على أداء عباداتهم وما افترضه الله عليهم، فإن القليل منهم هم الحريصون على أدائها بإحسان، كاملة السنن والواجبات والأركان، سالمة من الخلل والنقصان، واسمعوا حديث عمار بن ياسر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها". رواه أبو داود وحسنه الألباني

بل إن من المصلين من تُلَفُّ صلاته كثوب خَلِق فيرمى بها في وجهه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجل: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصل" رواه البخاري. مع أنه أتى بأفعالها الظاهرة

عباد الله: حق على كل مسلم يرجو لقاء الله ويطمع في جنته ويستجير به من ناره أن يسعى لإحسان عمله في تمام وكمال وذلك بالإخلاص لله والمتابعة لرسوله -صلى الله عليه وسلم.

ومما ينبغي العناية به بجانب الإخلاص أن تكون العبادة المؤداة سالمة من الرياء، مرادًا بها وجه الله وحده، وفي الحديث القدسي قال الله -تبارك وتعالى-: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". رواه مسلم

أما الشرط الثاني من شروط صحة العبادة فهو المتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمراد بها تأدية العبادة على الصفة التي جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير زيادة ولا نقصان، فالتعبد بما لم يشرعه الله ولم يرد صحيحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو البدعة التي قال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة -رضي الله عنها-: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".رواه البخاري ومسلم، ولفظ البخاري: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". والله تعالى يقول: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ. (الشورى:21)

عباد الله: ومما تحسن به العبادات الواجبات تكميلها بالنوافل التي من جنسها، فأركان الإسلام عبادات متحتمات ومن جنسها نوافل ومستحبات، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ. رواه مسلم

ألا فاتقوا الله -عباد الله-، وأحسنوا فيما تقدمون، وحافظوا على أعمالكم، ولا تكونوا كأقوام لا يرضون أن تنتقص من دنياهم شعرة، لكنهم لا يبالون بما نقص من دينهم مهما كان من القلة أو الكثرة، فرضوا الحياة الدنيا عن الآخرة "فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ". (التوبة:38)

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني بما فيهما من الآيات والحكمة، هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله توالت نعمه، وأحاطتنا مننه، وحقت علينا عبادته، نسأله أن يوزعنا شكر نعمه، وأن يوفقنا للصالحات ويسعدنا في الدنيا وبعد الممات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا .

أما بعد:

أيها المسلمون: إذا استشعر المسلم أن هذه العبادة أمر الله وفيها رضاه، قد رضي سبحانه أن تكون من الإنسان زلفى له وقربة منه، يرفع بها الدرجات، ويمحو بها السيئات، كان هذا أدعى للإنسان أن يهتم بعبادته ويعظمها ويحسنها، فليحذر المسلم من تقديم العبادة بشكل هزيل أو مظهر عليـل؛ لأن الواجب تعظيم شعائـر الله: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ. (الحج: 32)

ولذا كان الإحسان أعلى مراتب الدين لاستشعار مراقبة الله للعبد، كما في الحديث المخرج في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلـم- قال: " الإحْسَانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ"

وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها النبي -صلى الله عليه وسلم نسأل الله تعالى أن يكتبنا من المحسنين الذين قال عنهم: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ. (يونس: 26)

وقال: فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ. (المائدة: 85)

هذا، وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة محمد بن عبد الله، الهادي البشير، والسراج المنير، رسول الله وخاتم أنبيائه، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ، اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، ولا تؤاخذنا بذنوبنا ولا بما فعل السفهاء منا، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وردهم إليك ردًّا جميلاً، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المستضعفين والمظلومين والمضطهدين في دينهم وفي ديارهم في كل مكان . اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل بهم بأسك ورجزك إله الحق، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين ووفقهم لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى، وانصر اللهم من نصر الدين، واخذل الطغاة والملاحدة والمفسدين ، اللهم وفق وليّ أمرنا إلى ما تحب وترضى .اللهم ادحر الرافضة في اليمن وفي كل مكان .

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.(البقرة:201)، وعذاب القبر وشر فتنة المسيح الدجال، وفتنة المحيا والممات، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الكسب الحلال

الحمد لله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، رفع السماء بلا عمد، والأرضَ وضعها للأنام فيها جناتٌ والنخلُ ذاتُ الأكمام، مَن أطاعه تولَّاه، ومن غفل عنه لا ينساه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (صلى الله عليه وسلم).

أما بعد: فالعيش في الأرض لا بد له من قوام من مال، ولكي تُعمر الأرض على مراد الله لا بد للمسلم أن يعمرها بالحلال والطيب من الرزق قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [البقرة: 172] فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ" ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ."

تأملوا ،رحمكم الله، خمسٌ في الرجل آكلِ الحرام هي مما يُستجاب بها الدعاء: سفرٌ وطولُ غربةٍ وشعث أكسبته غُبْرة ورفعُ يدٍ أدبٌ في الدعاء وإلحاحٌ في الدعاء.كلُّ هذا هدمَه مطعمٌ حرامٌ ومشربٌ حرامٌ وملبسٌ حرامٌ فحرم إجابَة الدعوة؛ لأن هذا الجسد أكل من السحت ما يجعل النار أولى به.

ولمَّا كان الرزقُ متداولاً بين الناس أخذاً وعطاءً كان الحسابُ عليه يوم القيامة في هذين الاتجاهين حتماً قال صلى الله عليه وسلم: " لاَ تزولُ قدَمُ ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ من عندِ ربِّهِ حتَّى يسألَ عن خمسٍ: عن عمرِهِ فيمَ أفناهُ، وعن شبابِهِ فيما أبلاَهُ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وماذا عملَ فيما علِمَ " رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود وصححه الألباني.

فالمرءُ مع المال أحدُ أربعةٍ: رجلٌ أخذه من حرام وأنفقه في الحرام، ورجلٌ أخذه من حرام وأنفقه في الحلال، ورجلٌ أخذه من حلال وأنفقه في الحرام، ورجلٌ أخذه من حلال وأنفقه في الحلال، فالكل تزلَُ بهم القدمُ إلا رابعَهم فقد ثبت على الحلال وانفق في الحلال فأنجاه الله يوم تزل الأقدام.

انظرْ إلى مَنْ فَقِهَ هذا الكلامَ حقَّ الفقهِ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: " كانَ لأبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ له الخَرَاجَ، وكانَ أبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِن خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بشَيءٍ، فأكَلَ منه أبو بَكْرٍ، فَقالَ له الغُلَامُ: أتَدْرِي ما هذا؟ فَقالَ أبو بَكْرٍ: وما هُوَ؟ قالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ في الجَاهِلِيَّةِ، وما أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إلَّا أنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فأعْطَانِي بذلكَ؛ فَهذا الذي أكَلْتَ منه. فأدْخَلَ أبو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شيءٍ في بَطْنِهِ.". أخرجه البخاري في صحيحه.

عبدَ الله؛ لن تأخذ إلا ما كتب الله لك ولن تنتقل من هذه الحياة الدنيا وبقي لك فيها شربة ماء أو نفس من هواء قال صلى الله عليه وسلم:" إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ " صححه الألباني في صحيح الجامع عن أبي أمامة الباهلي.

عبادَ الله، الرزقُ إما أجرٌ وإما وزرٌ. فلقمةٌ تأكلُها من حلال تُحييكَ حياةً طيبةً، ولقمةٌ من حرام تجلبُ لك البلايا من حيث لا تحسب ولن يُنالَ ما عند الله من الرحمة والفضل والبركة في الرزق بمعصيته، فربَّما قد كتب اللهُ لك الرزقَ الحلالَ فاستعجلت عليه فأكلتَه بالحرام.

اعلمْ أن الغنى قناعتُك بما رزقك الله وليس بكثرة ما لديك من عرض الدنيا فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: " يا أيُّها النَّاسُ! إنَّ الغِنى ليسَ عن كثرةِ العَرضِ، ولكنَّ الغِنى غِنى النَّفسِ، وإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُؤْتي عبدَه ما كَتبَ لهُ من الرِّزقِ، فأجمِلوا في الطلبِ، خُذوا ما حَلَّ، ودعوا ما حَرُمَ ". رواه أبو هريرة وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب.

هذا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

أما بعد: فإن للرزق أسبابَ بركةٍ وأبوابَ خيرٍ، من ذلك: الاستغفار والتوبة، قال الله تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً ﴾ [نوح: 10-12].والتوكل على الله، ، وشكره على كثيرِ نعمهِ قال تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]. وأكل المال الحلال فالله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، ومن أكل الحلال عدم مخالفة الأنظمة والتعليمات التي سنها ولي الأمر لمصلحة الوطن والمواطن ، كذلك أيضًا البعد عن جريمة التستر التجاري وتشغيل المقيمين في أعمال تجارية خلاف ما استقدموا له، ولا شك أن في ذلك ضررًا كبيرًا يقع على المواطنين والمقيمين.

اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار ، اللهم أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم أعطنا ولا تحرمنا وزدنا ولا تنقصنا واكرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم رغبنا فيما يبقى وزهدنا فيما يفنى واغفر لنا، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. اللهم آمنا في أوطاننا واحفظ اللهم ولاة أمورنا ووفق بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا ووليَّ عهده. اللهم اكف المسلمين كيد الكفار ومكر الفجار وشر الأشرار وشر طوارق الليل والنهار يا عزيز يا غفار. اللهم كن لإخواننا في الهند فإنهم الآن يذبحون على يد الهندوس .

﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].

******************

شهادة الحق

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.آل عمران:102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.النساء:1.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً.الأحزاب:70-71.

أما بعد : إن الإيمان بالله واليوم الآخر مسؤولية عظمى وأمانة كبرى لا يؤدي الإنسان حق الله فيها بمجرد القول بالإيمان والادِّعاء بالإسلام فإن الاكتفاء بالكلام والادّعاء الفارغ لا يسمن ولا يغني من جوع، بل الحق أن المسلم إذا رضي بالله رباً وبالإسلام دينا فعليه أن يشعر بالمسؤولية التي تلزمه بمجرد أداء هذه الشهادة العظيمة وعليه أن يفكر في الجد والسعي لتحقيق هذه الشهادة في واقع الحياة، فإن تخلف وتخلى وأدركه الكسل والضعف ذاق وبال أمره وأصبح من الخاسرين في الدنيا والآخرة، وقد تسألون أيها الإخوة ما هي هذه المسؤولية التي تنذرنا عواقب تركها والغفلة عنها.

وللجواب على هذا يجب أن نعلم جميعاً أن تلك المسؤولية لا تقضى بالصلاة والصيام والزكاة والحج فحسب ولا بالتزام أحكام الإسلام في أحوال الإنسان الشخصية في النكاح والطلاق والميراث فحسب بل إن هناك مسؤولية أعظم إنها مسؤولية الشهادة على الناس بإبلاغ كلمة الحق إلى بني آدم كافة بماذا ؟ بأخلاقكم الصالحة وأعمالكم الزكية حتى تتم حجة الله على عباده ولا يمكنهم أن يجحدوا تبليغ الأنبياء ووصول كلمة الحق إلى مسامعهم

إن الله جعلنا أمة وسطا واصطفانا من بين أمم العالم لا لصلة ولا نسب بيننا وبين الله ولكن لنكون شهداء على عباد الله "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ "البقرة:143. إن الله قلد اليهود مقاليد الأمور قبلنا وكلفوا بهذه الشهادة ولكنهم كتموا تارة وشهدوا بالباطل تارة بل نتيجة لفسقهم وعنادهم أصبحوا بأعمالهم وتصرفاتهم شهداء بالباطل فماذا كانت النتيجة، إن النتيجة هي ما سلطه الله عليهم من الذلة والمسكنة وغضب الجبار رب العالمين

إذاً ما معنى أيها الإخوة أن نكون شهداء على الناس إن معنى ذلك أن نبين للعالم جميعه الحق الذي انكشفت لنا حقيقة أمره وأن نرشدهم إلى الطريق الوحيد الموصل إلى سعادتي الدنيا الآخرة.

فنحن مطالبون جميعاً أن نشهد لديننا العظيم شهادة تحقق صدقه وتكون له برهانا حتى تنقطع حجة الناس على الله

إن الأنبياء لم يبعثوا إلا لأداء هذه الشهادة "رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا "النساء:165. وقد قاموا بها خير قيام وأحسوا بثقلها في ميزان الله حتى إنهم بذلوا كل ما يستطيعون لتبليغ دين الله إلى كل من يستطيعون إبلاغه إليه حتى لا تقف هذه الجموع البشرية تحتج عليهم يوم القيامة بأنهم لم يبلغوا إليهم هذا الهُدى الذي يحملونه وسار على طريق الأنبياء والمرسلين أتباعهم من بعدهم بكل جد ونشاط

تصوروا أيها الإخوة كيف تقف أمم الأرض يوم القيامة تطالبكم عند ربكم وتحتج عليكم بأنكم كنتم تعرفون الحق وتدركون الهدى وبين يديكم هداية الله ومع ذلك بخلتم بها وتقاعستم عن أدائها إليهم، تصوروا ذلك الموقف المهيب ماذا أنتم قائلون ؟ كيف تعتذرون هل لكم من عذر ؟ هل عندكم من حجة ؟ هل أعددتم لهذا السؤال جواباً ؟

إن الله سيحاسبنا على تهاوننا بل وعلى شهادتنا بالباطل قبل سائر الناس

بل ويحاسبنا على أعمالنا وعلى تفريطنا في أولئك الذين عاشوا في ظلام الكفر بسبب إحجامنا وتقاعسنا

وقد يسأل سائل ويقول إننا نريد أن نؤدي هذه الشهادة لنسلم من ذلك فكيف نؤديها

والجواب على هذا من ناحيتين من ناحية أقوالنا ومن ناحية أعمالنا

أما من ناحية القول فيجب أن يُسَخِّرَ المسلمون ألسنتهم وأقلامَهم وكلَّ ما يستطيعون من وسائل التبليغ أن يُسَخِرُوا ذلك كلَّه في نشر هذا الدين وتبيين حقيقته.

إن العالم يئن من فساد في أخلاقه، ومن تمزق في علاقاته، ومن استبداد في سياسته، ومن فراغ في عقيدته وخواء في روحه وضياع في اقتصاده كل هذه بلايا يتوجع العالم ويريد المنهج الذي يسعده في هذه الحياة

فلتتجه ألسنة المسلمين وأقلامهم ووسائل تبليغهم إلى شرح الإسلام وتوضيحه وكشف بهائه أمام العالمين

قد تقولون أيها الإخوة إنه يوجد عندنا خطباء وبعض من الكتاب يشرحون الإسلام لكنني أقول إن المطلوب أن تشهد الأمة كلها بهذا الحق أن تتعاون كل أقلام المسلمين وكل صحف المسلمين وكل وسائل اعلام المسلمين أن تتعاون كلها لتوضيح الدين وكشفه أمام الناس

وإلا فماذا يقول الكفار من حولنا إذا رأوا من كتاب المسلمين من يدعو إلى الضلال أو يحبب الفسق أو ينشر الرذيلة أو يشجع على الإجرام ماذا يقول الكفار عنا إذا رأوا هذه هل يمكن أن يقولوا أن هؤلاء مقتنعين بإسلامهم أم يقولوا العكس ؟ أما الناحية العملية فالمقصود بها أيها الإخوة أن تكون حياتنا صورة صادقة لمبادئ هذا الدين إنه لا يكفي الناس أن يسمعوا كلامنا في مدح الإسلام والثناء عليه والإشارة بذلك بل إن الشيء الذي يأخذ بمجامع القلوب أن يشأهدوا بعيونهم هذه التعاليم التي نلهج بذكرها متجلية في أعمالنا متمثلة في حياتنا اليومية.

إن الناس يحبون ديننا إذا أحسُّوا من معاملتنا ذلك الخلق الرفيع وتلك الأمانة الزكية إذ أحسُّوا في مجتمعنا بالعدل والإنصاف، إذا أحسوا في ثقافتنا بالطهر والعفاف وسمو الهدف والمقصد إذا رأوا في حياتنا المادية ذلك التقدم والأخذ بكشوف العلم ونتاج العقول السليمة يجب أن يعلم أيها الإخوة أنه ليس المقصود هو أفراد المسلمين وحدهم لا بل أنه كما يجب أن يكون أفراد المسلمين صورة صادقة لإسلامهم فكذلك يجب أن تكون حكومات المسلمين صورة صادقة للإسلام أيضاً يجب أن يلمس الكفار من حولنا أننا نقوم على السياسة العادلة المستقاة من أصول ديننا، يجب أن يلمس الكفار في مسؤلينا وكبرائنا ذلك الالتزام بالإسلام بل والتفاني في خدمته وتبليغه للناس، يجب أن يروا في دولنا ذلك الالتزام بتعاليم الإسلام سواء في السلم أو الحرب، إن عائشة رضي الله عنها لما أريد منها أن تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تجد وصفاً أحسن ولا أصدق من قولها "كان خلقه القرآن" صححه الألباني والأرناؤوط. أي إذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رأيت فيه كل ما أمر به القرآن ورأيته مبتعداً عن كل ما نهى عنه القرآن وكذلك كان أصحابه رضي الله عنهم كانوا صورة حية وصادقة بتعاليم القرآن، فإذا أراد شخصٌ ما أن يعرف حكمَ الإسلام في البيع والشراء فما عليه إلا أن ينزل إلى سوق المسلمين فيرى تصرفاتهم لأنهم كانوا ملتزمين بأحكام البيع والشراء التي جاء بها دينهم

أتدرون أيها الإخوة بما انتشر وكيف دخل القلوب ؟ إنه لم يدخل القلوب بالسيوف والرماح وإن كانت البلاد فتحت بالسيوف والرماح لكن لم يكن المسلمون يُكْرِهُونَ أحداً على اعتناق الإسلام إذاً بماذا دخل الناس الإسلام ؟ إنهم دخلوا من خلال أخلاق المسلمين وتصرفاتهم

اسألوا أهل أفريقيا وأندونيسيا عن قصتهم مع الإسلام، هل أتاهم فاتحون؟ هل أتتهم جيوش إسلامية ؟ لا والله إنما الذي نشر الإسلام هناك هم التجار المسلمون نشروه بأخلاقهم ومعاملتهم وسلوكهم الملتزم بالإسلام هكذا حينما يكون المسلم صورة حية لإسلامه يفعل ما لا تفعله الجيوش الكبيرة حين نصل أيها الإخوة إلى مرحلة كون أعمالنا صورة صادقة للإسلام حين يكون الإنسان ملتزماً بالإسلام في أكله وشربه وقيامه وقعوده وبيعه وشراءه وحبه وبغضه وسفره وإقامته وسلمه وحربه حين نكون على هذا المستوى نكون قد أدينا أمانة الله في أعناقنا حينذاك يحق لنا أن نقول عند رب العالمين إننا قد بلغنا أهل الأرض ما بلغته لنا ولم نقصر في ذلك ولم ندخر جهداً فهديت من هديت فصاروا لنا إخوة وبقي على الضلال آخرون ونحن منهم بريئون

هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه أنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الإسلام والإيمان نحمده حق حمده ونصلي ونسلم على من لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم

أما بعد

فالناظر في أحوالنا المتأمل في واقعنا يجزم جزماً قاطعاً بأننا لم نقم بالشهادة القولية ولم نقم بالشهادة الفعلية، التفتوا إلى أقوال المسلمين وإلى كتاباتهم وإلى وسائل تبليغهم ماذا تشاهدون وماذا تسمعون هل ترونها استغلت في تثبيت الإيمان وتعميق الأخلاق هل استغلت في نشر الإسلام وبيان محاسنه

إنني لا أنكر الأقلام المخلصة والألسنة الصادقة في الأمة ولكنني أقول أنها غيض من فيض وقطرة من بحر في اتجاه الأمة أجمع

أما تصرفات المسلمين وسلوكهم في حياتهم فحدث ولا حرج والعياذ بالله

إن المشكلة أيها الإخوة أن أعداءنا لا يفرقون بين ديننا العظيم وبين تصرفاتنا المشوهة بأهواء النفوس ورغباتها

فهم يحكمون على الإسلام من خلال تصرفاتنا نحن فنصبح نحن والعياذ بالله عائقاً أمام من يريد أن يسلم

إن بلاد الغرب اليوم تمتلئ بمئات الشباب المبتعثين من كافة أقطار العالم الإسلامي فلو كانوا صورة صادقة للإسلام لأسلم على يديهم الملايين كما أسلم على يد التجار المسلمين في أندونيسيا الملايين الكثيرة.

إننا إذا تقاعسنا عن الواجب وعكسنا الأمر وقبلنا الموقف وأصبحنا كهؤلاء الذين حرموا أنفسهم ثمرات هذا الدين المبين وبركاته المتواصلة وفوق ذلك صرفوا العالم عن ورود مائه العذب. إذا فعلنا هذا الفعل وأبينا إلا السير على هذا الطريق فقد خسرنا الدنيا والآخرة أعاذنا الله من ذلك ووقانا شره، وهذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا، وها أنتم تشاهدون أيها الإخوة ما حل وما يزال يحل بنا نحن المسلمين من الذل والهوان ومن يدري فربما يكون المستقبل إن استمررنا على ما نحن عليه أتعس وأشقى وما عند الله أشد وأنكى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ".الأنفال:20.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمرتم بذلك واذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

********************

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1)

الحمد لله العلي الكبير الأكبر الذي أوجب على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة الرسل وأتباعهم لما خصهم به من الأجر والجزاء الأوفر وضمن النجاة عند نزول العقوبات لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر

نحمده ونشكره ونتوب إليه ونستغفره ونسأله أن يؤمننا عند هول المطلع والمحشر. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تكون لشاهدها ذخراً إذا فر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه يوم الفزع الأكبر ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر الشافع المشفع في المحشر أغير خلق الله على دين الله وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر فلم ينتصر يوماً لنفسه إلا إذا انتهكت حرمة الله احمرَّ وجهه وتغير اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغرر.

أما بعدُ: عباد الله: اتقوا الله بفعل ما أمر وترك ما عنه نهى وزجر وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.المائدة:2. واحذروا صفات المنافقين الذين ينهون عن المعروف ويفعلون المنكر واعلموا أن الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولا يكون المسلم ناصحاً إلا إذا بذل وسعه في إصلاح نفسه ومجتمعه وأمته ويسعد بما يسعدهم ويسوؤه ما يسوؤهم وفي الأثر: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، وفي الحديث: من غشنا فليس منا. رواه مسلم.


إن التهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لضياع الدين والانسلاخ منه كما هو حال الأكثر من هذه الأمة فإنهم لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حلت بهم العقوبات وسلط عليهم ولاة السوء فساموهم سوء العذاب

قيل لحذيفة بن اليمان أفي يوم واحد تركت بنو اسرائيل دينها قال لا ولكنهم إذا أمروا بشيء تركوه وإذا نهوا عن شيء فعلوه حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه.

فاحذروا يا عباد الله لا تشبهوا بهم أطيعوا إذا أمرتم وانزجروا إذا زجرتم فالحق ضالة المؤمن متى وجده أخذه والمؤمن يدور مع الحق إن دار يلتمس نجاته ويحذر من شقوته

ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس تساهلوا بالأمر والنهي وذلك مُؤْذِنٌ بحلول العقوبات وعدم إجابة الدعوات وتسلط الأعداء وانتهاك الحرمات ومن علامة قرب الساعة والويل لأهل المعاصي والمخالفات.

ولترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أسبابٌ كثيرة منها:

ضعف الإيمان في قلوبهم ولو قدروا الله حق قدره لغاروا لمحارمه قبل أن يغاروا لمحارمهم، ومنها عدم البصيرة في الدين، ومنها عدم الغيرة على محارم الله ومن لا غيرة له لا دين له، ومنها عدم الغيرة لله في قلب المداهن قال تعالى: ودوا لو تدهن فيدهنون.القلم:9. ولو انتهكت حرمة المداهن لظهرت غيرته، ولكن لجهله وجفائه لم تظهر غيرته لربه ودينه.

ومن أسباب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضا : موت العلماء العاملين بعلمهم الناصحين لربهم ودينهم وأمتهم فالعلماء ورثة الأنبياء في العلم والدعوة وبيان الحق من الباطل ومن بخل بنشر العلم لطالبه ألجم بلجام من نار

ولا يخفى على كل مسلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب من واجبات الإسلام فعلى كل مسلم أن يأمر نفسه ومن تحت يده من أولاد ونساء ثم جيرانه وأصدقائه وزملائه وأهل قريته ثم عموم المسلمين على حسب القدرة لحديث: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان

وفي حديث حذيفة رضي الله عنه قال: الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم والصلاة سهم والزكاة سهم والصوم سهم وحج بيت الله سهم والأمر بالمعروف سهم والنهي عن المنكر سهم والجهاد في سبيل الله سهم وقد خاب من لا سهم له. حسنه الألباني.

و من الجهاد: أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وصدق في مواطن الصبر وبغض الفاسقين، والبعد عنهم. ومن صبر في مواطن الصبر فقد أدى ما عليه.

ومجاهدةُ النفس والهوى والشيطان وشياطين الإنس والجن واجبٌ ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه.

وجاهدوا في الله حق جهاده وهو جهاد النفس وإلزامها بطاعة الله وما يرضيه من العقائد والأقوال والأفعال.

والمعروف ما عرف شرعاً وعقلاً وفعله الرسول أو أمر به أو أقر فاعله أو وعد عليه بالثواب والسلامة من العقاب

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل اللهم بارك لنا في القرآن العظيم واعصمنا عن أعمال أهل الجحيم وثبتنا على صراطك المستقيم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه وأعوانه وسلم تسليماً

أما بعد: عباد الله: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. آل عمران:102. وائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر قبل أن يحل بكم العذاب وأنتم لا تشعرون قال تعالى "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " الأنفال:25. يعني إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونزل عقاب الله أصاب الطالح والصالح ولو أن كلاً من المسلمين قام بواجبه وأمر ونهى ودعى إلى الله ورغب في الخير وحذر من الشر ونصح لعباد الله في أرض الله لكثر الخير وصلحت الأحوال وساد السلام وأمن العقاب وقوي جانب الحق وانتصر المسلمون في كل زمان ومكان قال تعالى: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم. محمد:7.

ومعلوم لدى كل مسلم أنه لا عز ولا نصر ولا فلاح ولا نجاح ولا أمن ولا استقرار إلا بالتمسك بدين الله والاعتصام به ولكن المصيبة العظمى هي أن كثيراً من الناس تخلى عن مهمته ومسئوليته نحو دينه وربه وترك الأمر والنهي والدعوة فجعل كلاً يعمل على شاكلته وما يصبو إليه خيراً أو شراً فضعف جانب الحق وانتشرت المنكرات واتسع الخرق على الراقع.

والمفرط يضر نفسه ومجتمعه وأمته حيث إن الحبارى تموت في وكرها هزلاً من ظلم الظالم والمنكرات إذا لم تنكر ضرت العامة وكما في مثل خرق السفينة.

ولو أن كلاً قام بواجبه لانتصر الحق ونصر ولكن بعض المسلمين هداهم الله وردهم إلى الصواب انتهكوا محارم الله فخذلوا واستحقوا العذاب.

فمن ترك أمر الله ترك ومن أضاع أمر الله ضاع ومن نسي الله أنساه نفسه ومن تجرأ على معاصي الله سلط عليه عدوه فسامه سوء العذاب ومن زاغ أزاغ الله قلبه

{ ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوء أن كذبوا بآيات الله.} الروم:10. فمن زنى زني بأهله ومن خدع خدع ومن مكر مكر به ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيه والسعيد من وعظ بغيره والشقي من شقي في بطن أمه ومن لم يكن في قلبه واعظ لم تفد فيه المواعظ وحجة الله قائمة على عباده

قال تعالى:{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير.}الشورى:30.

عباد الله: قوموا بما أوجب الله عليكم من أمانة التكليف فإن لم تقوموا قيض الله لدينه رجالاً يقومون به فيحوزون أجره وأنتم تخسرون قال تعالى {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}محمد:38. وقال تعالى:{ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه.} المائدة:54.

اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين. وأذلَّ الشركَ والمشركين.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم وخالقكم بذلك في محكم كتابه بقوله {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام:" من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا". رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وأرض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين وانصر المجاهدين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم واجعلنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادهم بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم اللهم اجمع شمل المسلمين ، اللهم لا تدع لنا في هذا المقام ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين .

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

*********************

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2)

الحمد لله فضل هذه الأمة بالإسلام وأخرجها من الظلمات إلى النور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى هذه الأمة داعياً بإذنه وسراجاً منيراً صلى الله عليه وعلى آله وصحابته إلى يوم الدين.

أما بعدُ

أيها المسلمون: يحتج الناس إما جهلاً وإما تبريراً لتخاذلهم وغفلتهم وميلهم إلى الحياة الدنيا بقوله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ "المائدة:105 فيتوهم أحدهم أن هذه الآية تُعفيه من تكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما دام هو في نفسه صالحاً مهتدياً وهذا الوهم قد تسرب إلى البعض في زمن الصديق رضي الله عنه فخطب في الناس وقال: إنكم تقرؤون هذه الآية الكريمة وتضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إنَّ النَّاسَ إذا رأَوُا الظَّالمَ فلم يأخُذوا على يدَيْه أوشك أن يعُمَّهم اللهُ بعقابٍ"صحيح أبي داود للألباني، ويمكن الرد على هذا الوهم من الآية نفسها فالله سبحانه وتعالى يقول "إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ " والاهتداء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضلال وهناك شبهة أخرى يندفع بها البعض ويتذرع بها البعض الآخر ويتخذون منها حُجة لقعودهم عن الأمر بالمعروف وهي أن الباطل قد انتشر في الأرض وأن الفساد قد عم وطم ولم تعد الدعوة إلى الله تنفع شيئاً ولا ينفع إصلاح المصلحين ولا دعوة الداعين وعلى المسلم أن يهتم بأمر نفسه ويدع أمر الناس ويستشهدون ببعض الأحاديث خطأ كقوله صلى الله عليه وسلم "بَدَأَ الإسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كما بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ. "أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه . والاحتجاج بكل من الآية والحديث بالمفهوم السابق خطأ في الفهم والتصور؛ لأن الواجب على المسلم هو القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء حصل المقصود واستجاب الناس أو لم يستجيبوا وقد حصلت هذه الشبهة لأقوام ساكتين قصَّ الله لنا أخبارهم وكيف أن الدعاة إلى الله ردوا عليهم شبهتهم حيث قال سبحانه "وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"الأعراف:164 ثم جاءت النتيجة "فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَـِٔيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ"الأعراف:165 وهذه الآية تشير إلى أن أهل القرية صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المعاصي وفرقة أنكرت عليهم ووعظتهم وفرقة سكتت عنهم فلم تفعل ولم تنهى فجاء العذاب فأخذ الفرقة العاصية والساكتة ونجى الله الفرقة الواعظة المنكرة

أما الاستدلال بالحديث الأول فيجب فهمه قبل الاستدلال به فالحديث كافياً كما جاء هكذا "بَدَأَ الإسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كما بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ. "أخرجه مسلم. فلا دليل فيه بترك الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل هو يدعو إلى أن نكون مثل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بدأ الإسلام في عصرهم غريباً فهبوا لإزالة الغربة عنه، فواجبنا نحن أن نقوم بهذا الدور لنزيل عن الإسلام غربته حيث أنها عادت إليه في العصر الحاضر حتى نكون من أهل طوبى وهي شجرة في الجنة لو سار الجواد في ظلها مائة عام لم يقطعها، والغرباء ليسوا هم الذين ينزون في سراديب مظلمة أو يهربون من الواقع السريع ويتركونه للعابثين المفسدين بحجة أن الإسلام صار غريباً فالحديث دعوة صريحة إلى إزالة الغربة عن الإسلام ، فالغرباء هم الذين يُصلحون ما أفسد الناس لا الذين يتركون الميدان للمفسدين من الناس.

والحديث الثاني معناه أن يقوم بالواجب وأن يعمل الإنسان كل ما في وسعه من إصلاح فبعد ذلك يأتي الاهتمام بالنفس، وترك دعوة الناس ليس هذا من مفهوم الأحاديث إذ أنه لم يَحِن وقته فلا حُجة في الآية والحديثين لمن يتخلفون عن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وشبهة ثالثة تدور في أذهان الناس بسبب الفهم الخاطئ بهذه الآية وهي قوله تعالى "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"البقرة:286 فيتعلل بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسبب له تعباً ونصباً لا يستطيع أن يتحمله، والواقع أن هذه حجة العاجزين فإن التعب المزعوم ينالهم في سعيهم للظفر من هذه الدنيا مثل الحصول على ربح مادي مثلاً فأولى بهم أن يتحملوا شيئاً من التعب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا التعب أجر عظيم لهم عند الله.

إن رجال الكنيسة النصارى يتركون أعمالهم ويذهبون إلى أدغال أفريقيا ويختلطون بالعراة هناك ويعلمونهم ويطعمونهم الغذاء والكساء ويقضون معهم السنين الطويلة وهم يدعون إلى باطل وإلى دين محرف.

أفلا يجدر بالمسلمين وهم أصحاب الحق وأصحاب الرسالة الصادقة والدعوة الصحيحة أن ينفقوا من أموالهم ويبذلوا شيئاً من أوقاتهم وراحتهم لهذا الدين داعين إليه وعلى المسلم عندما يوسوس له الشيطان بالتعب والإرهاق أن يتذكر قول الله عز وجل " وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا"النساء:104 وعليه أن يتذكر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحملوا كثيراً في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله فهل يستكثر المسلم إذا أتعب نفسه قليلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر محاسن الإسلام.

نسأل الله سبحانه أن يهدينا إلى الصراط المستقيم وأن يلهمنا رشدنا وأن يبصرنا بمواطن الضعف في نفوسنا

هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحابته إلى يوم الدين

أما بعد

أيها الإخوة في الله:

اتقوا الله واعلموا أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يؤدي واجباً ويقوم بعبادة امتثالاً لأمر الله والأجر على العبادة يناله العابد من الرب جل وعلا تفضلاً منه وإحساناً وعلى هذا فلا يطلب الآمر بالمعروف من أحد من الخلق أجراً على دعوته ولا مالاً ولا ثناءً ولا جاهاً ولا أي عوض من الأعواض المادية أو المعنوية بل يكون منهجه منهج نوح عليه السلام حينما قال الله مخبراً عنه "فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ"يونس:72 وهكذا جميع الرسل والدعاة إلى الله يدعون الناس ولا يريدون منهم جزاءً ولا شكوراً لأن أجرهم على الله الكريم قال تعالى: وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ * ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ يس:20-21

اللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وارزقنا الحكمة والبصيرية والصبر والاحتساب في ذلك

واحفظ اللهم لنا ولي أمرنا ووليًّ عهده، واحفظ وجنودنا على حدودنا واغفر لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين.

وصل اللهم على نبينا محمد

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله

الإحسان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً. (الأحزاب:70-71)

عباد الله: إن تنشئة النفس المؤمنة على البر والتقوى والعفة والأمانة والخوف والمراقبة، هي وحدها الطريقة العملية الممكنة، لحل معضلة الشر والانحراف لدى المجتمع المسلم. أرأيتم الطفل، كيف يشب على الخُلق الكريم والنهج القويم، لو تعهده القيّم بالتوجيه والتقويم. وعلى العكس من ذلك، لو أهمل أمره، وتركه في مهب الريح، فإنه ينشأ شِرِّيرا، خطرا على نفسه ومجتمعه، ذلكم يا عباد الله أبرز مثل للنفس، حين ينشأ الفرد على مراقبة الله والخوف منه

عباد الله: روي عن أبي هريرة أن جبريل ـ عليه السلام ـ سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: " أن تعبد الله، كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" أخرجه البخاري.

الله أكبر إنه تعبير عجيب، تعبير يحمل في اختصاره حقيقة هائلة، إنها كلمات تحمل في طياتها قاعدة كبيرة، يقيم عليها الإسلام بناءه، هي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قاعدة يقيم عليها نظمه كلها، وتشريعاته وتوجيهاته، نظام القضاء والاقتصاد والسياسة والأسرة نظام الحياة كلها، تعبد الله كأنك تراه، لأن الله "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ" (غافر:19)

وإنه لخير لك ، أيها المسلم ، أن تعبد الله كأنك تراه، خير لك أن تتوجه إلى حيث يرقبك خالقك فتأمن المفاجأة

أيها المسلمون، قول النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان، يشير إلى أن العبد، يعبد الله على هذه الصفة وهي استحضار قربه، وأنه بين يديه كأنه يراه، لأنه يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، وذلك أفضل الإيمان

وبه تفوز بوعد الله : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ. (يونس:26)، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله ـ عز وجل ـ في الجنة ، فعن صهيب بن سنان الرومي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ: يقولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: تُرِيدُونَ شيئًا أزِيدُكُمْ؟ فيَقولونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا؟ ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ، وتُنَجِّنا مِنَ النَّارِ؟ قالَ: فَيَكْشِفُ الحِجابَ، فَما أُعْطُوا شيئًا أحَبَّ إليهِم مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ عزَّ وجلَّ. وفي رواية: وزادَ ثُمَّ تَلا هذِه الآيَةَ: {لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وزِيادَةٌ} "، وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان؛ لأن الإحسان: هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا، على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك، النظر إلى الله عيانا في الآخرة. وعكس هذا، ما أخبر به ـ تعالى ـ، عن جزاء الكفار في الآخرة: إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ. المطففين:15 وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على قلوبهم حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة

إن الإحسان على ما فسره به رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يتجلى في الأمة بعامة، وفي كل شأن من شؤونها

أيها الناس: إن الإحسان بهذا المفهوم يُمكِّن للزوج وزوجته أن يتعاشرا بالمعروف وأن يصون كل واحد منهما عرضه في غيبة الآخر، ومطارق الخوف من الله ومراقبته تذكرهم بقوله ـ تعالى ـ عن يوسف ـ عليه السلام ـ: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الاْبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ. (يوسف:23)

لقد اجتمع ليوسف ـ عليه السلام ـ من الدواعي لإتيان الفاحشة الشيء الكثير، فلقد كان شابا وفي الشباب ما فيه، وقد غلقت الأبواب وهي ربة الدار وتعلم بوقت الإمكان وعدم الإمكان، فكان ماذا؟ قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون. يوسف :23 استعاذة، وتنزه واستقباح لماذا؟ وما هو السبب؟ لأنه يعبد الله كأنه يراه، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ وذكر منهم ـ رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله " .

والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، يغيب الزوج عن زوجته اليوم واليومين والشهر والشهرين، فيحمل الإحسان المرأة، على صيانة عرض زوجها في غيبته، بعد أن فارقها مطمئنا إلى عرضه، وبيته وماله

إن أشرف ما تنافس فيه المتنافسون، وأفضل ما بذلت فيه الجهود، طلب العلم النافع؛ فهو الروح، يمد الجسد بالحيوية، وهو النور الوضاء، يبدد ظلمات الجهل، ويهدي إلى السبيل: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَـاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَ. الأنعام :122 وقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء. فاطر:28

والعالم الرباني هو من تحقق فيه ذلك، وجمّل علمه بالعمل به، كما تتجمل المرأة بالحلة الحسناء للدنيا، لأن العلم والعمل إنما يطلب به ما عند الله، من الدرجات العُلا، والنعيم المقيم، والقرب منه، والزلفى لديه، قال سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ: "إنما فضل العلم لأنه يتقى به الله، وإلا كان كسائر الأشياء" فمن طلب بالعلم والعمل، سيادة على الخلق، وتعاظما عليهم، وإظهارا لزيادة علمه، ليعلو به على غيره، فهو متوعد بالنار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، : "مَنْ تعلَّمَ العلْمَ ليُباهِيَ بِهِ العلماءَ ، أوْ يُمارِيَ بِهِ السفهاءَ ، أوْ يصرِفَ بِهِ وجوهَ الناسِ إليه ، أدخَلَهُ اللهُ جهنَّمَ" صححه الألباني في صحيح الجامع .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إرغاما لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه

أما بعد :

عباد الله: إن من تأمل كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، علم أن جميع العلوم والمعارف، ترجع إلى هذا الحديث وتدخل تحته، وينتج عن هذا الإحسان الإحسان في العمل، بأن يؤدي الإنسان واجبه على أكمل وجه، بل الإحسان على كل شيء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ." رواه مسلم

الله أكبر إنه يأمر بالإحسان حتى في ذبح الذبيحة: " فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ " إنه الحرص على إراحة الذبيحة، وهي تساق إلى الموت، وهنا تتجلى رحمة المسلم بالحيوانات، التي سخرها الله له، وجعلها في خدمته ومصلحته، فالإسلام دين الرحمة والرفق بالإنسان والحيوان، ففي الصحيحين أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: " بَيْنا رَجُلٌ يَمْشِي، فاشْتَدَّ عليه العَطَشُ، فَنَزَلَ بئْرًا، فَشَرِبَ مِنْها، ثُمَّ خَرَجَ فإذا هو بكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فقالَ: لقَدْ بَلَغَ هذا مِثْلُ الذي بَلَغَ بي، فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أمْسَكَهُ بفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ له، فَغَفَرَ له، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وإنَّ لنا في البَهائِمِ أجْرًا؟ قالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ.

وفي مقابل جزاء من رحم الحيوان، نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر عقاب من أذى حيوانا وقسا عليه بقوله: "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتَّى ماتَتْ، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ، لا هي أطْعَمَتْها ولا سَقَتْها، إذْ حَبَسَتْها، ولا هي تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ." أخرجه البخاري ومسلم .

فاتقوا الله أيها المسلمون، وراقبوا ربكم، وتخلَّقوا بالإحسان تُفلحوا وتفوزوا بوعد الله لكم، إنه لا يخلف الميعاد

هذا، وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة محمد بن عبد الله، الهادي البشير، والسراج المنير، رسول الله وخاتم أنبيائه، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين

اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، ولا تؤاخذنا بذنوبنا ولا بما فعل السفهاء منا، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وردهم إليك ردًّا جميلاً، اللهم انصر المستضعفين والمظلومين من المسلمين يا رب العالمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين .

اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل بهم بأسك ورجزك إله الحق، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين ووفقهم لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى، وانصر اللهم من نصر الدين، واخذل الطغاة والملاحدة والمفسدين

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.(البقرة:201).

وصلِّ اللهمَّ على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعينَ.

الالتفاف حول ولي الأمر

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، أما بعدُ

عباد الله :

يومًا بعد يومٍ تكثر الفتنُ، وتشتدُّ الظلماءُ، ويهجم الدهماءُ على بلاد آمنة ليزعزعوا أمنها، وأنفسٍ معصومةٍ استحلوا دماءَها، فتقع طوامٌ، ويموت أبرياءٌ، وينشأ في بؤس اليُتْم أطفالٌ يَنْقُمُونَ على مَن كان سببًا في حرمانهم من أكناف آبائهم، ويحقدون على شعارات رفعها أقوامٌ ، ويكرهون راياتٍ قادها آخرون.

عباد الله :

إن من أهم أهداف المسلم الذي يرجو رضا الله -تعالى- في هذه الحياة هو تعبيد الخلق لله –تعالى-، والأخذُ بأيديهم إلى سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، فهذا الدينُ مَتينٌ مُحكَم، يجب أن يُوغِل المسلمُ فيهِ برِفقٍ وتأنٍ وحكمة ورحمة، ولا يُبَغِّض نفسَه ولا دينه للناس ، فإنَّ المُنبَتَّ لا أرضًا قطَع، ولا ظهرًا أبقَى ؛ إذ ما فائدة أعمال همجيةٍ وحشيةٍ لا تفرّقُ بين كبير وصغير، ولا بين رجل أو امرأة، ولا بين مسلم أو مشركٍ، فإن فاعلها لا هو بالذي إلى دينه دعا، ولا هو بالذي أخذ بأيدي الناس برفق إلى شريعة الرحمة.

أيها الأحبة :

من تأمل في شريعة الرحمة ، يجد أنها تريدُ سَوْقَ النَّاسِ إلى ربِّهم برفق ورحمة ، ففي يومِ خيبر سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن عليّ بن أبي طالب، وأَعطَاهُ الرايةَ، فقال عليٌّ: يا رسولَ اللهِ، أُقَاتِلُهُمْ حتى يكونوا مثلَنا؟ فقال: “ انْفُذْ على رِسْلِكِ حتى تنزلَ بساحتِهِم، ثمَّ ادعُهُمْ إِلى الإسلامِ، وأَخْبِرْهُمْ بما يَجِبُ عليْهِم مِنْ حقِّ اللهِ فيه، فواللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بكَ رجلًا واحدًا، خيرٌ لَكَ مِنْ أنْ يَكُونَ لَكَ حمرُ النَّعَمِ” رواه البخاري

عباد الله :

إن الرفق بالناس يفتح لهم بابًا واسعًا لمعرفة الحق والإقبال عليه ، وفي المقابل فإن الغلو والقسوة يولّدان جهلاً وانحرافًا عن الجادة، وكم يُعمي هذا المسلكُ أناسًا ويصمهم عن الحق!

لقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- الناسَ من فتن آخر الزمان، وأمر المسلم بالاعتصام بحبل الله ودينه، وعدم الانسياق خلف الأهواء والفتن، فقال –صلى الله عليه وسلم-: ” وإنَّ أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها. وسيُصيبُ آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيءُ فتنةٌ فيُرقِّقُ بعضها بعضًا.. فمن أحبَّ أن يزحزحَ عن النارِ ويدخلَ الجنةَ، فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، وليأتِ إلى الناسِ الذي يحبُّ أن يُؤْتَى إليهِ “ رواه مسلم ، فإذا أراد أن يُرْحَم فليرحمْ هو خَلق الله، وإذا أراد أن يُحسن الناسُ بهذا الظن؛ فليحسن ظنه بالناس، وإذا أراد أن تُصان أمواله ونفسه، فليبدأ هو وليسلم الناسُ من لسانه ويده.

عن فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قالَ في حَجَّةِ الوداعِ: “هذا يومٌ حرامٌ وبلَدٌ حَرامٌ، فدماؤكم وأموالُكم وأعراضُكم عليكم حرامٌ مثلُ هذا اليومِ وهذا البلدِ إلى يومِ تلقونَهُ وحتَّى دَفعةٌ دَفَعها مسلِمٌ مسلِمًا يريدُ بها سوءًا، وسأخبرُكم مَنِ المسلمُ؛ من سلمَ النَّاسُ من لسانِهِ ويدِهِ، والمؤمنُ من أمِنهُ النَّاسُ على أموالِهم وأنفسِهم، والمهاجرُ من هجرَ الخطايا والذُّنوبِ والمجاهدُ من جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ تعالى” ذكره البزار وصححه ابن حجر العسقلاني.

عباد الله :

إن من صور الغلو الممقوتة: الاجتراء على دماء المسلمين المعصومة، وسفك الدم الحرام، وترويع الآمنين، وزعزعة الأمن في الأوطان، ونشر الخوف والفتن فيها، وقد حفلت النصوص الشرعية بالنصوص المتواترة التي تحذر المسلم التحذير الشديد من الدماء المعصومة، فقال رب العالمين: " وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" (النساء: 93)، وهذا وعيد شديد لمن اجترأ على الدم الحرام فسفكه، واعتدى على أرواح آمنة، وأنفس مطمئنة، فقتلها، فويل له يوم يقوم الناس لرب العالمين!

قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ” لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِن دِينِهِ، ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا. ”أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر.

وقد فهم الصحابة هذه النصوص، وقدّروها حق قدرها، فعن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ –رضي الله عنهما- أنه قال: “ إن مِن وَرَطاتِ الأمورِ، التي لا مَخْرَجَ لمَن أَوقعَ نفسَه فيها، سفكَ الدمِ الحرامِ بغيرِ حلِّه”(رواه البخاري).

إننا بحاجة إلى أن نتكاتف ونتراحم فيما بيننا.

هذا ، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فاستغفروه ؛ إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد ؛

عباد الله اتقوا الله وكونوا يداً واحدةً وصفاً واحداً مع ولاة أمركم ، واحذروا من الجماعات ذات البيعة والتنظيم ، وقد صدر بيان هيئة كبار العلماء حول هذه الجماعات ، وهذا نصه :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين .. أما بعد :
فإن الله تعالى أمر بالاجتماع على الحق ونهى عن التفرق والاختلاف قال تعالى: " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون"، وأمر العباد باتباع الصراط المستقيم، ونهاهم عن السبل التي تصرف عن الحق، فقال سبحانه : " وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".
وإنما يكون اتباع صراط الله المستقيم بالاعتصام بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنّ مِن السبل التي نهى الله تعالى عن اتباعها المذاهب والنحل المنحرفة عن الحق، فقد ثبت من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال : " هذا سبيل الله مستقيماً"، ثم خط عن يمينه وشماله، ثم قال : هذه السبل ليس منها سبيل إلاّ عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ : " وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " رواه الإمام أحمد.
قال الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : " فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتقرق بكم عن سبيله" وقوله : " أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" ونحو هذا في القرآن، قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمِراء والخصومات في دين الله.
والاعتصام بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو سبيل إرضاء الله وأساس اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، والوقاية من الشرور والفتن، قال تعالى : "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون".

فعُلم من هذا : أن كل ما يؤثر على وحدة الصف حول ولاة أمور المسلمين من بث شبه وأفكار، أو تأسيس جماعات ذات بيعة وتنظيم، أو غير ذلك، فهو محرم بدلالة الكتاب والسنة. وفي طليعة هذه الجماعات التي نحذر منها جماعة الإخوان المسلمين، فهي جماعة منحرفة، قائمة على منازعة ولاة الأمر والخروج على الحكام، وإثارة الفتن في الدول، وزعزعة التعايش في الوطن الواحد، ووصف المجتمعات الإسلامية بالجاهلية، ومنذ تأسيس هذه الجماعة لم يظهر منها عناية بالعقيدة الإسلامية، ولا بعلوم الكتاب والسنة، وإنما غايتها الوصول إلى الحكم، ومن ثم كان تاريخ هذه الجماعة مليئاً بالشرور والفتن، ومن رَحِمها خرجت جماعاتٌ إرهابية متطرفة عاثت في البلاد والعباد فساداً مما هو معلوم ومشاهد من جرائم العنف والإرهاب حول العالم.
ومما تقدم يتضح أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية لا تمثل منهج الإسلام، وإنما تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف، وتتستر بالدين وتمارس ما يخالفه من الفرقة وإثارة الفتنة والعنف والإرهاب.
فعلى الجميع الحذر من هذه الجماعة وعدم الانتماء إليها أو التعاطف معها.
والله نسأل أن يحفظنا جميعاً من كل شر وفتنة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين".

وقوموا إلى صلاتكم .

فتنة المال

الحمد لله خلق الناس ليعبدوه وحذر المؤمنين أن يشغلهم المال عن عبادته فقال جل شأنه "يا أيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون" (المنافقون 9) ، وأشهد أن لا إله إلا الله خلق الحياة محفوفة بالصعوبات مليئة بالعقبات وجعل المال من أعظم فتنها الكثيرةِ الشعب والأطراف ، الواسعةِ الأرجاء ، والأكناف قال سبحانه وتعالى " إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم" (التغابن 15) ، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما بعد

فقد قال الله تعالى: " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب " (آل عمران 14)

عباد الله: ترون في هذه الآية الشريفة أن الله تعالى قد عد المال مع الشهوات والملاذ وأضافه إلى الحياة الدنيا وهي لا شيء في نظر العاقل وقال الله تبارك وتعالى " إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار" (آل عمران 10) ، في هذا القول الكريم يا عباد الله يخبر الله عز وجل أن المال والأولاد لن تغني الكفار عن الله شيئاً فلا تفديهم من العذاب ولا تجدي ألبتة نفعاً لهم كما قال تعالى في الآية الأخرى " إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو إفتدى به أولئك لهم عذاب أليم ومالهم من ناصرين" (آل عمران 91) ، وتأملوا عباد الله قول الله تعالى " فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً " فهل بعد ملء الأرض ذهباً مال، كلا فاعتبروا يا أولي الأبصار فلا غنى إلا بصالح العمل الذي منه الإنفاق في سبيل الله تعالى وتأملوا قول من أوتي كتابه بشماله " ما أغنى عني ماليه " فالأمر في نفع المال كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: " نعم المال الصالح للرجل الصالح " صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ، وسئل عيسى عليه السلام عن المال فقال: لا خير فيه قيل ولم يا نبي الله قال لأنه يجمع من غير حل قيل فإن جمع من حل قال لا يؤدى حقه قيل فإن أدي حقه قال لا يسلم صاحبه من الكبر والخيلاء قيل فإن سلم قال يشغله عن ذكر الله قيل فإن لم يشغله قال يطيل عليه حسابه يوم القيامة (من كتاب مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار، للشيخ عبد العزيز السلمان)

عباد الله : الناس بالنسبة للمال والعناية به وجمعه على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: لا يرغبون جمع المال وادخاره ولا يسعون في اقتنائه واحتكاره إنما رضاهم من الدنيا ما سد جوعة وستر عورة وغناهم فيها ما بلغ الآخرة فأولئك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

والقسم الثاني: يحبون جمع المال من أطيب أسبابه وصرفه في أحسن وجوهه يصلون به رحمهم ويبرون به إخوانهم ويواسون به فقراءهم ولو وضع أحدهم على الحجارة المحماة بالنار أو بحرارة الشمس كان أسهل عليه من أن يكتسب درهماً من غير حله أو يضعه في غير وجهه أو يمنعه من حقه أو أن يكون خازناً له إلى حين موته فأولئك سلامتهم في العفو عنهم فمن نوقش الحساب عذب فالإنسان مهما عمل صالحاً فهو مقصر ولنطل التأمل تدبراً في قول العلي الأكبر "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" (الشورى 30) ، ولنذكر قول الله عز وجل " إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً " (الكهف 30) ، ولكن هل وفينا الله المنعم حق شكره وقد قال تعالى: " وقليل من عبادي الشكور "(سبأ 13)

والقسم الثالث: من الناس من يحبون جمع المال من حرام أو حلال وإن انفقوه انفقوه اسرافاً وبداراً وإن امسكوه أمسكوه بخلاً واحتكاراً أولئك الذين ملكت الدنيا أزمة قلوبهم حتى أوردتهم النار بذنوبهم.

فيا عباد الله: إن من تأمل ما سبق ذكره ظهرت له منزلة المال عند الله تعالى وعند عقلاء الناس فاتقوا الله واعتبروا بما نزل في القرآن الكريم في الذين يطلبون المال للمال فيعطلون وظيفته الاقتصادية ولا يؤدون وظيفته الاجتماعية قال الله تعالى " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وإن الله علام الغيوب " (التوبة 75 - 78) .

وبعدُ ، فما أكثر أمثال ذلك فكم من فقير يعد إذا اغتنى أن يفعل كذا وكذا ويغتنى فلا يفعل ولا يفي بوعده كما يعد المريض أنه إذا صح من مرضه لا يفعل ما كان منه من آثام ويصح ليعود إلى آثامه وكان كالإنسان الذي قال الله فيه: " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون " (يونس 12)

وكم من عاجز وعد أنه إذا قدر كان صالحاً ينفع نفسه وقومه وقدر فما وفى وكم من مفلس أعلن أن المال معين على المروءة باعث على صلة الرحم فاتح لوجوه البر موثق لأواصر الخير وما وفى بعد أن وضع الله المال في يديه.

جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه

هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى والصلاة على المصطفى

أما بعد

عباد الله: اتقوا الله ولا تكونوا كمن امتلأت خزائنهم بالذهب وأفلست من العقل والخير قلوبهم ورؤوسهم ونفوسهم ولم يتشرفوا بأن يكونوا أهل مروءة واعلموا أن السعادة ليست في الغنى والثروة كما يتوهم كثير من الناس ولكنها كما قال الشاعر

ولست أرى السعادة جمع مال *** ولكن التقى هو السعيد

واعلموا أن المال إذا وضع في أيدي النفوس التقية المهذبة كان من أعظم وسائل الخير ومن أفضل أسباب السعادة على الإنسانية وإذا صاحب نفوساً خبيثة كان باباً من أبواب الشر أثمر الرذائل والمضار

والله يقول: " فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى " (الليل 14 - 18)

أيها المسلمون: اتقوا الله وانتبهوا إلى أن المال نعمة لمن أطاع الله تعالى فيه وأنفقه فيما يرضي الله ولم يبخل به ونقمة فيمن استخدمه في غير محله

اللهم اجعل مالنا في أيدينا ولا تجعله في قلوبنا اللهم اجعلنا ممن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر اللهم اجعل مالنا مال من قال فيه الرسول :" نعم المال الصالح للرجل الصالح "، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم " ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون " (العنكبوت 45)

حرمة الأموال

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله وراقبوه فيما تأتون وما تَذَرون، وما تسرون وما تعلنون، فإن الأعمال مرصودة وإن الأعمار محدودة، وإن بعد الموت بعثاً وحياةً، وبعد البعث حساباً ومجازاةً. {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.(الكهف 49)

أيها المسلمون:

إن الله تعالى جعل في المال قياماً لمصالح العباد وعمارةِ البلاد، وأَمرَ عباده أن لا يَكتسبوه إلا من وجهٍ حلال وأن لا ينفقوه إلا في حق. وجعل اللهُ للمال حرمةً عظيمة سواء كان المال للأفراد أو كان للدولة، فحرم العدوانَ عليه وتوعد عز وجلّ من مد يده إلى ما لا يحل له من الأموال الخاصة أو العامة بالوعيد الشديد والعذاب الأليم.

لقد حرم الله تعالى السرقة ورتب عليها قطع اليد فقال جل وعلا {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة 38) ولعن النبي ﷺ السارق فقال (لعن الله السارق) ، رواه البخاري ، ونفى الإيمان عن السارق فقال ﷺ (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) رواه البخاري ، والمعنى أنه ناقص الإيمان وليس بكافر.

عباد الله: كما حرمت شريعتُنا الغراء نهبَ الأموالِ العامة واختلاسَها فحرّمت الغلول وهو الأخذ من الغنيمة في الجهاد قبل أن تُقسم ولو كان شيئاً يسيراً فعلى الجنود أن يحذروا من أخذ الأسلحة وغيرها على وجه الخفية لتملّكها أو المتاجرة بها.

ومثلُ الغلول كل ما يأخذه الموظف زيادة على راتبه ومستحقاته اختلاساً أو رشوة أو غيرَها. فمن اختلس أو غلَّ أو ارتشى فقد عرّض نفسه لسخط الله وأليم عقابه قال تعالى {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (آل عمران 161) و عن أبي هريرة أن رجلاً أصابه سهم يوم خيبر مع رسول الله ﷺ فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « كَلّا والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، إنَّ الشِّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عليه نارًا أخَذَها مِنَ الغَنائِمِ يَومَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْها المَقاسِمُ، قالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجاءَ رَجُلٌ بشِراكٍ، أوْ شِراكَيْنِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أصَبْتُ يَومَ خَيْبَرَ، فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: شِراكٌ مِن نارٍ، أوْ شِراكانِ مِن نارٍ » ، رواه مسلم ، والشملة كساء صغير يُتزر به. فإذا كانت هذه عقوبة من غلّ كساء صغيراً فما هي عقوبة مَن غل أو سرق ما هو أعظم من ذلك بكثير.

وقال ﷺ «مَنِ اسْتَعْمَلْناهُ مِنكُم علَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنا مِخْيَطًا، فَما فَوْقَهُ كانَ غُلُولًا يَأْتي به يَومَ القِيامَةِ»، رواه مسلم .

وعلى المسلم أن يعلم أن الرشوة محرمةٌ ولو كانت على صورة هدية أو خدمة فإن رجلاً استعمله النبي ﷺ على جمع الصدقة فرجع وقد أُهدي له فقال ﷺ ” مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ” متفق عليه.

و عَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه البخاري. أي يأكلون أموال المسلمين بغير وجه حق.

فاتقوا عباد الله وأقمعوا الأنفس عن هواها فإنه لا خيرَ في مال الدنيا كُلَّه إذا كانت عقوبةَ أخذه النارُ يوم القيامة، إن غمسة واحدة في النار كفيلةٌ بأن تُنَسّيَ أَنعمَ إنسانٍ كان في الدنيا كلَّ نعيمٍ مرّ به في الدنيا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :"يُؤْتَى بأَنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيا مِن أهْلِ النَّارِ يَومَ القِيامَةِ، فيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقالُ: يا ابْنَ آدَمَ هلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ ؟ هلْ مَرَّ بكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فيَقولُ: لا، واللَّهِ يا رَبِّ ، ويُؤْتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيا، مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فيُقالُ له: يا ابْنَ آدَمَ هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا، واللَّهِ يا رَبِّ ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ." رواه مسلم .

هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وتعففوا عن المال الحرام مهما كانت الفرص والمغريات فما عند الله خير وأبقى، قال صلى الله عليه وسلم : “ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وما أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ” رواه البخاري

إخوة الإسلام:

إن الوظائف كبرت أو صغرت أمانة ومسؤولية فأدوا الذي عليكم، ولا تأخذوا ما ليس لكم، ولا تستهينوا بالمال العام بدعوى أنه مال الدولة وأن مال الدولة حلال، فهذا قول باطل وتصور فاسد، فالمال مال الله ومال الدولة هو مال كل فرد من أفراد شعبها ووطنها، ولا يحل منه هللة بغير وجه حق، والتلاعب بالمال العام خطر كبير يقوض اقتصاد الوطن وأمنه.

إخوة الإيمان: حاربوا الرشوة وناصحوا المرتشين، وعظوهم وخوفوهم بالله فإن لم تنفع معهم النصيحة فبلغوا عنهم الجهات المختصة لتأخذ على أيديهم فالرُّشى من أعظم أسباب فساد الأحوال وخراب الأوطان.

تجنبوا طلب ما ليس لكم فيه حق، وتجنبوا أن تكونوا وسطاء لمن ليس له فيه حق ، محاباةً لقرابةٍ أو صداقةٍ أو جوارٍ أو غيرِ ذلك. فإن ذلك يترتب عليه تقديمُ غيرِ المستحق وحرمانُ المستحق ويكون غشِّاً لولي الأمر والرعيَّة. كما أنها تورث الضغائنَ والأحقادَ، وتقتل الإبداعَ وتنشر الإحباطَ.

عباد الله: ومن الآفات الكبيرة شراء الشهادات وتزويرها وتزوير الوثائق والمستندات، فإنه كذب وغش وظلم وخيانة وقد قرن الله تعالى بين الشرك والزور فقال تعالى : {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} (الحج 30) وقال ﷺ وهو يعدد أكبر الكبائر فبدأ بالشرك ثم قال “أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ”.رواه البخاري.

رزقني الله وإياكم النزاهة والعفاف والاستقامة، وأعاذني وإياكم من فساد الدين والأخلاق وتضييع الأمانة. اللهم اجعلنا ممن يخافك في سره وعلانيته، وممن أصلحته وأصلحت له أزواجه وذريته.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم وفق إمامنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده إلى ما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار."

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الجنائز

الحمد لله القائل(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن:26-27

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما

أما بعد، عباد الله

اتقوا الله تعالى، وتذكروا الموت، وقرب نزوله، واستعدوا له بالأعمال الصالحة، والتوبة من الذنوب والسيئات، فإن نسيان الموت يقسي القلب، ويرغب في الدنيا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) . رواه الترمذي وحسنه الألباني

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) صححه الألباني.، وكان ابن عمر يقول (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري

وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك) رواه البخاري

أيها الإخوة: إن تذكر الموت، يزهد في الدنيا، ويحفز على العمل الصالح، وعلى التوبة من الذنوب، والتخلص من مظالم العباد، وإعطاء الناس حقوقهم، ولما كان الموت نهاية حياة الإنسان في هذه الدنيا، فقد شرع الله سبحانه للأموات أحكاما تجب معرفتها وتنفيذها:

وأول هذه الأحكام: أنه يستحب تلقين المحتضر: لا إله إلا الله، لقوله صلى الله عليه وسلم (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) رواه مسلم، وذلك لتكون هذه الكلمة الطيبة آخر كلامه، ويختم له بها، فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد مرفوعا (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة) صححه الألباني

ومن هذه الأحكام: أنه إذا مات يُسَرَّعُ في تجهيزه: من تغسيله وتكفينه، والصلاة عليه، ونقله إلى قبره.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم الإسراع بتجهيز الميت إلى الله، وتطهيره، وتنظيفه، وتطييبه، قال: وكان يأمر بغسل الميت ثلاثا أو خمسا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل، ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة، وكان يأمر من ولي الميت أن يحسن كفنه، ويكفنه بالبياض، وينهى عن المغالات في الكفن

والرجل يتولى تغسيله الرجال، والمرأة يتولى تغسيلها النساء، ويجوز للرجل أن يغسل زوجته، وللمرأة أن تغسل زوجها، ومن تعذر غسله لعدم الماء، أو لكون جسمه محترقا، أو متقطعا، لا يتحمل الماء، فإنه ييمم بالتراب، وإن تعذر غَسل بعضه غُسل ما أمكن غسله منه، ويُمِمَ عن الباقي

والسقط إذا كان له أربعة أشهر غسل، وصلي عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم (والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه، بالمغفرة والرحمة) رواه أبو داود وصححه الألباني، وأيضا يسمى ويعق عنه

فإذا غسل الميت وكفن، فإنه يصلى عليه، والصلاة عليه جماعة أفضل لفعله صلى الله عليه وسلم، وفعل أصحابه

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ومقصود الصلاة على الجنازة هو الدعاء للميت

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على قوله تعالى (وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ) التوبة:84

لمَّا نهى الله نبيه عن الصلاة على المنافقين كان دليلا على أن المؤمن يصلى عليه قبل الدفن، ويقام على قبره بعده، ودلت الآية أيضا على أن الصلاة على المسلمين من أكبر القربات، وأفضل الطاعات، ورتب الشارع عليها الجزاء الجزيل، كما في الصحاح، وغيرها، ودلت الآية على أن الصلاة عليه كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم في المسلمين، وأمرا متقررا عند المسلمين، وكلما كثر المصلون كان أفضل، لما روى مسلم في صحيحه (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه) وله من حديث ابن عباس (وما من مسلم يموت، فيقوم على قبره أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعوا فيه)صححه الألباني.

ومن فاتته الصلاة على الميت قبل دفنه، صلى على قبره، لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر، وذلك أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها، فقالوا: ماتت، فقال: أفلا كنتم آذنتموني؟، قال: فكأنهم صغروا أمرها، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه، فصلى عليها

ثم بعد الصلاة على الميت يبادر بحمله إلى قبره، ويستحب للمسلم حضور الصلاة على أخيه المسلم، وتشييع جنازته إلى قبره، بسكينة وأدب، وعدم رفع صوت، لا بقراءة ولا ذكر، ولا غير ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان)رواه مسلم. قيل: وما القيراطان؟ قال (مثل الجبلين العظيمين) متفق عليه

ويسن توسيع القبر وتعميقه، ويوضع الميت فيه موجها إلى القبلة على جنبه الأيمن، ويسد اللحد عليه سدا محكما، ثم يهال عليه التراب، ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر، ويكون مسنما، أي: محدبا، وذلك ليرى فيعرف أنه قبر فلا يوطأ، ولا بأس أن يجعل علامة عليه، بأن يوضع عليه حجر ونحوه، ليعرفه من يريد زيارته للسلام عليه، والدعاء له

ولا تجوز الكتابة على القبر، لا كتابة اسم الميت، ولا غيرها، ولا يجوز تجصيصه، ولا البناء عليه، ولا تجوز إضاءة المقابر بالأنوار الكهربائية، ولا غيرها، لحديث جابر قال (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يعقد عليه، وأن يبنى عليه) رواه مسلم

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تعلية القبور، ولا بناؤها بآجر، ولا بحجر ولا لبن، ولا تشييدها، ولا تطيينها، ولا القباب عليها، فكل هذا بدعة مكروهة مخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم، وقد بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن أن لا يدع تمثالا إلا طمسه، ولا قبرا مشرفا إلا سواه

فسنته تسوية هذه القبور المشرفة كلها، ونهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه، وكانت قبور أصحابه لا مشْرفة ولا لاطئة، أي: وسط بين ذلك لا مرتفعة ولا لازقة بالأرض

ونهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واشتد نهيه في ذلك، حتى لعن فاعله

وكان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته، وشرعها لهم وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)رواه مسلم. وكان هديه: أن يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت من الدعاء، والترحم والاستغفار، فأبى المبتدعة إلا دعاء الميت، والإشراك بالله

ومن البدع المحدثة: قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن عند الجنائز، يزعمون أن ذلك ينفع الميت، وهذا بدعة، لأنه لم يكن من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم

ومما يجب أن يعلم: أنه يحرم على النساء اتباع الجنائز، وزيارة القبور، لحديث أم عطية رضي الله عنها قالت (نهينا عن اتباع الجنائز) رواه مسلم .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله، القائل (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) الملك:2

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما.

أما بعد، أيها الناس

اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله شرع الصبر عند المصائب، ووعد الصابرين بجزيل الثواب، ونهى عن التسخط والجزع، وتوعد على ذلك بأليم العقاب، فنهى سبحانه عن عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث والنشور، من لطم الخدود، وشق الجيوب، وحلق الرؤوس، ورفع الصوت بالندب، والنياحة، وتوابع ذلك

أما البكاء الذي لا صوت معه، وحزن القلب، فلا بأس بهما، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب) رواه البخاري

وتستحب تعزية المصاب بالميت، وحثه على الصبر والاحتساب، ولفظ التعزية أن يقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، ولا ينبغي الجلوس للعزاء، والإعلان عن مكان الجلوس للعزاء

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم: تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء، ويقرأ له القرآن، لا عند قبره ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة، وكان من هديه السكون والرضا بقضاء الله، والحمد لله، والاسترجاع، ويبرأ ممن خرق لأجل المصيبة ثيابه، أو رفع صوته بالندب والنياحة، أو حلق لها شعره

وكان من هديه: أن أهل الميت لا يكلفون الطعام للناس، بل أمر أن يصنع الناس لهم طعاما يرسلونه إليهم، وهذا من أعظم مكارم الأخلاق، والشيم، والتحمل عن أهل الميت، فإنهم في شغل بمصابهم عن إطعام الناس" . وكثيرٌ من الناس اليوم يجتمعون للعزاء، ويعلنون عن مكانه في الصحف، وبعضهم يهيئون مكانا لاجتماع الناس، ويصنعون الطعام، ويستأجرون المقرئين، وقد روى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله قال (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة) ورجال إسناده ثقات

هذا، وصلوا وسلموا رحمكم الله على قائد الغر المحجلين محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) الأحزاب:56 ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك .، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقضِ الدينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين ، اللهم أمِّنَا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وأعنه على البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، وارزقه البطانة الصالحة، اللهم وفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، واتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم واجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبدا ما أحييتنا، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، اللهم اغفر ذنوب المذنبين وتب على التائبين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " البقرة 201

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

صلاة الجمعة (1)

الحمد لله رب العالمين، شرع لعباده الجُمَعَ والجماعاتِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم .

أما بعد؛

أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما خصكم به من نعمه العظيمة التي من أعظمها يوم الجمعة الذي خص الله به هذه الأمة، وقد شرع فيه أداء شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهي صلاة الجمعة، وهذه الصلاة لها أحكام منها:

أن الله سبحانه شرع الاجتماع لها بأكبر عدد ممكن، فلا يجوز تعدد أمكنة إقامتها في البلد إلا عند عدم التمكن من إقامتها أو دعت الحاجة إلى تعدد الجوامع، وهي فرض عين، فتلزم كل مسلم ذكر بالغ عاقل مقيم .

وقد ورد الوعيد الشديد على من يتخلف عن صلاة الجمعة بغير عذر ، فعن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما " أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره : لَيَنْتَهينَّ أقْوامٌ عن ودْعِهِمُ الجُمُعاتِ، أوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ علَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكونُنَّ مِنَ الغافِلِينَ." رواه مسلم، ولا تجب الجمعة على مسافر سفر قصر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر مع اجتماع الخلق الكثير، وإذا حضر المسافر الجمعة، وصلاها مع المقيمين أجزأته، وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد إقامة تزيد على أربعة أيام وجبت عليه صلاة الجمعة، مع أهل ذلك البلد.

ومن أحكام صلاة الجمعة: استحباب التهيؤ لها قبل حضورها بالاغتسال والتطيب، ولبس أحسن الثياب، وتجميل الهيئة .

فعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَنِ اغْتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ، وتَطَهَّرَ بما اسْتَطَاعَ مِن طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أوْ مَسَّ مِن طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى ما كُتِبَ له، ثُمَّ إذَا خَرَجَ الإمَامُ أنْصَتَ، غُفِرَ له ما بيْنَهُ وبيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى." رواه البخاري

ومن أحكام صلاة الجمعة: استحباب التبكير بالحضور لها في المسجد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "(من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" رواه البخاري ومسلم

ففي هذا الحديث الترغيب في التبكير لحضور صلاة الجمعة، لما يترتب على التبكير من تحصيل مكان في الصف الأول، والحصول على فضيلة انتظار الصلاة، وحصول الاشتغال بذكر الله بصلاة النافلة، وتلاوة القرآن، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والدعاء، وهذه الفضائل تفوت كلها على المتأخر

ومن أحكام صلاة الجمعة يشترط لها تقدم خطبتين.

واعلموا رحمكم الله أنه يجب على الحاضرين الإنصاتُ والاستماعُ للخطبة، ويحرم الكلام وقت إلقائها، كما يحرم العبث حال الخطبة ؛ لأن ذلك يشغل عن الاستماع لها، لقوله صلى الله عليه وسلم (من مس الحصا فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له) رواه الترمذي وصححه الألباني ، ومعنى: مس الحصا، أي: سوى الأرض بيده؛ لأن هذا من العبث الذي يشغل عن استماع الخطبة، ويذهب الخشوع.

ومن دخل المسجد والإمام يخطب فيستحب له أن يصلي ركعتين خفيفتين،قبل أن يجلس فقد "جَاءَ رَجُلٌ والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَومَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: أصَلَّيْتَ يا فُلَانُ؟ قالَ: لَا، قالَ: قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ." أخرجه البخاري.

ومن أحكام صلاة الجمعة: أن من أدرك ركعة مع الإمام أتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ذلك، فإنه يتمها ظهرا، لقوله صلى الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة ) رواه ابن حبان وصححه الأرناؤوط.

ومن أحكام صلاة الجمعة: لا راتبة لها قبلها، وراتبة الجمعة بعدها لما في صحيح مسلم "إذا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الجُمُعَةِ فَصَلُّوا أرْبَعًا " .فإن صلى الراتبة في البيت فيصلي ركعتين فعن نافعٍ قال: "كان ابنُ عُمرَ يُطيل الصلاةَ قبل الجُمُعة، ويُصلِّي بعدَها ركعتينِ في بيتِه، ويُحدِّثُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَفعَلُ ذلك" صحيح أبي داود للألباني.

ومن أحكام صلاة الجمعة: أنه يحرم البيع والشراء، بعد دخول الخطيب ويجب السعي إليها على من تلزمه بعد النداء الثاني، لقوله تعالى "يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون " (الجمعة: 9)

ويحرم السفر بعد الزوال من يومها على من تلزمه حتى يصليها.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله تعالى، وأطيعوه، وحافظوا على الصلوات، وعلى الجمع والجماعات، تنالوا من الله الأجر والكرامات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.

هذا وصلوا وسلموا على نبينا محمد، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) الأحزاب: 56

اللهم صل وسلم على نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا إلى ما تحب وترضى، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، وارزقه البطانة الصالحة، يا حي يا قيوم، اللهم وفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بشريعتك، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم

" ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار " البقرة 201

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.النحل:90.

فاذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم"ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون"العنكبوت45

فضل يوم الجمعة

الحمد لله الذي فضل يوم الجمعة على سائر الأيام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.

أما بعدُ:

عباد الله: إن مما يؤسف له أن واقع بعض الناس أصبح معاكساً لواقع السلف الصالح وخاصة لنظرة الناس ليوم الجمعة ففي الماضي كانوا يعتبرون يوم الجمعة يوم بتقرب فيه إلى الله بالعمل الصالح ويتحرون ساعة الإجابة ومن أجل ذلك حرم إفراد يوم الجمعة بصيام لأنه ربما يعوق المهمة عن الدعاء والقربات

أما اليوم فأصبح بعض الناس ينظرون إلى يوم الجمعة على أنه يوم اللهو وضياع الوقت فهذا يستغل يوم الجمعة ويذهب للنزهة بعيداً عن الجمعة والجماعة وهذا ينظر ليوم الجمعة على أنه فرصة للنوم فلا يأتي للمسجد إلا حينما يسمع الخطبة ومن أجل ذلك أسرد إليكم خصائص يوم الجمعة

الأولى: اختصاصه بالعبادة وتشريفه بذلك

الثانية: استحباب كثرة الصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وفي ليلته لقوله ﷺ "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة" حسنه الألباني

الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه من تركها تهاوناً بها طبع الله على قلبه

قال ابن القيم: قرب أهل الجنة يوم القيامة بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم

الرابعة: الأمر بالاغتسال في يومها وهو أمر مؤكد جداً

الخامسة: التطيب فيه.

السادسة: السواك.

السابعة: التبكير للصلاة

الثامنة: إن يشتغل بالصلاة والذكر والقراءة حتى يخرج الإمام

التاسعة: الإنصات للخطبة؛ إذ سماعها واجب.

العاشرة: قراءة سورة الجمعة والمنافقين أو سبح والغاشية في صلاة الجمعة فقد كان الرسول ﷺ يقرأ بهن في الجمعة

الحادية عشرة: أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع

الثانية عشرة: أنه يستحب أن يلبس فيه أحسن الثياب التي يقدر عليها

الثالثة عشرة: أنه يستحب فيه تجمير المسجد فقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن يجمر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار

الرابعة عشرة: أنه لا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها

الخامسة عشرة: أن للماشي إلى الجمعة بكل خطوة أجَر سنة صيامها وقيامها ، ففي الحديث: "من اغتسل يومَ الجمعةِ وغسَّلَ، وبكَّرَ وابتكرَ، ودنا واستمعَ، وأنصتَ، كان له بكلِّ خَطوةٍ يخطوها أجرَ سنةٍ صيامُها وقيامُها." صحيح الترمذي للألباني.

السادسة عشرة: أن فيه ساعة الإجابة وهي الساعة التي لا يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه وقد ذكر ذلك الرسول ﷺ وهي الساعة الأخيرة من النهار .

السابعة عشرة: أن فيه صلاة الجمعة التي خصت من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها وقد جاء التشديد فيها ما لم يأت نظيره إلا في صلاة العصر يقول المصطفى ﷺ في ذلك "من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه" صححه الألباني

الثامنة عشرة: أن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده والشهادة له بالوحدانية ولرسوله بالرسالة

وتذكير العباد بأيامه وتحذيرهم من بأسه ووصيتهم بما يقربهم إليه وهذا هو مقصود الخطبة

التاسعة عشرة: أن مكانته في الأسبوع كالعيد في العام وكان العيد مشتملاً على صلاة وقربان وكان يوم الجمعة يوم صلاة جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلاً من القربان وقائماً مقامه قال ذلك ابن القيم

العشرون: قال ابن القيم: إن للصدقة فيه مزيةً على غيرها في سائر الأيام والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة لسائر الشهور

الحادية والعشرون: قال ابن القيم: إنه يوم يتجلى الله عز وجل فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة وزيارتهم له فيكون أقربهم منه أقربهم من الإمام وأسبقهم إلى الزيارة أسبقهم إلى الجمعة

الثانية والعشرون: أنه فسر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه بيوم الجمعة والذي قال بذلك محمد ﷺ.

الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها إلا شياطين الإنس والجن قال ذلك ابن القيم

الرابعة والعشرون: "أضَلَّ اللَّهُ عَنِ الجُمُعَةِ مَن كانَ قَبْلَنا، فَكانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وكانَ لِلنَّصارَى يَوْمُ الأحَدِ، فَجاءَ اللَّهُ بنا فَهَدانا اللَّهُ لِيَومِ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الجُمُعَةَ، والسَّبْتَ، والأحَدَ، وكَذلكَ هُمْ تَبَعٌ لنا يَومَ القِيامَةِ، نَحْنُ الآخِرُونَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، والأوَّلُونَ يَومَ القِيامَةِ، المَقْضِيُّ لهمْ قَبْلَ الخَلائِقِ" راوه مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ

الخامسة والعشرون: أنه خيرة الله من أيام الأسبوع كما أن شهر رمضان خيرته من شهور العام وليلة القدر خيرته من الليالي ومكة خيرته من الأرض ومحمد ﷺ خيرته من خلقه

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عيله وعلى أصحابه وأتباعه ومن سار على نهجه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد

عباد الله:"اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" آل عمران(102)

كما سمعتم آنفاً عن فضل يوم الجمعة، فاحرصوا على تفعيل ما سمعتم، تنالوا الثواب من الله والرفعة في الدنيا والأخرة

"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" البقرة(201) حفظ الله لنا بلادنا وولاة أمرنا من كيد الرافضة وغيرهم ونصر جنودنا على ثغورنا وغفر لنا ولجميع المسلمين

وصل اللهم على نبينا محمد

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله

فضل يوم الجمعة (2)

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.

أما بعد

عباد الله: إن الله جلت قدرته وتعالت أسماؤه شرع لنا شرائع مثلى، شرع لنا أُمَّةَ محمد اجتماعاً لأداء صلاة الجمعة يوم الجمعة في بيت من بيوت الله، شرعه مشروعية إيجاب وإلزام على كل مكلف، ما عدا المرأة والمريض والرقيق والمسافر وسكان البادية وما أعظمه وأجله من تشريع، وما أروعه وأمثله من اجتماع في بيت تتجلى فيه العبودية لله وحده ويتجدد به تعارف المسلمين ويقوى به إخاؤهم وترابطهم وولاءهم بلقائهم في بيت من بيوته على بساط طاعته، لقاء يذكرهم بالله وبآياته وبأيامه، يذكرهم بوحدتهم في العقيدة، ووحدتهم في القيادة والإمامة ويظهر شعارها جلياً واضحاً إنه لتشريع حكيم بل وفضل عظيم أن هدانا الله لهذا الاجتماع وجعله في أفضل أيام الأسبوع الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم "أضلَّ اللهُ عنِ الجُمُعة مَن كان قَبْلَنا، فكانَ لليهودِ يومُ السَّبت، وكان للنَّصارى يومُ الأحد، فجاءَ اللهُ بنا فهَدَانا ليومِ الجُمُعة،"صحيح مسلم.وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خيرُ يومٍ طَلعَتْ فيه الشَّمسُ يومُ الجُمُعة؛ فيه خَلَقَ اللهُ آدَمَ، وفيه أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وفيه أُخرِجَ منها، ولا تقومُ السَّاعةُ إلَّا في يومِ الجُمُعة "صحيح مسلم .

عباد الله: إن فضل هذا اليوم لعظيم وإن فضل أداء صلاة الجمعة فيه لواسع وكبير، فيه تكفر السيئات وتمحى الخطايا يقول صلى الله عليه وسلم: " الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ."رواه مسلم. وإن الله سبحانه وتعالى قد سن فيه سننا وشرع فيه آداباً تصقل النفوس وتزكيها وتطهرها من الأدران والأوساخ الحسية وتهيئتها للنظافة المعنوية وهي نظافة القلب من الشكوك والأحقاد والجوارح من يد ورجل ولسان وسمع وبصر من أعمال السوء يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ، ويَتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ مِن طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِن دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِن طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فلا يُفَرِّقُ بيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ له، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إلَّا غُفِرَ له ما بيْنَهُ وبيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى." صحيح البخاري.

عباد الله: إن الشريعة كما جاءت مبينة فضل يوم الجمعة وفضل صلاة الجمعة فقد نهت أشد النهي عن التكاسل عنها والتهاون بما شرع فيها من آداب فقد روى مسلم عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لَيَنْتَهينَّ أقْوامٌ عن ودْعِهِمُ الجُمُعاتِ، أوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ علَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكونُنَّ مِنَ الغافِلِينَ.".

عباد الله: هذه أوامر الله بأداء الجمعة ونواهيه عن تركها هذا ترغيبه ووعيده للعاملين وترهيبه ووعيده للمتكاسلين ومن هنا يعلم أن يوم الجمعة ليس منطلقاً للنفوس في الشهوات والملذات ولكنه منطلق لها في الطاعات والروحانيات وليس لنزهة الدنيا ولكنه نزهة الآخرة وشتان شتان بين ما ينصرف به فيها وافد الرحمن من مغفرة ورفع عمل وقبول دعاء وبين ما يتبوأه من وفد فيها على الشيطان من خزي وعار ونار فاتقوا الله عباد الله واحمدوا الله واشكروه أن وفقكم لهذا اليوم العظيم والفضل العميم اشكروا الله باحترام هذا اليوم والتقرب إلى الله فيه بطاعته والإستجابة له لقوله سبحانه "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "الجمعة:9-10.

هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله الملك المنان وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله

أما بعد

عباد الله: لقد سمعنا الكثير من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تبين فضل يوم الجمعة وفضل العمل في هذا اليوم فبادروا بالعمل الصالح وعليكم بالتبكير واحذروا من التأخر عن الصلاة فلو كنتم على موعد من مواعيد الدنيا ما تأخرتم في ذلك.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين اللهم فقهنا في ديننا وعلمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا .اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى وانصر جنودنا في الحد الجنوبي.

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

الحمدُ للهِ الملِكِ العظيمِ القائلِ: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}، (طه 132) والصلاةُ والسلامُ على عبدِه ورسولِه محمدٍ القائلِ :(وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَلَاةِ)، أخرجه النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، وصححه الألباني ، وعلى آلِه وأزواجِه وأصحابِه الذين قال ربُّهم في وصْفِهِم: { تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ}.(الفتح 29)

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون :

فإنَّ الصلاةَ قُرَّةُ عُيونِ المؤمنين، وسُرورُ أرواحِ المُوحِّدِين، ولَذَةُ قلوبِ العابدين، وراحةُ نفوسِ الخاشعين، و مَحَكُّ أحوالِ الصادقين، ومِيزانُ أحوالِ السالكين، لِمَا فيها مِن مُناجاةِ الرَّبِ الكريمِ الذي لا تَقَرُّ العيونُ، ولا تَطمئِنُ القلوبُ، ولا تَنشرِحُ الصُّدورُ، ولا تَسكُنُ النفوسُ إلا إليه، وإلى التَّنعُّمِ بذِكرِه، والتَّذلُّلِ والخُضوعِ له، والاحتماءِ بجنابِه مِن الشُّرور، فعن سالم بن أبي الجعد قال : كان النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقولُ لِمؤذِّنِه: (يا بلالُ أقمِ الصلاةَ، أرِحْنا بها ).أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني.

وعن عبد الله بنِ شَقيقٍ ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ )،أخرجه الترمذي وصححه الألباني .

الصلاةُ بفِعلِها تُعصَمُ نفسُ العبدِ مِن القتل، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما النبي صلى الله عليه وسلم قال:(أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) أخرجه البخاري

الصلاةُ بها يُكَفُّ القتالُ، وتُعرَفُ البلادُ بأنَّها ديارُ إسلامٍ ومسلمين، لا كُفرٍ وكافرين ، فعن أنس ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبِحُ).أخرجه البخاري.

الصلاةُ تُحرِّمُ على الرَّعية أنْ تَخرجَ على حاكِمها، وأنْ تُقاتِلَه ، فعن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:( إنَّه يُسْتَعْمَلُ علَيْكُم أُمَراءُ، فَتَعْرِفُونَ وتُنْكِرُونَ، فمَن كَرِهَ فقَدْ بَرِئَ، ومَن أنْكَرَ فقَدْ سَلِمَ، ولَكِنْ مَن رَضِيَ وتابَعَ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، ألا نُقاتِلُهُمْ؟ قالَ: لا، ما صَلَّوْا.). أخرجه مسلم

الصلاةُ هي أوَّلُ أعمالِكم مُحاسَبةً يومَ القيامةِ، وبها تُفلحون في الآخِرةِ أو تَخسَرون ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ).صححه الألباني في صحيح الترغيب .

الصلاةُ مِن عِظَمِ شأنِها عندَ الله تعالى أنْ جعلَهَا رُكنَ الإسلامِ الأعظمِ بعدَ الشهادتين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ )،أخرجه البخاري ، ومِن عِظَمِ شأنِها عند الله تعالى أيضًا: أنْ فرضَها في السماء، وجعلَهَا خمسًا في العَدد، وخمسينَ في الثواب، رحمةً مِنه بعبادِه وفضلًا، لِحديثِ مُراجعةِ موسى ــ عليه السلام ــ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لِعدد فرضيتها في السماء، وفيه أنَّ الله قال: (هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ).أخرجه مسلم عن أنس بن مالك.

وتاركُ الصلاةِ موعودٌ بِنار الآخِرةِ :{ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ }.(المدثر 26-30) { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } .(المدثر 38)

وتاركُ صلاةٍ واحدةٍ قد بَرِئت مِنه ذِمَّةُ الله، فعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (لَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ )، صحَّحه الألباني في صحيح الترغيب ، بل إنَّ تَرْكَ صلاةِ واحدةٍ مِنها ــ وهي صلاةُ العصرِ ــ عليه عقوبةٌ شديدةٌ، وخسارةٌ كُبرى ، فعن بريدة بن الحصيب الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) أخرجه الخاري .

فاتقوا الله وكونوا مِمَّن قال فيهم: { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ } (الأحقاف 34-35) وقال تعالى :{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ }،( المؤمنون 1-2) اللهم اجعلنا مِمَّن حَسُنَ عملُه، وطابت خاتمتُه، وصَلُحَت صلاتُه.

هذا ، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ الذي لا إله إلا هوَ خالقُ البَريَّة، وأشهدُ لِنبيِّه محمدٍ بالرِّسالة ، والعبودية ولِلآلِ والصَّحبِ له بالأفضلية.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فاتقوا اللهَ فيما فرَضَ عليكم مِن صلاةٍ بالليل والنهار، فلا تتركوها، أو تدَعوا فريضةً مِنها، أو تُؤخِّروها عن وقتها، أو تتخلَّفوا عن أدائها في جماعة، أو تتكاسلوا إذا قُمتُم إليها، فذاكَ بابُ النفاقِ، وسبيلُ المنافقين، قال جلَّ وعلا : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ( النساء 142) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (إنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ علَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ، وَصَلَاةُ الفَجْرِ، ولو يَعْلَمُونَ ما فِيهِما لأَتَوْهُما ولو حَبْوًا، وَلقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فيُصَلِّيَ بالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي برِجَالٍ معهُمْ حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهُمْ بالنَّارِ. ) أخرجه مسلم .

وقال ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ في شأن صلاةِ الجماعةِ: (وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ) أخرجه مسلم ،

أيُّها المسلمون:

لقد اتخذتْ الدَّولةُ ــ سدَّدها اللهُ ــ عِدَّةَ إجراءاتٍ تتعلقُ بِعدوَى وباءِ كورونا، حِمايةً لِلناس، وحدَّاً من انتشار الوباء، ولِئلَّا يَضعُفَ اقتصادُ البلادِ بزيادةِ المُصابينَ وعلاجِهم ، ومِن هذهِ الإجراءاتِ :

لبسُ الكِمَامَةِ في أماكن الاختلاطِ والتجمُعات، والمُباعَدةُ بين الناسِ بِتَرْكِ مسافةٍ ، وغَسلُ اليدينِ باستمرار، واستعمالُ المعقمات والمُطهِّرات على سبيلِ الاحتياط ، وصلاة ُ كلِّ مُصلٍّ على سُجَّادة تَخُصُّه ، ورَميُ الكِمَامةِ والقُفازينِ في الأماكنِ المُخصَّصة ، وكلُّ هذهِ الإجراءاتِ مِن اتِّخاذِ الأسبابِ الذي قرَّرتهُ الشريعةُ، وتضافرت نُصوصُها في تثبيتِه، وتَنوُّعِ صورِه، فاستمِرُّوا على ذلكَ حتى يَنكشفَ هذا البلاء ولِئلَّا يعودَ الوباء بموجَةٍ كالسابقةِ أو أشدّ.

هذا وأسألُ اللهَ أنْ يَجعلَنا مِن الصابرينَ على أقدارِه وبلائِه، وأنْ يَدفعَ عنَّا كلَّ شَرٍّ ومكروه، وأنْ يُسدِّدَ الولاةَ ونُوَّابَهم وعُمَّالَهم وجُندَهم إلى حفظِ البلادِ والعِباد مِن الأوبئةِ والأعداءِ والمُفسِدين، وأنْ يَغفرَ لَنا، ولأهلينا، وجميعِ المؤمنين، إنَّه سميعُ الدعاء.

وصلِّ اللهُمَّ على نبينا محمدٍ

فوائد الوضوء والمسح على الخفين.

الحمد لله الذي شرع العبادةَ، ويسرها، وضاعف عليها الأجور، وكمَّلَها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصين له الدين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.

أما بعد

عباد الله: اتقوا الله، واحمدوه على ما أنعم به عليكم من هذا الدين القويم والصراط المستقيم، واعرفوا نعمته عليكم بتيسيره، وتسهيله، فإنه تعالى لم يجعل عليكم فيه حرجا، ولا مشقة، ولا تضييقا، ولا عسرة، وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ولقد أنعم الله علينا مع التيسير والتسهيل كثرة الأجور، والثواب الجزيل، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، " والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم " البقرة 261

عباد الله: إذا نظر الإنسان إلى هذه الشريعة وجدها، ولله الحمد، سهلة ميسرة في جميع أحكامها، فأصل العبادات ميسرة، ثم إذا طرأ على العبد حال توجب التخفيف خفف الله عنه بحسب حاله، فالطهارة للصلاة فرضها الله تعالى على وجه سهل يسير يطهر الإنسان في الوضوء أربعة أعضاء فقط هي الوجه واليدان إلى المرفقين غسلا، والرأس مع الأذنين مسحا لا غسلا ؛ لأن غسله يشق خصوصا في أيام البرد ومع كثرة الشعر عليه، فإنه لو غسله لكان رطبا دائما، وتسرب من الماء إلى الثياب، فآذى الإنسان، ولكن الله خفف عن عباده، وفرض مسحه دون غسله، والعضو الرابع الرجلان إلى الكعبين غسلا هذه هي الأعضاء المفروض تطهيرها في الوضوء، وما أيسر تطهيرها، وما أعظم فائدته، فإن هذه الأعضاء هي أعضاء العمل غالبا، ففي الوجه النظر والشم والكلام، وفي الرأس مع الأذنين السمع، والتفكير، وفي اليدين البطش، وفي الرجلين المشي، فأكثر عمل الإنسان بهذه الأعضاء، فتطهيرها تكفير للأعمال التي عملها بها كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إذَا تَوضَّأَ الْعبْدُ الْمُسْلِم، أَو الْمُؤْمِنُ فغَسلَ وجْههُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خطِيئةٍ نظر إِلَيْهَا بعينيهِ مَعَ الْماءِ، أوْ مَعَ آخِر قَطْرِ الْماءِ، فَإِذَا غَسَل يديهِ خَرج مِنْ يديْهِ كُلُّ خَطِيْئَةٍ كانَ بطشتْهَا يداهُ مَعَ الْمَاءِ أَو مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْماءِ، فَإِذَا غسلَ رِجليْهِ خَرجَتْ كُلُّ خَطِيْئَةٍ مشَتْها رِجْلاُه مَعَ الْماءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يخْرُج نقِياً مِنَ الذُّنُوبِ"رواه مسلم. وعن أَبي هريرةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ أَلا أَدُلُّكُمْ عَلى مَا يمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا بَلى يَا رسولَ اللَّهِ. قَالَ إِسْباغُ الْوُضُوءِ عَلى المَكَارِهِ ، وَكَثْرَةُ الخطى إِلى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بعْد الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّباطُ، فَذلكُمُ الرِّباطُ . رواه مسلم .

عباد الله: إن من تيسير الله عليكم في هذا الدين أن أجاز لكم المسح على الخفين بدلا من غسل الرجلين يعني إذا كان على رجلي الإنسان خفين وجوربين ، وكان قد لبسهما ، وهو طاهر، فإن الله تعالى برحمته أجاز له المسح عليهما بدلا من غسل الرجلين إن كان مقيما، فيوما وليلة، وإن كان مسافرا، فثلاثة أيام بلياليها، تبتديء المدة المذكورة من أول مَسْحَةٍ مسحها، فإذا لبسهما الإنسانُ لصلاة الفجر، ولم يمسح عليهما أول مرة، إلا لصلاة الظهر، فابتداء المدة من الوقت الذي مسح فيه لصلاة الظهر، فيمسح المقيم إلى مثل ذلك الوقت من الغد، ومن تمت مدته فنسي ومسح بعد تمام المدة فعليه أن يعيد الصلاة التي صلاها بالمسح الذي بعد تمام المدة ومن لبس الخفين والجوربين فهو مخير في أول الأمر إن شاء مسح على الخفين وإن شاء مسح على الجوربين فإذا مسح أحدهما أول مرة تعلق الحكم به فإذا قدر أنه مسح على الخفين فليستمر على مسحهما ولا يخلعهما حتى تتم المدة فإن خلعهما قبل تمام المدة لنوم أو لغيره فإنه لا يعيدهما إذا توضأ حتى يغسل رجليه لأن الممسوح إذا خلع لا يعود المسح عليه ، إلا بعد غسل الرجلين ، أما إذا مسح الإنسان على الجوربين من أول مرة، فإنه لا يضر خلع الخفين ، فله أن يستمر على مسح الجوربين حتى تنتهي المدة ، وكيفية المسح أن يبل يديه بالماء، ثم يمرهما على ظهر الجوربين من أطرافهما مما يلي الأصابع إلى الساق مرة واحدة

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيبا مباركًا فيه كما يحب ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه.

أما بعد

عبادَ الله: إن من رحمة الله بالعبد أنَّ من احتاج إلى ربط شيءٍ على كَسْرٍ، أو جُرْحٍ ، فإنه يمسح عليها بدلا عن غسلها في الوضوء والغسل حتى تبرأ، ويقوم مسحها مقام غسلها تيسيرا من الله وتسهيلا على عباده ولا يحتاج إلى التيمم بعد ذلك لأن بعض الناس يمسح ويتيمم مع أن المسح يكفي ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم التطهر بالصعيد إذا لم يجدوا الماء أو تضرروا باستعماله

فمن لم يجد الماء لسفر أو غيره أو تضرر باستعماله لمرض أو غيره، فإنه يتيمم بأن يضرب الأرض بيديه ضربة واحدة، فيمسح وجهه وكفيه بعضهما ببعض، وبذلك يرتفع حدثه، ويكون طاهرا طهارة كاملة يصلي بها ما شاء، ولا تنتقض، إلا بما تنتقض به طهارة الماء، فإذا وجد الماء أو أمن من الضرر توضأ، إن كان تيممه عن حدث أصغر، أو اغتسل إن كان تيممه عن حدث أكبر.

جعلني الله وإياكم من المتبعين لشرعته المقتدين بهدي نبيه الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه : "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشْرًا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارضِ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعلِ بفضلك كلمة الحق والدين وانصر المظلومين والمستضعفين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم، واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم ، اللهم من أرادنا أو أراد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ول على المسلمين خيارهم اللهم فك أسر المأسورين واغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا ، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى واحفظ جنودنا على حدودنا ، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك.

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

عباد الله: استعينوا بالله وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله " إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عن الفحشاءِ والمُنْكَرِ " العنكبوت 45

فضل شهر شعبان.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.المائدة:35.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.الانفال:29.

عباد الله: كان رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم- يخصُّ شعبان بنوع من العبادة، لا يخصُّ به كثيراً من أشهر العام، فقد كان يُكثر فيه من الصيام إلى حدٍّ قالت معه أمُّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم شهراً أكثرَ من شعبان، كان يصومُ شعبان كلَّه. متفق عليه

وفي رواية أخرى -وسندها صحيح إلى عائشة قالت: كان أحبَّ الشهور إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان.رواه النسائي وصححه الألباني.

وقد فسَّر العلماءُ -رحمهم الله- قول عائشة -رضي الله عنها- بأن المعتمد عند الأئمة كابن المبارك وغيره أن قولها: يصوم شعبان كلَّه، أي: أغلبه، وجاء اللفظ من باب التكثير، بمعنى أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصومُ أكثر أيام شعبان

إخوة الإسلام: لعلَّ من أقوى الحكم المُعللة لكثرة صيامه -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشهر، ما رواه أسامةُ بن زيد -رضي الله عنه- حين قال: يا رسول الله! لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: "ذاك شهرٌ يغفلُ الناسُ عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم" أخرجه النسائي وحسنه الألباني .

وفي هذا الحديث يعلل كثرة صيامه -صلى الله عليه وسلم- في شعبان بأمرين:

أولاً: غفلة الناس في هذا الشهر عن العبادة والطاعة بين رجب ورمضان

ثانياً: أن الأعمال ترفع في شهر شعبان لرب العالمين، فيحب -صلى الله عليه وسلم- أن ترفع وهو صائم.

فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.الكهف:110.

اللهم بارك لنا في شعبان، وبلّغنا رمضان، وأرنا الحقّ حقاً وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، يا سميع الدعاء

اللهم انفعنا بهدي القرآن والسنة، واكفنا شرَّ المحدثات المبتدعة في الدين، وسلِّمْنا من الفتن.

وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، أكمل الدين وأتمَّ النعمة على المسلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، أمرنا بالعبادة الخالصة له: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ

وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين

عباد الله: تذكروا دائماً فيما تعملون أو تذرون قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه-، قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: " إنه مَن يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنةِ الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثاتِ الأمور! فإن كلَّ بدعة ضلالة " أخرجه أبو داود وصححه الألباني.

قال ابن تيمية رحمه الله: وهذه قاعدة قد دلت عليها السنةُ والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليه أيضاً، قال تعالى " أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ " الشورى:21.

ثم قال يرحمه الله: فمن ندب إلى شيء يتقربُ به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكاً لله، شرع من الدين ما لم يأذن به الله

قال -عليه الصلاة والسلام-: " لا يتقدَّمنَّ أحدُكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجلاً كان يصوم صوماً فليصمْهُ " أخرجه البخاري ومسلم

وبقي أن نذكر بضرورة التعجيل بالقضاء لمن عليه شيء من رمضان السابق، وذلك قبل حلول شهر رمضان القادم، فلا تتهاونوا -عباد الله- فيما أوجب الله عليكم، ودَيْن الله أحقُّ بالقضاء

هذا وصلوا على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم كما أمركم الله بذلك في قوله " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً "الأحزاب:56. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

اللهم أعزنا بالإسلام فإنه لا عز لنا إلا به اللهم دمر أعدائك أعداء الدين اللهم فك أسر المأسورين واغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين .اللهم وفق وليَّ أمرنا ووليَّ عهده لما تحبُّ وترضى ، وهيّئ لهما البطانة الصالحة الناصحة، واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.البقرة:201.

وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

فضل الصدقة.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

أما بعد: عباد الله ؛ قال الله تعالى آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} (إبراهيم31): ويقول صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» [أخرجه البخاري ومسلم].

والمتأمل للنصوص التي جاءت آمرةً بالصدقة مرغبةً فيها يدرك ما للصدقة من الفضل الذي قد لا يصل إلى مثله غيرُها من الأعمال، حتى قال عمر رضي الله عنه: " ذُكر لي أن الأعمال تباهي، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم" [صحيح الترغيب].

ومن فضائل وفوائد الصدقة: أنّها تطفىء غضب الله سبحانه وتعالى كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن صدقة السر تطفىء غضب الرب تبارك وتعالى» [صحيح الترغيب]. وأنّها تمحو الخطيئة، وتذهب نارها كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «والصَّدقةُ تُطْفِئُ الخطيئةَ كما يُطْفِئُ الماءُ النَّارَ » [صحيح الترغيب].وكذلك أيضا فإنّ المتصدق يكون في ظل صدقته يوم القيامة كما في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلُّ امرئٍ في ظِلِّ صَدَقَتِه حتى يُقْضَى بين الناسِ . قال يزيد . فكَانَ أبُو مرثدٍ لا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إلَّا تَصَدَّقَ فيهِ بِشيءٍ ، و لَوْ كَعْكَةً أوْ بَصَلَةً ». (صحيح الترغيب)، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: « رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» [في الصحيحين]. كذلك في الصدقة دواء للأمراض القلبية كما في قوله صلى الله عليه وسلم لمن شكى إليه قسوة قلبه: «إن أردتَّ أن يلين قلبُكَ، فأطعم المسكين، وامسح برأس اليتيم» [حسنه الألباني في صحيح الجامع].

أيها المؤمنون: إنّ العبد لا يصل إلى حقيقة البر إلا بالصدقة كما جاء في قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران: 92 ) ،ومن فوائد الصدقة أنّ المنفق يدعو له المَلَكُ كلَّ يوم بخلاف الممسك وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا» [في الصحيحين]. كما أنّ صاحب الصدقة يبارك له في ماله كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: «ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ» [ أخرجه مسلم]. ومن عظيم فضل الصدقة أنّه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلاّ ما تصدق به كما في قوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ} [ البقرة: 272]. ولمَّا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها: قالت:ما بقيَ منْها إلَّا كتفُها . قالَ : بقيَ كلُّها غيرَ كتفِها » [صحيح الترمذي للألباني ]. كماأن الله يضاعف للمتصدق أجره كما في قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 18]. وقوله سبحانه: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [ البقرة: 245]. كما أنّ صاحبها يدعى من باب خاص من أبواب الجنة يقال له باب الصدقة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي في الجنة يا عبد الله، هذا خير: فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان. قال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها: قال: «نعم وأرجو أن تكون منهم» [في الصحيحين].كما أن الصدقة متى ما اجتمعت مع الصيام واتباع الجنازة وعيادة المريض في يوم واحد إلاّ أوجب ذلك لصاحبه الجنة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « مَن أصْبَحَ مِنْكُمُ اليومَ صائِمًا؟ قالَ أبو بَكْرٍ: أنا، قالَ: فمَن تَبِعَ مِنْكُمُ اليومَ جِنازَةً؟ قالَ أبو بَكْرٍ: أنا، قالَ: فمَن أطْعَمَ مِنكُمُ اليومَ مِسْكِينًا قالَ أبو بَكْرٍ: أنا، قالَ: فمَن عادَ مِنْكُمُ اليومَ مَرِيضًا قالَ أبو بَكْرٍ: أنا، فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: ما اجْتَمَعْنَ في امْرِئٍ إلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ. » [رواه مسلم].

هذا وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله بفضله تتم الصالحات ، وبإحسانه تقبل القربات وبفضله تنال الجنات، وأصلي وأسلم على من بعثه ربه هاديا ومبشرا ونذيرا ، أما بعد:

عباد الله : إن الصدقة مطهرة للمال، فقد كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يوصي التَّجار بقوله: «يا معشرَ التُّجَّارِ إنَّ البيعَ يحضرُهُ الحلِفُ واللَّغوُ فشوبوهُ بالصَّدقةِ » [ صحيح الجامع للألباني].

ومن أفضل الصدقات الإنفاق على الأولاد كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أنْفَقَ الرَّجُلُ علَى أهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهو له صَدَقَةٌ. » (أخرجه البخاري).

وأخيرا أهيب بكم الصدقة على المحتاجين والمعسرين ممن صدرت بحقهم أحكام قضائية ، ومنصة (إحسان) لها دور عظيم في إيصال التبرعات إلى محتاجيها بأمان وشفافية، ولا ننسى أيضا دور خدمة (تيسرت) في المنصة في التيسير على المعسرين في قضاء الدين عن المدينين بكل يسر وسهولة.

هذا، وصلوا على محمد المجتبى ، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ، اللهم إنَّا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار، اللهم أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم أعطنا ولا تحرمنا وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. اللهم آمنا في أوطاننا واحفظ اللهم ولاة أمورنا ووفق بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا ووليَّ عهده. اللهم اكف المسلمين كيد الكفار ومكر الفجار وشر الأشرار وشر طوارق الليل والنهار يا عزيز يا غفار .﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ "(العنكبوت 45)

الزكاة (1)

الحمد لله الذي فرض الزكاة تزكيةً للنفوسِ وتنميةً للأموال، ورتَّبَ على الإنفاق في سبيله خلفاً عاجلاً وثوابًا جزيلًا في المآل، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، الملكُ الكبيرُ المتعالُ ، وأشهد أن محمدا عبدُه ورسولُه الذي حاز أكملَ صفاتِ المخلوقينَ، وأجلَّ الخصالِ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليمًا.

أما بعدُ:

عبادَ الله: اتقوا الله تعالى وأدُّوا زكاةَ أموالكم، فإن الزكاةَ قرينةُ الصلاة في كتاب الله، مَنْ جحدَ وجوبَها كفرَ، ومن منعها بخلا وتهاونا فسقَ، ومن أدَّاها معتقدا وجوبًَها راجيا ثوابَها فليبشرْ بالخير الكثير، والخلفِ العاجلِ والبركةِ، قال الله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ"سبأ:39. وقال "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }البقرة:261.

عباد الله : أدوا الزكاة قبل أن تفقدوا المال مرتحلين عنه أو مرتحلا عنكم فإنما أنتم في الدنيا غرباء مسافرون والمال وديعة بين أيديكم لا تدرون متى تعدمونه ، أدوا زكاة أموالكم قبل أن يأتي اليوم الذي يُحمى عليه في نار جهنم فتكوى به الجباه والجنوب والظهور قبل أن يمثل لصاحبه شجاعا أقرع فيأخذ بشدقيه ويقول : أنا مالك أنا كنزك

عباد الله: لقد جاءت النصوص عامة مطلقة في وجوب الزكاة في الذهب والفضة في الذهب إذا بلغ عشرين دينارا أي خمسة وثمانون جراماً وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم (595) جرام وفي العملة الورقية (595) جرام من الفضة لأنه يؤخذ بأقل النقدين لصالح الفقير وهذا هو نصاب الذهب والفضة والعملة الورقية فما كان أقل منه فلا زكاة فيه وما كان منه فأكثر ففيه ربع العشر وهذه الأوراق النقدية التي تتعاملون بها بدلا عن الذهب والفضة لها حكم الفضة.

وبما أن سعر الذهب يرتفع وينخفض فنسأل أصحاب محلات الذهب عن سعر غرام الذهب فإذا قالوا مثلا سعر غرام الذهب لهذا اليوم (200) ريال فنضرب 85 200X فيكون الناتج يساوي (17000) فمن كان عنده ذهب بهذه القيمة فيزكيه فما كان أقل فلا، وسعرُ الغد الله أعلمُ به.

أما الفضة فسعر الغرام من الفضة فهو شبه ثابت نضرب 595 4X وهو سعر غرام الفضة اليوم فيكون الناتج يساوي 2380 فمن كان عنده فضة أو عملة ورقية بهذه القيمة ففيها الزكاة ومن كان أقل فلا

عباد الله: لقد اختلف العلماء رحمهم الله في الحلي حلي المرأة من الذهب والفضة إذا كانت تلبسه أو تعيره هل تجب فيه الزكاة أو لا وقد قال الله تعالى "فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا"النساء:59. وإذا رددنا ذلك النزاع إلى الكتاب والسنة وجدنا الصواب مع العلماء الذين قالوا بوجوب الزكاة فيه

أولا : لعموم الأدلة الموجبة للزكاة في الذهب والفضة من غير استثناء

ثانيا: للأدلة الخاصة الصريحة في وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أنَّ امرأةً أتت رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ومعها ابنةٌ لها وفي يدِ ابنتِها مَسكتانِ غليظتانِ مِن ذهبٍ فقالَ لها أتُعطينَ زَكاةَ هذا قالت لا قالَ أيسرُّكِ أن يسوِّرَكِ اللَّهُ بهما يومَ القيامةِ سوارينِ من نارٍ قالَ فخلعَتْهما فألقتْهما إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وقالت هما للَّهِ عزَّ وجلَّ ولرسولِه" صحيح أبي داود للألباني.

ثالثا: عدم المعارض الصحيح لهذه الأدلة وإذا ثبت الدليل وانتفى المعارض وجب القول بما قام الدليل عليه

أيها المسلمون: إن القول بوجوب الزكاة في حلي النساء من الذهب والفضة ليس ببدع من الأقوال فقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وجماعة من الصحابة والتابعين وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله واختاره من المتأخرين شيخنا السلفي أبو عبد الله عبد العزيز بن باز رحمه الله وعلى كل حال فإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل إذا جاءت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا قول لأحد بعدها

فأدوا زكاة الحلي إذا بلغ نصابا فعند تمام الحول ادفعوا ربع العشر

عباد الله: إن مما تجب به الزكاة عروض التجارة وهي ما أعده الإنسان للبيع والاتجار به من حيوان وعقار وأثاث ومتاع وأوان وغير ذلك كل شيء عندك للتجارة فهو عروض تجارة إذا حال الحول فقومه كم يساوي ثم أخرج ربع عشر قيمته ولمعرفة ربع العشر قسِّم المبلغ على (40) ومن عروض التجارة أيضا ما يكون عند مربي الإبل والبقر والغنم التي يربونها للبيع فأما العقارات التي أعدها الإنسان له ولا يريد بيعها وإنما يريد أن يسكنها فهذه ليس فيها زكاة ولا زكاة فيما أعده الإنسان لبيته من الأواني والفرش ونحوها ولا فيما أعده الفلاح لحاجة الفلاحة من المكائن وآلات الحرث ونحوها وخلاصة ذلك أن كل شيء تعده لحاجتك سوى الذهب والفضة فلا زكاة فيه وما أعددته للاتجار والتكسب ففيه الزكاة

هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على المصطفى الأمين

أما بعد

عباد الله: إن الديون التي عند الناس لا يجب عليك إخراج زكاتها حتى تقبضها فإذا قبضتها وكان الدين على مليء وجب أن تخرج عنه زكاة كل السنوات الماضية وإن كان على فقير أو مماطل لم يجب أن تخرج إلا عن سنة واحدة فقط وإن أخرجت زكاة الدين قبل قبضه فلا بأس

عباد الله: اعلموا أنه لا تنفع الزكاة ولا تبرأ بها الذمة حتى يخرجها على الوجه المشروع بأن يصرفها في مصارفها الشرعية في الأصناف الثمانية التي ذكر الله تعالى "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"التوبة:60. فالفقراء والمساكين هم الذين لا يجدون كفايتهم وكفاية عائلتهم فمن كان له كفاية من صنعة أو حرفة أو تجارة أو راتب أو عطاء من بيت المال أو نفقة ممن تجب عليه نفقته أو غير ذلك فإنه لا يجوز إعطاؤه من الزكاة إلا أن يكون عليه طلب لا يستطيع وفاءه فلا بأس أن تعطيه لوفاء دينه وكما يجوز لك أن تعطي المطلوب لقضاء الطلب فيجوز لك أن تذهب أنت بنفسك إلى من له الطلب وتقول هذا عن فلان فأسقطه من دينه ولو لم تخبر المطلوب بذلك ولا يجوز أن تأخذ الزكاة من المزكي وأنت في غير حاجتها حتى ولو أعطيتها للفقير فهذا حرام ما لم يعطك إياها لإيصالها للمحتاج .

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين اللهم فقهنا في ديننا وعلمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا اللهم اعصمنا من الذنوب والمعاصي واملأ قلوبنا بالطاعة وأصلح شباب المسلمين ونسائهم وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم اجعلنا من المؤدين لزكاة أموالنا على الوجه الشرعي من غير تأخير ولا مداهنة لقريب ولا إبعاد لمستحق ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

الزكاة (2)

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}آل عمران 102،{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}النساء1، {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}الاحزاب 71,70

أما بعد. عباد الله

الزكاة فريضة ظاهرة، وشعيرة على المسلمين لازمة، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى، يقول الله سبحانه وتعالى: { إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة 77، وقال: { فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}التوبة 11.و قال أبو بكر الصديق : (لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة).

لذا كانت شعيرة الزكاة شعار المسلم وعلامة إيمانه، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْها حَقَّها، إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، صُفِّحَتْ له صَفائِحُ مِن نارٍ، فَأُحْمِيَ عليها في نارِ جَهَنَّمَ، فيُكْوَى بها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ وظَهْرُهُ، كُلَّما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ له، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حتَّى يُقْضَى بيْنَ العِبادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إمَّا إلى الجَنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ"

عباد الله ؛الزكاة فريضة واجبة على المسلم فيما رزقه الله تعالى وأنعم به عليه، يثيب باذلها ثوابا عظيما في الدنيا والآخرة قال تعالى: {وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدون وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ}الروم 39، أي قد أضعف لهم الخير والنعيم فهم أصحاب أضعاف. والزكاة مطهرة للمال وسبب للمباركة فيه.

عباد الله! إن طريقة إخراج الزكاة وحسابها يكون بتحديد شهر في كل سنة وليكن رمضان مثلا يخرج فيه زكاة ماله وهو ربع العشر ويقسم المبلغ على أربعين فيخرج مقدار الزكاة بشرط أن يكون قد بلغ النصاب ومعرفة النصاب نضرب 4 × 595 = 2380 فما كان أقل من هذا المبلغ فليس فيه زكاة لأن الغالب أن غرام الفضة في حدود أربعة ريالات، وكذا زكاة الذهب نضرب 85× قيمة غرام الذهب ، سواء كان الذهب جديدا أو مستعملا.

و إذا كان لديه عروض تجارية تجب فيها الزكاة فإنه يُقَوم هذه العروض بسعرها في هذا اليوم؛ وذلك مثل البضائع المعدة للتجارة.

عباد الله ليحرص المسلم غاية الحرص على عدم التأخير في إخراجها

وقد فصل الله عز وجل مصارف الزكاة في كتابه العزيز فقال سبحانه: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم}التوبة 60.

فلا يجوز صرف الزكاة لغيرهولاء الثمانية بالإجماع.

وانظر كيف ختم الله آية مصارف الزكاة باسمين عظيمين من أسمائه جل وعلا وهما (العليم) و(الحكيم) وذلك مُشعر باطلاعه سبحانه على أحوال الباذلين من الناس للصدقة والزكاة، وأنه عليم بمن تصل إليه وهو حكيم سبحانه إذ خص مصارف الزكاة لهؤلاء الثمانية دون غيرهم لحكم عظيمة عنده سبحانه.

فلا تصرف الزكاة في بناء المساجد أو وقف القرآن أوكتب العلم، وإنما تصرف الزكاة لأهلها المستحقين لها نقدا لا عيناً.

وهذا من حكمته سبحانه لكي لا يقتصر إنفاق المسلم على الزكاة فقط، بل يبذل من الصدقات والتبرعات ما ينفعه يوم القيامة ويرفع درجته، فلو أُطلق مصرف الزكاة لاكتفى المرء ببذلها عن سائر الصدقات .

عباد الله إن معرفة مصارف الزكاة من أهم المسائل في الزكاة لتؤدى هذه الشعيرة صحيحة غير منقوصة، فمن مصارف الزكاة الثمانية

- المحتاجون من الفقراء والمساكين؛ وذكر الله تعالى للمساكين مشير انه لا يلزم أن يكون المحتاج الذي صرفت إليه الزكاة شديد الحاجة، بل يجوز دفعها للمساكين الذين يجدون بعضا من قوتهم ويفقدون بعضا .

عباد الله : إن المسلم يلزمه التحري في بذل صدقاته وزكاة ماله، ويجب عليه عدم إعطائها كل من سألها وخصوصا إذا كان ذا قوة، فبعض الناس إعتاد سؤال الناس في مساجدهم ومحل إجتماعهم وهو مستطيع العمل، فإعطاء مثل هذا يعينه على التكاسل وترك العمل، أو يأخذ الزكاة تكثرا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب)) صححه الألباني .

وأفضل الصدقة لذوي القرابة المحتاجين فإنها صدقة وصلة .

هذا واستغفروا الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد عباد الله .

اتقوا الله حق التقوی واحرصوا على بذل زكاتكم الى الجهات التي أمر الله بصرفها إليها، وتحروا صدق ذلك

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من سأل الناس أموالهم تكثرا، فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر)) رواه مسلم.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بالصلاة عليه يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما .

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين وانصر المظلومين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادهم بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ولّ على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم ، واغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم وفق ولي امرنا واحفظ جنودنا على حدودنا اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين

عباد الله:

اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم "وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون"العنكبوت:45.

الزكاة حق الفقير في المال

الحمد لله ربِّ العالمين، جَعَلَ في أموالِ الأغنياء حقّاً للفقراء والمساكين. وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له، لا نعبدُ إلا إيَّاه مخلصينَ له الدينَ، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين، صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسَلَّمَ تسليماً.أمابعدُ؛

عِبَادَ اللهِ، الزَّكَاةُ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ، وَثَالِثُ أَرْكَانِهِ، دَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا: الْكِتَابُ وَالسنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهَا فَهُو كَافِرٌ مُرْتَدْ عَنِ الْإِسْلَامِ، يَسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَمَنْ بَخِلَ بِهَا أَوْ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئاً؛ فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِينَ، الْمُسْتَحِقِّينَ لِعقُوبَةِ اللهِ تَعَالَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180].، وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ [التوبة: 34، 35]. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" رَوَاه مُسْلِمٌ.

وَمِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ: عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَهِيَ كُلُّ مَا أُعِدَّ لِلْتِجَارَةِ مِنْ: عَقَّارَاتٍ وَسَيَّارَاتٍ، وَمَواشٍ، وَأَقْمِشَةٍ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ، وَالْوَاجِبُ فِيهَا رُبْعُ الْعُشْرِ، فَيُقوِّمُهَا عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ بِمَا تُسَاوِي وَيُخْرِجُ رُبْعَ عُشْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ، أَمْ أَكْثَرَ أَمْ مُسَاوِياً يُقَوِّمُ ثَمَنَهَا جُمْلَةً. فَأَمَّا مَا أَعَدَّهُ لِحَاجَتِهِ؛ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ".صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج مشكل الآثار.

عِبَادَ اللهِ، يَتَسَاهَلُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَيَتَثَاقَلُونَ عَنْ إِخْرَاجِهَا، حَتَّى يُعَطِّلَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ هَذَا الرُّكْنَ الْعَظِيمَ، وَبَعْضُهُمْ مِنَ: الْمُصَلِّينَ، الصَّائِمِينَ، الْقَارِئِينَ لِلْقُرْآنِ، لَكِنَّهُ لَا يُؤْتِي الزَّكَاةَ، يَفْعَلُ النَّوَافِلَ، وَيَذَرُ الْفَرَائِضَ؛ واللهَ تَعَالَى جَعَلَ مَنْعَ الزَّكَاةِ مِنْ صِفَاتِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِنِعَمِهِ سُبْحَانَهُ:﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: 6، 7]. إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْبِسُ الْبُخْلُ يَدَهُ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْتَالُ عَلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ لِيُسْقِطَهَا بِأَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ سَائِلِ مَالِهِ قَبْلَ حُلُولِ الزَّكَاةِ، بِشِرَاءِ عَقَارٍ وَنَحْوِهِ ظَناً أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهُمُ الزَّكَاةُ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَا فِي قَلْبِهِ، وَمَنْ مَكَرَ لِيَمْنَعَ حَقَّ الْفُقَرَاءِ فِي مَالِهِ، فَجَدِيرٌ أَنْ يَمْكُرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، فَيَخْسَرَ كُلَّ مَالِهِ. فَالْبُخْلَ أَهَمُّ أسْبَابِ مَنْعِ الزَّكَاةِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ الطَّائِلَةِ، حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَى مِقْدَارِ الزَّكَاةِ فِي مَالِهِ؛ فَيَجِدُهُ كَثِيرًا، وَالزَّكَاةُ لَيْسَتْ إِلَّا جُزْءًا وَاحِدًا مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ، وَيَسْتَحْضِرُ كَدَّهُ وَتَعَبَهُ فِي جَمْعِهِ، وَلَا يَسْتَحْضِرُ تَوْفِيقَ اللهِ تَعَالَى لَهُ فِي كَسْبِهِ، فَكَمْ كَدَّ غَيْرُهُ وَتَعِبَ، وَلَمْ يَرْبَحْ كَمَا رَبِحَ.

عباد الله؛ إنَّ بَعْضَ الناس ذَاقَ حَلَاوَةَ الْمَالِ، بَعْدَ مَرَارَةِ الْحِرْمَانِ، وَعِزَّ الْغِنَى، بَعْدَ ذُلِّ الْفَقْرِ، وَكَانَ أَيَّامَ فَقْرِهِ وَحِرْمَانِهِ يَتَمَنَّى الْمَالَ لِيُنْفِقَهُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ، فَيَكْفُلُ الْأَرَامِلَ وَالْأَيْتَامَ، وَيَسُدُّ حَاجَةَ الْفُقَرَاءِ، وَيُعِينُ الْمَنْكُوبِينَ عَلَى نَوَائِبِهِمْ، وَيَعِدُ نَفْسَهُ بِالْوُعُودِ، وَيُمَنِّيهَا بِالْأَمَانِي، وَمَا إِنْ سَالَ الْمَالُ فِي يَدِهِ، وَامْتَلَأَ بِهِ جَيْبُهُ؛ إِلَّا وَتَنَكَّرَ لِوُعُودِهِ، وَنَسِيَ أَمَانِيهِ، فَمَنَعَ حَقَّ اللهِ تَعَالَى فِي مَالِهِ، فَهَذَا يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَنْغَمِسَ فِي النِّفَاقِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ فَضْلَ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ حِينَ أخرجه مِنَ الْفَقْرِ إِلَى الْغِنَى، وَنَكَثَ بِوُعُودِهِ وَعُهُودِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 75 - 77]، وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ يُورِثُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ. وَمِنْ أَسْبَابِ مَنْعِ الزَّكَاةِ: الْجَهْلُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ مَسْتُورِي الْحَالِ أَوْ مُتَوَسِّطِي الدَّخْلِ، فَيَظُنُّ أَنَّ الزَّكَاةَ خَاصَّةٌ بِالْأَغْنِيَاءِ، فَيَمْنَعُ الزَّكَاةَ جَهْلًا. وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الْعُقُوبَةَ .

وَمِنْ أَسْبَابِ مَنْعِهَا: التَّسْوِيفُ فِي إِخْرَاجِهَا؛ وَبَعْضُ النَّاسِ لِكَثْرَةِ أَعْمَالِهِ وَمَشَارِيعِهِ، وَتَعَدُّدِ مَصَادِرِ أَمْوَالِهِ يَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ لِيَحْسبَ زَكَاتَهُ، فَيُؤَجِّلُ وَيُسَوِّفُ حَتَّى يَمْضِيَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَالْحَوْلَانِ، وَالثَّلَاثَةُ، وَهُوَ لَمْ يُخْرِجْ زَكَاةَ أَمْوَالِهِ، وَلَوْ أَنَّهُ حَرَصَ عَلَى دِينِهِ حِرْصَهُ عَلَى دُنْيَاهُ، وَاهْتَمَّ لِلزَّكَاةِ اهْتِمَامَهُ بِمَشَارِيعِهِ؛ لَخَصَّهَا بِمُوَظَّفِينَ؛ يَحْسُبُونَهَا وَيُخْرِجُونَهَا.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يُؤَدِّهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، كَمَنْ يُقِيمُهَا مَقَامَ النَّفَقَةِ، فَيُوَسِّعُ بِهَا عَلَى أَوْلَادِهِ الْمُتَزَوِّجِينَ؛ بِحُجَّةِ أَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ وَمُسْتَقِلُّونَ عَنْهُ فِي مَنَازِلِهِمْ، مَعَ أَنَّ زَكَاتَهُ لَا تَجُوزُ لَهُمْ. إلا لأصْحَابِ الديونِ العاجزين عَنْ تسديدِها.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ ذَا شَأْنٍ فِي قَوْمِهِ، فَيَبْنِي جَاهَهُ عِنْدَهُمْ بِزَكَاةِ مَالِهِ، وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، يَظُنُّونَهَا هِبَةً مِنْهُ، وَهُوَ يَحْسِبُهَا مِنْ زَكَاتِهِ.

عِبَادَ اللهِ، وَضْعُ الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ مَصْرِفِهَا؛ كَالصَّلَاةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا؛ فَإِنَّ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا، الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمْ فِي الْآيَةِ، لَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى زَكَاةً.

قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60].

فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الزَّكَاةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَأَخْبَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ فَرِيضَةً مِنْهُ صَاِدرَةً عَنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا فِي غَيْرِهَا كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّ اللهَ ذَكَرَ مُسْتَحِقِّيهَا عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ، وَالْحَصْرُ يُفِيدُ نَفِيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الْمَحْصُورِ فِيهِ .

هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبً فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً . أمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاِسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وتعلمون ، يا رعاكم الله، أهمية الزكاة في الإسلام فأخرجوها لمستحقيها بأنفسكم أو عن طريق الجهات الرسمية والمنصات الإلكترونية .

هذا ، وصلوا على نبيكم ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما، الَّلهُمَّ احْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ، وَالمِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا، لِمَا تُحِبُ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ سِلْمًا لِأْوْلِيَائِكَ، حَرْباً عَلَى أَعْدَائِكَ، الَّلهُم ارْفَعْ رَايَةَ السُّنَّةِ، وَأَقْمَعْ رَايَةَ البِدْعَةِ، الَّلهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

زكاة الفطر

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك فصل اللهم وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً " يَا أَيها الذين ءامَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَاته ولا تموتن إلا وأنتم مُسلمُون " آل عمران102. " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً " النساء1 . " يَا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قَولاً سَديداً يُصلح لَكُم أَعمالكم وَيَغفر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطع الله وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً " الأحزاب:70-71 .

أما بعد

عباد الله : اعلموا أن زكاة الفطر هي ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم طهرة للصائم من اللغو والرفث وشكراً لله عز وجل على إتمام الشهر وطعمة للمساكين في هذا اليوم الذي هو عيد وفرح وسرور فكان من الحكمة أن يعطوا هذه الزكاة من أجل أن يشاركوا الأغنياء في الفرح والسرور فتجب صدقة الفطر على كل مسلم فضل له يوم العيد وليلته صاع من قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية فإذا زاد عنده ما يحتاج إليه من مأكل ومشرب وحوائج أصلية من يوم العيد وليلته له ولأولاده وجبت عليه صدقة الفطر فزكاة الفطر لا تجب إلا إذا تحقق شرطان الإسلام والغنى وهو أن يكون عنده صاع زائد عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية ودليل ذلك حديث ابن عمر" فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى والحر والعبد والكبير والصغير من المسلمين " رواه البخاري ، والدين لا يمنع إخراج زكاة الفطر إلا أن يكون حالاً قبل وجوبها فإنه يؤدي الدين وتسقط عنه زكاة الفطر، ومقدار زكاة الفطر صاع من التمر أو البر أو الأرز من قوت البلد للشخص الواحد ، والقدر الواجب في زكاة الفطر عن كل فرد صاعٌ ومقداره بالكيلو ثلاثة كيلو تقريباً.

ووقتها ليلة عيد الفطر إلى ما قبل صلاة العيد ويجوز تقديمها بيومين أو ثلاثة وتعطى فقراء المسلمين في بلد مخرجها ويجوز نقلها إلى فقراء بلد آخر أهلها أشد حاجة وإذا أخر الشخص زكاة الفطر عن وقتها وهو ذاكر لها أثم وعليه التوبة إلى الله والقضاء والعمال الذين يتقاضون أجرة مقابل ما يؤدون من عمل في المصنع أو المزرعة هم الذين يخرجون زكاة الفطر عن أنفسهم لأن الأصل وجوبها عليهم.

وتخرج زكاة الفطر من البر والتمر والزبيب والأقط والأرز ونحو ذذلك مما يتخذه الإنسان طعاماً لنفسه وأهله عادة ولا يجوز إخراجها من النقود فإن عجز عن فطرة من يعوله فإنه يبدأ بنفسه لأنه مخاطباً بذلك عيناً لقوله صلى الله عليه وسلم " ابدأ بنفسك فتصدق عليها "رواه مسلم ، وإذا أخرها لعذر بمعنى لو أن الإنسان وكل إنساناً في إخراج الزكاة عنه بأن يكون مسافراً مثلاً فلما رجع من السفر تبين أن وكيله لم يفعل فهذا يقضيها غير آثم ولو بعد فوات أيام العيد وذلك قياساً على الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها

وكذا لو جاء العيد وهو في البر مثلاً وليس عنده أحد يؤديها إليه ولم يوكل أحداً يخرجها عنه فإنه يخرجها ولو بعد أيام العيد لأنها تبقى في ذمته . وإذا كان قوت الناس ليس حباً ولا تمراً بل لحماً مثلاً مثل أولائك الذين يقطنون القطب الشمالي فإن قوتهم وطعامهم في الغالب هو اللحم فيجزئ ذلك فاللحم إذا يبس يمكن أن يكال

قاعدة: كل ما كان قوتاً من حب وتمر ولحم ونحوهم فهو مجزئ لحديث أبي سعيد " وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والأقط والتمر " رواه البخاري ومسلم ، لذا يجزئ الأرز وكذا المكرونة لأن كليهما قوت وطعام.

ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه مثال إذا كان عنده عشر فطر فإنه يجوز أن يعطيها لفقير واحد وإذا كان عنده فطرة واحدة فيجوز أن يعطيها عشرة فقراء

هذا وأستغفر لله لي ولكم

الخطبة الثانية

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد

عباد الله: احرصوا على إخراج صدقة الفطر وأعطوها لمن يستحقها واحرصوا على أداء صلاة العيد في المصلى وأكثروا من التكبير من حين إعلان العيد إلى دخول الخطيب وزوروا أقاربكم وأرحامكم

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم وخالقكم بذلك في محكم كتابه بقوله " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " الأحزاب:56 ، وقال عليه الصلاة والسلام " من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا " رواه مسلم ، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين وانصر المظلومين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادهم بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم اللهم اغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم وفق ولي امرنا وولي عهده لما تحب وترضى وانصر جنودنا على حدودنا ، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين الذي شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة وجازهم بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفواً وإحسانا برحمتك يا أرحم الراحمين

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم " وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون " العنكبوت:45.

صدقة الفطر

الحمد لله مقلب الليل والنهار، خلق عباده وأمرهم بعبادته، ويوم القيامة يجازيهم بأعمالهم، نحمده على ما هدانا للإسلام، ونشكره على ما أولانا من النعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قضى الصالحون رمضان في محاريبهم، ركعاً سجداً يبتغون فضلاً منه ورضواناً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ كان يقوم من الليل حتى ترم قدماه الشريفتان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعدُ: عبادَ الله ؛ اتقوا الله وأطيعوه، وأحسنوا ختام هذا الشهر العظيم؛ فإن الأعمال بالخواتيم "وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا"النحل:92 ، وخذوا العظة من سرعة انتهاء شهركم في استثمار أوقاتكم؛ فإن أعماركم تمضي عليكم كما مضى، ولا يبقى لكم إلا ما قدمتم فيها .

وإن من حكمة الله تعالى ورحمته بعباده أنه سبحانه يأخذهم في أوامره بالتدرج؛ ليكون أدعى لامتثالهم، ولئلا يثقل العمل عليهم، وبعض التشريعات كانت كذلك كالصلاة والزكاة والصيام
والزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام- جاء التشريع متدرجاً بها على مراحل ثلاث؛ ففي العهد المكي من الإسلام أُمر المسلمون بها مع الصلاة "وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ"المزمل:20 لكن لم تُعين أنصبتها ومقاديرها وأهلها، وإنما يزكي المسلم بما يختار قليلاً أو كثيراً
ثم في المرحلة الثانية شُرعت زكاة الفطر من رمضان قبل أن تفرض الزكاة في الأموال؛ وذلك بعد فرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة كما دل على ذلك حديث قَيْسِ بنِ سَعْدٍ رَضَيَ اللهُ عَنْهُما قَال أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِصَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاة، فَلَما نَزَلَتِ الزَّكَاةُ لَم يَأْمُرْنَا وَلم يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُه"رَوَاهُ النَّسَائِي، وصحيح النسائي للألباني.

ثم في المرحلة الثالثة فُرضت الزكاة في الأموال بأنصبتها ومقاديرها ومصارفها التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، وبقيت زكاة الفطر على الأمر الأول، فأخرجها النبي صلى الله عليه وسلم ، وصحابته رضي الله عنهم، ومن بعدهم من المسلمين إلى يومنا هذا، حتى صارت زكاة الفطر من الشعائر الظاهرة المشهورة في كل بلاد المسلمين، وسميت بهذا الاسم؛ لأنها للفطر بعد انقضاء الصيام
وهي عبادة عظيمة بين شعيرتين كبيرتين هما الصيام والعيد؛ فلها تعلق بالصيام من جهة أن فيها شكراً لله تعالى على الإمهال لإتمام رمضان، وتلك نعمة عظيمة، كما أن فيها شكراً لله تعالى على الهداية والإعانة على إتمام شهر رمضان صياماً وقياماً، وقد أمرنا الله تعالى بشكره على ذلك (وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة: 185
وهي ترقِّعُ ما تخرق من صيام العبد؛ ذلك أن العبد محل الخطأ والسهو والجهل، وهذا المعنى جاء في حديث ابْنِ عَبَاسٍ رَضِيَ اللُه عَنْهُما قَال فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلْصَائِمِ مِنَ الَّلغْوِ والرَّفَثِ؛ رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ
والصوم يربي الصائمين على البذل والإنفاق؛ لأنهم إذا جاعوا وعطشوا تذكروا إخوانهم الفقراء فأشركوهم في طعامهم إفطاراً وسحوراً، أو بذلوا لهم من المال ما يسد حاجتهم

وزكاةُ الفطر تَصِل هذا الإحسان والبذل إلى ما بعد الفطر؛ ليبقى الصائم على بذله وكرمه بعد انقضاء رمضان
ولزكاة الفطر تعلق بشعيرة العيد من جهة أن يومَ العيد يومُ فرح لعموم المسلمين، فلا ينبغي أن يَستأثر الأغنياء بهذه الفرحة دون الفقراء، فيكون في إطعامهم للفقراء إدخال السرور عليهم وعلى أسرهم بدل الكدح وطلب القوت، وإغناءً لهم في ذلك اليوم العظيم، وهذا المعنى منصوص عليه في حديث ابْنِ عَبَاسٍ رَضِيَ اللُه عَنْهُما قَال: فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلْصَائِمِ مِنَ الَّلغْوِ والرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِين

وزكاة الفطر من أنواع الطعام، وليست من أنواع المال؛ فإن كلَّ الأحاديث الواردة فيها لم يرد في واحد منها ذكرُ المال، وذُكِر في جميعها أصنافٌ من الطعام ومن ذلك حديث أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَال " كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعَاً مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعَاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعَاً مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعَاً مِنْ زَبِيبٍ " رَوَاهُ الشَّيْخَان
عباد الله
اعلموا أنه لا يجوز إخراج قيمة زكاة الفطر بدلاً عن الطعام لمخالفة ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم ولفعل الصحابة رضي الله عنهم، وفيه تعطيلٌ مقاصد الشارع الحكيم في فرض زكاة الفطر من الطعام؛ فزكاة الفطر فُرضت مع رمضان في السنة الثانية للهجرة، وزكَّى النبيُ صلى الله عليه وسلم والصحابة معه رضي الله عنهم تسع سنوات، ولم يَرِد في هذه السنوات التسع أن أحداً منهم أخرج قيمتها مع أن الناس آنذاك محتاجون للمال، وفي الصحابة رضي الله عنهم أغنياء مثل أبي بكر الصديف وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم يستطيعون إخراج القيمة، مع وجود المقتضي وهو حاجة الناس للمال، إلا أن الشارع الحكيم قَصَدَ منع القيمة، وخصها بالطعام دون المال؛ ولذا نص الفقهاء على أن الزكاة عبادة ولا بد من التوقيف فيها على النص، وإخراجُ القيمة عدول عن النص، والأصل فيها هو إخراجُ الطعام بالإجماع

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين
أما بعد، عباد الله

اتقوا الله تعالى وأطيعوه (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) البقرة: 281

واعلموا يا رعاكم الله أن صدقة الفطر لا يجوز دفعها إلا للفقراء والمساكين ووقت وجوبها هو غروب شمس آخر يوم من رمضان، ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك، ووقتها الفاضل عقب صلاة الفجر وقبل صلاة العيد؛ لما فيه من إظهار شعائر العيد، يخرجها الرجل عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من زوجة وولد، والعمال والخدم لا يَلزم من استخدمهم أن يخرجها عنهم إلا أن يتبرع بذلك فيجوز، ولا يجب إخراجُها عن الحمل، بل يستحب إخراجها عنه لفعل عثمان بن عفان رضي الله عنه
ومن نسي إخراجها حتى صلى العيد فيخرجها عقب ذلك ولا شيء عليه؛ لأنه معذور بالنسيان
وما أجمل أن يباشر المسلم إخراجها بنفسه، ويتلمس أهلها المستحقين لها في بيوتهم؛ تقرباً لله تعالى، وشكراً له على نعمه، وتعظيماً لشعائره (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ) الحج: 32
عباد الله
أكثروا من ذكر الله وشكره في ختام هذا الشهر المبارك، واحذروا المنكرات في العيد؛ فإنها من كفر النعمة، وكفر النعمة يعرضها للزوال، كما أن شكرها يزيدها (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم: 7

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم اجعلنا من المقبولين في هذا الشهر المبارك، وممن صامه وقامه إيماناً واحتساباً ووفق لليلة القدر، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين وانصر المجاهدين المرابطين على الحد الجنوبي، وفك أسر المأسورين واغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضاءها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

الحجاب

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ".(آل عمران:102).

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا".(النساء:1).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.(الأحزاب:70-71).

أما بعدُ ؛

عباد الله: إن مما يحز في النفس ما يُشاهد من بعض النساء في الشوارع حيث إنهنَّ سافراتُ الوجوه لا يلتفتن إلى أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أمر الله سبحانه في كتابه الكريم بتحجب النساء ولزومهن البيوت وحذرهن التبرج والخضوع بالقول للرجال صيانة لهن عن الفساد وتحذيراً لهن من أسباب الفتنة فقال تعالى "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله"(الأحزاب:32-33). نهى الله سبحانه في هذه الآيات نساءَ النبي الكريم أمهاتِ المؤمنين وهُنَّ من خير النساء وأطهرهِنَّ عن الخضوع بالقول للرجال وهو تليين القول وترقيقه لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا ويظن أنهن يوافقنه على ذلك وأمر بلزومهن البيوت ونهاهن عن تبرج الجاهلية وهو إظهار الزينة والمحاسن فلا يجوز للمراة أن تكشف عن الرأس والوجه والعنق والصدر والقدم واليد؛ لما فيه من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا.

وإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن فغيرهن أولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة

ويدل على عموم الحكم لهن ولغيرهن قوله سبحانه في هذه الآية "وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله "(الأحزاب:33). فإن هذه الأوامر أحكام عامة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ولغيرهن

وقال عز وجل "وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن"(الأحزاب:53). فهذه الآية الكريمة نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال وتسترهن وأن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء وأبعد عن الفاحشة وأسبابها وأن السفور وعدم التحجب خبث وأن التحجب طهارة وسلامة قال تعالى "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيما "(الأحزاب:59). أمر الله سبحانه جميع نساء المؤمنين بارتداء جلابيبهن على محاسنهن من الشعر والوجه وغير ذلك حتى يعرفن بالعفة فلا يفتتن ولا يفتن غيرهن فيؤذيهن ثم أخبر سبحانه أنه غفور رحيم عما سلف من التقصير في ذلك قبل النهي عنه والتحذير منه.

وقال تعالى: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن" (النور:30-31). أمر الله سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار وحفظ الفروج وما ذاك إلا لعظم فاحشة الزنا وما يترتب عليها من الفساد الكبير بين المسلمين ولأن إطلاق البصر من وسائل مرض القلب ووقوع الفاحشة وغض البصر من أسباب السلامة وهو أزكى للمؤمنين في الدنيا والآخرة ثم قال سبحانه "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " (النور:31). يعني بذلك ما ظهر من اللباس الذي ليس فيه تبرج وفتنة، وأمر احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب الذين ليسوا من محارمها أمر واجب دل عليه كتاب الله وسنة نبيه اللذين لن يضل من تمسك بهما

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

الخطبة الثانية

الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد

عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن الوجه واليدين من أعظم زينة المرأة كما بين ذلك المحققون من أهل العلم

ومن أعظم الواجبات تحذير الرجال من الخلوة بالنساء والدخول عليهن والسفر بهن بدون محرم لأن ذلك من وسائل الفتنة والفساد، ومن المحرمات الملعون فاعلها تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال في الهيئة واللباس والكلام وغير ذلك كتشبه كثير من النساء بالكفار من النصارى وأشباههن في لبس القصير من الثياب وإبداء الشعر والمحاسن ومشط الشعر على طريقة أهل الكفر والفسق قال صلى الله عليه وسلم "مَنْ تَشَبَّهَ بِقومٍ فهوَ مِنْهُمْ "حسنه لغيره الألباني عن عبد الله بن عمر. فالواجب الحذر من ذلك ومنع النساء منه لأن عاقبته وخيمة وفساده عظيم.

فيا معشر المسلمين: اتقوا الله في أنفسكم وأهليكم وتأدبوا بتأديب الله وألزموا نساءكم بالتحجب الذي هو سبب الطهارة ووسيلة النجاة والسلامة

واتقوا الله يا من تتعرضون للنساء وتنظرون إليهنَّ؛ فالعين تزني وزناها النظر وهو سهم مسموم من سهام إبليس.

واتقوا الله يا من تتركون بناتكم ونساءَكم على أي حال من الأحوال المذكورة ونحوها مما حرم الله

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم وخالقكم بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" (الأحزاب:56). وقال عليه الصلاة والسلام :"من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا".رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق وانصر المظلومين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم اللهم اشرح صدور نساء المسلمين للحجاب وأعنهن على ذلك وأعن أزواجهن على أطرهن على الحق أطرا اللهم احفظهن من التبرج والسفور ومن ذئاب البشر المتربصين بهن اللهم اجعلنا من خير الأزواج لزوجاتهم واجعل زوجاتنا من خير الزوجات لأزوجهن واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادهم بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ول على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم اللهم اغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين .

اللهم سدد خطى ولي أمرنا واحفظ جنودنا على حدودنا

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.(العنكبوت:45).

القول الفصل في ليلة النصف من شعبان

الْحَمْدُ لله، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.(آل عمران:102).

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(النساء:1).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.(الأحزاب:70-71).

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أصدق الحديث كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.صححه الألباني

أَيُّهَا النَّاسُ: خَلَقَ اللهُ -تَعَالَى- الزَّمَانَ، وَجَعَلَهُ ظَرْفًا لِلْأَعْمَالِ، وَفَاضَلَ -سُبْحَانَهُ- بَيْنَ الْأَزْمَانِ كَمَا فَاضَلَ بَيْنَ سَائِرِ خَلْقِهِ مِنَ الْبَشَرِ، وَمَعْرِفَةُ فَضِيلَةِ الزَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِ تُدْرَك بِالنَّصِّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ أَنْ يُفَضِّلَ زَمَانًا لَمْ يَرِدْ لَهُ فَضْلٌ لَا فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَا أَنْ يَشْرَعَ فِيهِ عِبَادَاتٍ لَمْ يَشْرَعْهَا اللهُ -تَعَالَى- وَلَا رَسُولُهُ -صلى الله عليه وسلم-، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُسْتَسْلِمٍ لِشَرْعِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا خَاضِعٍ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُجْتَنِبٍ لِنَهْيِهِ؛ إِذِ الِاسْتِسْلَامُ لِشَرِيعَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِهَا، وَاتِّبَاعَ سُنَّةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-وَشَهْرُ شَعْبَانَ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيهِ عَمَلٌ وَهُوَ صِيَامُ أَكْثَرِهِ، وَأَحْدَثَ النَّاسُ فِيهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَعْمَالًا أُخْرَى مَا جَاءَتْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ رسوله أَمَّا مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ صِيَامِ أَكْثَرِهِ، فقولُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- : "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ" رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ :" كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا " .

وَحِكْمَةُ إِكْثَارِهِ مِنَ الصِّيَامِ فِي شَعْبَان بَيَّنَهَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: "ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ" أخرجه الإمام أحمد وحسنه الألباني

وَهَذَا الرفع لِلْأَعْمَالِ هُوَ الرفع السَّنَوِيُّ؛ فَإِنَّ رفع الْأَعْمَالِ يَوْمِيٌّ وَأُسْبُوعِيٌّ وَحَوْلِيٌّ: يُرفع له عَزَّ وَجَلَّ عَمَلُ اللَّيْلِ قبل عمل النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قبل عمل اللَّيْلِ، وَالْأُسْبُوعِيُّ يرفع له يَوْمَيِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ؛ وَلِذَلِكَ نَدَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى صِيَامِهِمَا، وَالْحَوْلِيُّ يرفع فِي شَعْبَانَ؛ فَاسْتُحِبَّ صِيَامُ أَكْثَرِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَصُومُ أَكْثَرَهُ هَذَا مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ شَعْبَانَ: الصِّيَامُ فَحَسْبُ

وأما عن فضل ليلة النصف من شعبان فقَدْ جَزَمَ بِتَضْعِيفِ كُلِّ أَحَادِيثِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ جَمْعٌ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ، حَتَّى قَالَ الْعَلَّامَةُ المُحَقِّقُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ المَالِكِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: " لَيْسَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ حَدِيثٌ يُسَاوِي سَمَاعَهُ "، وقال في أحكام القرآن: " وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها " وَقَالَ عَلَّامَةُ الشَّامِ جَمَالُ الدِّينِ الْقَاسِمِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: " قَالَ أَهْلُ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ: لَيْسَ فِي فَضْلِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ حَدِيثٌ يَصِحُّ " وَقَالَ الشَّيْخُ الْأَزْهَرِيُّ عَلِي مَحْفُوظ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ كُلَّ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الضَّعْفِ وَالْوَضْعِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ

إنَّ تَعْظِيمَ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَتَخْصِيصَهَا بِعِبَادَاتٍ أَوْ بِاحْتِفَالَاتٍ مُحْدَثٌ بَعْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَبَعْدَ صَحَابَتِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ

وَالْعِبَادَاتُ تُؤْخَذُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَمِمَّا صَحَّ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ أَقْوَالِ الرِّجَالِ وَاجْتِهَادَاتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.(الحشر:7).

وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ.رواه مسلم.

أَسْأَلُ اللهَ -تَعَالَى- أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ بِمَا عَلِمْنَا، وَأَنْ يَدُلَّنَا عَلَى الْحَقِّ، وَيَهْدِيَنَا لِاتِّبَاعِهِ، وَأَنْ يُرِيَنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا، وَيُعِينَنَا عَلَى اجْتِنَابِهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ

بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وهذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ –عِبَادَ اللهِ- وَأَطِيعُوهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.(الحشر:18).

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: تَعَلَّمُوا السُّنَّةَ، وَاحْذَرُوا الْبِدْعَةَ؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ يَعْمَلُ فِي بِدْعَتِهِ وَلَا يُقْبَل عَمَلُهُ، وَيَسْعَى وَلَا يَجِدُ أَجْرَ سَعْيِهِ؛ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ وَبَالًا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَفِي الدُّنْيَا تَشْغَلُهُ بِدْعَتُهُ عَنْ تَعَلُّمِ دِينِهِ، وَإِقَامَةِ شَرِيعَةِ رَبِّهِ، كَمَا تَشْغَلُهُ عَنِ السَّعْيِ فِي مَصَالِحهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ أَحْرَى أَنْ يُحَاسَبَ عَلَى بِدْعَتِهِ، وَأَنْ يُؤَاخَذَ بِعِبَادَتِه لِرَبِّهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُحِبُّهُ اللهُ -تَعَالَى- وَلَا يَرْضَاهُ؛ كَمَا يُؤَاخَذُ عَلَى تَقْصِيرِهِ فِي تَعَلُّمِ السُّنَّةِ، وَاجْتِنَابِ الْبِدْعَةِ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي بَلَغَتْ فِيهَا السُّنَّةُ الْآفَاقَ، وَانْتَشَرَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَقْطَارِ وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ الَّذِي يَنْشُرُ بِدْعَتَهُ، وَيُنَافِحُ عَنْهَا حَرِيٌّ بِأَنْ يُدْرِكَهُ المَوْتُ وَهُوَ عَلَى بِدْعَتِهِ؛ لِأَنَّ مَنْشَأَ الْبِدْعَةِ هُوَ الشُّبْهَةُ، وَصَاحِبُهَا يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى خَيْرٍ وَهُوَ عَلَى شَرٍّ؛ إِمَّا اتِّبَاعًا لِهَوَاهُ، أَوْ تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِ، فَهُوَ يَعْبُدُ اللهَ -تَعَالَى- عَلَى جَهْلٍ؛ وَلِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ اللهَ تَعَالى حَجَبَ التَّوْبَةَ عَنْ صَاحِبِ كُلِّ بِدْعَةٍ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصححه الألباني .

وَمِنْ شُؤْمِ الْبِدْعَةِ أَنَّهَا لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ؛ فَلَيْسَ ثَمَّةَ زِمَامٌ يَزُمُّهَا، وَلَا غَايَةٌ تَبْلُغُهَا، وَالنَّاسُ يَتَوَسَّعُونَ فِيهَا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ حَتَّى يَبْلُغُوا بِهَا الشِّرْكَ -وَالْعِيَاذُ بِالله تَعَالَى-، أَوْ يَعْمَلُوا أَعْمَالًا شَنِيعَةً مُنْكَرَةً، لَا يَرْضَاهَا كَثِيرٌ مِمَّنْ غَرَّتْهُمُ الْبِدْعَةُ فِي أَوَّلِ ظُهُورِهَا

نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَأَلَا فَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ، وَاحْذَرُوا الْبِدَعَ؛ فَإِنَّهَا شَرٌّ عَظِيمٌ، وَالْتَزِمُوا السُّنَنَ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهَا، وَإِذَا زَاحَمَتِ السُّنَّةُ الْبِدْعَةَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَيْرِ الزَّمَانِ، وَإِذَا قَضَتِ الْبِدْعَةُ عَلَى السُّنَّةِ كَانَ ذَلِكَ شُؤْمًا عَلَى النَّاسِ وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ بقوله تعالى "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً"(الأحزاب:56). اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين اللهم إنك تعلم أن الرافضة قد عاثوا في الأرض فساداً في إيران والعراق وسوريا واليمن اللهم اقصم ظهورهم وشل أجسادهم وجمد الدماء في عروقهم وأنزل عليهم عذاباً يجعلهم عبرة للمعتبرين اللهم اجعلنا من حماة هذا الدين. اللهم وفق وليَّ أمرنا ووليَّ عهده لما تحب وترضى .

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.(البقرة:201).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

استقبال رمضان (1)

الحمدُ لله المتفردِ بتدبيرِ الأمورِ وتصريفِ الأحوالِ، عالمِ الغيب والشهادةِ ، الكبيرِ المتعال، أحمدُه سبحانَه له الأسماءُ الحسنى وصفاتُ الكمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه خيرُ خلقِ اللهِ نهجاً وأكرمُهم خلقاً فأعظمْ بِهِ من حميدِ الخصال، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه.

أما بعدُ:

عبادَ الله: لئن كان للبُشرى خفقةُ الفرح في القلوب فإنَّ قلوبَ المسلمين جميعاً لتخفق فرحاً للبشارة بشهر الصوم المبارك وتبتهج ببزوغ شمسه على ربوع الإسلام وذلك لأنه وافد كريم يعيد للمسلمين ذكرياتهم السعيدة ذكريات الصلاح والتقوى والطهر والعفاف .

شهر مبارك اجتمع له من المزايا ما لم يجتمع لغيره من الشهور وحسبه شرفاً أن سماه رسول الهدى سيِّدَ الشهور وكان يبشر به أصحابُه فيقول "جاءكم رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه فيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" رواه أحمد وصححه الألباني. وكان السلف رضوان الله عليهم يجلونه ويسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان لأنه وقع في نفوسهم أن من بلغه الله رمضان فقد أوتي حظاً وافراً من الخير وإذا كانت النفوس بطبعها ترغب في الحياة فإن نفوس المؤمنين لتستشرف إلى الفسحة في الأجل خاصة في رمضان للإتجار بصالح الأعمال والتزود فيه بكريم الفعال.

أما إذ تبلد الشعور وفقدت النفوس هذه العاطفة الكريمة والروح الدينية المخلصة فعندئذ ينعكس الوضع ويغدوا في الناس من يجترئ على الله بالفطر في رمضان دون عذر يبيح للفطر كالمرض أو رخصة شرعية كالسفر وغيره، وفي هذا الانحراف عن سبيل المؤمنين والشذوذ عن مسلكهم خسارة يا لها من خسارة خسارة تبدو واضحة يوم الجزاء يوم يفرح الصائمون بوعد الله لهم في حسن الجزاء ويقال لهم "كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية"الحاقة:24. ويقتص الله من المجترئين عليه القصاص العادل ويقال لهم "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون"الأحقاف:20. أفلا يجدر بالمجترئين على الله بالفطر في رمضان أن يحذروا ذلك اليوم ؟ وأن لا يتعجلوا ما حرم الله عليهم خشية الحرمان من نعيم الآخرة وطيباتها .

فاتقوا الله عباد الله وأعدوا العدة للوافد الكريم والشهر المبارك العظيم أعدوا العدة لصيامه والقيام في لياليه والتنافس في عمل البر والخير فيه والتعرض لنفحات الرب العظيم في أوقاته فرب ساعة رضى ادركت العبد فيه نفحة من نفحات الرب فارتفع بها إلى منازل المقربين وحذار من التفريط في شهر الصوم والتواني عن صومه وانتحال الأعذار للتحلل من فريضة فرضها الله عليكم فإن الناقد بصير والمنتقم هو الجبار ويا لسوء عاقبة المفرطين والمخدوعين المتحالين

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون.البقرة:185.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله

أما بعد

عباد الله: اعلموا أن الصوم واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم ذكراً كان أو أنثى ليست حائضاً ولا نفساء ولا يجب الصوم على كافر فلو أسلم في أثناء رمضان لم يلزمه قضاء ما مضى منه ولو أسلم في أثناء يوم من رمضان أمسك بقية اليوم ولم يلزمه قضاؤه.

ولا يجب الصوم على صغير لم يبلغ لكن إن كان لا يشق عليه أمر به ليعتاده فقد كان الصحابه رضي الله عنهم يصومون أولادهم حتى إن الصبي ليبكي من الجوع فيعطونه لعبة يتلهى بها إلى الغروب ويحصل بلوغ الصبي إن كان ذكراً بواحد من أمور ثلاثة أن يتم له خمس عشرة سنة أو تنبت عانته أو ينزل منياً باحتلام أو غيره وتزيد الأنثى بأمر رابع وهو الحيض فمتى حصل للصغير واحد من هذه الأمور فقد بلغ ولزمته فرائض الله وغيرها من أحكام التكاليف إذا كان عاقلاً ولا يجب الصوم على من لا عقل له كالمجنون والمعتوه ونحوهما فالكبير المهذرى لا يلزمه الصوم ولا الإطعام عنه ولا الطهارة ولا الصلاة لأنه فاقد التمييز فهو بمنزلة الطفل قبل تمييزه ولا يجب الصوم على من يعجز عنه عجزاً دائماً كالمريض مرضاً لا يرجى برؤه ولكن يطعم بدلاً عن الصيام عن كل يوم مسكيناً بعدد أيام الشهر لكل مسكين نصف صاع من البر أو الأرز(أي كيلو ونصف من قوت البلد)والأحسن أن يجعل مع الطعام شيئاً يأدمه من لحم أو دهن وأما المريض بمرض يرجى برؤه فإن كان الصوم لا يشق عليه ولا يضره وجب عليه أن يصوم لأنه لا عذر له وإن كان الصوم يشق عليه ولا يضره فإنه يفطر ويكره له الصوم وإن كان الصوم يضره فإنه يحرم عليه أن يصوم ومتى برئ من مرضه قضى ما أفطر فإن مات قبل برئه فلا شيء عليه

والمرأة الحامل التي يشق عليها الصوم لضعفها أو ثقل حملها يجوز لها أن تفطر ثم تقضي إن تيسر لها القضاء قبل وضع الحمل أو بعده إذا طهرت من النفاس

والمرضع إذا كان يشق عليها الصيام من أجل الرضاع أو ينقص لبنها من الصوم نقصاً يخل بتغذية الولد تفطر ثم تقضي في أيام لا مشقة فيها ولا نقص

والمسافر إن قصد بسفره التحايل على الفطر فالفطر حرام عليه ويجب عليه الصوم وإن لم يقصد بسفره التحايل على الفطر فهو مخير بين أن يصوم وبين أن يفطر ويقضى عدد الأيام التي أفطر والأفضل له فعل الأسهل عليه وإن تساوى عنده الصوم والفطر فالصوم أفضل لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه أسرع في ابراء ذمته وإن كان الصوم يشق عليه بسبب السفر كره أن يصوم وإن عظمت المشقة به حرم أن يصوم ولا يجب الصوم على الحائض والنفساء ولا يصح منهما إلا إن تطهرا قبل الفجر ولو بلحظه فيجب عليهما الصيام ويصح منهما وإن لم تغتسلا إلا بعد طلوع الفجر ويلزمهما قضاء ما افطرتا من الأيام.

ومن أكل يعتقد عدم طلوع الفجر وهو طالع أو يعتقد غروب الشمس وطلعت فصومه صحيح لأنه جاهل بالوقت كما حصل ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يثبت أنه أمر بالإعادة، والإبر العلاجية مثل إبرة انسولين السكر لا تفطر والذي يفطر الإبرة المغذية فقط والقطرة في العين أو الأذن لا تفطر لأنهما ليسا مجرى الطعام فمجرى الطعام الفم أو الأنف والاحتلام في النهار لا يفطر أيضاً.

وخروج الدم غير الحيض والنفاس لا يؤثر إلا إذا كان متعمداً كثير مثل التبرع بالدم أما اليسير للتحليل فلا يفطر وكذلك الرعاف لا يفطر.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم وخالقكم بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين اللهم اجعلنا من خدمة هذا الدين ، اللهم انصر المظلومين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادهم بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ول على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم، اللهم اغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا ، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى ، وانصر جنودنا على حدودنا ، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله:

اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

استقبال رمضان (2)

إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالِنا من يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبدُه ورسولُه.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} آل عمران 102

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } النساء 1

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} الأحزاب 70 ، 71

أَمَّا بَعدُ

عباد الله: لَو سألنا أحداً عَنِ الغَايَةِ مِن خَلقِهِ وَإِيجَادِهِ، لأجاب بقَولِه من أجل طاعة الله لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونَ} الذاريات 56 ، وَقَولِهِ - سُبحَانَهُ -: {وَلَقَد بَعَثنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعبُدُوا اللهَ وَاجتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل 36 ، وليَعلَمَ المُسلِمُ أَنَّ صَلاتَهُ وَنُسُكَهُ وَمَحيَاهُ وَمَمَاتَهُ يَجِبُ أَن يكُونَ للهِ رَبِّ العَالمينَ لا شَرِيكَ لَهُ غير أن البعض يُصبِحُ أَو يُمسِي هَمُّهُ أَكلٌ وَشُربٌ وَنِكَاحٌ، وَسَيرٌ عَلَى مَا تَشتَهِي النَّفسُ، وَانقِيَادٌ لما تَرغَبُ وَتَهوَى، دُونَ تَقَيُّدٍ بِقُيُودٍ شَرعِيَّةٍ، وَلا وُقُوفٍ عِندَ آدَابٍ مَرعِيَّةٍ، أَيَحسَبُ الإِنسَانُ أَن يُترَكَ سُدًى.

عباد الله: إن أَنفَسَ مَا صُرِفَت لَهُ الأَوقَاتُ هُوَ عِبَادَةُ رَبِّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتِ،وإننا إِلى اللهِ سَائِرُونَ، وَفي طَرِيقِ الآخِرَةِ مَاضُونَ، وَإِنْ طَالَ بِنَا العَيشُ فَنَحنُ مَيِّتُونَ، ثم مَبعُوثُونَ وَمُحَاسَبُونَ، وَلَيس وَرَاءَنَا إِلاَّ جَنَّةٌ ثَمَنُها عَمَلٌ صَالِحٌ بِفَضلِ اللهِ، أَو نَارٌ لِمَن أَسَاءَ وَقَصَّرَ بِعَدلِ اللهِ{فَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ. وَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(الزلزلة 7،8){فَمَن ثَقُلَت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ* وَمَن خَفَّت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}المؤمنون 102 ، 103

وَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الأَزمِنَةُ الفَاضِلَةُ مِن أَنسَبِ أَوقَاتِ الجِدِّ وَالاجتِهَادِ، وَكَانَ شَهرُ رَمَضَانَ مِن مَوَاسِمِ الجُودِ الإِلهِيِّ العَمِيمِ، حَيثُ تُعتَقُ الرِّقَابُ وَتُقَالُ العَثَرَاتُ وَتُمحَى السَّيِّئَاتُ، وَتُوَزَّعُ الجَوَائِزُ الرَّبَّانِيَّةُ وَالهِبَاتُ وَتُضَاعَفُ الحَسَنَاتُ، كَانَ لِزَامًا عَلَينَا أَن نَنتَبِهَ مِن غَفَلاتِنَا، وَنَستَيقِظَ مِن رَقَدَاتِنَا، وَنَتَوَاصَى عَلَى تَحصِيلِ الغَايَةِ مِن خَلقِنَا وَنُرضِيَ خَالِقَنَا، وَنَحرِصَ عَلَى التَّهَيُّؤِ لِدُخُولِ الشَّهرِ الكَرِيمِ بما يُحِبُّهُ الرَّبُّ الرَّحِيمُ، قَبلَ أَن يَجتَذِبَنَا دُعَاةُ البَاطِلِ وَاللَّهوِ وَالفُجُورِ، الَّذِينَ يُسرِفُونَ في الإِعدَادِ لإِغوَاءِ الخَلقِ في أَعظَمِ الشُّهُورِ، بما يُذِيعُونَهُ وَيَنشُرُونَهُ وَيَتَفَنَّونَ في جَذبِ النُّفُوسِ إِلَيهِ، مِن مُسَلسَلاتٍ وَمَسرَحِيَّاتٍ، وَسَهَرَاتٍ وَلِقَاءَاتٍ، وَرَقصٍ وَغِنَاءٍ، وَجَدَلٍ وَهُرَاءٍ

عباد الله: لَقَد صَامَتِ الأُمَّةُ شُهُورًا، وَمَرَّ بها رَمَضَانُ دُهُورًا، فَهَلِ ازدَادَت مِنَ اللهِ قُربًا؟! هَل حَمَلَت في قُلُوبِهَا إِيمانًا وَتَشَبَّعَت مِنَ التَّقوَى؟! في الوَاقِعِ خَيرٌ كَثِيرٌ وَللهِ الحَمدُ وَالمِنَّةُ، وَلَكِنَّ فِيهِ أَيضًا مَا يُؤلِمُ وَيَحُزُّ في الخَاطِرِ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ أَنَّ رَمَضَانَ يَدخُلُ وَيَخرُجُ، وَفي الأُمَّةِ مَن لا يُحِسُّ بِأَنَّهُ قَد مَرَّ بِهِ مَوسِمُ تِجَارَةٍ أُخرَوِيَّةٍ، فَهُوَ لِهَذَا بَاقٍ عَلَى عَجزِهِ وَخُمُولِهِ وَكَسَلِهِ، مُستَسلِمٌ لبُخلِهِ، لم يُتَاجِرْ وَلم يُرَابِحْ، وَلم يُسَابِقْ وَلم يُنَافِسْ، وَلم يُجَاهِدْ نَفسَهُ وَلم يُرَابِطْ، وَإِلاَّ فَإِنَّ الأُمَّةَ لَو تَجَهَّزَت لِهَذَا الشَّهرِ وَأَعَدَّت لَهُ عُدَّتَهُ، وَشَمَّرَ الجَمِيعُ عَن سَوَاعِدِ الجِدِّ وَشَدُّوا مَآزِرَهُم، وَتَفَرَّغُوا لِلعِبَادَةِ وَنَوَّعُوا الطَّاعَةَ، لَرَأَينَا أُمَّةً جَدِيدَةً تُولَدُ بَعدَ رَمَضَانَ وَتَحيَا حَيَاةً مُغَايِرَةً لِمَا كَانَت عَلَيهِ مِن قَبلُ.

وَمِن ثَمَّ فَإِنَّهُ فَرقٌ كَبِيرٌ بَينَ مَن يَتَقَدَّمُ إِلى رَمَضَانَ بِعَزِيمَةٍ قَوِيَّةٍ، وَنَفسٍ مَشحُونَةٍ بِالإِصرَارِ عَلَى الاجتِهَادِ في الطَّاعَةِ، وَقَلبٍ يُصقَلُ بِالصَّبرِ وَالمُصَابَرَةِ، وَبَينَ مَن يَعِيشُ في الأَمَانيِّ وَالأَحلامِ، أَو يَشتَغِلُ بِتَحصِيلِ مَصالِحَ دُنيَوِيَّةٍ بِبَيعٍ أَو شِرَاءٍ، أَو يَتَكَثَّرُ في رَمَضَانَ بِسُؤَالٍ وَاستِعطَاءٍ وَاستِجدَاءٍ.

إِنَّ رَبَّنَا غَنِيٌّ عَنَّا، وَهُوَ مَعَ هَذَا قَرِيبٌ مِنَّا، قَالَ تعالى -:{فَاذكُرُوني أَذكُرْكُم} البقرة 152، وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ -: {اُدعُوني أَستَجِبْ لَكُم} البقرة186 وَقَالَ في الحَدِيثِ القُدسِيِّ: " أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَني، فَإِنْ ذَكَرَني في نَفسِهِ ذَكَرتُهُ في نَفسِي، وَإِنْ ذَكَرَني في مَلأٍ ذَكَرتُهُ في مَلأٍ خَيرٍ مِنهُم، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِليَّ شِبرًا تَقَرَّبتُ إِلَيهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِليَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ إِلَيهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَاني يَمشِي أَتَيتُهُ هَروَلَةً " رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ

أَلا فَمَا أَحرَانَا وَقَد أَقبَلَ شَهرُنَا أَن نَحرِصَ عَلَى الإِقبَالِ عَلَى رَبِّنَا، وَأَن تَكُونَ حَالُنَا كَحَالِ العَبدِ الصَّالِحِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ إِذْ قَالَ:{وَعَجِلتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرضَى}[طه: 84]، فَإِنَّهَا لَحَسرَةٌ وَأَيُّ حَسرَةٍ أَن تَفُوتَ الأَزمِنَةُ الفَاضِلَةُ في غَيرِ طَاعَةٍ، وَأَن يُشَمِّرَ السَّابِقُونَ وَيَتَخَلَّفَ أَقوَامٌ مِنَّا وَيَقعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ.

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ، وَلْنَتَشَبَّهْ بِالصَّالِحِينَ، وَلْنُعِدَّ العُدَّةَ مَعَ المُشَمِّرِينَ، وَلْنَحذَرْ ضَعفَ العَزِيمَةِ وَخَوَرَ الإِرَادَةِ، وَاتِّبَاعَ الهَوَى وَمُصَاحَبَةَ البَطَّالِينَ وَالفَارِغِينَ، وَإِطَالَةَ الرَّاحَةِ وَكَثرَةَ الفَرَاغِ ؛ فَإِنَّ الرَّاحَةَ لِلرِّجَالِ غَفلَةٌ، وَالمَوتَ يَطلُبُنَا في كُلِّ لَحظَةٍ، ولن يَجِدُ العَبدُ طَعمَ الرَّاحَةِ الحَقِيقِيَّةِ حَتى يَضَعَ قَدَمَهُ في الجَنَّةِ، وَقَد قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِنَبِيِّهِ: {وَاصبِرْ نَفسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ وَلا تَعدُ عَينَاكَ عَنهُم تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَلا تُطِع مَن أَغفَلنَا قَلبَهُ عَن ذِكرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمرُهُ فُرُطًا } الكهف 28

وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أَنَابَ إِلَيَّ} لقمان 15، وَقَالَ لِعُمُومِ عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} " التوبة 119

عباد الله: هيئوا النُّفُوسِ لِهَذَا الضَّيفِ الكَرِيمِ، أَكرِمُوا وِفَادَتَهُ، وَأَحسِنُوا ضِيَافَتَهُ، وَإِيَّاكُم أَن تُفَوِّتُوا فِيهِ فَرِيضَةً، أَو تَتَكَاسَلُوا عَن نَافِلَةٍ، أَو تَزهَدُوا في خَيرٍ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذكُرُوا اللهَ ذِكرًا كَثِيرًا. وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً. هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُم وَمَلائِكَتُهُ لِيُخرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ وَكَانَ بِالمُؤمِنِينَ رَحِيمًا. تَحِيَّتُهُم يَومَ يَلقَونَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُم أَجرًا كَرِيمًا } الأحزاب 41 - 44

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أَمَّا بَعدُ

أَطِيعُوا الله وَلا تَعصُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلا تَكفُرُوهُ، وَاغتَنِمُوا فَاضِلَ الأَوقَاتِ بِالتَّزَوُّدِ مِنَ الصَّالِحَاتِ، وَاعلَمُوا أَنَّ شَهرَ رَمَضَانَ فُرصَةٌ سَانِحَةٌ لِعِلاجِ الآفَاتِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنَ المَعَاصِي وَالمُخَالَفَاتِ وَسَيِّئِ العَادَاتِ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لأَنَّهُ شَهرُ حِميَةٍ وَامتِنَاعٍ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَفُضُولِ المُبَاحَاتِ، وَفِيهِ تَخِفُّ النُّفُوسُ إِلى الطَّاعَاتِ، حَيثُ لا تُبصِرُ غالباً إِلاَّ صَائِمًا أَو قَائِمًا، أَو رَاكِعًا أَو سَاجِدًا، أَو قَانِتًا أَو قَارِئًا، أَو دَاعِيًا أَو ذَاكِرًا، أَو مُنفِقًا أَو مُتَصَدِّقًا، في تَسَابُقٍ إِلى الخَيرَاتِ، وَتَنَافُسٍ في اكتِسَابِ الحَسَنَاتِ، فَإِذَا صَحِبَ ذَلِكَ عَزِيمَةٌ صَادِقَةٌ لإِصلاحِ النَّفسِ، كَانَتِ النَّتِيجَةُ سَعَادَةً وَرَاحَةً وَانشِرَاحَ صَدرٍ

وَأَمَّا مَن لم تَتَحَفَّزْ هِمَّتُهُ لِعِلاجِ نَفسِهِ في هَذَا الشَّهرِ، فَلْيَبكِ عَلَيهَا بُكَاءً طَوِيلاً، فَإِنَّهُ شَقِيٌّ مَحرُومٌ، ففي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ، قَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " رَغِمَ أَنفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيهِ رَمَضَانُ ثم انسَلَخَ قَبلَ أَن يُغفَرَ لَهُ ".

عباد الله: لْنُصلِحْ أَنفُسَنَا وَلْنَحذَرْهَا، فَإِنَّ فِيهَا رَكُونًا إِلى اللَّيِّنِ وَالهَيِّنِ، وَنُفُورًا عَنِ المَكرُوهِ وَالشَّاقِّ، فَلْنَرفَعْهَا مَا استَطَعنَا إِلى النَّافِعِ وَإِن كَانَ شَاقًّا، وَلْنُرَوِّضْهَا عَلَى الأَكمَلِ وَإِن كَانَ إِلَيهَا مَكرُوهًا، وَلْنُذِقْهَا اللَّذَّاتِ الرُّوحِيَّةَ العَظِيمَةَ، لتَحتَقِرِ اللَّذَّاتِ الحِسِّيَّةَ الصَّغِيرَةَ، وَلْنَأطِرْهَا عَلَى جَلائِلِ الأُمُورِ وَمَعَالِيهَا، لتَنفِرْ عَن كُلِّ دَنِيَّةٍ وَتَربَأْ عَن كُلِّ صَغِيرَةٍ

وَلْنَعلَمْ أَنَّ اللهَ مُعطٍ كُلاًّ عَلَى قَدرِ مَا تَصبُو إِلَيهِ نَفسُهُ وَتَرقَى إِلَيهِ هِمَّتُهُ وَتَبلُغُهُ نِيَّتُهُ وَعَزِيمَتُهُ{مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصلاهَا مَذمُومًا مَدحُورًا. وَمَن أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعيَهَا وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعيُهُم مَّشكُورًا. كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِن عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحظُورًا. انظُر كَيفَ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكبَرُ تَفضِيلاً} الإسراء 18 - 22

هذا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ بقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً } الأحزاب 56 ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وارضِ اللهمَّ عن الأربعةِ الخلفاءِ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليِّ وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم احفظْ بلادنا وبلادَ المسلمين من كلِّ مكروهٍ وسوءٍ، اللهمَّ وفقْ وليَّ أمرنا ووليَّ عهده لما تحبُّ وترضى، {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (البقرة 201)

وأقم الصلاة

الصيام

الحمد لله الذي بلغنا شهر رمضان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الناس حين خلقهم غنياً عن طاعتهم لأنه لا تنفعه طاعة من أطاعه كما لا تضره معصية من عصاه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله علمنا كيف نُخْلص العبادة لله وأرشدنا إلى كلمة التقوى صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيقول سبحانه :" يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" البقرة:183

أيها المسلمون: هذه الآية الكريمة تقرر أمراً سماوياً يفرض الصيام على المؤمنين كما سبق أن فرض على أسلافهم من الأمم الأخرى ثم تقرن آية الفريضة بأثرها الذي يتوقع من القيام بها وهو التقوى وهو أثر يحدث في قلب المؤمن متى أدى فريضة الصيام على وجهها والتزم شروطها وآدابها فكأن الصيام على ما تقرره الآية وسيلة تربوية تتحقق بها تقوى القلب وخشوع الجوارح وهذا هو المقصود الأول من الفريضة

ومن حكمة الخالق جل وعلا أن يتحدث إلى عباده مبيناً لهم الحكمة من أوامره والفائدة التي تعود عليهم من الإذعان لها برغم أنه هو الإله الخالق المقتدر ونحن عباده الضعفاء الفقراء إليه وهو القائل "إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز" ابراهيم:19 ومع ذلك نجد الله سبحانه يعبر دائماً في كتابه عن الحكمة التي رتبها على فرائضه

فالصلاة عون للمؤمن على احتمال صروف الدهر "واستعينوا بالصبر والصلاة "البقرة:45 والزكاة طهر للمؤمن ودرء لمفاسد الحياة الاجتماعية "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها "التوبة:103 والحج موسم لنفع العباد دينا ودنيا " ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله "الحج:28 وكذلك الصوم أعظم ما يتوقع منه أن يتقي المرءُ ربَّه "ولباس التقوى ذلك خير"الأعراف:26 وحسبنا من الصيام أنه يثبت في قلوبنا تقوى الله وهي جماع كل خير وأساس كل فضل في حياة الناس فلم يترك القرآن عملاً يكلف به المؤمن أو خلقاً يؤمر به إلا جعله أثراً لهذا المعنى النفسي العميق "التقوى" وامتداداً لمنازع الكمال التي تصدر عنه ومن هنا كان من حقيقة التقوى ما جاء من أمر المؤمنين بالصدق أو بالأمانة أو بالشجاعة أو بالصبر أو بالعفة أو بالعدل أو بالعفو أو بالرحمة أو بضبط النفس فإن الإٍسلام يقرن ممارسة هذه الأخلاق بالتقوى كشرط في أخلاق المؤمنين وكأثر ناتج عن سلوكهم الطيب النزيه ولذلك لا غرابة أن يكون الأثر الناشئ عن الصيام هو التقوى أليس الصيام الصبر على الحرمان من ضرورات الحياة وشهواتها ؟، والصابرون ينالون ثواب الله بلا حدود "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"الزمر:10

أيها المسلمون: يمتاز الصيام على جميع الفرائض الدينية بأمر جوهري هو أنها جميعاً أعمال أو حركات إيجابية أما هو فامتناع باطني لأنه ترك وكف للنفس عن بعض ما تعودته فإذا كانت الصلاة قياماً وركوعاً وسجوداً فإن الوسيلة إلى ذلك أن تتحرك الجوارح لأداء هذه الحركات الإيجابية في جماعة مشهودة يحرص عليها المؤمن لأنها أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة وكذلك الزكاة عطاء إيجابي لحق الله وتوصيله إلى يد مستحقيه سائلاً كان أو محروماً وكذلك الحج سفر وسعي وتضحية بالوقت والمال وتعب يتحمله البدن ومتعة يتذوقها المؤمن بكل جوارحه أما الصوم فهو في الحقيقة إيقاف لبعض الوظائف العضوية في جسم الإنسان وتعطيل لها إلى فترة محدودة

سواء أكان صياماً اختيارياً على سبيل التطوع أم إجبارياً على وجه الفريضة فإذا كانت المعدة قد تعودت أن تعمل ثلاث مرات بانتظام كل يوم فإنها في حال الصيام تعمل مرتين في موعد مختلف تشعر معه بالفراغ ويحس معه المرء بإحساس الجوع والعطش طول النهار وحسبنا من فراغ المعدة راحتها من التخمة وعسر الهضم وما يترتب على فراغها من صفاء الذهن وسلامة التفكير وحسبنا من كف الجوارح تأديب المرء عن كثير من الرذائل التي ألفها وتعود الولوغ فيها فلن يعد الصائم صائماً حتى يكف عن النظر إلى العورات وحتى يحفظ لسانه عن التحدث بالباطل فلا يكذب ولا يغتاب ولا يسير بين الناس بالنميمة ولا يشتم عرضاً ولا يتعلق بلغو الحديث وقد قال تعالى "قد أفلح المؤمنون الذي هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون"المؤمنون:1-3 فجعل الإعراض عن اللغو هو الصفة الثانية من صفات المؤمنين بعد الصلاة وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه "رواه البخاري.

هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعلنا من صوام شهر رمضان وقوامه وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله

أما بعد:عباد الله؛ إن الصيام سر بين العبد وربه وجدير بمن تعود هذه الحال أن يجعل أكثر أعماله سراً بينه وبين الله ولذا رأينا الدين يأمر بالتزام هذا الأدب في الصدقة "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه "صححه الألباني، كما يأمر بالتزامه في ذكر الله "واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة "الأعراف:205

والصيام حرمان وتجويع للبدن وللنفس ومقتضى ذلك أن يتخلق في إرادة المؤمن شعور بالمقاومة المستمرة لكل إحساس بالضعف ولكل رغبة في الممنوع المحرم خلال النهار مهما كثرت المغريات ومهما تبذلت الشهوات في الشوارع والطرقان فإذا اجتاز الصائم الامتحان ونجح في اكتساب التقوى كان ذلك عوناً له على استمرار المقاومة وتقوية لإرادته في مواجهة الشهوات والتحديات فكل موقف تواجه فيه عورة مكشوفة أو رغبة ملحة أو بلاء اجتماعياً هو في الواقع امتحان متجدد لإرادتك تنفعك فيه التقوى التي تحققت لك بالصيام وليس من العقل أن نلقى سقطاتنا وسيئاتنا على مسئولية الشيطان فنحن مسئولون عما نفعل مآخذون بذنوبنا تماماً واستمعوا إلى قول الله سبحانه "ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا"الكهف:49-50 وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستخدم الصوم والجوع سلاحاً ضد الشيطان وحذر من الشبع وعواقبه وسار على ذلك الصحابة المهديون من بعده، ولو استطاع المؤمن أن يقيد نفسه بأدب الدين لقهر شيطانه وقهر الشيطان نصرة لله يقول تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ "محمد:7 وما أحوجنا في أيامنا هذه في مواجهة الأعداء المتربصين داخل العالم الإسلامي وخارجه إلى أن ينصرنا الله ويثبت أقدامنا المتزلزلة كما ثبت أقدام المسلمين في رمضان أمام مشركي بدر و فتح مكة.

عباد الله: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا صدقت إرادة التغيير في أنفسنا فعلينا أن نحولها إلى واقع يتمثل في سلوك نظيف وفي لسان عفيف وفي تعامل نزيه لا شبهة فيه "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى "البقرة:197 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه"صححه الألباني. وعنه أيضاً أنه قال "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين " رواه البخاري

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب:56 وقال عليه الصلاة والسلام "من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا "رواه مسلم .

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين وانصر المظلومين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادهم بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ول على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم اللهم كن لإخواننا في سوريا وانصرهم على النصيرية والرافضة واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين.

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون العنكبوت:45

العشر الأواخر من رمضان

الحمد لله الذي وفق برحمته من شاء من عباده فعرفوا أقدر مواسم الخيرات وعمروها بطاعة الله وخذل من شاء بحكمته فعميت منهم القلوب والبصائر وفرطوا في تلك المواسم فباؤا بالخسائر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الحكيم القاهر وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أقوم الناس بطاعة ربه في البواطن والظواهر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً .

أما بعد

عباد الله: اعلموا أن الله تعالى " جعل الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا " الفرقان 62 ، فهما خزائن الأعمال ومراحل الآجال يودعها الإنسان ما قام به فيها من عمل ويقطعها مرحلة مرحلة حتى ينتهي به الأجل فانظروا رحمكم الله ماذا تودعونها فستجد كل نفس ما عملت وتعلم ما قدمت وأخرت في يوم لا يستطيع به الخلاص مما فات " يُنبؤ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر * بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره " القيامة 13-15 .

عباد الله: لقد قطعتم الأكثر من شهر الصيام ولم يبق منه إلا اليسير من الليالي والأيام فمن كان منكم قام بحقه فليتم ذلك وليحمد الله عليه وليسأله القبول ومن كان منكم فرط فيه وأساء فليتب إلى ربه فباب التوبة مفتوح غير مقفول.

أيها الناس: إنكم في العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم فاغتنموه بطاعة الله المولى العظيم أحسنوا في أيامه الصيام ونوروا لياليه بالقيام واختموه بالتوبة والإستغفار وسؤال الله العفو والعتق من النار كم من أناس تمنوا إدراك هذه العشر فأدركهم المنون فأصبحوا في قبورهم مرتهنين لا يستطيعون زيادة في صالح الأعمال ولا توبة من التفريط والإهمال وأنتم أدركتموها بنعمة من الله في صحة وعافية فاجتهدوا فيها بالعمل الصالح والدعاء لعلكم تصيبون نفحة من رحمته تعالى فتسعدوا في الدنيا والآخرة

عباد الله: لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعظم هذه العشر ويخصها بالاعتكاف في المسجد تفرغاً لعبادة ربه وتحرياً لليلة القدر التي قال الله عنها في كتابه "ليلة القدر خير من ألف شهر"القدر:3. ومعنى ذلك أنها خير من ثلاثين ألف ليلة أو قريباً منها ، خير منها في بركتها وما يفيض فيها المولى الكريم على عباده من الرحمة والغفران وإجابة الدعاء وقبول الأعمال

فاجتهدوا عباد الله في طلبها كما كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يفعل فإنه كان إذا دخلت العشر شد مئزره واحيا ليله بعبادة ربه، نعم كان يفعل ذلك وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو أتقى الناس وأخشاهم لله تعالى فكيف بنا نحن المفرطين المذنبين

فاجتهدوا عباد الله في طلب تلك الليلة الشريفة المباركة وتحروا خيرها وبركتها بالمحافظة على الصلوات المفروضة وكثرة القيام وأداء الزكاة وبذل الصدقات وحفظ الصيام وكثرة الطاعات واجتناب المعاصي والسيئات والبعد عن العداوة بينكم والبغضاء والمشاحنات فإن الشحناء من أسباب حرمان الخير في ليلة القدر فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبر أصحابه بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين أي تخاصما وتنازعا فرفعت بسبب ذلك

واحرصوا على قيام الليل مع الإمام في أول الليل وآخره وإذا قمتم من منامكم فقولوا الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور واذكروا الله وادعوه وتطهروا وافتحوا القيام بركعتين خفيفتين امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم واتباعاً له ولتحل عنكم عقد الشيطان التي يعقدها فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ.رواه البخاري ومسلم.

هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشانه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

أما بعد

أطيلوا قيام الليل وأطيلوا القراءة وتدبروها وأطيلوا الركوع والقيام بعده وأطيلوا السجود والجلوس بين السجدتين واجعلوا القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين مقارباً للركوع والسجود

قال البراء بن عازب رضي الله عنه كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وإذا رفع رأسه من الركوع وبين السجدتين قريباً من السواء

أكثروا في الركوع من تعظيم الله عز وجل بقول سبحان ربي العظيم وغيرها مما ورد وأكثروا من تحميد لله والثناء عليه في القيام بعد الركوع حتى يكون مقارباً للركوع

وأكثروا من الدعاء في السجود بعد قول سبحان ربي الأعلى وغيرها مما ورد فدعاء الله في السجود حري بالإجابة وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وأكثروا من الدعاء في الجلوس بين السجدتين حتى يكون مقارباً للسجود

وأحضروا قلوبكم في صلواتكم فرضها ونفلها وأخلصوا في دعائكم وألحوا على ربكم فإنه يحب الملحين في الدعاء لجوده وكرمه قال تعالى "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون"البقرة:186

وفقني الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح وسدد خطانا على طريق الحق والصواب إنه جواد كريم وبالإجابة جدير.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم وخالقكم بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين وانصر المظلومين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادهم بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ول على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم، اللهم فك أسر المأسورين واغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

فضل العشر الأواخر من رمضان

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد .أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسلما.

أما بعد، عباد الله ؛

أوصيكم بمراقبة الله في السر والعلانية، والغيب والشهادة، واعلموا يا رعاكم الله أن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والاختيار؛ كما قال الله تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) القصص 68

والمراد بالاختيار هو الاصطفاء والاجتباء، فالله جلّ وعلا لكمال حِكْمته وقُدرته، وتمام علمه وإحاطته يختار لخلقه ما يشاء من الأوقات والأمكنة، فيخصهم سبحانه وتعالى بمزيد فضله وجزيل عنايته، ووافر إنعامه وإكرامه، وهذا من أعظم صفات كماله، ومن أبين الأدلة على كمال قدرته وحِكْمته، وأنه جلّ وعلا يخلق ما يشاء ويختار، وأن أزمّة الأمور بيده، فلله الأمر من قبل ومن بعد، يقضي في خلقه ما يشاء، ويحكم فيهم ما يريد؛ (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الجاثية 36 - 37

عباد الله

إن مما خصَّ الله عزّ وجل من الأوقات بمزيد فضله، ووافر كرمه شهر رمضان المبارك؛ حيث فضله على سائر الشهور، والعشر الأواخر من لياليه فضَّلها على سائر الليالي، وليلة القدر جعلها خيراً من ألف شهر، وأعلى شأنها، ورفع مكانتها حيث أنزل فيها وحيه المبين هدىً للمتقين، وضياءً ورحمة؛ (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) القدر 1 - 5

فما أعظم هذه الليلة، ليلة واحدة خير من ألف شهر، وألف شهر يزيد على ثلاثة وثمانين عاماً، فهو عمر طويل لو قضاه المسلم كله في طاعة الله عزّ وجل، وهذا فضل عظيم وإنعام كريم.

عباد الله ؛

في هذه الليلة المباركة يكثر تنزل الملائكة؛ لكثرة بركتها وعِظم خيرها، وهي سلام حتى مطلع الفجر؛ فهي خير كلّها، ليس فيها شر إلى مطلع الفجر، وفي هذه الليلة المباركة (يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) الدخان 4 ؛ أي يقدر فيها ما يكون في تلك السنة بإذن الله الحكيم؛ أي التقدير السنوي، وأما التقدير العام في اللوح المحفوظ، فهو متقدم على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما صحت بذلك الأحاديث، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل ليلة القدر أنه قال " مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ" رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه .

عباد الله ؛

ليلة القدر تكون في العشر الأواخر من شهر رمضان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "التَمِسُوها في العَشرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ،" رواه البخاري ومسلم ، وطلبها في أوتار الشهر آكد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث يبقَين أو سبع يبقين أو تسع يبقين" صححه الألباني.

أيها الإخوة

إن الحكمة من إخفائها وعدم تعيينها في النصوص أن يجتهد المسلمون في جميع العشر بطاعة الله جلّ وعلا بالتهجُّد وقراءة القرآن والإحسان، وليتبين بذلك النشيط والمجد في طلب الخيرات من الخامل الكسلان، ولأن الناس لو علموا عينها، لاقتصر أكثرهم على قيامها دون سواها

أيها الأحبة

إن الواجب علينا أن نحرص تمام الحرص على طلب هذه الليلة المباركة؛ لنفوز بثوابها ولنغنم من خيرها، ولنحصل على أجورها، فإن المحروم مَن حُرِم الثواب، ومن تمرُّ عليه مواسم المغفرة، ويبقى محمَّلاً بذنوبه؛ بسبب غفلته وإعراضه وعدم مبالاته ، فطوبى لمن نال فيها سبق الفائزين، وسلك فيها بالقيام والعمل الصالح سبيل الصالحين.

أيها الناس ؛ من لم يربح في هذه الليلة المباركة ففي أي وقت يربح، ومن لم يُنب إلى الله في هذا الوقت الشريف، فمتى يُنيب، ومن لم يزل متقاعساً فيها عن الخيرات، ففي أي وقت يعمل ، فاجتهدوا رحمكم الله في طلب تلك الليلة الشريفة، وتحروا خيرها وبركتها بكثرة القيام، وبذل الصدقات، وكثرة الطاعات واجتناب المعاصي والسيئات، والندم والتوبة من الذنوب والخطايا، والإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن، والدعاء؛ وليتخير من الدّعاء أجمعه؛ روى الترمذي، وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت :"قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ إنْ علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدْر؛ ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللَّهُمَّ إنَّك عفُوٌّ تحبُّ العفوَ، فاعفُ عنِّي" صححه الألبانيُّ في صحيح سنن الترمذي، فإن هذا الدعاء عظيم المعنى عميق الدلالة.

هذا وأستعفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين

أما بعد، عباد الله

أوصيكم بتقوى الله والاجتهاد في طاعته والسعي في التقرُّب إليه بما يحب من صالح الأعمال، ولا سيَّما ونحن نعيش هذه الأيام الفاضلة والليالي المباركة، نعيش أوقات شريفة، وسنعيش قريباً بإذن الله العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص هذه العشر بالاجتهاد في العمل أكثر من غيرها، كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها : " كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ، ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ" ، وعنها قالت :"كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ." رواه البخاري.

هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على إمام الصائمين وقدوة القائمين، وقائد الغُرِّ المحجَّلين محمد بن عبدالله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)الأحزاب 56، وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى اللهُ عليه بها عَشْرًا) رواه مسلم .

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم انصر إخواننا المظلومين في كل مكان، اللهم اربط على قلوبهم، وثبِّت أقدامهم واحفظهم يا ذا الجلال والإكرام

اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين؛ فإنهم لا يعجزونك، اللهم مزقهم شر ممزق

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقضِ الدَّين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين

اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وأعنه على البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، وارزقه البطانة الصالحة يا حي يا قيُّوم، اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك، واتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم واجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم أصلح ذات بيننا، وألِّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، اللهم إنا نسألك الهدى والسداد والتقى والعفة والغنى، اللهم رحمتك نرجوا، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأصلح لنا شأننا كله اللهم أنصر جنودنا على الحوثيين في الحد الجنوبي

اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أسرفنا وما أنت أعلم به منَّا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، اللهم اغفر ذنوب المذنبين من المسلمين وتب على التائبين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ما يختم به رمضان

الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، جعل لكل موجود في هذه الدنيا زوالا، ولكل مقيم انتقالا، ليعتبر بذلك أهل الإيمان، فيبادروا بالأعمال، ماداموا في زمن الإمهال، ولا يغتروا بطول الآمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.

أما بعد، أيها الناس؛

اتقوا الله تعالى، وتفكروا في سرعة مرور الليالي والأيام، واعلموا أنها تَنقص بمرورها أعماركم، وتُطوى بها صحائف أعمالكم، فبادروا بالتوبة والأعمال الصالحة قبل انقضاء الفرصة السانحة.

عباد الله: كنتم بالأمس القريب تستقبلون شهر رمضان المبارك، واليوم تودعونه مرتحلا عنكم بما أودعتموه، شاهدا عليكم بما عملتموه، فهنيئا لمن كان شاهدا له عند الله بالخير، شافعا له بدخول الجنة والعتق من النار، وويل لمن كان شاهدا عليه بسوء صنيعه، شاكيا إلى ربه من تفريطه فيه وتضييعه، فودعوا شهر الصيام والقيام بخير ختام، فإن الأعمال بالخواتيم، فمن كان محسنا في شهره فعليه بالإتمام، ومن كان سيئا فعليه بالتوبة، والعمل الصالح فيما بقي له من الأيام، فربما لا يعود عليه رمضان بعد هذا العام، فاختموه بخير، واستمروا على مواصلة الأعمال الصالحة التي كنتم تؤدونها فيه في بقية الشهور، فإن رب الشهور واحد، وهو مطلع عليكم وشاهد، وقد أمركم بفعل الطاعات في جميع الأوقات، ومن كان لا يعبد الله إلا في شهر رمضان فإن شهر رمضان قد انقضى وفات، ومن كان يعبد الله على الدوام فإن الله حي لا يموت، فليستمر على عبادته في جميع أيام الحياة، فإن بعض الناس يتعبدون الله في شهر رمضان خاصة، فيحافظون فيه على الصلوات في المساجد، ويكثرون من تلاوة القرآن، ويتصدقون من فضول أموالهم، فإذا انتهى رمضان تكاسلوا عن الطاعات، وربما تركوا الجمعة والجماعات، فهدموا ما بنوه، ونقضوا ما أبرموه، وكأنهم يظنون أن اجتهادهم في رمضان يكفر عنهم ما يجري منهم في السنة من القبائح والموبقات ، وترك الواجبات ، وفعل المحرمات ، ولم يعلموا أن تكفير رمضان وغيره للسيئات، مقيد باجتناب الكبائر والموبقات ، قال تعالى " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " النساء31

وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر " رواه مسلم ، وأي كبيرة بعد الشرك أعظم من إضاعة الصلاة ، وقد صارت إضاعتها عادة مألوفة عند بعض الناس .

إن اجتهاد هؤلاء في رمضان قد لا ينفعهم عند الله إذا هم أتبعوه بالمعاصي من ترك الواجبات وفعل المحرمات .

سئل بشر الحافي رحمه الله عن قوم يجتهدون في شهر رمضان ، فإذا انقضى ضيعوا وأساؤوا فقال:( بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان إن الصالح الذي يتعبد و يجتهد السنة كلَّها). نعم، لأن من عرف الله خافه في كل زمان .

والمؤمن يفرح بانتهاء الشهر، لأنه استكمله في العبادة والطاعة ، فهو يرجو أجره وفضائله ، والمنافق يفرح بانتهاء الشهر ، لينطلق إلى المعاصي والشهوات التي كان مسجونا عنها في رمضان ، ولذلك فإن المؤمن يتبع شهر رمضان بالاستغفار والتكبير والعبادة ، والمنافق يتبعه بالمعاصي واللهو وحفلات الغناء والمعازف والطبول فرحا بفراقه

عباد الله: لقد شرع الله لكم في ختام هذا الشهر التكبير في ليلة العيد، قال تعالى " ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون " البقرة: 185

وشرع لكم صدقة الفطر، فهي واجبة على الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، ويستحب إخراجها عن الحمل في البطن، وهي من غالب قوت البلد تمرا أو برا أو شعيرا أو زبيبا أو أقطا ومقدارها صاع عن كل شخص أي: ما يعادل ثلاثة كيلو، ويجزئ عن هذه الخمسة كل حب يقتات في البلد: كالأرز، ولا يجوز فيها إخراج الدراهم ولا تجزئ، لأن ذلك خلاف السنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج الطعام وقدره بالصاع، فلا بد من التقيد بأمره صلى الله عليه وسلم

ويخرج الإنسان صدقة الفطر عن نفسه وعمن يقوم بنفقته ، ومحل إخراجها هو البلد الذي وافاه تمام الشهر وهو فيه، ومن كان في بلده وعائلته في بلد آخر فإنه يخرج فطرتهم مع فطرته في البلد الذي هو فيه، وإن عمدهم يخرجون عنه وعنهم في بلدهم جاز، وإن أخرج عن نفسه في بلده وأخرجوا عن أنفسهم في بلدهم جاز

والذين يعطون صدقة الفطر هم فقراء البلد الذين تحل لهم زكاة المال ، سواء كانوا من أهل البلد أو من الفقراء القادمين عليه من بلد آخر .

ولا يشرع نقل صدقة الفطر إلى بلد آخر، إلا إذا كانوا أشد حاجة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإخراجها إلى فقراء البلد الذي يفطر فيه الصائم ليلة العيد

ووقت إخراجها ليلة العيد، بعد ثبوت الهلال إلى الخروج لصلاة العيد في البلد الذي وافاه تمام الشهر وهو فيه، والعبادات توقيفية لا يجوز التصرف فيها حسب الأهواء والآراء، ومن فاته إخراجها قبل صلاة العيد فإنه يخرجها في بقية يوم العيد، ومن فاته إخراجها في يوم العيد فإنه يخرجها بعده قضاء، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين ولا بد أن تدفع في وقت الإخراج إلى المستحق أو إلى وكيله

ويجوز للفقير أن يخرج فطرته مما أعطي من الصدقات، ويجوز دفع صدقة الجماعة إلى فقير واحد، ويجوز دفع صدقة الشخص الواحد إلى جماعة من الفقراء

والحكمة في صدقة الفطر أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين وشكر لله تعالى على إكمال الصيام، فأدوها رحمكم الله، على الوجه المشروع طيبة بها نفوسكم من أوسط ما تطعمون أهليكم " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم " البقرة: 267- 268

ومن الحكمة من مشروعية صدقة الفطر إغناء الفقراء عن السؤال في يوم العيد ليفرحوا مع المسلمين، ويتوسعوا بها، ولذلك حددت بما يكفي الفقير في هذا اليوم وهو الصاع، ومن الحكمة في تحديدها بالصاع أيضا تيسيرها على المتصدق حتى لا تثقله، لأنه قد لا يكون عنده سعة من المال، وهي واجبة على عموم المسلمين لا على الأغنياء فقط

ولعل من الحكمة في جعلها طعاما لا نقودا أن يكون هذا أيسر للمحتاج، لأنه قد لا يجد في يوم العيد من يبيع الطعام، ولأن في جعلها طعاما إظهارا لها بين الناس، لأنها من الشعائر الظاهرة، ولو جعلت نقودا لكانت صدقة خفية إلى غير ذلك من الحكم

فاتقوا الله عباد الله، واعتنوا بإخراجها " قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " الأعلى: 14 ، 15

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم

الخطبة الثانية

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو ذو الفضل والإنعام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل من صلى وصام، وعبد ربه واستقام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، وسلم تسليما .

أما بعد:

عباد الله: ومما شرعه الله لكم في ختام هذا الشهر المبارك أداء صلاة العيد شكرا لله تعالى على أداء فريضة الصيام، كما شرع الله صلاة عيد الأضحى شكرا له على أداء فريضة الحج، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم المدينة وكان لأهلها يومان يلعبون فيهما، قال صلى الله عليه وسلم " قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما: يوم النحر ويوم الفطر " صححه الألباني. فلا تجوز الزيادة على هذين العيدين بإحداث أعياد أخرى كأعياد المولد، والأعياد القومية، لأنها أعياد جاهلية، سواء سميت أعيادا، أو ذكريات، أو أياما أو أسابيع، أو أعواما

وسمي العيد في الإسلام عيدا، لأنه يعود ويتكرر كل عام بالفرح والسرور بما يسر الله قبله من عبادة الصيام والحج اللذين هما ركنان من أركان الإسلام، ولأن الله سبحانه يعود فيهما على عباده بالإحسان والعتق من النيران، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج العام لصلاة العيد حتى النساء، فيسن حضورهن غير متطيبات ولا لابسات لثياب زينة وشهرة، ولا يختلطن بالرجال، والحائض تخرج لحضور دعوة المسلمين وتعتزل المصلى، قالت أم عطية رضي الله عنها " كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى تخرج البكر من خدرها، وحتى تخرج الحيض فيكن خلف النساء فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون ذلك اليوم وطهرته " رواه البخاري.

والخروج لصلاة العيد إظهار لشعائر الإسلام وعَلم من أعلامه الظاهرة، فاحرصوا على حضورها رحمكم الله، فإنها من مكملات أحكام هذا الشهر المبارك، واحرصوا على الخشوع، وغض البصر وعدم إسبال الثياب، وعلى حفظ اللسان من اللغو والرفث وقول الزور، وحفظ السمع من استماع القيل والقال، والأغاني والمعازف والمزامير، ولا تحضروا حفلات السمر واللهو واللعب التي يقيمها بعض الجهال، فإن الطاعة تُتبع بالطاعة لا بضدها، ولهذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته إتْباع صوم شهر رمضان بصوم ستة أيام من شوال، فقد روى الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال، فكأنما صام الدهر كله " رواه الترمذي وصححه الألباني ، يعني : في الأجر والثواب والمضاعفة، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان عن عشرة أشهر، وستة الأيام من شوال عن شهرين، وهذه أشهر السنة كأنما صامها المسلم كلها إذا صام رمضان، وأتبعه ستا من شوال

فاحرصوا رحمكم الله، على صيام هذه الأيام الستة لتحظوا بهذا الثواب العظيم

واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال عز وعلا " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " الأحزاب:56.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد ءامنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم أصلح ولاة أمورنا وأصلح بطانتهم، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، من اليهود والنصارى وسائر الكفرة والمشركين، ومن شايعهم وأعانهم من المنافقين والمرتدين، اللهم شتت شملهم وخالف بين كلمتهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم وسلط بعضهم على بعض واشغلهم بأنفسهم واجعل كيدهم في نحورهم إنك على كل شيء قدير

عباد الله: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " النحل 90

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكره على نعمه يزدكم، " ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون " العنكبوت 45

ماذا بعد رمضان؟

الحمد لله مقدرِ الأقدارِ ومصرفِ الأيامِ والشهورِ، أحمده على جزيل نعمه وهو الغفور الشكور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.

أما بعد؛ أيها الناس:

اتقوا الله تعالى وتفكروا في سرعة مرور الأيام والليال، وتذكروا بذلك قرب انتقالكم من هذه الدنيا، فتزودوا بصالح الأعمال.

حل بكم شهر رمضان المبارك بخيراته وبركاته، وعشتم جميع أوقاته، ثم انتهى وارتحل سريعا، فليحاسب كل منا نفسه ماذا قدم في هذا الشهر، فمن قدم فيه خيرا فليحمد الله على ذلك، وليسأله القبول والاستمرار على الطاعة في مستقبل حياته، ومن كان مفرطا فيه فليتب إلى الله، وليبدأ حياة جديدة يستغلها بالطاعة، بدل الحياة التي أضاعها في الغفلة والإساءة، لعل الله يكفر عنه ما مضى ويوفقه فيما بقي من عمره، قال تعالى: "وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ " (هود 114)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"حسنه الألباني.

عباد الله: إن عبادة الله واجبة في كل وقت وليس لها نهاية إلا الموت. قال تعالى "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ " (الحجرات 99) ، وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ "( آل عمران 102)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)رواه مسلم.

ولله عبادات تؤدى في مواقيتها يوميا وأسبوعيا وسنويا وهذه العبادات منها ما هو أركان للإسلام، ومنها ما هو مكمل له؛ فالصلوات الخمس تؤدى في كل يوم وليلة، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الإسلام، والجمعة تؤدى كل أسبوع، وهي من أعظم شعائر الإسلام، يجتمع لها المسلمون في مكان واحد اهتماما بها، والزكاة قرينة الصلاة، وصيام شهر رمضان يجب في كل سنة، وحج بيت الله الحرام يجب على المسلم المستطيع في العمر مرة، وكذا العمرة، وما زاد على المرة من الحج والعمرة فهو تطوع

وإلى جانب هذا العبادات الواجبة عبادات مستحبة، مثل: نوافل الصلوات، ونوافل الصدقات، ونوافل الصيام، ونوافل الحج والعمرة، وهذا مما يدل على أن حياة المسلم كلها عبادة إما واجبة وإما مستحبة

فالذي يظن أن العبادة مطلوبة منه في شهر رمضان وبعده يعفى من العبادة، لم يعرف الله حق معرفته، ولم يقدره حق قدره، حيث لم يطعه إلا في رمضان، ولم يخف منه إلا في رمضان، ولم يرج ثوابه إلا في رمضان

إن هذا الإنسان مقطوع الصلة بالله، مع أنه لا غنى له عنه طرفة عين، والعمل مهما كان؛ إذا كان مقصورا على شهر رمضان فهو عمل مردود على صاحبه مهما أتعب نفسه فيه؛ لأنه عمل مبتور لا أصل له ولا فرع، وإنما ينتفع برمضان أهل الإيمان الذين هم على الاستقامة في كل زمان، يعلمون أن رب الشهور واحد، وهو في كل الشهور مطلع على أعمال عباده وشاهد

ولقد بلغ الجهل ببعض المنتسبين إلى الإسلام أنه إذا صلى الجمعة كفته عن العبادة في بقية الأسبوع، فيضيع الصلوات الخمس، وبعضهم يعتقد أن صيام رمضان والتعبد فيه يكفيه عن التعبد في بقية السنة، فيترك الصلوات أحد عشر شهرا، ويصلي في شهر واحد، والبعض الآخر يعتقد أنه إذا حج مرة في عمره كفر الحج عنه ما مضى وكفاه عن العمل في المستقبل، وربما يستدل خطأ على ذلك بما جاء في الحديث أن هذه العبادات كفارات لما بينهن، ولو استكمل الحديث وتأمله لوجد أن التكفير المذكور فيه مشروط باجتناب الكبائر، والله تعالى يقول:" إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا "(النساء 31)

وليس بعد الشرك أكبر من إضاعة الصلوات الخمس، وهؤلاء قد ضيعوها وضيعوا غيرها من أوامر الدين، ولا يُكفر ذلك عنهم إلا التوبة النصوح والعمل الصالح قال تعالى :" فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا " (مريم: 60،59)

ويشترط لصحة التوبة ثلاثة شروط:

أحدها: ترك الذنوب تركا نهائيا.

الثاني: أن يندم على ما حصل منه من الذنوب

الثالث: أن يعزم على أن لا يعود إلى المعاصي

وشهر رمضان خير عون لمن يريد أن يتوب توبة صحيحة؛ لأنه يستطيع فيه السيطرة على نفسه وهواه، ويستطيع فيه ترك مألوفاته وشهواته وفعل الطاعات بسهولة؛ فهو يسهل فعل الطاعات، وينبه ذوي الغفلات، والموفق في هذا الشهر من استفاد من مروره عليه؛ فتعود فعل الطاعات، والابتعاد عن المعاصي والمحرمات، وصار منطلقا له في المستقبل في الاستمرار على ما اعتاده فيه من فعل الخير، والمخذول من يعتبر شهر رمضان سجنا ثقيلا يستطيل أيامه، وينتظر نهايته لينطلق إلى العصيان، وطاعة النفس والشيطان

فاتقوا الله عباد الله وأتبعوا شهر رمضان بالاستمرار على الطاعات "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " (آل عمران 200)

هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي من علينا بنعمة الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والسلام.

أما بعد؛ أيها الناس:

اتقوا الله تعالى، وتابعوا فعل الخيرات بعد رمضان، فإن من علامة قبول الحسنة فعل الحسنة بعدها، وما شهر رمضان إلا منشط على الخير وبداية للتوبة والعمل الصالح، ونهاية العمل تكون بالموت لا بخروج رمضان، وإن من علامة قبول التوبة والأعمال في رمضان أن يكون الإنسان بعد رمضان أحسن حالا في الطاعة عما قبل رمضان، ومن علامة الرد والخذلان أن يكون الإنسان بعد رمضان أسوأ حالا مما قبله.

فتنبهوا لأنفسكم رحمكم الله، وانظروا حالكم بعد رمضان، واعلموا أن باب التوبة مفتوح دائما في رمضان، وفي كل زمان، فمن فاتته التوبة في رمضان فلا يقنط من رحمة الله، بل يبادر بالتوبة في أي وقت كان، فإن الله يتوب على من تاب، ويغفر الذنوب لمن رجع إليه وأناب، قال تعالى:" قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ " (الزمر: 53-55)

حافظوا على ما كسبتم في رمضان من الحسنات ولا تفسدوه بالرجوع إلى المعاصي والسيئات، فتهدموا ما بنيتم، وتبطلوا ما قدمتم، فإن السيئات إذا كثرت أهلكت الإنسان، ورجحت على حسناته في الميزان "وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ " (المؤمنون103)

واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال عز وعلا "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "(الأحزاب 56).

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد ءامنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين اللهم اصلح ولاة أمورنا واصلح بطانتهم اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، من اليهود والنصارى وسائر الكفرة والمشركين، ومن شايعهم وأعانهم من المنافقين والمرتدين، اللهم شتت شملهم وخالف بين كلمتهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم وسلط بعضهم على بعض واشغلهم بأنفسهم واجعل كيدهم في نحورهم إنك على كل شيء قدير.

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم،" وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ "(العنكبوت 45)

أحوال العباد في رمضان

إن الحمد لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونعوذُ بالله من شُرور أنفُسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يُضلل فلا هادي له وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدُ أن محمدا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم دين.

أما بعد أمة الإسلام.

اتقوا الله وراقبوه واعلموا أن تقوى الله أجلُ أسباب النصر والتمكين والتوفيق الإلهي ولا عز من عز إلا بما وقر في القلوب من تعظيم الله وإجلاله وتقواه "‏‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" (الطلاق 2-3)

أمة الإسلام

ها نحن قد فارقنا عن قريب أياما من أعظم أيام الله المشهُودة وشهرا هو خيرُ شهور السنة وقد كانت قلوبنا في أول الشهر تخفق فرحا بدخوله ثم في سرعة وميضة انقضت أيامُه ولياليه المباركة بما حملناها من أعمال خُتم عليها فلا تُفتحُ صفحتها إلا بين يدي العليم الخبير يوم العرض الأكبر عليه سبحانه فمن وجد خيرا فهنيئا له القبول والرضا والدخول من باب الريان الى جنات النعيم حيث يُوفى الصائمون الصابرون أجرهم بغير حساب ومن وجد غير ذلك فلا يلُومن إلا نفسَه ولا يُعاتبُ إلا ذاتَه فالله تعالى قد بلغه الشهر المُبارك وفتح له فيه أبواب رحمته وفضله ولكنه أبى واستحب العمى على الهُدى لقوله صلى الله عليه وسلم: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى رواه البخاري

أمة الإسلام

إن من أهم الأمور عند المُسلم بعد انتهائه من العبادات أن يتقبلها الله منه فتراه يعملُ ويتقربُ إلى الله بصدق وإخلاص لا رياء ولا سُمعة ولا حُبا في ثناء بل يخافُ ألا يتقبل الله منه لأن الله طيب لا يقبلُ إلا طيبا والله سبحانه وتعالى يقول(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين)المائدة 27 أي الذين اتقوا الله في ذلك وعملُوا بإخلاص وفق السنة مع الخوف من عدم القبول ولذا كان وصف عباد الله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُون)المؤمنون60 وقد "سألتُ - عائشة رضي الله عنها - رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عن هذِهِ الآيةِ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قالت عائشةُ : أَهُمُ الَّذينَ يشربونَ الخمرَ ويسرِقونَ قالَ لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ ، ولَكِنَّهمُ الَّذينَ يصومونَ ويصلُّونَ ويتصدَّقونَ ، وَهُم يخافونَ أن لا تُقبَلَ منهُم أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ " أخرجه الترمذي وصححه الألباني .

عباد الله :

المُسلم الصادق يمشي في دُروب الحياة سائرا إلى الله على الرجاء والأمل والخوف والحذر فيعملُ الصالحات ويرجُو من الله القبول ويأملُ في رحمة أرحم الراحمين بكرمه وهو مع ذلك يخشى عذاب الله وسخطه ويخافُ من تقلُب الأحوال وفُجاءة النقم وزوال النعم وأن يحُول الله بينه وبين قلبه فلا يقبلُ منه أعماله.

فقبولُ الأعمال عند الله ورضاه عنها وإثابتُه عليها هو أمنية الصالحين"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ *وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " (الأنفال 24-25)

أمة الإسلام ؛

إن من أخطر الآفات التي تعترضُ المُسلم في سيره إلى الله أن يُصاب بداء الفُتور والكسل وقد نعى الله سبحانه على قوم أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كُسالى ولا يُنفقون إلا وهم كارهون فكيف بمن تفتُرُ همتُه عن العبادة!

وحذرنا سبحانه وتعالى من حالة أولئك الذين يُشيدُون بُنيان أعمالهم ويتقربُون إلى الله ثم ينقطعون وينقُضون بُنيانهم"وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " (92النحل)

وفي الصحيحين أن النبي-ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما – يا عبد الله لا تكُن مثل فُلان كان يقُوم من الليل فترك قيام الليل

وأخرج الإمام أحمد عن النبي-ﷺ أنه قال: إن لكل عمل شرة - أي: اجتهاد ونشاط- ولكل شرة فترة فمن كانت فترتُه إلى سُنتي فقد أفلح ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك صححه الألباني

بارك الله لنا ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لنا ولسائر المُسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمدُ لله العلي الأعلى الذي أنزل الكتاب على عبده ولم يجعل له عوجا والصلاةُ والسلامُ على المبعُوث بالرحمة والهدى وعلى الصحابة الكرام أولي الفضل والمكارم والنُهى والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الشهورُ والسُنون إلى يوم القيامة.

أما بعد أمة الإسلام.

إن السعيد المُوفق من يكُون فُتورُه مُؤقتا وهو في أثناء ذلك مُقيمُ على الطاعة يُسدد ويُقارب حتى يعود مرة أخرى إلى الطاعات بانشراح صدر وقوة وثبات هذا هو الصادقُ مع الله الذي علم الله إخلاصه فوفقه ولم تزل قدمُه في وقت فُتوره ولم تتغير علاقتُه بربه

أمة الإسلام

إن المُسلم حقا من تكونُ تقوى الله شعاره طيلة عُمره فإذا انقضت مواسمُ الخير لم تجده بعدها غافلا لاهيا

هذا وصلوا وسلموا على سيد البشرية وهاديها وسراجها المُنير فإن الله عز وجل – قد أمرنا بالصلاة والسلام عليه حيث قال في مُحكم تنزيله(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)الأحزاب56 -وقال صلى الله عليه وسلم: من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا رواه مسلم

اللهم صل وسلم وبارك على خليل الله محمد وعلى آله وأزواجه وذرياته الطيبين الطاهرين وسائر صحابته الكرام الأبرار الأطهار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم من أراد ديننا وبلادنا وأمننا بسُوء وكيد ومكر فاقتُلهم بددا وأحصهم عددا ولا تُغادر منهم أحدا بقوتك يا عزيز يا قويُ.

اللهم وفق ولي أمرنا لما تُحبُه وترضاه وأعنه وسدده وأيده اللهم انصر جنودنا على الحوثيين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المُسلمين اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وأصلح أعمالنا .

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

الأعياد غير الإسلامية

إنَّ الـحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

أمَّا بَعْدُ

اتَّقُوا اللهَ حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى وَاِعْلَمُوا" أَنَّ خَيْرَالحديث كتاب الله وخير الهدي هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثُاتُهَا،وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ."أخرجه مسلم.

عِبَادَ اللهِ، يُـحْتَفَلُ فِي بَعْضِ أَنْـحَاءِ الْـعَالَـمِ بِعِيدَيْنِ أَحَدُهُـمَا شِرْكِيٌّ، وَالآخَرُ بِدْعِيٌّ، فَأَمَّا الْـعِيدُ الشِّرْكِيٌّ فَهُوَ اِحْتِفَالُ النَّصَارَى بِعِيدِهِمْ، الَّذِي يَزْعَمُونَ أَنَّهُ مِيلَادُ الْمَسِيحِ عِيسَى، عَلَيهِ السَّلاَمُ، الَّذِي يَدَّعُونَ كَذِبًا أَنَّهُ اِبْنُ اللهِ -تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلَكَ عُلُوًّا كَبِيـرًا-

وَوَصَفَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِعْلَهُمْ هَذَا بِأَنَّهُ شَتْمٌ لَهُ؛ حَيْثُ قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ " قالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَشْتِمُنِي ابنُ آدَمَ، وما يَنْبَغِي له أنْ يَشْتِمَنِي، ويُكَذِّبُنِي وما يَنْبَغِي له، أمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إنَّ لي ولَدًا، وأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: ليسَ يُعِيدُنِي كما بَدَأَنِي. ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

فَقَدْ زَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ للهِ وَلَدًا، وَجَعَلُوا فِي نِـهَايَةِ كُلِّ سَنَةٍ مِيلَادِيَّةٍ اِحْتِفَالاً بِـهَــذَا الْإِفْكِ الْمـُــبِينِ؛ الَّذِي تُنْكِرُهُ الْعُقُولُ الْـمُؤْمِنَةُ، وَتَنْفُرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ الَّتِـي لِرَبِّـهَا خَاشِعَةٌ، قَاَلَ اللهُ –تَعَالَى- ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَـمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون. مريم 34- 35

وَالعَجِيب كَيْفَ يسْتَسَيغَ مُسْلِمٌ أنْ يُشَارِكَهُمْ في بَاطِلَهُمْ؟ وَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ، التِيِ تَكَادُ الْـجَمَادَاتُ أَنْ تَنْخَلِعَ مِنْ هَوْلِــــهَا فَقَالَ –تَعَالَى- مُنْكِرًا قَوْلَـهـُم:" لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا. مريم 89- 91

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يـَحذَرَ مِنَ الْمُتَسَاهِلِيـنَ بِـمِثْلِ هَذِه الأَعْيَادِ الشِّرْكَـيَّـةِ، وَوَاصِفِي الـمُحَذِّرِينَ مِنْهَا وَمُـجْتَنِبِيهَا بِالتَّخَلُّفِ وَالرَّجْعِيَةِ، وَقَدْ بَيَّـنَ اللهُ غَايَةَ أُولَئِكَ الـمُدافعين عَنِ البَاطِلِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ. الأنعام 121

فعلينا ألَّا نَنْجَرِفَ وَرَاءَ هَذَا التَّزْيِيـنِ الشَّيْطَانِيِّ، وَأَلَّا نـَحْتَفِلَ بـِهَذِهِ الأَعْيَادِ الشِّرْكَـيَّـةِ، وألَّا نَنْصَاعَ لِمِثْلِ هَذِهِ الأَرَاجِيفِ الضَّالَّةِ الْـمُضَلِّلَةِ، قَالَ تَعَالَى وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُـمَّ لاَ تُنصَرُونَ.هود:113؛ فَهَذِهِ أَعْيَادٌ كُفْرِيَّةٌ لَا يَجُوزُ التَّهْنِئَةُ بـِهَا؛ فَضْلاً عَنْ حُضُورِهَا، وَالاِحْتِفَاءِ وَالرِّضَا بـِهَا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِقْرَارًا لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى شِرْكِهِمْ

وَقَدْ أَفْتَتْ الَّلجْنَةُ الدَّائِمَةُ بِأَنَّهُ "لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ تَهْنِئَةُ النَّصَارَى بِأَعْيَادِهِمْ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعَاوُنًا مَعَهُمْ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ، وَقَدْ نَهَانَا اللهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.المائدة:2، وَلِأَنَّ فِي هَذِهِ التَّهْنِئَةِ تَوَدُّدًا إِلَيْهِمِ، وَطَلَبًا لِمَحَبتِّهِمْ، وَإِشْعَارًا بِالرِّضَا عَنْهُمْ، وَعَنْ شَعَائِرِهُمْ، وَهَذَا لَا يـَجُوزُ؛ بَلُ الوَاجِبُ إِظْهَارُ بُغْضِهِمْ وَالعَدَاوَةِ لَـهُمْ؛ لِأَنَّهُم يُـحَادُّونَ اللهَ جَلَّ وَعَلَا، وَيُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهِ، وَيَـجْعَلُونَ لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَدًا" أ.هـ

والشيء المؤلم أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الإِسْلَامِ قَدْ وجهوا وُجُوهَهُمْ نَـحْوَ الْـمَـشْرِقِ وَالْـمَغربِ؛ لِـحُضُورِ هَذِهِ الأَعْيَادِ، وَالْـمُشَارَكَةِ فِي هَذِهِ الْـمُنَاسَبَاتِ الْـمُغْضِبةِ لِلْرَبِّ، وَالجَالِبَةِ لِسَخَطِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والْـمـُظْهِرَةِ لِلْضَّعْفِ وَالوَهَنِ، وَلَقَدْ بَيَّـنَ شَيْخُ الإِسْلَامِ –رَحِـمَهُ اللهُ- أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِينَ لَهمْ فِي أَعْيَادِهمْ، مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى عِيدِهِم، مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الِّلبَاسِ، وَالرَّيْـحَانِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ إِهْدَاءَ ذَلِكَ لَـهُمْ، يُعَدُّ نَوْعًا مِنْ إِعَانَتِهِمْ عَلَى إِقَامَةِ عِيدِهِمْ الْـمُحَرَّمِ

وَبَيَّنَ –رَحِـمَهُ اللهُ- عَدَمَ جَوَازِ أَكْلِ مَا ذُبِحَ فِي أَعْيَادِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مِـمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ، وَلِأَنَّ فِي أَكْلِهِ تَعْظِيمٌ لِشِرْكِهِمْ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ كَرَاهِيَةُ رَكُوبِ السُّفُن ِالتِيِ يَركَبُ فِيهَا النَّصَارَى إِلَى أَعْيَادِهِمْ؛ مَـخَافَةَ نُزُولِ السَّخْطَةِ عَلَيهِمْ بِشِرْكِهِمْ الَّذِي اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ.

تأمل حَتَّـى الرُّكُوبِ فِي بَاخِرَةٍ لَيْسَ لِبَعْضِ رُكَّابِـهَا مَقْصَدٌ حَرَامٌ، فَكَيْفَ بِـمَنْ شَدَّ الرِّحَالَ لِحُضُورِ أَعْيَادِهِمْ، وَالاجْتِمَاعِ مَعَهُمْ، فِي المَرَاقِصِ وَالمَلَاهِي، وَمَلَاعِبِ الوَثَنِيَّةِ احْتِفَالاً بِـهَا؟

عِبَادَ اللهِ، أَمَّا الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَنْـحَاءِ الْعَالَـمِ؛ فَهُوَ احتفال بِدْعِيٌّ؛ وَهَذَا الْاِحْتِفَالُ عَلَيْهِ الْكَثِيـرُ مِنَ الْـمآخِذِ، وَمِنْ ذَلِكَ

أَوَّلًا: إِنَّ هَذَا الْاِحْتِفَالَ بِالْـمَوْلِدِ لَـمْ تَعْرِفْهُ أُمَّةُ الإِسْلَامِ مِنْ قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِعَهُ للنَّاسِ الْمَذْهَبُ الْبَاطِنِـيُّ الْـخَبِيثُ؛ حَيْثُ اِبْتَدَعَتْهُ الدَّوْلَةُ الْعُبَيْدِيَّةُ الْفَاطِمِيَّةُ بَنُو عُبَيْدِ الْقَدَّاحُ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ؛ تَقْلِيدًا للنَّصَارَى الَّذِينَ اِحْتَفَلُوا بِرَأْسِ السَّنَةِ الْمِيلَادِيَّةِ؛ فَاحْتَفَلُوا هُمْ بِرَأْسِ السَّنَةِ الْـهِجْرِيَّةِ

وَلَوْ اِسْتَطَاعُوا أَنْ يَتَّخِذُوا مِنَ النَّبِـيِّ، -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، إِلـهًا كَمَا فَعَلَ النَّصَارَى بِاتِـخَاذِهِمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَـهًا لَفَعَلُوا؛ وَلَكِنَّ اللهَ حَـمَا نَبِيَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِدُعَائِهِ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، حِيـنَ قَالَ اللَّهُمَّ لَا تـجـْعَلْ قَبْـرِي وَثَنًا يُعْبَدُ. صَحَّحَهُ الأَلْبَانيُّ في تخريج مشكاة المصابيح

ثَانِيًا: إِنَّ التَّارِيخَ الْمُحْتَفَلَ فِيهِ بِـمَوْلِدِهِ، -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، هُوَ فِي الْـحَقِيقَةِ تَارِيخُ وَفَاتِهِ؛ فَلَعَلَّ الدَّوْلَةَ الْفَاطِمِيَّةَ الْـبَاطِنِـيَّةَ، اِبْتَدَعَتْ هَذَا الْيَوْمَ لِلْاِحْتِفَالِ فَرَحًا بِيَوْمِ وَفَاتِهِ، -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، فَاِنْطَلَتْ هَذِهِ الْـحِيلَةُ عَلَى الْـمُحْتَفِلِيـنَ

ثَالِثًا: لَوْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْلِدِ الْمَزْعُومِ خَيْرًا؛ لَبَادَرَ إِلَيْهِ النَّبِـيُّ، -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَكِنَّهُمْ مَا فَعَلُوا، فَهَلْ خَفِيَ هَذَا الْـخَيْـرُ الْـمَزْعُومُ عَلَى النَّبِـيِّ، -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِيـنَ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَوُفِّقَ إِلَيْهِ خَلِيفَةٌ فَاطِمِيٌّ؟ مَذْهَبُهُ كُفْرِيٌّ بِإِجْـمَاعِ الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، الَّتِـي أَجْـمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْمَذَاهِبَ الْبَاطِنِيَّــةَ مِنْ نُصَيْـرِيَّةٍ، وَدُرْزِيَّةٍ، وَإِسْـمَاعِيلِيَّةَ؛ لَيْسَتِ مِنَ الإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ

رَابِعًا: إِنَّ هَذَا الدِّينَ أَكْمَلَهُ اللهُ وَأَتَـمَّـهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْـمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتـِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دينا.المائدة:3، وَمَا أَكْـمَلَهُ اللهُ لَا يَعْـتَـرِيهِ نُقْصَانٌ وَمَا أَتَـمَّهُ فَلَا يَـحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ، وَالْاِحْتِفَالُ بِالْـمَوْلِدِ يُعْتَبَـرُ زِيَادَةً عَلَى مَا شَرَعَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ، وَإِحْدَاثًا فِي دِينِهِ

خَامِسًا: هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ أُرِيدُ مِنَ الْاِحْتِفَالِ بِـمَوْلِدِهِ أَنْ أُظْهِرَ مَـحَبَّتِـي للنَّبِـيِّ، -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- وَيُرَّدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَـحَبَّةَ النَّبِـيِّ، -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-، تَكُونُ بِطَاعَتِهِ، فَتَأْتَـمِرُ بِأَوَامِرِهِ، وَتَنْتَهِي عَنْ نَـهْيِهِ، كَـمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ. آل عمران:31

هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إنه هو الغفور الرحيم

الْـخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً .

أمَّا بَعْدُ

عِبَادَ اللهِ: اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاِعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى

الَّلهُمَّ اِحْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ، وَالمِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا، لِمَا تُحِبُ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، الَّلهُم ارْفَعْ رَايَةَ السُّنَّةِ، وَاِقْمَعْ رَايَةَ البِدْعَةِ، الَّلهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ

اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، والْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ

اللَّهُمَّ اُنْصُرِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى حُدُودِ بِلَادِنَا، وَاِرْبِطْ عَلَى قُلُوبِـهِمْ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَانصُرْهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِيـنَ

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.البقرة:201. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْـمُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.الصافات:180-182. وَقُومُوا إِلَى صَلَاتِكمْ يَرْحَـمـْكُمُ اللهُ

الحث على الحج والترغيب فيه

الحمد لله الذي ندبنا إلى حج بيته الحرام، و شوّقنا إليه بالآيات القرآنية و أحاديث سيد الأنام، ثم جعله ركنا أساسيا من أركان الإسلام فهو على الغني المستطيع فريضة كفريضة الصلاة و الصيام، فمن أجاب داعي الله إليه فقد فاز بالأجر العظيم و مغفرة الآثام، و من أعرض فقد فاته الخير و الوقوف بين يدي الملك العلام، في أشرف مقام قال تعالى "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا و من كفر فإنّ الله غنيّ عن العالمين" آل عمران:97. نحمده تعالى وهو القائل "وأتمّوا الحج و العمرة لله"البقرة :196 ، ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وهو القائل "إنّ الصفا والمروة من شعائر الله"البقرة:158. و نشهد أنّ نبينا محمدا عبده و رسوله فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد بن عبد الله أفضل قانت و أواه و خير من تقرب إلى الله بالحج و العمرة و الصلاة و الإنفاق في سبيل الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان ما عظم الحاج ربه بالتكبير و لباه فقال تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصّرين .الفتح:27.

عباد الله: لقد فرض الله عليكم الحج و العمرة إذا إستطعتم الزاد و الراحلة، و دعاكم إلى ضيافته في البيت العتيق حيث تنزل رحماته الشاملة و تتتابع بركاته النازلة، و قال لإبراهيم عليه السلام بعد أن فرغ من بناء الكعبة التي يؤمها الناس للفريضة و النافلة: وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق.الحج:27، و كان العرب قبل الإسلام يعظّمون البيت و يحجّونه و يتقرّبون إلى الله عنده بأعمالهم الباطلة، فأرشدنا القرآن في مناسك الحج إلى الطريقة المستقيمة و حذّرنا من الطريقة المائلة، و من ذلك قوله تعالى: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم و إن كنتم من قبله لمن الضالين.البقرة:198.

فبادروا أيها المسلمون إلى حج بيت الله قبل أن تعرض لكم العوارض وتمنعكم الموانع وجودوا بأموالكم في أداء هذه الفريضة ومهما تنفقوا من الخير فإنه لكم محفوظ وليس عند الله بضائع وكونوا من الذين قال فيهم الخليل عليه السلام: فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.إبراهيم:37. وعساه يدفعكم إلى باب ربكم الكريم هذا الدافع وسيروا إلى الله عرجاً ومكاسير ولا تنتظروا الصحة فإن انتظار الصحة بطالة ونعم المسير إلى تلكم المرابع وكونوا من الطائفين والعاكفين والركع السجود

واعلموا أن الصلاة في حدود الحرم بمائة ألف صلاة لأنه حرم الله ومقر كل طائع ومهبط الوحي وحدود الحرم يشمل منى ومزدلفة والغسالة وجزء من العزيزية والشرائع " الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله"البقرة:197. وبادروا بالحج في هذا العام واحذروا الرفث والفسوق والآثام ففي الحديث "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"رواه مسلم. وفيه أيضاً "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " رواه البخاري ومسلم . واعلموا أنه لا يمنع الزوج زوجته من حج فرض كملت شروطه كبقية الواجبات ويستحب لها استئذانه وإن كان غائباً كتبت له فإن أذن لها وإلا حجت بمحرم وإن لم تكمل الشروط فله منعها وإن أيست من المحرم استنابت من يفعل النسك عنها وإن حجت امرأة بدون محرم حرم وأجزأ وإن مات محرمها الذي سافرت معه بالطريق مضت في حجها ولم تصر محصره

ومن حج عن غيره وهو لم يحج فرضه وقع حجه لنفسه

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

الخطبة الثانية

الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده رسوله

أما بعد

عباد الله: اتقوا الله، واعلموا أن من عزم على الحج فعليه عدة أمور :

أولا: التوبة النصوح من كل المعاصي والمكروهات وأن يجتهد في الخروج من حقوق الخلق مالية أو أدبية فإن كانت مالية ردها إلى أصحابها أو رد بدلها إن تلفت فإن فقد المستحق وتعذر ذلك تصدق بها على الفقراء بنية الغرم إذا وجد صاحبها وإن كانت الحقوق أدبية كغيبة فكفارتها أن يتحلل منه ويطلب منه العفو وليجتهد في قضاء ما أمكنه من ديونه ويرد ما كان عنده من وديعة أو عارية وأداء حقوق الله من زكاة وكفارة ويكتب وصيته إن كانت ما كتبت أو يجددها إن تغير عن فكرته الأولى ويشهد عليها ويترك لأهله ومن تلزمه نفقته نفقتهم إلى حين رجوعه فلو كان عليه دين حال وهو موسر فلصاحب الدين منعه من الخروج وحبسه وإن كان معسراً لم يملك صاحب الدين مطالبته وله السفر

ثانيا: أن يجتهد في رضا والديه ومن يتوجب عليه بره وطاعته وينبغي أن يسترضي أقاربه إن كان بينه وبينهم شيء وإن منعه أحد الوالدين فإن كان منعه من حَجة الإسلام لم يلتفت إلى منعه وحج أما النفل في الحج فلهما ذلك كنفل الجهاد.

ثالثاً: أن يستكثر من النفقة والزاد ليواسي منه المحتاجين ويحرص أن يكون زاده طيباً حلالاً لا شبهة فيه

رابعاً: أن يحصل على كتاب مفيد يوضح أحكام المناسك ككتاب الإيضاح للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله

خامساً: أن يجتهد في الحصول على الرفقاء الأتقياء الصالحين وليحذر من مصاحبة الجهال والسفهاء والكذابين والنمامين والمجاهرين بالمعاصي قولاً وفعلاً

ويستحب له أن يكون سفره يوم الخميس وأن يخرج مبكراً ويستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي ركعتين يقرأ فيهما بعد الفاتحة بقل يا أيها الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص ويستحب أن يقول بعد الركعتين : اللهم أنت الصاحبُ في السفر والخليفة في الأهل والمال ويدعوا بحضور قلب وإخلاص بما تيسر من أمور الدنيا والآخرة.

وينبغي أن يودع أهله وجيرانه وأن يودعوه ويقول كل منهما للآخر: استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك زودك الله التقوى وغفر ذنبك ويسر لك الخير حيثما كنت

ويستحب إذا أراد الخروج من بيته أن يقول: بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا أراد الركوب أن يقول: باسم الله ، وإذا ركب قال: الحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال اللهم إني أعود بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال.

هذا ، وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه :"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "(الأحزاب56) ، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، ووفق وليَّ أمرنا لما تحب وترضى، اللهم يسر لنا حج بيتك واصرف عنا الصوارف، "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "(البقرة201)، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الحج (1)

الحمدُ لله الذي فرض الحج على عباده إلى بيته الحرام، ورتَّب على ذلك جزيل الأجر ووافر الإنعام، فمَن حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه نقيًّا من الذنوب والآثام، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة دار السلام، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلَّى وزكَّى وحجَّ وصام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام، وسلَّم تسليمًا.

أما بعد

أيها الناس: اتَّقوا الله تعالى وأدّوا ما فرض عليكم من الحج إلى بيته الحرام حيث استطعتم إليه سبيلاً، فقد قال الله تعالى "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ"(آل عمران:97). وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الإسلام بني على هذه الخمس، فلا يتم إسلام العبد حتى يحج، ولا يستقيم بنيان إسلامه حتى يحج.

ففريضة الحج ثابتة بكتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وبإجماع المسلمين عليها إجماعًا قطعيًّا فمَن أنكر فريضة الحج فقد كفر ومَن أقَرَّ بها وتركها تهاونًا فهو على خطر فكيف تطيبُ نفس المؤمن أن يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه وهو يعلم أنه من فرائض الإسلام وأركانه كيف يبخل بالمال على نفسه في أداء هذه الفريضة وهو يُنفق الكثير من ماله فيما تهواه نفسه وكيف يوفّر نفسه عن التعب في الحج وهو يُرهق نفسه في التعب في أمور دنياه وكيف يتثاقل فريضة الحج وهو لا يجب في العمر إلا مرّة واحدة وكيف يتراخى ويؤخّر أداءه وهو لا يدري فلربما لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه.

فاتَّقوا الله عباد الله وأدوا ما فرضه الله عليكم من الحج تعبّدًا لله تعالى، ورضًا بحكمه، وسمعًا وطاعة لأمره إن كنتم مؤمنين "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً"(الأحزاب:36).

إن المؤمن إذا أدّى الحج بعد بلوغه مرّة واحدة فقد أسقَطَ الفريضة عن نفسه وأكمل بذلك أركان الإسلام

عباد الله: إن من تمام رحمة الله ومن بالغ حكمته أن جعل لفرائضه حدودًا وشروطًا لتنضبط الفرائض وتتحدّد المسؤولية وجعل هذه الحدود والشروط في غاية المناسبة للفاعل والزمان والمكان، ومن هذه الفرائض الحج، فله حدود وشروط فمنها البلوغ، ويحصل البلوغ في الذكور بواحد من أمور ثلاثة: إنزال المني، أو تمام خمس عشرة سنة أو نبات شعر العانة، وفي الإناث بهذه الثلاثة وزيادة أمر رابع وهو الحيض، ومن شروط وجوب الحج أن يكون مستطيعًا بماله وبدنه فالاستطاعة بالمال أن يملك الإنسان ما يكفي لحجه زائدًا عن حوائج بيته وما يحتاجه من نفقة وكسوة له ولعياله وأجرة سكن لمدة سنة وقضاء دَيْون حاله، والدَّيْن كل ما ثبت في ذمة الإنسان من قرض وثمن مبيع وأجرة وغيرها فمَن كان في ذمته درهم واحد حالٌّ فهو مَدِين ولا يجب عليه الحج حتى يبرئ ذمته منه إما بوفاء أو إسقاط لأن قضاء الدَّيْن مهم جدًّا، حتى إن الرَّجل لَيُقتل في سبيل الله شهيدًا فتكفّر عنه الشهادة كل شيء إلا الدَّيْن فإنها لا تكفّره، وحتى إن الرَّجل ليموت عليه الدَّين فتتعلّق نفسه بدَيْنه حتى يُقضى عنه

والاستطاعة بالبدن أن يكون الإنسان قادرًا على الوصول بنفسه إلى البيت؛ أي مكة بدون مشقة فإن كان لا يستطيع الوصول إلى البيت أو يستطيع الوصول ولكن بمشقة شديدة كالمريض فإن كان يرجو الاستطاعة في المستقبل انتظر حتى يستطيع ثم يحج، فإن مات حُجَّ عنه من تركته، وإن كان لا يرجو الاستطاعة في المستقبل كالكبير والمريض الميؤوس من برئه فإنه يُوَكِّل مَنْ يحج عنه من أقاربه أو غيرهم، فإن مات قبل التوكيل حُجّ عنه من تركته.

هذا واستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه أنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المرسلين ، وبعد :

عباد الله : اعلموا أنه إذا لم يكن للمرأة مَحْرم فليس عليها حج؛ لأنها لا تستطيع السبيل إلى الحج فإنها ممنوعة من السفر بدون مَحْرم.

والرسول صلى الله عليه وسلم حينما أخبره رجل أن زوجته ذهبت بدون محرم وأنه قد اكتتب في الجهاد أمره صلى الله عليه وسلم أن يحج مع امرأته

ولا بدَّ أن يكون المحْرَم بالغًا عاقلاً، فمَن كان دون البلوغ لا يكفي أن يكون محْرَمًا؛ لأن المقصود من المحْرَم حفظ المرأة وصيانتها وهيبتها وذلك لا يحصل بالصغير.

والمرأة يحرم عليها السفر على أي حال وعلى أي مركوب طائرة أو سيارة إلا بمحرم وهو زوجها وكل من يحرم عليه نكاحها تحريماً مؤبداً.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"(الأحزاب:56). وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادنا أو أراد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم اللهم فك أسر المأسورين واغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم وفق ولي امرنا وولي عهده لما تحب وترضى ، وانصر جنودنا في الحد الجنوبي على الرافضة.

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.(النحل:90). فاذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.(العنكبوت:45).

الحج (2)

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وهيأ لنا وسائل حج بيته الحرام نحمده ونشكره ونتوب إليه ونستغفره ونسأله أن يغفر لنا جميع الذنوب والآثام وأن يوفقنا لأداء مناسكنا ويجعلنا ممن قام بواجبه نحو ربه وخاف طول المقام بين يدي الملك العلام ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من قال ربي الله ثم استقام شهادة ندخرها لهول يوم تشيب منه النواصي وترتعد له الأقدام كما نرجوه أن يثبتنا عليها ويجعلها لحياتنا مسك الختام ونشهد أن محمداً عبده ورسوله أشرف من وطأ على الأقدام وطاف وسعى ووقف بالمشاعر وأدى المناسك على التمام اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه هداة الأنام ومصابيح الظلام اللهم ارزقنا محبتهم واتباعهم واجمعنا بهم في دار السلام وحقق اللهم ما نرجوه من نصر الحق وأهله وقمع المفسدين الطغاة

أما بعد

عباد الله: اتقوا الله وتمكسوا بدينه الذي رضيه لعباده وشرعه لهم وقبله منهم ولم يقبل منهم دينا سواه فيا سعادة من قام به واستقام فاستمسكوا بدين الله يا عباد الله وأحسنوا عبادته فإنه لمن أضاع دينه شديد الانتقام

فالمسلم إذا عرف دينه وقام بما يجب عليه فقد سار على نور من ربه إلى دار السلام ومن رغب عنه فقد غرق في بحار الظلام فقال تعالى "أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم"الملك:22.

وقد بني الإسلام على خمسة أركان الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم وحج بيت الله الحرام وقد أوجب الله الحج على المستطيع إذا كان مسلماً بالغاً حراً صحيحاً لقول الله تعالى "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين" آل عمران:97. وشرع الله العبادات لمصالح عباده لا لحاجته لها فالله هو الغني المغني فإنه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية قال تعالى "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم"الحج:37. ولكن شرع العبادات رحمة لعباده وإقامة لمصالحهم ليتنعم بها الطائعون ويحمد مغتنمها الشاكرون ويتحسر على فواتها المفرطون والعاصون ويوم التغابن يعض الظالم على يديه يقول يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وقد بين الله منافع الحج لعباده في الدنيا والآخرة ففي الدنيا سعة الرزق وسعة خلف النفقة ومكافحة الفقر والاقتداء بالأنبياء قال تعالى "ليشهدوا منافع لهم"الحج:28. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة . رواه الترمذي وصححه الألباني .

وما من أيام العمل الصالح فيها أفضل من عشر ذي الحجة فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير وذكر الله

وورد أن أفضل أيام الدنيا عشر ذي الحجة قيل ولا مثلهن في سبيل الله قال ولا مثلهن في سبيل الله إلا من عقر جواده وأهريق دمه

وأما نفعه في الآخرة فجنات الخلد التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

وفي الحديث " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " رواه البخاري ومسلم

وعلى الحاج أن يختار رفيقاً صالحاً من أهل العلم والتقوى يعينه على أداء نسكه على الوجه الأكمل لعل الله يقبل حجه فأهل العلم والصلاح هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وليحذر من صحبة الفساق والأنذال لئلا يدخلوه مداخل السوء فيحبط عمله وهو لا يشعر وليحذر من الرفث والفسوق والعصيان والجدال وليحذر من إيذاء المسلمين ومضارتهم فمن ضار مسلماً ضاره الله ولا سيما وفود بيت الله والمتلبسين بطاعته من طواف وسعي ووقوف ورمي .

وإذا دخلت العشر فمن أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظافره ولا من بشرته شيئا حتى يضحي إلا المتمتع فإنه يقصر من شعره لإحلاله من عمرته لأنه نسك إلا الناسي أو من جهل الحكم فلا شيء عليه ومن تعمد أثم وأضحيته صحيحة

اللهم تقبل حج الحاجين واغفر ذنوب المذنبين يا أرحم الراحمين

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحيكم

الخطبة الثانية

الحمد لله كما يحب ربنا ويرضى نحمده ونشكره ونسأله أن يشفي القلوب المرضى ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فتوحيده على عبده واجب ونشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المرتضى، اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه الذين محبتهم وأتباعهم علينا فرض

أما بعد

عباد الله: اتقوا الله واستعدوا لحج بيت ربكم فإنكم ستفدون على مولاكم المطلع على سركم ونجواكم فتوجهوا إليه بإخلاص وتوبة من جميع الذنوب وعزيمة واثقة ورغبة ورهبة صادقة واتركوا ما سلف منكم من الذنوب واسألوه قبول التوبة فإنه قريب مجيب وأطيبوا الكلام وأطعموا الطعام وافشوا السلام لعل الله يشكر سعيكم ويقبل حجكم ولعلكم تفوزون برضى ربكم واسألوه أن يغفر لحيكم وميتكم

واعلموا أن للحج أركان وواجبات ومسنونات ينبغي أن يعرفها المسلم ليكون على بصيرة من أمره خوفاً أن يفسد حجه وهو لا يشعر فأركان الحج أربعة هي الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الإفاضة والسعي

وواجباته سبعة وهي الإحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل والمبيت بمنى ليالي التشريق ورمي الجمار مرتبة والحلق أو التقصير وطواف الوداع إلا أنه خفف عن الحائض والنفساء

وأركان العمرة ثلاثة وهي الإحرام والطواف والسعي وواجباتها الإحرام من الميقات أو الحل لمن أهله دونه والحلق أو التقصير والباقي سنن أقوال وأفعال فمن ترك ركنا بطل نسكه إلا أن يتداركه مثل الإحرام أو طواف الإفاضة أما الوقوف بعرفة فإنه إذا طلع فجر يوم العيد ولم يقف بعرفة بطل نسكه ومن ترك واجباً جبره بدم فإن لم يجد صام صوم تمتع ثلاث أيام في الحج وسبعة إّذا رجع ومن ترك مسنوناً لا شيء عليه

عباد الله: اعلموا أن بين أيديكم موسماً تقال فيه العثرات وتغفر فيه الزلات وترفع فيه الأصوات بالدعوات ويشترك فيه السائر إلى بيت الله الحرام والمقيم على الطاعات فيا ذوو الهمم العالية أكثروا في هذا الموسم من التهليل والتسبيح والاستغفار وتلاوة الآيات واسألوه أن ينصر الإسلام والمسلمين وأن يرحم الأحياء والأموات وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا وأن يعصمنا من الخلاف والشتات وأن يعز الإسلام والمسلمين ويحمي حوزة الدين ويذل الشرك والمشركين والمنافقين اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ولات أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك وحاذر غضبك واتبع رضاك اللهم تقبل عمل المسلمين واجعل حجهم مبروراً وذنبهم مغفوراً وسعيهم مشكوراً اللهم ابرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا رب العالمين اللهم أصلح أحوال المسلمين ووفقهم لما يسعدهم في الدنيا والدين وأقر عيونهم بصلاح دينهم ودنياهم وذرياتهم يا أرحم الراحمين

اللهم ادفع عنا الغلاء والبلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسائر الفتن ما ظهر منها وما بطن يا رب العالمين

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنا وقنا عذاب النار.البقرة:201.

عباد الله: اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

الحج (3)

الحمد لله رب العالمين شرع لعباده حج بيته الحرام، ليكفر عنهم الذنوب والآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنفي جميع الشرك والأوهام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خير الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه البررة الكرام، وسلم تسليماً

أما بعد، عباد الله

الحج أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)" (آل عمران:97 )

أي: لله على الناس فرض واجب، وهو حج البيت؛ لأن كلمة: (على) للإيجاب، وقد أتبعه بقوله جل وعلا (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (آل عمران:97)

فسمى تعالى تاركه كافرا، وهذا يدل على وجوبه، فمن لم يعتقد وجوبه، فهو كافر بالإجماع، وقال تعالى لخليله :"وأذِّنْ في الناس بالحج " (الحـج: 27)

وقال صلى الله عليه وسلم (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا)صححه الألباني. والمراد بالسبيل توفر الزاد، ووسيلة النقل التي توصله إلى البيت، ويرجع بها إلى أهله، مع توفير ما يكفي أهله إلى أن يرجع إليهم بعد سداد ما عليه من الديون.

والحكمة في مشروعية الحج، قوله تعالى (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) إلى قوله: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) (الحج: 29)

فالمنفعة من الحج ترجع للعباد، ولا ترجع إلى الله تعالى؛ لأنه (غني عن العالمين) آل عمران: 97

فليس به حاجة إلى الحجاج كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده ويعظمه، بل العباد بحاجة إليه، فهم يفدون إليه لحاجتهم إليه.

والحكمة في تأخير فرضية الحج عن الصلاة والزكاة والصوم؛ أن الصلاة عماد الدين، ولتكررها في اليوم والليلة خمس مرات، ثم الزكاة، لكونها قرينة لها في كثير من المواضع، ثم الصوم لتكرره كل سنة، وقد فرض الحج في الإسلام سنة تسع من الهجرة، وهو قول الجمهور، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بعد الإسلام إلا حجة واحدة، هي حجة الوداع، وكانت سنة عشر من الهجرة، واعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عمر

والمقصود من الحج والعمرة عبادة الله في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها،

والحج فُرض في العمر مرة واحدة على المستطيع، وفَرض كفاية على المسلمين كل عام، وما زاد على حج الفريضة في حق أفراد المسلمين تطوع

وأما العمرة، فواجبة لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل: هل على النساء من جهاد؟ قال (نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) رواه ابن ماجه وصححه الألباني

وإذا ثبت وجوب العمرة على النساء، فالرجال أولى، وقال صلى الله عليه وسلم للذي سأله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، فقال (حج عن أبيك واعتمر) رواه الخمسة وصححه الترمذي

فيجب الحج والعمرة على المسلم مرة واحدة في العمر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (الحج مرة فمن زاد فهو تطوع) رواه أبو داود وصححه الألباني

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام؟ فقال: لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم)

ويجب على المسلم أن يبادر بأداء الحج الواجب مع الإمكان، ويأثم إن أخره بلا عذر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له) رواه أحمد

وإنما يجب الحج بشروط خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة، ومن الاستطاعة في حق المرأة وجود المحرم لها، فمن توفرت فيه هذه الشروط، وجب عليه المبادرة بأداء الحج

ويصح فعل الحج والعمرة من الصبي نفلا؛ لحديث ابن عباس: أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبيا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر. رواه مسلم

وقد أجمع أهل العلم على أن الصبي إذا حج قبل أن يبلغ، فعليه الحج إذا بلغ واستطاع، ولا تجزئه تلك الحجة عن حجة الإسلام، وكذا عمرته

وإن كان الصبي دون التمييز عقد عنه الإحرام وليه بأن ينويه عنه، ويجنبه المحظورات، ويطوف، ويسعى به محمولا، ويستصحبه في عرفة ومزدلفة ومنى، ويرمي عنه الجمرات

وإن كان الصبي مميزا نوى الإحرام بنفسه بإذن وليه، ويؤدي ما قدر عليه من مناسك الحج، وما عجز عنه يفعله عنه وليه، كرمي الجمرات، ويطاف ويسعى به راكبا أو محمولا إن عجز عن المشي، وكل ما أمكن الصغير فعله مميزا كان أو دونه بنفسه كالوقوف والمبيت، لزمه فعله، بمعنى: أنه لا يصح أن يفعل عنه، لعدم الحاجة لذلك، ويجتنب في حجه ما يجتنب الكبير من المحظورات

والقادر على الحج، هو الذي يتمكن من أدائه جسميا وماديا بأن يمكنه الركوب، ويتحمل السفر، ويجد من المال ما يكفيه ذهابا وإيابا، ويجد أيضا ما يكفي أولاده ومن تلزمه نفقتهم إلى أن يعود إليهم، ولا بد أن يكون ذلك بعد قضاء الديون، والحقوق التي عليه، بشرط أن يكون طريقه إلى الحج آمنا على نفسه وماله، وإن قدر بماله دون جسمه بأن كان كبيرا هرما أو مريضا مرضا مزمنا لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر، حجة وعمرة الإسلام من بلده، أو من البلد الذي أيسر فيه؛ لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما: إن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال (حجي عنه) متفق عليه

ويشترط في النائب عن غيره في الحج أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، قال (حججت عن نفسك؟) قال: لا، قال (حُج عن نفسك) رواه أبو داود وصححه الألباني

وينبغي أن يكون مقصود النائب نفع أخيه المسلم المنوب عنه، وأن يحج بيت الله الحرام، ويزور تلك المشاعر العظام

والحمد لله رب العالمين

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الحج إلى بيته الحرام أحد أركان الإسلام، وفرضه على المستطيع مرة في العمر وليس كل عام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، الذي بين المناسك، وأمر أن يأخذها عنه كل ناسك، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وأصحابه، الذين ءامنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون

أما بعد، أيها الناس

اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، وإياكم من التهاون بشيء من أحكام المناسك؛ فإنه من أعظم أسباب المهالك، بل عظموا حرمة الإحرام، والبلد الحرام، وأحسنوا ولا تسيئوا إلى أحد من أهل الإسلام، ووسعوا كما وسع الله عليكم، وأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وأطيعوا ولاة أمركم في كل معروف، وخاصة ما يراد به مصلحة الأمة عامة، وتيسير أمر الحج خاصة؛ ومن ذلكم: التوجيه بالتقيد بالتصاريح، وأن لا يحج أحد إلا بتصريح؛ فإنما يراد من ذلكم التخفيف عن الناسك في المشاعر، وتسهيل أداء المناسك، فهو سياسة شرعية، لتحقيق مصلحة مرعية، يراد منه أداء المناسك بارتياح، والنأي عن إزهاق الأرواح، وتحقق الطمأنينة في العبادة، وهي مما ينال به الفلاح، فذلكم التوجيه من المعروف الذي تسوغ به الطاعة، وهو من حقوق ولاة الأمر والجماعة؛ فأطيعوا ولا تعصوا، ويسروا ولا تعسروا، وإذا لم يتيسر لكم عبادة معينة، فقد أعاضكم الله عبادات كثيرة غيرها ممكنة وميسرة، مع أن لكل امرئ ما نوى، ولكل على ربه ما احتسب

ثم صلوا على نبي الرحمة والهدى امتثالا لقول الله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)الأحزاب:56.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين

اللهم أعز الإسلام والمسلمين واحم حوزة الدين وانصر عبادك في كل بلد من بلاد المسلمين واهزم الكفر والكافرين والمشركين والملحدين ودمر أعداء الدين اللهم احفظ إمامنا وأيده بنصرك ووفقه لما تحب وترضى إنك على كل شيء قدير وأصلح أئمة المسلمين وولاة أمورهم واجعل ولايتهم فيمن خافك واتقاك اللهم آمنا في أوطاننا واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا رخاء وسائر بلاد المسلمين اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات اللهم فرج هم المهمومين ونفس كرب المكروبين واقض الدين عن المدينين برحمتك يا أرحم الراحمين اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا واكفنا شر أعدائنا برحمتك يا أرحم الراحمين اللهم اشرح صدورنا ويسر أمورنا واقض حاجاتنا واشف مرضانا ومرضى المسلمين " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "(البقرة201)

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القرب وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون

صفة الحج (1)

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فأتقن وشرع فأحكم وهو خير الحاكمين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ،والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.

أما بعد

عباد الله: في هذه الأيام يستعد من نوى فريضة الحج إلى السفر إلى بيت الله الحرام راجيا من الله مغفرة الذنوب، والآثام آملا الفوز بالنعيم المقيم في دار السلام .

عباد الله: يتوجه هؤلاء في زمان فاضل إلى أمكنة فاضلة ومشاعر معظمة يؤدون عبادة من أجل العبادات لا يريدون بذلك فخرا ولا رياء ولا نزهة ولا طربا وإنما يريدون وجه الله والدار الآخرة فأدوا عباد الله هذه العبادة كما أمرتم من غير غلو ولا تقصير ليحصل لكم ما أردتم من مغفرة الذنوب والفوز بالنعيم المقيم، قوموا في سفركم وإقامتكم بما أوجب الله عليكم من الطهارة والصلاة وغيرهما من شعائر الدين. إذا وجدتم الماء فتطهروا به للصلاة فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، أدوا الصلاة جماعة ولا تتشاغلوا عنها بأشغال يمكنكم قضاءَها بعد الصلاة، صلوا الرباعية قصراً فصلوا الظهر والعصر والعشاء على ركعتين من خروجكم من بلدكم إلى رجوعكم إليها حتى وإن كنتم من أهل مكة ما دام أنكم قد شرعتم في مناسك الحج؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يقصر في الحج ومعه أهل مكة ولم يأمرهم بالإتمام إلا أن تصلوا خلف إمام يتم فأتموا أربعا، اجمعوا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير حسبما يتيسر لكم إن كنتم سائرين أما إن كنتم مقيمين في مكة أو منى أو غيرها فالسنة ألا تجمعوا ، تخلقوا بالأخلاق الفاضلة من الصدق والسماحة وبشاشة الوجه والكرم بالمال والبدن والجاه وأحسنوا إن الله يحب المحسنين واصبروا على المشقة والأذى فإن الله مع الصابرين وقد قيل إنما سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال وإذا وصلتم الميقات فاغتسلوا وتطيبوا في أبدانكم في الرأس واللحية والبسوا ثياب الإحرام غير مطيبة إزاراً ورداء أبيضين للذكور وللنساء ما شئن من الثياب غير متبرجات بزينة ولا تجاوزوا الميقات بدون إحرام، أحرموا من أول ميقات تمرون به لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت وقال "فَهُنَّ لَهُم ولمن أتى علَيهِنَّ من غيرِ أَهْلِهِنَّ " صحيح النسائي للألباني، ومن كان في الطائرة فليتأهب للإحرام ثم يحرم إذا حاذى الميقات قبل مجاوزته، سيروا بعد الإحرام إلى مكة ملبين بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ."رواه البخاري.

يرفع الرجال أصواتهم بذلك أما المرأة فتخفض صوتها، فإذا بلغتم البيت فطوفوا به طواف العمرة سبعة أشواط واعلموا أن جميع المسجد مكان للطواف القريب من الكعبة والبعيد لكن القريب أفضل إذا لم يكن زحام ومشقة فإذا أكملتم الطواف فصلوا ركعتين خلف مقام إبراهيم قريباً منه إن تيسر أو بعيداً ثم اسعوا بين الصفا والمروة سعي العمرة سبعة أشواط تبتدئون بالصفا وتختمون بالمروة ومن سعى قبل الطواف فسعيه غير صحيح إلا يوم العيد فجائز غير أن الأفضل في يوم العيد أن يطوف ثم يسعى فإذا أكملتم السعي فقصروا شعركم من جميع جوانب الرأس وتقصر المرأة من أطرافه بقدر أنملة وبذلك تمت العمرة وحللتم الحل كله إذا كنتم متمتعين فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة فأحرموا بالحج من مكانكم الذي أنتم فيه فاغتسلو وتطيبوا والبسوا ثياب الإحرام وسيروا ملبين إلى منى إذا كنتم في غيرها وصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً بلا جمع تصلون الظهر والعصر والعشاء على ركعتين وتؤدون كل صلاة وحدها في وقتها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع فسيروا ملبين إلى عرفة وصلوا بها الظهر والعصر على ركعتين جمع تقديم ثم تفرغوا لذكر الله ودعائه والتضرع إليه مستقبلي القبلة ولو كان الجبل خلفكم، رافعي أيديكم إلى ربكم مؤملين منه إجابة دعائكم ومغفرة ذنوبكم ، وتأكدوا من الوقوف داخل عرفة فإن من الحجاج من ينزلون خارج حدودها ولا يقفون فيها ومن لم يقف بعرفة فلا حج له وعرفة كلها موقف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ،"رواه مسلم. فكل نواحي عرفة موقف إلا بطن الوادي وادي عرنة.

فإذا غربت الشمس فسيروا إلى مزدلفة وصلوا بها المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين وأوتروا وبيتوا بها حتى تصلوا الفجر ثم ادعوا الله سبحانه واستغفروه وكبروه ووحدوه إلى أن تسفروا جداً ثم سيروا إلى منى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة أن يدفعوا من مزدلفة في آخر الليل فإذا وصلتم إلى منى فابدؤوا برمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات كل حصاة أكبر من الحمص قليلاً وخذوها من حيث شئتم إلا من مكان الرمي وكبروا مع كل حصاة ، واعلموا أن الحكمة من رمي الجمرات هي إقامة ذكر الله وتعظيمه ولذلك يكبر الرامي عند رميه ولستم ترمون شياطين كم يظن بعض الناس إنما ترمون هذه الأحجار في هذه الأماكن تعظيماً لله عز وجل واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رميتم فاذبحوا الهدي أن تيسر إذا لم تكونوا مفردين ولا يجزى منه إلا ما يجزئ في الأضحية فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، ويجوز صيام الأيام الثلاثة قبل الطلوع ويجوز في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.

وإذا ذبحتم الهدي المتيسر فاحلقوا رُءُوسكم والنساء يقصرْنَ وإذا رميتم وحلقتم حل لكم كل شيء من محظورات الإحرام إلا النساء فتلبسون ثيابكم وتتطيبون ثم تنزلون إلى مكة فتطوفون بالبيت للحج وتسعون له بين الصفا والمروة وبذلك تحلون الحل كله فيحل لكم جميع محظورات الإحرام حتى النساء.

عباد الله: إن الحجاج يوم العيد يؤدون مناسك عظيمة ولذلك سماه الله يوم الحج الأكبر إنهم يرمون جمرة العقبة الكبرى ثم يذبحون هديهم ثم يحلقون رؤوسهم أو يقصرون ثم يطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة والأكمل أن يفعلوها يوم العيد على هذا الترتيب فإن قدموا بعضها على بعض فلا حرج فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ. فَقَالَ: رَجُلٌ لَمْ أَشْعُرْ, فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: اذْبَحْ وَلا حَرَجَ. وَجَاءَ آخَرُ, فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ, فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلا حَرَجَ. فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلاَّ قَالَ: افْعَلْ وَلا حَرَجَ.رواه البخاري ومسلم.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

بيتوا بمنى ليلتين الحادية عشر والثانية عشرة وارموا الجمار الثلاث في اليومين بعد زوال الشمس ابدأوا برمي الجمرة الأولى الشرقية فارموها بسبع حصيات وكبروا مع كل حصاة ثم تقدموا عن الزحام وقفوا مستقبلي القبلة رافعي أيديكم إلى ربكم تدعونه دعاء طويلاً ثم ارموا الجمرة الوسطى بسبع حصيات وكبروا مع كل حصاة ثم تقدموا عن الزحام وادعوا الله دعاء طويلاً وأنتم إلى القبلة رافعي أيديكم ثم أرموا جمرة العقبة بسبع حصيات وكبروا مع كل حصاة وانصرفوا بعد ذلك بدون وقوف للدعاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعد رمي الجمرة الأولى والوسطى ولم يقف بعد رمي جمرة العقبة

ولا ترموا قبل زوال الشمس في الأيام التي بعد العيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرمي فيها إلا بعد الزوال

وارموا بأنفسكم ولا توكلوا أحداً يرمي عنكم لأن الرمي عبادة واجبة على الذكور والإناث فيجب على المرء أن يؤديها بنفسه إلا عند الضرورة مثل أن يكون مريضاً أو كبيراً أو امرأة حامل تخاف على نفسها أو حملها من الزحام فيجوز التوكيل حينئذ فيرمي الوكيل الجمرة الأولى عن نفسه ثم يرميها عن موكله ثم يرمي في الثانية عن نفسه ثم عن موكله ثم يرمي الثالثة عن نفسه ثم عن موكله

فإذا رميتم الجمار في اليوم الثاني عشر فقد تم الحج فمن شاء تعجل فخرج من مخيمه بمنى قبل غروب الشمس ومن شاء تأخر فبات بمنى ليلة الثالث عشر ورمي الجمار من الغد بعد الزوال وهذا أفضل لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه أكثر عملاً بحيث يحصل المبيت والرمي في الثالث عشر

وطوفوا للوداع إذا أردتم السفر إلى بلدكم بعد تمام أفعال الحج كلها لأن طواف الوداع ليس بعده شيء من أفعال الحج وهو واجب من واجبات الحج غير إنه يسقط عن الحائض والنفساء أما العمرة فليس لها طواف وداع وإن طاف تنفلاً فلا بأس بشرط ألا تقل عن سبعة أشواط ولا تزيد عليها .

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادنا أو أراد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له، اللهمَّ وفِّق وليَّ أمرنا ووليَّ عهده لما تحب وترضى وهيئ لهما البطانة الصالحة و انصر جنودنا في الحد الجنوبي.

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

الاستنابة في الحج

الحمد لله الذي شرع العبادات لتزكية النفوس وتكميل الإيمان ، ونوعها ما بين بدنية ومالية ، وجامعة بين الأموال والأبدان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث إلى الإنس والجان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ، وسلم تسليما.

أما بعد

عباد الله: اتقوا الله تعالى ، واعلموا أن الحج من أفضل العبادات وأعظمها ثوابا ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حج فلم يرفث ، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"متفق عليه. يعني نقيا من الذنوب

وأن الحج عبادة بدنية ، وإن كان فيها شيء من المال كالهدي ، فهي في ذاتها عبادة بدنية يطلب من العبد فعلها بنفسه ، وقد جاءت السنة بالاستنابة فيها في الفريضة حال اليأس من فعلها ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن امرأة قالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه قال نعم وذلك في حجة الوداع"رواه البخاري. "وأن امرأة أخرى قالت يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت ، أفأحج عنها قال نعم حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته قالت نعم قال اقضوا الله الذي له ، فالله أحق بالوفاء"رواه البخاري.

ومن كان قادرا على الحج بنفسه ، فإنه لا يصح أن يوكل من يحج عنه

وقد منع الإمام أحمد رحمه الله في إحدى الروايتين عنه من توكيل القادر من يحج عنه في التطوع ، فلا ينبغي للمسلم أن يتساهل في ذلك بل يحج بنفسه إن شاء ، أو يعين الحجاج بشيء من المال ليشاركهم في الأجر من غير أن ينقص من أجورهم شيء

عباد الله: إن الحج عبادة من العبادات يفعلها العبد تقربا إلى الله تعالى وابتغاء لثواب الآخرة ، فلا يجوز للعبد أن يصرفها إلى تكسب مادي يبتغي بها المال ، وإن من المؤسف أن البعض من الذين يحجون عن غيرهم إلا من عصم الله إنما يحجون من أجل كسب المال فقط ، وهذا حرام عليهم ، فإن العبادات لا يجوز للعبد أن يقصد بها الدنيا يقول الله تعالى "مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يبخسون أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"هود:15-16.فلا يقبل الله تعالى من عبد عبادة لا يبتغي بها وجهه ، ولقد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أماكن العبادة من التكسب للدنيا ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك"رواه الترمذي وصححه الألباني. فإذا كان هذا فيمن جعل موضع العبادة مكانا للتكسب يدعى عليه أن لا يربح الله تجارته ، فكيف بمن جعل العبادة نفسها غرضا للتكسب الدنيوي كأن الحج سلعة ، أو عمل أو حرفة لبناء بيت ، أو إقامة جدار تجد الذي تعرض عليه النيابة يكاسر ويماكس هذه دراهم قليلة ، هذه لا تكفي زد أنا أعطاني فلان كذا ، أو أعطي فلان حجة بكذا ، أو نحو هذا الكلام مما يقلب العبادة إلى حرفة وصناعة

ولهذا صرح فقهاء الحنابلة رحمهم الله بأن تأجير الرجل ليحج عن غيره غير صحيح ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: من حج ليأخذ المال ، فليس له في الآخرة من خلاق لكن إذا أخذ النيابة لغرض ديني مثل أن يقصد نفع أخيه بالحج عنه ، أو يقصد زيادة الطاعة والدعاء والذكر في المشاعر ، فهذا لا بأس به وهي نية سليمة

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة أرجوا النجاة بها يوم ألقاه وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم

عباد الله: إن على الذين يأخذون النيابة في الحج أن يخلصوا النية لله تعالى وأن تكون نيتهم قضاء وطرهم بالتعبد حول بيت الله وذكره ودعائه مع قضاء حاجة إخوانهم بالحج عنهم وأن يبتعدوا عن النية الدنيئة بقصد التكسب بالمال فإن لم يكن في نفوسهم إلا التكسب بالمال فإنه لا يحل لهم أخذ النيابة حينئذ

ومتى أخذ النيابة بنية صالحة ، فالمال الذي يأخذه كله له ، إلا أن يشترط عليه رد ما بقي

وكذلك يجب عليه أن ينوي العمرة والحج لمن وكله ؛ لأن هذا هو المعروف بين الناس إلا أن يشترط لنفسه أن العمرة له ، فله ما شرط

ولا يحل لمن أخذ النائبة أن يوكل غيره فيها لا بقليل ، ولا بكثير إلا برضا من صاحبها الذي أعطاه إياها وثواب الأعمال المتعلقة بالنسك كلها لمن وكله ، أما مضاعفة الأجر بالصلاة والطواف الذي يتطوع به خارجا عن النسك وقراءة القرآن لمن حج لا للموكل ، ويجب على الوكيل في الحج والعمرة أن يجتهد في إتمام أعمال النسك القولية والفعلية ؛ لأنه أمين على ذلك فليتق الله تعالى فيها ما استطاع ، ويقول في التلبية: لبيك عن فلان ، فإن نسيه نواه بقلبه ، وقال: لبيك عمن أنابني في هذه العمرة ، أو في هذا الحج

عباد الله: اعلموا أنه لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعاً قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئ عنه أن يحج غيره عنه

واعلموا أن من حج عن غيره وهو لم يكن حج عن نفسه رد ما أخذ وكانت الحجة عن نفسه لما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول "لبيك عن شبرمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شبرمة قال قريب لي قال هل حججت قط قال لا قال اجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة" رواه ابن ماجه وأبو داود وصححه ابن حجر العسقلاني.

واعلموا أن من كان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه أقام من يحج عنه وأما من كان مريضاً مرضاً يرجى برؤه فأناب من يحج عنه ثم برأ فإنها لا تجزئه بل عليه أن يحج وأريد بذلك حجة الفرض ويجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة والمرأة عن الرجل والمرأة في الحج في قوله عامة أهل العلم

ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه فرضاً كان أو تطوعاً ولا يجب الحج على المرأة التي لا محرم لها ولا يجوز أن تحج بدون محرم وإذا مات محرم المرأة في الطريق قال الإمام أحمد إذا تباعدت مضت وليس للرجل منع امرأته من حجة الإٍسلام ومن فرط ولم يحج حتى توفي أخرج من ماله حجة

واعلموا أن الحج يجب مع القدرة على الفور

جعلني الله وإياكم من المتفقهين في أمور ديننا

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادنا أو أراد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ول على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم واغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

صفة الحج (2)

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأمر بطاعته والاقتداء به، فقال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) الأحزاب21

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلم تسليما.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله تعالى واقتدوا برسوله في عباداتكم حتى تكون صحيحة مقبولة، قال الله تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله) النساء: 80، وقال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) آل عمران: 31 ، ومن ذلك الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في أداء مناسك الحج، فقد حج صلى الله عليه وسلم وأمر الناس أن يقتدوا به ويفعلوا مثل ما يفعل، فقال (خذوا عني مناسككم) صححه الألباني أي: كيف تؤدون مناسككم، وذلك بأن تفعلوا مثل ما أفعل، وهذا كلام جامع استدل به أهل العلم على مشروعية جميع ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وما قاله في حجه، وجوبا في الواجبات ومستحبا في المستحبات، وقد لخص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله صفة حجة النبي صلى لله عليه وسلم، فقال:" ثبت بالنقل المتواتر عند الخاصة من علماء الحديث من وجوه كثيرة في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع أحرم والمسلمون من ذي الحُليفة، فقال (مَن أرادَ منكم أن يُهِلَّ بحَجٍّ وعُمْرَةٍ، فلْيَفْعَلْ، ومن أراد أن يُهِلَّ بحَجٍّ فلْيُهِلَّ، ومن أراد أن يُهِلَّ بعُمْرَةٍ فلْيُهِلَّ) فلما قدموا وطافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أمر جميع المسلمين الذين حجوا معه أن يَحلوا من إحرامهم، ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فإنه لا يحلُ حتى يبلغ الهدي محله، فراجعه بعضهم في ذلك، فغضب، وقال (ما أَمَرْتُكُمْ به فَافْعَلُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ، )رواه مسلم. وكان صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدي، فلم يحل من إحرامه، ولمَّا رأى كراهة بعضهم للإحلال قال (إنِّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ ما أهْدَيْتُ، ولَوْلَا أنَّ مَعِي الهَدْيَ لَحَلَلْتُ، )رواه البخاري، فحل المسلمون جميعهم إلا النفر الذين ساقوا الهدي، منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بنُ أبي طالب، وطلحةُ بن عبيد الله، فلما كان يوم التروية أحرم المحلون بالحج وهم ذاهبون إلى منى، فبات بهم تلك الليلة بمنى، وصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم سار بهم إلى نمرة على طريق ضب ونمرةُ خارجةَ عن عرفةَ من يمانيها وغربيها، ليست من الحرم ولا من عرفة، فنصبت له القُبة بنمرة، وهناك كان ينزل خلفاؤه الراشدون بعده، و بها الأسواق وقضاء الحاجة والأكل ونحو ذلك، فلما زالت الشمس ركب هو ومن ركب معه وسار المسلمون إلى المصلى ببطن عُرنةَ حيث قد بني المسجد، وليس هو من الحرم ولا من عرفة، وإنما هو برزخ بين المشعرين الحلال والحرام هناك، بينه وبين الموقف نحو ميل فخطب بهم خُطبةَ الحجِ على راحلته وكان يوم الجمعة، ثم نزل فصلى بهم الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين، ثم سار والمسلمون معه إلى الموقف عند الجبل المعروف بجبل الرحمة، واسمه إلال على وزن هلال، وهو الذي تسميه العامة عرفة، فلم يزل هو والمسلمون في الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمسُ، فدفع بهم إلى مزدلفة، فصلى المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق قبل حط الرحال حيث نزلوا بمزدلفة، وبات بها حتى طلع الفجر، فصلى بالمسلمين الفجر في أول وقتها مغلسا بها زيادة على كل يوم، ثم وقف عند قزح، وهو جبل مزدلفة التي يسمى المشعر الحرام، وإن كانت مزدلفةُ كلها هي المشعر الحرام المذكور في القرآن، فلم يزل واقفا بالمسلمين إلى أن أسفر جدا، ثم دفع بهم حتى قدم منى، فاستفتحها برمي جمرة العقبة، ثم رجع إلى منزله بمنى، فحلق رأسه، ثم نحر ثلاثا وستين بدنة من الذي ساقه وأمر علياً بنحر الباقي، وكان مئة بدنة، ثم أفاض إلى مكة فطاف طواف الإفاضة، وكان قد عجل ضعفة أهل بيته من مزدلفة قبل طلوع الفجر، فرموا الجمرة بليل، ثم أقام المسلمون أيام منى الثلاث، يصلي بهم الصلوات الخمس مقصورة غير مجموعة يرمي كل يوم الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس يفتتح بالجمرة الأولى، وهي الصغرى، وهي الدنيا إلى منى، والقصوى من مكة، ويختتم بجمرة العقبة، ويقف بين الجمرتين الأول والثانية وبين الثانية والثالثة وقوفا طويلا بقدر سورة البقرة يذكر الله ويدعو، فإن المواقف ثلاث عرفة، ومزدلفة، ومنى، ثم أفاض آخر أيام التشريق بعد رمي الجمرات هو والمسلمون، فنزل بالمحصّب عند خَيف بني كنانة، فبات هو والمسلمون في ليلة الأربعاء وبعث تلك الليلة عائشةَ مع أخيها عبد الرحمن لتعتمر من التنعيم، وهو أقربُ أطرافِ الحرمِ إلى مكة من طريق أهل المدينة، وقد بُني بعده هناك مسجد سماه الناس مسجد عائشة، لأنه لم يعتمرُ بعدَ الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه أحد قط إلا عائشة، لأجل أنها كانت قد حاضت لما قدمت، وكانت معتمرةُ، فلم تطف قبل الوقوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم (اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت )رواه البخاري. ثم ودع البيت هو والمسلمون ورجع إلى المدينة، ولم يقُم بعد أيام التشريق ولا اعتمر أحد قط على عهده عمرة يخرج فيها من الحرم إلى الحل إلا عائشة وحدها، فأخذ فقهاء الحديث كأحمد وغيره بسنته في ذلك كله، وإن كان منهم ومن غيرهم من قد يخالف بعض ذلك بتأويل تخفى عليه فيه السنة " انتهى كلامه رحمه الله، وهو خلاصة جيدة لصفةِ حجِة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد أُمرنا بالاقتداء به في هذا وغيره، فلنفعل مثل ما فعل حتى تكون أعمالنا في حجنا وعمرتنا وجميع أمور ديننا صحيحة مقبولة عند الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) الأحزاب: 21

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي تفضل علينا بدين الإسلام، وببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليما .

أما بعد، أيها الناس

اتقوا الله تعالى، واشكروه حيث بين لكم دينكم وأتم عليكم نعمته فتمسكوا به، واسألوا الله الثبات عليه

عباد الله: اعلموا أن أعمال الحج تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أركان لا يصح الحج إلا بها وهي: (الإحرام، والوقوف بعرفة).

وأركان لا يتم إلا بها وهي: (طواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة).

القسم الثاني: واجبات، وهي (الإحرام من الميقات المعتبر له، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لمن وقف نهارا، والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل لمن وافاها قبل منتصف الليل، ورمي الجمار، والحلق، أو التقصير، والمبيت بمنى ليالي أيام التشريق، وطواف الوداع على غير الحائض والنفساء)

القسم الثالث: مستحبات، وهي : ما عدا هذه الأركان، والواجبات من أعمال الحج (كالإحرام بالحج في اليوم الثامن للمتمتع ، والخروج إلى منى في هذا اليوم، والمبيت بها ليلة التاسع وأداء الصلوات الخمس فيها كل صلاة في وقتها مع قصر الصلاة الرباعية، والنزول بنمرة قبل الوقوف، والدعاء في عرفة وقت الوقوف، وفي مزدلفة بعد صلاة الفجر والبقاء في منى في النهار أيام التشريق، وطواف القدوم في حق القارن والمفرد)

ومن ترك واجبا فعليه دم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه فاحرصوا أيها المسلمون على إتمام حجكم على وفق ما شرعه الله وبينه رسول الله صلى الاله عليه وسلم.

ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)الأحزاب:56.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر صحابة نبيك محمد، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وانصر عبادك الموحدين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال، اللهم أصلح له بطانته ، اللهم آنس وحشتنا في القبور، وآمن فزعنا يوم البعث والنشور اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار " البقرة 201 .

عباد الله: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " النحل 90 .

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكره على نعمه يزدكم، " ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون " العنكبوت 45 .

فضل يوم عرفة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلا هادي لـه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءاَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)آل عمران:102، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءاَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أما بعد أيها الأحبة :

نحمد الله الذي بلغنا هذه الأيامَ الفاضلةَ أيامَ عشرِ ذي الحجة، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ منها في هذه، قالوا: ولا الجِهادُ؟ قالَ: ولا الجِهادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِرُ بنَفْسِه ومالِه، فلَمْ يَرْجِعْ بشَيءٍ. " . صحيح البخاري

قال المحققون من أهل العلم (نهار عشر ذي الحجة افضل من نهار العشر الأواخر من رمضان لما فيه من يوم عرفة ويوم النحر ،وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة لما فيها من ليلة القدر) .

فضاعفوا الأعمال الصالحة في هذه الأيام المباركة من تسبيح وتهليل وتكبير وقراءة قرآن وصيام وصدقة .

الله اكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
واحذروا من المعاصي في هذه العشر المباركة فإن الحسنات في الأيام الفاضلة تضاعف بالعدد والكيفية والسيئات تضاعف بالكيفية فقط هذا قول المحققين من أهل العلم .
عباد الله:
ما هي إلا أيام معدودة وتخفق قلوبنا فرحاً بدخول يوم عرفة اليوم التاسع من ذي الحجة يوم عظيم عند الله، امتن الله به على عباده في هذا اليوم العظيم أن جعل صيامه مكفراً لذنوب سنتين ، إحداهما الماضية والثانية الباقية.
لما روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
:" صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ ."

فما أكرمه من جزاء، وأجزله من عطاء! صيام يوم واحد يكفر ذنوب أكثر من سبعمائة يوم .

ومن فضائله أنه يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار؛ أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن الخليل محمداً صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن يَومٍ أَكْثَرَ مِن أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فيه عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بهِمُ المَلَائِكَةَ، فيَقولُ: ما أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ".

أيها المؤمنون:

من أحب أن يكون من النار عتيقاً، فليضرع إلى ربه بالدعاء، وليُذرف دموع الحزن والرجاء، وليستغفر ربه من ذنوب طالما ارتكبها، متساهلاً بها .

أحبتي في الله :

ما أعظمه من مشهد يوم عرفة ترى الناس فيه من سائر البلدان قد لجئوا إلى ربهم وتضرعوا إلى مولاهم، بالحمد والثناء يلهجون، وبالبكاء والدعاء يضجّون، قلوبهم منكسرة، ودموعهم منهمرة.

فلو رأيتهم وقد سألوا ربهم خاشعين، ورفعوا أكف الافتقار إليه متضرعين، وذرفوا العبرات متذللين، يقولون يا ربنا لقد تعاظمت منا المعاصي والذنوب، وتراكمت علينا النقائص والعيوب، ونحن يا مولانا في عفوك طامعون، ولخيرك وجودك مؤملون، فنحن الفقراء إليك، الأسارى بين يديك، إن قطَعتنا فمن يصلنا؟ وإن أعرضت عنا فمن يقرّبنا؟ فارحم خضوعنا، واقبل خشوعنا، واجبر قلوبنا، واغفر ذنوبنا، وحقق لنا يا مولانا رجاءنا.

هذه حال عباد الله، وهذا هو تضرعهم وخشوعهم لربهم، قد تنوعت مآربهم ومطالبهم، واختلفت غاياتهم ومشاربهم، والله سميع عليم، غني كريم، ذو فضل واسع عظيم، لا يتبرّم بإلحاح الملحين، ولا بكثرة السائلين.

فيا من يطمع في العتق من النار، ثم يمنع نفسه الرحمة بالإصرار على الآثام والأوزار، تالله ما نصحتَ نفسك، ولم يقف في طريقك إلا أنت! ، فإذا حُرمْتَ المغفرة قلتَ أنَّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم آل عمران:165. إن كنت تطمع في العتق فاشتر نفسك من الله.

أيها الأحبة:

انتهزوا فرصة نزول الله وقربه من عباده عشية عرفة، وعشية عرفة تبدأ بعد الزوال بعدما يصلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا بأذان واحد وإقامتين، يتوجه الحاج إلى موقفه بعرفة، فيجتهد في الدعاء والذكر والتلبية ويشرع له رفع اليدين في ذلك مع البدء بحمد الله والصلاة على النبي ﷺ إلى أن تغيب الشمس.

وليبذل أحدكم جهده في سبيل تحصيل رحمة الله وغفرانه لتلك الذنوب التي رانت على القلوب فأمرضتها فكانت قيوداً على الجوارح تمنعها من التلذذ بطاعة ربها،.

فيا أيها الناس اتقوا الله، ولا تغترّوا بإمهاله وحلمه، فإنكم عما قليل مجازون على أعمالكم؛ وتفكروا في حال من سبقكم كيف هجم عليهم الموت بغتة وهم لا يشعرون، (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء:205-207].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة،

هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المؤمنين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين .

أما بعد، أيها الإخوة :

استجيبوا لربكم ما دام أن الفرصة سانحة ، كما قال تعالى (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) [الشورى:47].

فيا غافلاً وغارقاً في الشهوات، أما آن لفؤادك أن يصحو؟ التوبةَ التوبةَ! قبل أن يصل إليك من الموت ما يمنع الأوبة، والإفاقةَ الإفاقةَ! قبل قرب وقت الحاجة والفاقة.

فيا من ظلم نفسه بالمعاصي صغيرةً كانت أو كبيرةً، تبْ إلى ربك قبل أن تموت، ويا ليت شعري! مَن منا يدري متى يموت؟.

ويكفي من فضل التوبة أن الله يفرح بها فعلى كل عبد أن يتوب إلى الله، فهي سبب النعيم، والنجاة من عذاب الجحيم.

( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الزمر:53-55].

وفي الحديث القدسي العظيم الذي رواه الإمام مسلم عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أن الله قال " "يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم".

اللهم اغفر ذنوبنا، وكفر سيئاتنا، وتداركْنا برحمتك يا رحيم؛ اللهم اغفر لنا ولوالدِينا ولجميع المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم وفقنا في هذه الأيام المباركة للعمل الصالح فيما يرضيك واجعلنا ممن أدرك يوم عرفة فصامه إيماناً واحتسابا، اللهم أوصل الحجاج إلى الديار المقدسة سالمين واعدهم إلى ديارهم غانمين،اللهم وفق وليَّ أمرنا ووليَّ عهده لما تحب وترضى ، واجعل عملَهما في رضاك ، وهيّءْ لهما البطانة الصالحة ، وانصر جنودنا في الحد الجنوبي على الرافضة .

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .البقرة:201.

وصل اللهم على نبينا محمد .

أهمية عيدا الأضحي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.آل عمران:102.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.النساء:1.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً.الأحزاب:70-71.

أما بعد

عباد الله: ما هي إلا أيام قلائل ويشرفنا يوم عظيم لنا فيه وقفة تأمل فاعلموا يا عباد الله أن الدين الذي شرع لنا العيد لم يجعل منه مناسبة يتحلل فيها المؤمن من قيود العبادة فالمؤمن عبد الله في جميع ظروفه وسائر أحواله والدين لا يريد للعبد أن يفقد الصلة بربه لحظة من ليل أو نهار وإنما تجري الأمور في تصور الدين على أن الحياة رحلة يضع المؤمن بعد كل مرحلة من مراحلها رحاله كيما يلتقط أنفاسه ويهدئ أعصابه المشدودة ثم هو يسـتأنف بعد راحته القصيرة مرحلة أخرى من مراحل الجهاد الروحي والحياة الخاشعة النقية من أجل هذا حفل العيد في نظر الدين بالكثير من الوصايا والشعائر والمناسك التي تجعل له رسالة اجتماعية إلى جانب أنه مناسبة إسعاد وبهجة لأبناء الأمة الإسلامية على اختلاف الأعمار والمستويات وقد ربط الدين العيد بقيمة من القيم الاجتماعية هي التضحية والتضحية في أبسط معانيها تنازل الفرد عما يملك مما لا يحتاج إليه لمن لا يملك شيئاً وهو في حاجة إليه ولكنها في ثوبها الإسلامي المنشود تعني أن يذبح القادر أضحية يوزع منها قدراً على الفقراء ويهدي قدراً لذوي الأرحام والأصدقاء ويوسع على عياله يطعمهم ويدخر إذا شاء فالعلاقات الاجتماعية في يوم العيد كما يريد لها الدين علاقات ود وعطاء وحب وصفاء علاقات سخاء نفسي ومادي يتمثل في توزيع قدر محدد من الأضحية على الأحباب من الفقراء والأقرباء وعلاقات رضا نفسي ومادي لدى أولئك الآخذين وتلك حالة من التواصل الاجتماعي المحمود تضفي على العيد معنى اجتماعياً وتمنحه طاقة من الحيوية مصدرها التضحية الكريمة في يوم شاء الله له أن يكون كريماً فالأضاحي شعيرة من شعائر الله بالنسبة إلى الحجيج في مكة وغير الحجيج في سائر البلاد يتقرب بها المضحون إلى الله متى قدروا عليها إلى جانب ما يصيبهم بفضلها من خير حين تتقارب قلوب الفقراء والأغنياء وحين تنتفي من المجتمع صورة العوز والفاقة فيشبع من لم يكن يشبع كما تختفي تبعاً لذلك صورة الحقد الاجتماعي الذي يتجلي في أبشع صوره عندما يحس المحتاج أن القادر لم يبال به ولم يلتفت إلى حاجته فشبع وتركه بائساً وتلك هي اللحمة التي عبر عنها الله سبحانه بقوله "لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم"الحج:37. فاللحوم والدماء تنالكم أنتم وتتعاطونها فيما بينكم أما ما ينتج عن هذه التضحية فإن أعظم ما فيه صلة العبد بربه والتقوى التي تشع من تصرفه على نحو يرضي الله سبحانه فالعطاء من الجانب المادي دون مقابل ولكنه في ضوء الإيمان بالجزاء الأخروي تقابله سعادة النفس بالتعامل مع الله وأي سعادة تعدل إحساس المرء بالأمن يتخلل أعماق قلبه فينطلق لسانه مكبراً شاكراً لله أن هداه إلى معرفته وأفاض عليه نعمته وسخر له ما في البر والبحر جميعاً منه "كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين"الحج:37. والمسلم يحاول أن يدنوا بسلوكه من المستوى الذي تحقق للحجيج فإذا تذكر ما هم عليه من طهارة وعفاف وتنزه عن الاسفاف وتشاغل بذكر الله حاول أن يتأسى بحالهم وعمل على تنقية سلوكه من العادات والأحوال السيئة وربما كان أبسط أداب الحجيج ما فرضه الله سبحانه عليهم من أنه "لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج"البقرة:197. فالمسلم الحق يجد نفسه مندوباً إلى أن يلتزم بهذا الأدب الإلهي الذي يتقيد به الحجيج غير أن هنالك معنى آخر أشمل من ذلك وأكمل هو إحساس المؤمن بالصفاء الداخلي الذي يسقط الأحقاد ويتناسى ألوان التنازع والتخاصم على شئون الحياة وأنسب وقت لتصفية هذه التركة الدنيوية الثقيلة هو العيد فجدير بمن أقبل على الله ونفذ أمره في التضحية التي حتمت عليه من قبل أن يخاصم فلاناً أو أن يبغض فلاناً فالمال أهون ما يضحي به الإنسان غير أن التضحية بالأهواء وبالنوازع هي أعسر شيء يتكلفه المسلم في العيد ولكنه ليس عسيراً على من يسره الله عليه والمهم أن هذا الاستعداد للتضحية بالخصومات يجد في مناسبة العيد موسماً من مواسم التألف فالخصوم في العيد متحابون والأباعد متقاربون وعواطف الخير تقود الناس إلى حيث يكون اجتماعهم وتعاونهم على البر والتقوى حتى تكتمل في العيد تلك الصورة المثالية التي عبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فيما حدث به النعمان بن بشير "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"رواه مسلم.

أيها الناس إن واجبكم نحو أبنائكم هو واجبكم نحو أنفسكم وإهمالكم لهم إهمال لأنفسكم التي دعاكم الله ورسوله إلى العناية بها في قوله سبحانه "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"الشمس:7-10. فلا تتركوا أبنائكم في الشوارع كالسوائم الضالة ولكن إصحبوهم إلى المساجد ليرفعوا أصواتهم بالتكبير واصحبوهم في توزيع لحوم الأضاحي ليتدربوا على الإحسان العملي

هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم

أما بعد

عباد الله: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وأود أن أذكركم بأنه يشرع صيام يوم عرفة فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال "يكفر السنة الماضية والسنة القابلة" رواه مسلم، كما أوصيكم بصلة أرحامكم

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادنا أو أراد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ول على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم اللهم فك أسر المأسورين واغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيما إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

محظورات الإحرام

إن الحمد لله نحمده ونستهديه ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوثُ رحمةً للعالمين بلَّغَ الرسالة وأدَّى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على المَحَجَّة البيضاءِ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالكٌ فصل اللهم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.

أما بعد

عباد الله: اتَّقوا الله واعلموا أن الله تعالى بحكمته ورحمته فرض عليكم فرائض فلا تضيّعوها، وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها، فرض عليكم تعظيم شعائره وحرماته "وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ"الحج:30. ألا وإنَّ من شعائر الله مناسك الحج والعمرة "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ"البقرة:158. فعظِّموا هذه المناسك فإنها عبادة عظيمة ونوع من الجهاد في سبيل الله

تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :"اسْتَأْذَنْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الجِهَادِ، فَقالَ: جِهَادُكُنَّ الحَجُّ. "رواه رواه البخاري. عظموا هذه المناسك بالقيام بما أوجب الله عليكم والبعد عما حرم عليكم "فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ"البقرة:197.

عظموا هذه المناسك بالإخلاص فيها لله تعالى والاتباع لنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم

قوموا بما أوجب الله عليكم من الطهارة والصلاة جماعة في أوقاتها والنصح للمسلمين واجتنبوا ما حرم الله عليكم من المحرمات العامة من الفسوق بجميع أنواعه

اجتنبوا الكذب والغِش، والخيانة، والنّميمة، والغِيبة، والاستهزاء بالمسلمين والسخرية منهم واجتنبوا الاستماع إلى المعازف والأغاني المحرمة

اجتنبوا كل ما يلهيكم عن إكمال مناسككم وإتمامها

واجتنبوا ما حرّمه الله عليكم تحريماً خاصاً بسبب الإحرام وهي محظورات الإحرام

فاجتنبوا الرفث وهو الجِماع ومقدّماته من اللمس والتقبيل والنظر بشهوة وتلذّذ؛ فالجِماع أعظم محظورات الإحرام وأشدّها تأثيرًا، مَن جامَع قبل التحلل الأول فسد حجه ولزمه إنهاؤه وقضاؤه من العام المقبل وفديةٌ بدنةٌ ينحرها ويتصدّق بها على الفقراء في مكة أو مِنى

واجتنبوا الأخذ من شعر الرأس فإن الله تعالى يقول "وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه"البقرة:196. وأَلْحَقَ جمهور العلماء شعرَ بقية البدن بشعر الرأس وقاسوا عليه إزالة الأظافر وقالوا لا يجوز للمُحْرم أن يأخذ شيئًا من شعره أو أظافره إلا أن ينكسر ظفره فيؤذيه فله أخذ ما يؤذيه فقط وإذا اغتسل وسقط شيء من شعر رأسه فلا شيء عليه ومَنْ حلق رأسه أو شيئاً منه فعليه فدية يفدي بها نفسه من العقوبة وهي إما صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين من قوت البلد لكل مسكين نصف صاع أي تسعة كيلو غرام أو شاة يذبحها ويتصدق بها على المساكين ويكون الإطعام والذبح في مكة أو في مكان فعل المحظور

واجتنبوا قتل الصيد؛ فإن الله يقول "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ"المائدة:95. سواء كان الصيد طائرًا كالحمام أم سائرًا كالظباء والأرانب، فمَنْ قتل صيدًا متعمّدًا فعليه الجزاء وهو إما ذبح ما يماثله من الإبل أو البقر أو الغنم فيتصدّق به على المساكين في مكة أو مِنى، وإما تقويمه بدراهم يتصدّق بِما يساويها من الطعام على المساكين في مكة أو مِنى لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا

وأما قطع الشجر فلا تعلق له بالإحرام، فيجوز للمُحْرم وغير المحرم قطع الشجر إذا كان خارج أميال الحرم، مثل عرفة ولا يجوز إذا كان داخل أميال الحرم مثل مزدلفة ومِنى ومكة إلا ما غرسه الآدمي بنفسه فله قطعه، ويجوز للإنسان أن يضع البساط على الأرض ولو كان فيها حشيش أخضر إذا لم يقصد بذلك إتلافه

واجتنبوا عقد النكاح وخطبة النساء؛ فإنه قد صحَّ عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم"لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب"رواه مسلم. فلا يجوز للمحرم أن يتزوج سواء كان رجلاً أم امرأة ولا يزوج غيره ولا أن يخطب امرأة

واجتنبوا الطيب بجميع أنواعه دُهنًا كان أم بخورًا؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم "ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسَّه الزعفران ولا الورس"رواه مسلم. وقال في الرَّجل الذي مات بعرفة وهو مُحْرم "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنّطوه ولا تخمّروا رأسه ؛ فإنه يُبعث يوم القيامة مُلبّيًا"رواه البخاري. والحنوط هو الطيب الذي يجعل في قطن على منافذ الميت ومواضع سجوده فلا يجوز للمحرم أن يدهن بالطيب أو يتبخر به وأما التطيب عند عقد الإحرام فهو سنة ولا يضر بقائه بعد عقد الإحرام فقد قالت عائشة رضي الله عنها كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت.رواه مسلم.

واجتنبوا تغطية الرأس بِما يغطى به عادةً ويلاصقه كالعمامة والغُتْرة ؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته ناقته فمات "لا تخمّروا رأسه" أي لا تغطّوه

فأما ما لم تجرِ العادة بكونه غطاءً كالعفش يحمله المحرم على رأسه فلا بأس به إذا لم يقصد به الستر وكذلك ما لا يلاصق الرأس كالشمسية ونحوها فلا بأس به لأن المنهي عنه تغطية الرأس لا تظليله

وتحريم تغطية الرأس خاص بالذكور دون الإناث

هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعدُ

على المرأة المحرمة أن تجتنب لبس ثياب الزينة والطيب في ملابسها وبدنها والذهب في أيديها

والنقاب على وجهها والقفاز على يديها والخلخال في قدميها ولا تتساهل في التوكيل إذا كانت قادرة على الرمي فتحرم نفسها الدعاء لها ولوالديها وللمسلمين

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين اللهم فقهنا في ديننا وعلمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى وانصر جنودنا في الحد الجنوبي.

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

فضل العشر الأول من ذي الحجة (1)

الحمد لله الذي سهل لنا طريق السعادة ، ووعدنا بجزيل الجزاء في العاجلة والآجلة ، وأشهد أن لا إله إلا الله جعل للطاعات مواسم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خصه بالحكمة وجوامع الكلم، أرسله رحمةً للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، وبعد:

أيها المسلمون:

إن الأيام العشر من ذي الحجة موسم من مواسم الطاعات والخيرات، فيها يتنافس المتنافسون، حتى عدت هذه الأيام من أفضل أيام الدنيا، لما تضمنته من فضائل، ومن أجل ذلك كان العلماء والفضلاء يتنافسون في أعمال البر والإحسان، ومما يدل على فضلها ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ منها في هذه، قالوا: ولا الجِهادُ؟ قالَ: ولا الجِهادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِرُ بنَفْسِه ومالِه، فلَمْ يَرْجِعْ بشَيءٍ. "،أخرجه البخاري ، ويكفي في فضلها أن الله أقسم بها وهو سبحانه لا يقسم إلا بعظيم من خلقه قال تعالى ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2]

أيها المسلمون:

لقد تضمنت هذه الأيام العظيمة يومَ عرفة، ففي هذا اليوم الأغر يجتمع الحجاج من كل أنحاء العالم، وأصقاع البلاد يلبسون زياً واحداً ويلبون تلبية واحدة، ويتحقق فيهم قوله سبحانه ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10] فلا فرق بين أعجمي ولا عربي، ولا فضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، ولفضل هذا اليوم قال رسولنا الخليل "الحج عرفة"صححه الألباني ، وبين أن صيامه لغير الحاج يكفر الذنوب وتعتق في هذا اليوم الرقاب، فعن عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أن رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما مِن يَومٍ أَكْثَرَ مِن أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فيه عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بهِمِ المَلَائِكَةَ، فيَقولُ: ما أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟"،رواه مسلم فبادروا - رحمكم الله- إلى صيامه، واغتنام أوقاته، بما ينفع ويفيد، ويدخر لما بعد الموت ولا يبيد، ومن أفضل الأعمال في العشر الأواخر الحج ، وقد بين الله أن الحج فرض على كل من استطاع إليه سبيلا قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. والاستطاعة تفسر بالقدرة المادية والبدنية، مع وجود المحرم للمرأة، ويكفي في فضل الحج ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"،أخرجه البخاري، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "تابِعوا بينَ الحجِّ والعمرةِ ، فإنَّهما ينفِيانِ الفقرَ والذُّنوبَ ، كما ينفي الْكيرُ خبثَ الحديدِ والذَّهبِ والفضَّةِ وليسَ للحجِّ المبرورِ ثوابٌ دونَ الجنَّةِ"،أخرجه النسائي وصححه الألباني والواجب على المسلم أن يتفقه في أمور دينه حتى يؤدي حجه ونسكه بما يوافق هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد يقع في المحظور وهو لا يدري مثل أن يقف خارج حدود عرفة، أو يأتي عرفة بعد خروج وقتها، أو يجامع قبل التحلل الثاني فيفسد حجه، أو ربما قطع شجرا أو قتل صيدا، وقد أمرنا الله أن نسأل أهل العلم فيما أشكل علينا أو اشتبه أمره علينا.

ومن الأعمال الصالحة في هذه الأيام المباركة التكبير المطلق وهو مشروع من أول الشهر إلى نهاية اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة؛ لقول الله سبحانه ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ [الحج: 28]، وأما المقيد ففي أيام التشريق عقب الصلوات المكتوبات، والحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة الكبرى صبيحة يوم النحر، وصيغة التكبير (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد).

ومن الأعمال الصالحة تلاوة كتابه ، وقد جعل الله فيه الشفاء والرحمة والهداية والنور ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ ﴾ [الإسراء: 82] وقال تعالى ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 9]، وعن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏"‏الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران‏"‏‏‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏‏‏.‏ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏"منْ قرأَ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ آلم حرفٌ ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ"‏‏‏رواه الترمذي وصححه الألباني.

فبادروا رحمكم الله إلى استغلال الفرص، وتحين الأوقات الفاضلة، وخاصة في أيام العشر، وفي الأيام العشر يوم النحر هذا اليوم العظيم من أيام الله - تعالى - هو أفضل أيام السنة على الإطلاق لأنه جمع بين أنواع العبادة ؛ كما جاء في حديث عبدالله بن قُرْطٍ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ"؛ رواه أبو داود وصححه الألباني . وبعده أيام التشريق، وهي أيام الذِّكر والأكل؛ كما في حديث نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لله"رواه مسلم .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي وفق من أخلص الطاعة لربه، وأشهد أن لا إله إلا الله أرشد عباده إلى التوبة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من أدى مناسك الحج وجاهد في الله حق جهاده، وعلى آله وأصحابه الداعين والسالكين طريق الهدى والمقتفين دعوته، وبعد:

أيها المسلمون:

شرع الله تبارك وتعالى لنا الأضاحي ليتقرب العباد إلى ربهم، ويتصدقوا بلحومها على الفقراء والمحتاجين، وليقتدوا بسنة نبي الله إبراهيم، وفيها مواساة للفقراء،وإعانة البؤساء، وتطهيرا لمرض البخل وإزالة داء الشحناء، قال تعالى ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37].

ومن الأمور الواجبة لمن أراد أن يضحي أن لا يأخذ من شعره أو أظفاره في تلك العشر الأوائل، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَن كانَ له ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فإذا أُهِلَّ هِلالُ ذِي الحِجَّةِ، فلا يَأْخُذَنَّ مِن شَعْرِهِ، ولا مِن أظْفارِهِ شيئًا حتَّى يُضَحِّيَ."، رواه مسلم والحكمة من ذلك أن يشارك الحجاج في بعض مناسكهم وأعمالهم لئلا يغيب عن خاطره عظمة تلك الأيام.

هذا وصلوا على الخليل المختار، خيرِ من استغفر في الأسحار.اللهم صل على نبينا محمد، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ، اللهم أصلح فساد قلوبنا وتوفنا وأنت راضٍ عنَّا ، اللهم من أرادنا وديننا وديارنا بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميره وأشغله بنفسه ، ومن أرادنا وديننا وديارنا بخير فوفقه إلى كل خير ، اللهم احفظ ولاة أمورنا من كل مكروه وسوء وهيء لهم البطانة الصالحة التي تعينهم على ماهم عليه من حمل ثقيل، وانصر اللهم جندنا في الحد الجنوبي على عدوك وعدوهم ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسن وقنا عذاب النار ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

فضل العشر الأول من ذي الحجة (2)

الحمد لله رب العالمين، أتاح لعباده مواسم الخير ونوعها ليتزودوا منها بصالح الأعمال، ويستدركوا ما يحصل من الغفلة والإهمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل، وسلم تسليما.

أما بعد، أيها الناس

اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم في هذه الدنيا في دار ممر، وما زلتم في سفر، وإن إلى ربكم المستقر، وإنها تمر بكم مواسم عظيمة تضاعف فيها الحسنات، وتكفر فيها السيئات، ومن هذه المواسم عشر ذي الحجة، فقد جمع الله فيها من الفضائل، ونوع فيها من الطاعات ما لا يخفى إلا على أهل الغفلة والإعراض، ففي هذه العشر المباركة التي نوه الله بها في كتابه الكريم، حيث قال سبحانه (والفجر وليال عشر) الفجر: 1

فالمراد بها عشر ذي الحجة، أقسم الله بها تعظيما لشأنها، وتنبيها على فضلها، فقد روى البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ منها في هذه، قالوا: ولا الجِهادُ؟ قالَ: ولا الجِهادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِرُ بنَفْسِه ومالِه، فلَمْ يَرْجِعْ بشَيءٍ."

فدل هذا الحديث على أن العمل في هذه العشر، أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا، وأنه أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا جهادا واحدا، وهو جهاد من خرج بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء، فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في هذه العشر، وأما بقية أنواع الجهاد، فإن العمل في هذه العشر أفضل وأحب إلى الله منها.

وقد شرع الله لعباده صيام هذه الأيام، ما عدا اليوم العاشر، وهو يوم النحر، ومما يشرع في هذه الأيام الإكثار من ذكر الله، ولا سيما التكبير، قال الله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) الحج: 28

وهي أيام العشر ، وأما الأيام المعدودات، فهي أيام التشريق، ويستحب الإكثار من ذكر الله في هذه العشر المباركة من التهليل والتكبير والتحميد، وأن يجهر بذلك في الأسواق، فقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما كانا يخرجان إلى السوق، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، وهذا من رحمة الله بعباده.

فلما تعذر الحج على كل واحد جعل موسم العشر مشتركا بين الحجاج وغيرهم، فمن لم يقدر على الحج، فإنه يقدر على أن يعمل في العشر عملا يفضل على الجهاد، وفي هذه العشر المباركة يوم عرفة فقد روى الإمام مسلم عن أبي قتادة قال :

(وَسُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ عَرَفَةَ، فَقالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ. قالَ: وَسُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ عَاشُورَاءَ، فَقالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ.) فيستحب صيامه لغير الحاج، أما الحاج، فلا يصومه لأجل أن يتقوى على الوقوف، وذكر الله تعالى، وهو يوم مغفرة الذنوب، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف، كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما مِن يَومٍ أَكْثَرَ مِن أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فيه عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بهِمُ المَلَائِكَةَ، فيَقولُ: ما أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)

وفي هذه العشر المباركة يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، يكمل المسلمون حجهم الذي هو الركن الخامس من أركان الإسلام بعد ما وقفوا بعرفة، وأدوا الركن الأعظم من أركان الحج، شُرع لهم فيه ذبح القرابين من هدي وأضاحٍ، والحجاج يستكملون مناسك حجهم في هذا اليوم المبارك من الرمي، والحلق أو التقصير، والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة للمتمتع ولمن لم يسع مع طواف القدوم من مفرد أو قارن، وأهل الأمصار في هذا اليوم يؤدون صلاة العيد لإقامة ذكر الله

وبعد هذه العشر المباركة أيام التشريق التي هي أيام منى، روى مسلم في صحيحه من حديث نُبيشة الهذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ. [وفي رواية : زاد فيه «وذكرٍ لله»] ) وهي الأيام المعدودات التي قال الله تعالى فيها: (واذكروا الله في أيام معدودات) البقرة: 203

وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وقد أمر الله تعالى بذكره في هذه الأيام المعدودات، وذِكر الله في هذه الأيام أنواع متعددة

منها: ذِكر الله عز وجل عقب الصلوات المكتوبات بالتكبير المقيد في أدبارها

ومنها: ذِكر بالتسمية والتكبير عند ذبح النسك

ومنها: ذِكر الله عز وجل على الأكل والشرب، فأيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله، فإنه يسمي الله عند بداية أكله وشربه، ويحمده عند نهايتهما

ومنها: ذكر الله تعالى بالتكبير عند رمي الجمار

فاشكروا الله أيها المسلمون على هذه النعمة العظيمة، واغتنموا هذه الخيرات، ولا تكونوا من الغافلين (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون) البقرة: 198-203

هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله يخلق ما يشاء ويختار، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار المهاجرين منهم والأنصار، وسلم تسليما.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه إذا دخلت عشر ذي الحجة فلا يجوز لمن اراد أن يضحي أن يأخد من شعره أو أظافره أو بشرته شيئاً حتى يضحي وقد صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما من يضحى عنه من أولاد وزوجات فلا حرج في ذلك.

وأيام التشريق يحرم صيامها ، قال صلى الله عليه وسلم (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) رواه مسلم

وعن عائشة رضي الله عنها وابن عمر رضي الله عنهما قالا ( لَمْ يُرَخَّصْ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمْنَ، إلَّا لِمَن لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ.) رواه البخاري

وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل والشرب فيها حكمة بالغة، وذلك أن الله تعالى لما علم ما يلاقي الحجاج من مشاق السفر، وتعب الإحرام، وجهاد النفس على قضاء المناسك، شرع لهم الاستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم نسكهم، فهم في ضيافة الله عز وجل، ويشاركهم أهل الأمصار غير الحجاج في ذلك، لأنهم شاركوهم في الذكر، والاجتهاد في العبادات وشاركوهم في التقرب إلى الله بذبح الأضاحي، فاشترك الجميع بالعيد، والأكل والشرب والراحة، فصار المسلمون كلهم في ضيافة الله عز وجل

وفي هذه الأيام يأكلون من رزقه، ويشكرونه على فضله، ونهوا عن صيام هذه الأيام من أجل ذلك

فاتقوا الله أيها المسلمون واشكروه على نعمه

ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً)الأحزاب:56.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وانصر عبادك الموحدين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين

اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك .

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته .

اللهم آنس وحشتنا في القبور، وآمن فزعنا يوم البعث والنشور

اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون.النحل:90.

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون

الأشهر الحرم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما

أما بعد عباد الله:

اتقوا الله تعالى وتيقنوا أن لله تعالى الحكمة البالغة فيما يصطفي من خلقه فالله تعالى يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ويفضل من الأوقات أوقاتاً ومن الأمكنة أماكن ففضل الله تعالى مكة على سائر البقاع ثم من بعدها المدينة مهاجر خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ثم من بعدهما بيت المقدس مكان غالب الأنبياء الذين قص الله علينا نبأهم وجعل لمكة والمدينة حرما دون بيت المقدس وفضل الله تعالى بعض الشهور والأيام والليالي على بعض "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم"(التوبة 36) وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثة متوالية وشهر رجب الفرد بين جمادى وشعبان وخير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة وليلة القدر خير من ألف شهر فعظموا رحمكم الله تعالى ما عظمه الله فلقد ذكر أهل العلم أن الحسنات تضاعف في كل زمان ومكان فاضل بالعدد والكيفية وأن السيئات تَعظم في كل زمان ومكان فاضل بالكيفية لا بالعدد وشاهد هذا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ" (البقرة:217) وقال تعالى في المسجد الحرام "وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ" (الحج:25) وإنكم في هذه الأيام تعيشون في الأشهر الحرم الثلاثة فلا تظلموا فيهن أنفسكم التزموا حدود الله تعالى أقيموا فرائض الله واجتنبوا محارمه أدوا الحقوق فيما بينكم وبين ربكم وفيما بينكم وبين عباده واعلموا أن الشيطان قد قعد لابن آدم كل مرصد وأقسم لله ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين أقسم لله بعزته ليغوينهم أجمعين إلا عباد الله المخلصين إن الشيطان لحريص كل الحرص على إغواء بني آدم وإضلالهم يصدهم عن دين الله يأمرهم بالفحشاء والمنكر يحبب إليهم المعاصي ويكره إليهم الطاعات يأتيهم من كل جانب ويقذفهم بسهامه من كل جبهة إن رأى من العبد رغبة في الخير ثبطه عنه وأقعده فإن عجز عنه من هذا الجانب جاءه من جانب الغلو والوسواس والشكوك وتعدي الحدود في الطاعة فأفسدها عليه فإن عجز عنه من جانب الطاعات جاءه من جانب المعاصي فينظر أقوى المعاصي هدما لدينه فأوقعه فيها فإن عجز عنه من هذا الجانب حاوله من جانب أسهل فأوقعه فيما دونها من المعاصي فإذا وقع في شرك المعاصي فقد نال الشيطان منه بغيته فإن المرء متى كسر حاجز المعصية أصبحت المعصية هينة عليه صغيرة في عينه يقللها الشيطان في نفسه تارة ويفتح عليه باب التسويف تارة يقول له هذه هينة افعلها هذه المرة وتب إلى الله تعالى فباب التوبة مفتوح وربك غفور رحيم فلا يزال به يعده ويمنيه وما يعده إلا غرورا فإذا وقع في هذه المعصية التي كان يراها من قبل صعبة كبيرة وهانت عليه تدرج به الشيطان إلى ما هو أكبر منها وهكذا أبدا حتى يخرجه من دينه كله ولقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا التدرج فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إيَّاكُم ومحقَّراتِ الذُّنوبِ فإنَّهنَّ يجتمِعنَ على الرَّجلِ حتَّى يُهلِكنَهُ كرجلٍ كانَ بأرضِ فلاةٍ فحضرَ صنيعُ القومِ فجعلَ الرَّجلُ يجيءُ بالعودِ والرَّجلُ يجيءُ بالعودِ حتَّى جمعوا من ذلِكَ سوادًا وأجَّجوا نارًا فأنضجوا ما فيها" صححه الألباني في صحيح الجامع.

عباد الله:

إن كل ما تجدون في نفوسكم من تكاسل عن الطاعات وتهاون بالمعاصي فإنه من وساوس الشيطان ونزغاته فإذا وجدتم ذلك فاستعيذوا بالله منه فإن في ذلك الشفاء والخلاص قال الله تعالى "وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ" (الأعراف :200-201) اللهم أعذنا من الشيطان الرجيم واجعلنا من عبادك المخلصين الذين ليس له سلطان عليهم وعلى ربهم يتوكلون واغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين إنك جواد كريم غفور رحيم

هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه غفور رحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيرا

أما بعد

عباد الله:

احذروا مكايد الشيطان ومكره فإنه يتنوع في ذلك ويتلون فهذا يأتيه من قبل الإيمان والتوحيد فيوقعه في الشك أحيانا وفي الشرك أحيانا وهذا يأتيه من قبل الصلاة فيوقعه في التهاون بها وهذا يأتيه من قبل الزكاة فيوقعه في البخل بها أو صرفها في غير مستحقها وهذا يأتيه من قبل الصيام فيوقعه فيما ينقصه من سيء الأقوال والأفعال وهذا يأتيه من قبل الحج فيوقعه في التسويف به حتى يأتيه الموت وما حج وهذا يأتيه من قبل حقوق الوالدين والأقارب فيوقعه في العقوق والقطيعة وهذا يأتيه من قبل الأمانة فيوقعه في الغش والخيانة وهذا يأتيه من قبل المال فيوقعه في اكتسابه من غير مبالاة فيكتسبه عن طريق الحرام بالربا تارة وبالغرور والجهالة تارة وبأخذ الرشوة أحيانا وبإهمال عمله تارة إلى غير ذلك من أنواع المعاصي وأجناسها التي يغر بها الشيطان بني آدم ثم يتخلى عنهم أحوج ما يكونون إلى المساعد والمعين اسمعوا قول الله تعالى في غرور الشيطان لأبوينا آدم وحواء حين أسكنهما الله تعالى الجنة وأذن لهما أن يأكلا رغدا من حيث شاءا من أشجارها وثمارها سوى شجرة واحدة عينها لهما بالإشارة "وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ" (البقرة:35) ولكن الشيطان وسوس لهما وقال "مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ" (الأعراف:20-22) أي أنزلهما من مرتبة الطاعة وعلو المنزلة .

واسمعوا قول الله تعالى في خداع الشيطان لكل إنسان وتخليه عنه حيث يقول الله تعالى "كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِين" (الحشر:16)

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"(الأحزاب:56) وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين وانصر عبادك المظلومين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم من أرادنا أو أراد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له اللهم ول على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم اللهم فك أسر المأسورين واغفر ذنب المذنبين واقبل توبة التائبين اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.(العنكبوت:45).

توديع العام

الحمدُ لله النافذِ أمرُه الدائمِ برُه الشديدِ بطشُه وقهرُه الواجبِ حمدُه وشكرُه لا يرجى إلا نفعُه ولا يخاف إلا ضرُه فتبارك اسمُه وجلَّ ذكرُه وسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته تُسَبِّحْهُ سماؤه وأرضُه وبَرُه وبحرُه وجِنُّه وإنسُه وملائكته.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل الليلَ والنهارَ آيتين فمبصرة وممحوة لتعلموا عدد السنين والحساب وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله سيد الخليقة ومسك ختام النبوة اللهم صل وسلم على رسولنا الموصوف بأشرف الصفات.

عباد الله: تمر الشهور وتمضى السنون ونحن في سبات غافلون عن الممات ومن علم أن الموت سنة الله في العالمين فكيف يطمع في البقاء وهو يرى كثرة الراحلين.

ومالك لا تستعد للرحيل أيها المسكين وأنت تعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عن ابن عمر "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " رواه البخاري

أيها الناس: نحن في بداية العام فهنيئاً لمن أحسن واستقام وويل لمن أساء وارتكب الإجرام والمجرمون معروفون بسيماهم موعودن بالانتقام "يوم يؤخذ بالنواصي والأقدام . " الرحمن:41.

هلمَّ نتساءل عن العام المنصرم وكيف قضيناه وتعال نتباحث عما سلف من العمر وكيف أمضيناه ولنفتش كتاب أعمالنا وكيف طويناه فإن كان خيراً حمدنا الله وشكرناه وإن كان شراً تبنا إلى الله واستغفرناه وعملنا من الحسنات ما يأتي على السيئات فيمحها كم ولد ومات فيه من عظيم وكم ولي فيه وعُزِلَ من كريم ولئيم وكم غني فيه من فقير وافتقر فيه من غني ، وكم عز من ذليل وذل من عزيز، وحوادث الزمان لا تحصى وربك الرحمن كلَّ يوم هو في شأن فعَّالٌ لما يريد وهو الحكيم العليم، يرفع قوماً ويضع آخرين فيؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الموت والحياة والتأخير والتقديم.

حوادث الدهر كثيرة والناس عنها مشغولون وعِبَرُ الأيامِ جمَّةٌ ونحن عنها غافلون ومدائن تعمر وأخرى تدمر وإذا أراد الله أمراً فإنما يقول له كن فيكون.البقرة:117. وهذه الدار للفناء وسكانها للموت والبلاء.

كيف ينظر المرء ما أقبل من دهره ويتمنى لقبض المرتب تمام شهره وهو يعلم أن ذلك ينقص من عمره وأنها مراحل يقطعها من سفره وصفحات يطويها من دفتره فهل يُسرُّ أحدٌ بوصوله إلى قبره ومفارقته لما له وأهله ومعشره إلا عبداً استعد للقدوم على الله بامتثال أمره واتخذ الدنيا طريقاً إلى مقره فأحسن فيما آتاه الله من صحة ومال وعلم وعقل ومكانة عالية في أهل عصره وراقب الله في فعله وتركه وسره وجهره

وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"لا يَأْتي علَيْكُم زَمَانٌ إلَّا الذي بَعْدَهُ شَرٌّ منه، حتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ "رواه البخاري ، وقال عليه الصلاة والسلام " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك"رواه الترمذي ، وصححه الألباني.

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الأعراف:54.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الأيام والليالي مراحل الآخرة وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله

أما بعد

عباد الله : من الملاحظ أن التاجر في آخر العام يصفي حسابه ليعرف مدى ربحه وخسارته في الدنيا فقط غير آبه بمعرفة نسبة الحلال والحرام في ماله الذي حصل عليه خلال هذا العام ويستمر على هذا إلا من رحمه الله حتى يقول الناس مات فلان فيتحسر في قبره ويتمنى زيادة حسنة تنفعه ولكن هيهات أن ينفعَ الندم

والأولى مراجعة حساباته ، وأن يقف وقفات طويلة في هذه الأيام يقف ليعرف مقدار الذنوب والخطايا التي ارتكبها خلال العام المنصرم فإن كانت تتعلق بحقوق الآدميين ردها عليهم وإن كانت تتعلق بحقوق الله سبحانه استغفر وجدد التوبة مع بداية العام الجديد.

عليه أن يقف طويلاً أمام الأموال التي حصل عليها خلال العام المنصرم فإن كانت قد وصلت إليه عن طريق الحرام فليعلم أنها ستكون وبالاً عليه يوم القيامة وعليه أن يسارع باسترجاع ما أمكنه ذلك

وعليه أن يقف وقفة تأمل عند أمواله ليعرف مدى استفادة المسلمين منها هل للمسلمين نصيب منها؟!، هل كان للفقراء والمساكين نصيب؟!، هل ساهم في المشاريع الخيرية التي تعود عليه بالخير العميم يوم القيامة؟!

وعليه أن يقف مخاطباً نفسه هل أعطى كل ذي حق حقه؟!، هل أعطى أسرته ما يجب عليه نحوها من تعليم أمور الدين وحثها على المحافظة على ما يقربها من ربها؟!، هل أنفق على أسرته دون إسراف ولا تقتير وأعطى زوجته وأولاده حقهم من الجلوس معهم والمبيت كذلك ؟!.

هل حافظ على أولاده من جلساء السوء وأقنعهم بمخاطر ذلك عليهم وعلى المجتمع

عليه أن يعرف مدى علاقته بجيرانه ووالديه وأقاربه هل أعطى كل ذي حق حقه من النصيحة والزيارة الهادفة التي يراد بها وجه الله

وعليه أن يقف وقفة صادقة مع نفسه هل كان محافظاً على الصلاة في وقتها مع الجماعة في المسجد ولا ينس بأن تارك الصلاة كافر وأن أول ما يوضع في الميزان الصلاة فإن صلحت صلح سائر العمل وإن ردت رد سائر العمل.

ولا ينسى هل صام رمضان فإن كان قد أفطر بعذر فعليه المسارعة بالقضاء وإن كان قد أفطر بدون عذر فعليه بالمسارعة بالقضاء كذلك والندم على ما فات والتوبة النصوح

ولا ينسى هل هو يزكي ماله أم لا إذا حال عليه الحول أي مضى سنة وبلغ النصاب سواء كان هذا المال من عروض التجارة أم ماله الذي يحتفظ به للحاجة وليعلم أن مقدار ذلك ربع العشر أي في كل أربعة آلاف مائة ريال.

ولا ينسى زكاة الذهب الذي تلبسه النساء كذلك

وعليه أن يقسم المبلغ على (40) لمعرفة مقدار الزكاة.

وعلى المسلم إذا كان يعمل براتب شهري أن يحاسب نفسه هل هو يعمل بإخلاص بحيث يستحق مرتبه أم لا سواء كان يعمل موظفاً للدولة لخدمة مصالح المسلمين أو يعمل على حساب شركة أو مؤسسة .

عباد الله : أذكركم مرة ثانية أنكم في هذه الأيام قد ودعتم عاماً ماضياً شاهداً لكم أوعليكم واستقبلتم عاماً جديداً فليت شعري ماذا أودعتم في العام الماضي وماذا تستقبلون به العام الجديد فليحاسب العاقل نفسه ولينظر في أمره فإن كان قد فرط في شيء من الواجبات فليتب إلى الله وليتدارك ما فات وإن كان ظالماً لنفسه بفعل المعاصي والمحرمات فليقلع عنها قبل حلول الأجل والفوات وإن كان ممن من الله عليه بالاستقامة فليحمد لله على ذلك وليسأله الثبات عليها إلى الممات.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة وجازهم بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفواً وإحسانا واجمعنا بهم في جنات النعيم.ووفق وليَّ أمرنا ووليَّ عهده لما تحب وترضى وانصر جنودنا على حدودنا.

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

وداع العام الهجري

الحمد لله مصرف الأحوال، ومدبر الأمور، الحي القيوم، الباقي على مر العصور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له الملك العظيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه

أما بعد، عباد الله

إن لكل شيء بداية ونهاية، وإن نهاية عامنا هذا قد آذنت بالرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، ويأتي يوم القيامة فيشهد بالأعمال، فكم أشهر ذهبت لم نعرف لها حساب، وكم أعوام ارتحلت وأعمالنا مسطورة في كتاب، فودعوا رحمكم الله عامكم هذا بالخيرات، وصالح الأعمال، عسى أن تفوزوا من الله بالفضل والإقبال، وشيعوه أحسن تشييع، فإنه يأتي يوم القيامة شاهداً، فمن كانت أعماله صالحة فاز بالسلامة، فاختموا عامكم هذا بالتوبة النصوح "ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون" (الحشر: 19)

لقد نسوا لقاء ربهم فأنساهم أنفسهم، فأضاعوها وأهملوها، فاصطلت بنار المعصية، فخسرت الدنيا والآخرة، فاعتبروا رحمكم الله تعالى بمضي الشهور والأيام، وتذكروا بانقضائها انقضاء للعمر، ولنعتبر بمن مضى من الأمهات والآباء، والإخوان، والزوجات، والأبناء، والأحبة والأصدقاء، فالسعيد من أقام له من نفسه واعظا، ومن الزمان رادعا، قال تعالى:" أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون" (التوبة: 126)

ولنأخذ من سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة والهدى، ومن أصحابه وأتباعه رضوان الله عليهم القدوة الحسنة، في الإقبال على طاعة الله عز وجل، والإخلاص له وحده لا شريك له، فلقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تفطرت قدماه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: لم تصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أفلا أكون عبداً شكوراً.رواه البخاري.

فأين من يسلك هذا المسلك السديد؟ وأين من يعقل لسانه عن الكذب، وقول الزور، والغيبة والنميمة؟

فتمسكوا رحمكم الله تعالى بطاعة الله، وأخلصوا العبادة له عز وجل، وليحاسب كل منا نفسه قبل يوم الحساب، وليقف كل منا مع نفسه ساعة ليسألها أين هي من المحافظة على حقوق الله تعالى؟ واتباع أوامره، واتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأين هي من أداء حقوق عباد الله تعالى؟ وتمسكها بالصدق والوفاء، وكرم الأخلاق، علينا أن نحتسب في هذه الأيام، فإنها مراحل نقطعها إلى الدار الآخرة، وكل يوم يمر بنا فإنه يبعدنا من الدنيا ويقربنا إلى الآخرة، فطوبى لعبد اغتنم العمر، وعمل بما يقربه إلى مولاه عز وجل، وشغل حياته بطاعة الله تعالى.

فودعوا رحمكم الله تعالى عامكم هذا بالتوبة النصوح، واستقبلوا العام المقبل الجديد بالعمل الصالح الخالص لله وحده لا شريك له

واعلموا رحمكم الله أن في تجدد الأعوام، فرصة كبرى لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز"وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً" (الفرقان: 62)

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، هذا وأسأله تعالى أن يختم لنا بالصاحات، والخيرات الحسان، وأن يعيذنا من الشك والشرك، والنفاق والشقاق، وأن يهب لنا الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين ، ونشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، معاشر المؤمنين: روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أَفْضَلُ الصِّيامِ، بَعْدَ رَمَضانَ، شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وأَفْضَلُ الصَّلاةِ، بَعْدَ الفَرِيضَةِ، صَلاةُ اللَّيْلِ."

إن الله تعالى جعل خاتمة كل عام وفاتحته شهراً محرماً وموطناً يغتنمه العبد بالتوبة وإصلاح الحال والزيادة في الخير، فتزودوا عباد الله من الأعمال الصالحة، ولا تغتروا بهذه الدنيا الفانية، واعلموا أنكم راحلون عما قريب ومفارقون لهذه الدنيا، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وليست الغبطة بطول العمر، وإنما الغبطة بما أمضاه العبد في طاعة مولاه وخير الناس من طال عمره وحسن عمله وشر الناس من طال عمره وساء عمله، فعلينا أن نستقبل أيامنا وشهورنا وأعوامنا بطاعة ربنا تبارك وتعالى وشكره وحسن عبادته، ومحاسبة أنفسنا وإصلاح ما فسد من أعمالنا ومراقبة من ولانا الله تعالى أمرهم من زوجات وبنين وبنات فما قامت الدنيا إلا بقيام الدين ولا نال العز والكرامة والرفعة إلا من خضع لرب العالمين ولا دام الأمن والرخاء إلا باتباع منهج سيد المرسلين ولئن استمرت زهرة الدنيا مع المعاصي والانحراف فإن ذلك استدراج يعقبه الهلاك.

ألا و صلوا رحمكم الله على خير البرية، وأفضل البشرية، فقد أمركم الله بذلك في كتابه، فقال عز وجل "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً" (الأحزاب:56)

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبيك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر و عمر و عثمان و علي، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا يا رب العالمين اللهم أعز الإسلام و المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين اللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، وارحم موتانا وموتى المسلمين واشف مرضانا ومرضى المسلمين اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً، يا ذا الجلال والإكرام اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا كرباً إلا نفَّسته، ولا عاصيا إلا رددته ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها برحمتك، "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار." (البقرة:201).

عباد الله:" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون." (النحل:90).

توديع العام

الحمدُ لله النافذِ أمرُه الدائمِ برُه الشديدِ بطشُه وقهرُه الواجبِ حمدُه وشكرُه لا يرجى إلا نفعُه ولا يخاف إلا ضرُه فتبارك اسمُه وجلَّ ذكرُه وسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته تُسَبِّحْهُ سماؤه وأرضُه وبَرُه وبحرُه وجِنُّه وإنسُه وملائكته.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل الليلَ والنهارَ آيتين فمبصرة وممحوة لتعلموا عدد السنين والحساب وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله سيد الخليقة ومسك ختام النبوة اللهم صل وسلم على رسولنا الموصوف بأشرف الصفات.

عباد الله: تمر الشهور وتمضى السنون ونحن في سبات غافلون عن الممات ومن علم أن الموت سنة الله في العالمين فكيف يطمع في البقاء وهو يرى كثرة الراحلين.

ومالك لا تستعد للرحيل أيها المسكين وأنت تعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عن ابن عمر "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " رواه البخاري

أيها الناس: نحن في بداية العام فهنيئاً لمن أحسن واستقام وويل لمن أساء وارتكب الإجرام والمجرمون معروفون بسيماهم موعودن بالانتقام "يوم يؤخذ بالنواصي والأقدام . " الرحمن:41.

هلمَّ نتساءل عن العام المنصرم وكيف قضيناه وتعال نتباحث عما سلف من العمر وكيف أمضيناه ولنفتش كتاب أعمالنا وكيف طويناه فإن كان خيراً حمدنا الله وشكرناه وإن كان شراً تبنا إلى الله واستغفرناه وعملنا من الحسنات ما يأتي على السيئات فيمحها كم ولد ومات فيه من عظيم وكم ولي فيه وعُزِلَ من كريم ولئيم وكم غني فيه من فقير وافتقر فيه من غني ، وكم عز من ذليل وذل من عزيز، وحوادث الزمان لا تحصى وربك الرحمن كلَّ يوم هو في شأن فعَّالٌ لما يريد وهو الحكيم العليم، يرفع قوماً ويضع آخرين فيؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الموت والحياة والتأخير والتقديم.

حوادث الدهر كثيرة والناس عنها مشغولون وعِبَرُ الأيامِ جمَّةٌ ونحن عنها غافلون ومدائن تعمر وأخرى تدمر وإذا أراد الله أمراً فإنما يقول له كن فيكون.البقرة:117. وهذه الدار للفناء وسكانها للموت والبلاء.

كيف ينظر المرء ما أقبل من دهره ويتمنى لقبض المرتب تمام شهره وهو يعلم أن ذلك ينقص من عمره وأنها مراحل يقطعها من سفره وصفحات يطويها من دفتره فهل يُسرُّ أحدٌ بوصوله إلى قبره ومفارقته لما له وأهله ومعشره إلا عبداً استعد للقدوم على الله بامتثال أمره واتخذ الدنيا طريقاً إلى مقره فأحسن فيما آتاه الله من صحة ومال وعلم وعقل ومكانة عالية في أهل عصره وراقب الله في فعله وتركه وسره وجهره

وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"لا يَأْتي علَيْكُم زَمَانٌ إلَّا الذي بَعْدَهُ شَرٌّ منه، حتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ "رواه البخاري ، وقال عليه الصلاة والسلام " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك"رواه الترمذي ، وصححه الألباني.

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الأعراف:54.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الأيام والليالي مراحل الآخرة وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله

أما بعد

عباد الله : من الملاحظ أن التاجر في آخر العام يصفي حسابه ليعرف مدى ربحه وخسارته في الدنيا فقط غير آبه بمعرفة نسبة الحلال والحرام في ماله الذي حصل عليه خلال هذا العام ويستمر على هذا إلا من رحمه الله حتى يقول الناس مات فلان فيتحسر في قبره ويتمنى زيادة حسنة تنفعه ولكن هيهات أن ينفعَ الندم

والأولى مراجعة حساباته ، وأن يقف وقفات طويلة في هذه الأيام يقف ليعرف مقدار الذنوب والخطايا التي ارتكبها خلال العام المنصرم فإن كانت تتعلق بحقوق الآدميين ردها عليهم وإن كانت تتعلق بحقوق الله سبحانه استغفر وجدد التوبة مع بداية العام الجديد.

عليه أن يقف طويلاً أمام الأموال التي حصل عليها خلال العام المنصرم فإن كانت قد وصلت إليه عن طريق الحرام فليعلم أنها ستكون وبالاً عليه يوم القيامة وعليه أن يسارع باسترجاع ما أمكنه ذلك

وعليه أن يقف وقفة تأمل عند أمواله ليعرف مدى استفادة المسلمين منها هل للمسلمين نصيب منها؟!، هل كان للفقراء والمساكين نصيب؟!، هل ساهم في المشاريع الخيرية التي تعود عليه بالخير العميم يوم القيامة؟!

وعليه أن يقف مخاطباً نفسه هل أعطى كل ذي حق حقه؟!، هل أعطى أسرته ما يجب عليه نحوها من تعليم أمور الدين وحثها على المحافظة على ما يقربها من ربها؟!، هل أنفق على أسرته دون إسراف ولا تقتير وأعطى زوجته وأولاده حقهم من الجلوس معهم والمبيت كذلك ؟!.

هل حافظ على أولاده من جلساء السوء وأقنعهم بمخاطر ذلك عليهم وعلى المجتمع

عليه أن يعرف مدى علاقته بجيرانه ووالديه وأقاربه هل أعطى كل ذي حق حقه من النصيحة والزيارة الهادفة التي يراد بها وجه الله

وعليه أن يقف وقفة صادقة مع نفسه هل كان محافظاً على الصلاة في وقتها مع الجماعة في المسجد ولا ينس بأن تارك الصلاة كافر وأن أول ما يوضع في الميزان الصلاة فإن صلحت صلح سائر العمل وإن ردت رد سائر العمل.

ولا ينسى هل صام رمضان فإن كان قد أفطر بعذر فعليه المسارعة بالقضاء وإن كان قد أفطر بدون عذر فعليه بالمسارعة بالقضاء كذلك والندم على ما فات والتوبة النصوح

ولا ينسى هل هو يزكي ماله أم لا إذا حال عليه الحول أي مضى سنة وبلغ النصاب سواء كان هذا المال من عروض التجارة أم ماله الذي يحتفظ به للحاجة وليعلم أن مقدار ذلك ربع العشر أي في كل أربعة آلاف مائة ريال.

ولا ينسى زكاة الذهب الذي تلبسه النساء كذلك

وعليه أن يقسم المبلغ على (40) لمعرفة مقدار الزكاة.

وعلى المسلم إذا كان يعمل براتب شهري أن يحاسب نفسه هل هو يعمل بإخلاص بحيث يستحق مرتبه أم لا سواء كان يعمل موظفاً للدولة لخدمة مصالح المسلمين أو يعمل على حساب شركة أو مؤسسة .

عباد الله : أذكركم مرة ثانية أنكم في هذه الأيام قد ودعتم عاماً ماضياً شاهداً لكم أوعليكم واستقبلتم عاماً جديداً فليت شعري ماذا أودعتم في العام الماضي وماذا تستقبلون به العام الجديد فليحاسب العاقل نفسه ولينظر في أمره فإن كان قد فرط في شيء من الواجبات فليتب إلى الله وليتدارك ما فات وإن كان ظالماً لنفسه بفعل المعاصي والمحرمات فليقلع عنها قبل حلول الأجل والفوات وإن كان ممن من الله عليه بالاستقامة فليحمد لله على ذلك وليسأله الثبات عليها إلى الممات.

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" الأحزاب:56. وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة وجازهم بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفواً وإحسانا واجمعنا بهم في جنات النعيم. ووفق وليَّ أمرنا ووليَّ عهده لما تحب وترضى وانصر جنودنا على حدودنا.

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

تفسير آيات من سورة الواقعة

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين ونبراسا منيرا للمهتدين فكان شفاء لما في الصدور ومصلحا لجميع الأمور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على جميع النبيين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما

أما بعد

أيها الناس: اتقوا الله تعالى وتدبروا كتاب ربكم الذي أنزله الله رحمة بكم وموعظة لكم وإصلاحا لدينكم ودنياكم فلا تعرضوا عنه فتبوؤا بالخسارة وقسوة القلوب والبعد عن خشية علام الغيوب

إن القرآن موعظة من ربكم وشفاء لما في صدوركم ولا شيء أبلغ موعظة منه لمن تدبر القرآن وتفكر معناه ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب به في الجمعة كثيرا قالت أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها " ما أخذت ق إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس " رواه مسلم .

عباد الله: إن من أعظم المواعظ ما جاء في سورة الواقعة تلك السورة العظيمة التي تحدثت عن أحوال الناس يوم القيامة وحالتهم عند مفارقة الدنيا

ابتدأ الله هذه السورة بجملة شرطية عن وقوع الساعة حذف جوابها ليذهب الذهن في تقديره كل مذهب ويسلك في تفخيمه كل طريق.

يقول الله تعالى "إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ"1. وهي يوم القيامة يعني إذا وقعت رأيت أهوالا عظيمة وأحوالا متباينة "إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا":4. عظيما "وَبُسَّتِ الْجِبَالُ":5. تفتت تفتيتا دقيقا "فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا":6. بعد أن كانت جبالا متماسكة ثابتة

وفي هذا اليوم ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف سابقون وأصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة

فالسابقون في هذه الدنيا إلى الطاعات هم السابقون يوم القيامة إلى الكرامة والجنات وهم المقربون إلى فاطر السماوات والأرض في دار لا يفنى نعيمها ولا يبلى جديدها ولا يتكدر صفوها نعيمها دائم وسرورها قائم "عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ":15-19. هذا شرابهم أما طعامهم ففاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وأما نساؤهم فحور ذو بياض حسن صاف "عين" حسنات العيون منظرا وخلقة كأمثال اللؤلؤ المكنون في صدفه في غاية الصفاء

وأما مجتمعهم فمجتمع كامل "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ"الحجر:47. لا يسمعون فيها لغوا من القول وهو ما لا فائدة فيه ولا تأثيما كلاما يأثمون به بل كلامهم ذكر لله وتسبيح له وتحدث بينهم بما أنعم الله عليهم في الدنيا "وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين"الزمر:74.، "وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ"فاطر:34-35. هؤلاء هم السابقون إلى طاعة ربهم يقومون بالواجبات والمستحبات ويتركون المحرمات والمكروهات فكان نعيمهم أكمل النعيم وأحوالهم أكمل الأحوال

أما الصنف الثاني فهم أصحاب اليمين وهم من أهل الجنة ولكنهم أقل حالا من السابقين "فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ":28. شوكه فليس فيه شوك "وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ":29. من التمر من أسفله إلى أعلاه وهذا السدر والطلح ليس مشابها لما في الدنيا الاسم هو الاسم ولكن الحقيقة غير الحقيقة فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"رواه البخاري. ولأصحاب اليمين نعيم دائم "وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ":32-33. يعني لا تنقطع في وقت من الأوقات كما تنقطع فواكه الدنيا ولا ممنوعة عن مبتغيها كما تمنع فواكه الدنيا

أما جلوسهم ففي فرش مرفوعة.:34. وأما نساؤهم فقد أنشأ الله الحور منهن إنشاء بدون ولادة وأنشأ نساء الدنيا من أهل الدنيا إنشاء جديدا فجعلهن أبكارا.:36.لا يرجعن ثيبات أبدا كلما عاد إليها زوجها وجدها بكرا

ومن تمام النعيم أن جعلهن الله عربا.:37. يتحببن إلى أزواجهن بالتلطف والمداراة أترابا :37. على سن واحدة حتى لا تفخر واحدة على الأخرى أو ترى نفسها دون الثانية

جعلني الله وإياكم من السابقين المقربين ومن التالين لكتابه والمنتفعين به

هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على المصطفى الأمين

أما بعد

عباد الله: إكمالاً لبيان أصناف الناس يوم القيامة الصنف الثالث وهم أصحاب الشمال فلا تسأل عن حالهم إنها حال البؤس والشقاء والعناء في سموم هواء حار من النار يلفح وجوههم ويدخل في مسام جلودهم وليس عندهم ما يبرد السموم سوى ماء حميم شديد الحرارة "يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ"الحج:19-20. وليس لهم ما يحجب هذا السموم سوى " ظل من يحموم " 43 ، واليحموم هو الدخان الأسود الحالك "لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ":44. ليس فيه وقاية ولا نفع فهذا مكانهم وموضع إقامتهم أما طعامهم وشرابهم فإن الله يقول "ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ":51-52. وهو شجر خبيث الطعم قبيح المنظر منتن الريح ليس فيه ما يحبب الأكل منه ولذلك يتزقمونه تزقما فيبتلعونه بشدة ومشقة فيملئون بطونهم منه وحينئذ يحترقون عطشا فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه إذا دنا منهم ويقطع أمعاءهم إذا حل فيها "وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ"محمد:15. وإنهم ليشربون هذا الماء الحميم شرب الهيم وهي الإبل المصابة بهيام الماء فهي تشرب ولا تروى أبدا "هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ":56.

عباد الله: ماذا أعددتم للآخرة حتى تكونوا من السابقين المقربين وحتى لا تكونوا من أصحاب الشمال

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" الأحزاب 56 ، وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين واجعلنا من التالين لكتابك المطبقين لشرعك ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر اللهم ألهمنا رشدنا اللهم اجعل هذا القرآن حجة لنا لا علينا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.البقرة:201.

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

الأمانة ومحاربة الفساد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثرَه واستن بسنته إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا أما بعد:

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}(النساء: 131).
تلك وصيةُ الله جلَّ وعلا للأولين والآخرين.
عباد الله: إنَّ من الأخلاقِ التي حثَّتْ عليهَا الشريعةُ ورغبتْ فيهَا، بلْ ووصفَ اللهُ جلَّ وعلا بها أنبياءَه وعبادَه المؤمنين صفةَ الأمانةِ. فقد وصفَ اللهُ بها موسَى عليهِ الصلاة والسلام في قوله تعالى:{
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ} .(القصص 26)
ووصفَ بها ربنُّا جلَّ وعلا يوسفَ عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: {
وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} .(يوسف 54)
وكذلك غيرَهُما من الرسلِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم أجمعين، حيثُ كانَ كلُّ واحدٍ منهُم يقيمُ الحُجَّةَ على قومِه بوجوبِ طاعتِه؛ لأنَّ اللهَ جلَّ وعلا ائْتمنَه على رسالتهِ، كما قال ربُّنا جلَّ وعلا: {
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ} .(الشعراء 107 ، 108)
ورسولُنا - صلى الله عليه وسلم - محمدٌ بن عبداللهِ كانَ في قومِه قبلَ الرسالةِ وبعدهَا مشهورًا بينهم بأنَّه الأمينُ، فكانَ الناسُ يختارونَه لحفظِ ودائعهِم، ولما هاجرَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وكَّلَ عليًّا بردِ الودائعِ إلى أصحابهَا.
وجبريلُ عليه السلام أمينُ الوحي، قدْ وصفَه اللهُ بذلك في قوله سبحانه: {
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ}.(الشعراء 192 ، 193، 194)
وروى البخاريُّ ومسلمٌ من حديثِ عبدِ اللهِ بن عباسٍ رضي الله عنهما قال:
أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ).
وهي أي الأمانةُ من صفاتِ المؤمنينَ المفلحينَ، كما قال ربنا جل وعلا في وصفِ المؤمنينَ: {
وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } (المؤمنون 8) . وبهذهِ الأمانةِ يُحفظُ الدينُ، والأعراضُ، والأموالُ، وغيرُ ذلك، قال ربنا جل وعلا: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} .(الأحزاب 72)
عبادَ الله: أوُّلُ ما يُفقد من الدينِ الأمانةُ؛ فعن شدَّادِ بنِ أوسٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (
إِنَّ أَوَّلَ مَا تَفقِدِون من دينِكُمُ الأَمَانَةَ) رواه الطبراني وصححه الألباني.
وأخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ فُقدانَ الأمانةِ من علاماتِ الساعةِ، روى البخاريُّ من حديثِ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الساعةِ، فقال: (
إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ).
وأخبرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ إضاعةَ الأمانةِ من علاماتِ النفاقِ، فروى البخاريُّ ومسلمٌ من حديث أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: (
آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ).
عبادَ الله: الأمانةُ أوسعُ مما يَتَصوُّرُ بعضُ الناسِ أنَّها مقصورةٌ على الودائِع، فإنَّها تشملُ أمانَة الرجلِ على كلِّ ما يتعلقُ بدينِه أن يقومَ بهِ ويحافظَ عليه، فوقتُ المسلمِ أمانةٌ، وعرضُه أمانةٌ، ومالُه أمانةٌ عنده، وسمعُه وبصرُه ولسانُه أمانةٌ، وجوارحُه على وجهِ العمومِ أمانةٌ.
ومنهَا أمانةُ الراعي على رعيِّتِه ، والرجلُ على أهلِ بيتِه، والمرأةُ على بيتِهَا وأولادِها، والمديرُ على موظفيهِ الذينَ يعملونَ عندَه، والموظفُ في وظيفتِه، والمعلم على طلابِه، وبالجملةِ فإنَّ الأمانةَ تشملُ جميعَ وظائفِ الدينِ، كما ذكر ذلك القرطبيُّ وغيرُه.
عباد الله: من الأماناتِ العظيمةِ الولاياتُ العامةُ، كالإمارةِ والقضاءِ والرئاسةِ في أيَّ مكانٍ وغيرِها، وإنَّ أعظمَ التضييعِ لهذهِ الأماناتِ في هذهِ الولاياتِ وغيرِها أن يصلَ الأمرُ بالمستَأمَن عليهَا إلى الغِشِّ، فقد روى مسلمٌ عنْ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (
ما منْ عبدٍ يسترعيهِ اللهُ رعيّةً؛ يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لرعيَّته إلاّ حرَّمَ اللهُ عليهِ الجنَّة).
عباد الله: من أعظمِ ما تكونُ الخيانةُ في الأماناتِ، إذا كانت خيانةً لعبادِ اللهِ المؤمنينَ؛ بأكلِ أموالهِم بالباطلِ ظلمًا وعُدوانًا، أو بالكذبِ عليهم أو خِداعِهم أو غشِّهم، أو المماطلةِ في إعطائهِم حقوقَهم، كلُّ هذا من الخيانةِ للأمانةِ.
ومن تضييعِ الأمانةِ استغلالُ الرجلِ منصبَه الذي عُيِّن فيهِ لجرِّ مَنْفَعَةٍ إلى شخصهِ أو قرابته إلا بما يحقُّ له.
ومن الصورِ الظاهرةِ لذلكَ التَشُّبع من المالِ العامِ، وهذا جريمةٌ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (
من استعملناهُ على عملٍ فرزقناهُ رزقًا؛ فما أخذَ بعدَ ذلك فهو غُلولٌ) رواه أبو داود، عن بريدة رضي الله عنه، وصححه الألباني .
وقد شدَّد الإسلامُ في رفضِ المكاسبِ المشبوهةِ، فعن عدِّي بنِ عميرةَ الكِندي رضي الله عنه قال سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقوُلُ: (
من استعملناهُ منكُمْ على عملٍ فكَتمنَا مخيطًا فما فوقَ كانَ غُلولاً يأتي به يومَ القيامةِ) رواه مسلم.
وقد استعملَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزدِ على صدقاتِ بني سُليمٍ، فلما جاءَ حاسَبَه وقال: هذا لكمْ وهذا أُهدي إليَّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (
فهلَّا جَلَستَ في بيتِ أبيكِ وأمكِ حتى تأتيَكَ هَديتُكَ إنَّ كنتَ صادقًا؟)، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمدَ اللهَ وأثنى عليه ثمَّ قال: (أما بعدُ، فإني أستعملُ الرجلَ منكمْ على العملِ ممَّا ولانيَ اللهُ، فيأتيَ فيقولُ: هذا لكمْ وهذهِ هديةٌ أهُديتْ لي، فهلَّا جَلسَ في بيتِ أبيهِ وبيتِ أمهِ؛ حتى تأتيَهُ هديتُه إن كانَ صادقاً، واللهِ لا يأخذُ أحدٌ منكم شيئًا بغيرِ حقِّهِ إلا لقيَ الله يحملهُ يومَ القيامةِ، فلا أعرفنَّ أحدًا منكم لقيَ اللهَ يحملُ بعيراً له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تيعرُ) ثم رفعَ عليه الصلاة والسلام يَديهِ حتى رُؤيَ بياضُ إبطيه يقول:(اللهُمَ بَلَّغتُ) رواه البخاري ومسلم.
اللهم اجعلنا ممن إذا اؤتمن أدَّى الأمانةَ، اللهم إنَّا نعوذُ بك من الخيانةِ وسائرِ الصفاتِ الذميمةِ، {
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} .(النساء 58)
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والعظات والذكر الحكيم هذا وأستغفرُ الله لي ولكم إنَّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلى الله وسلم على نبيِّنَا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعين.
عباد الله: أيُّ فوزٍ ، وأيُّ نجاةٍ، وأيُّ نصرٍ يرجُوهُ المسلمُ عندما يتعاملُ مع إخوانِه المسلمينَ، بالخيانةِ، وعدمِ الأمانةِ، بلْ بالكذبِ والغشِ والتدليسِ والسرقةِ.
إن التفريطَ في الأمانةِ، وصمةُ عارٍ في جبينِ المفرِّطِ ، ووسامُ ذُلٍّ وخيانةٍ ، يحيطُ بِعنقهِ ، وأيُّ خَسارةٍ أعظمُ من أن يكونَ المسلمُ في عدادِ المنافقين
.
لقد أشارَ النبيُّ صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ إلى أنَّ المفرِّطَ في الأمانةِ، والخائنَ فيها هو في عدادِ المنافقينَ الذينَ توعَّدهم اللهُ تعالى بأقسى العقوبةِ، وأسفلَ مكانٍ في النَّارِ ، فقال تعالى: {
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا}، (النساء 145) فاحذروا من سوءِ العاقبةِ، وخطرِ الخيانةِ والكذبِ على المسلمين .
عباد الله: إذا كانَ هناكَ من يخونُ الأمانةَ فلابدَّ منْ وجودِ من يقاومُ هذا الفسادَ ولو تُركَ لهلكنا ولهلك الناسُ جميعاً ، فتركُ الإصلاحِ هو سببُ كلِّ نقمةٍ، وأساسُ كلِّ بليةٍ، وعنوانُ كلِّ شقاءٍ، قال الله جل وعلا:{
وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا}،(الأعراف 56) أي ولا تعصوا في الأرضِ فيُمسكُ اللهُ المطرَ، ويُهلكَ الحرثَّ بمعاصيكم.
إنَّ الصلاحَ والإصلاحَ ومحاربةَ الفسادِ والإفسادِ طريقٌ للعزةِ، وسبيلٌ للكرامةِ، وعنوانٌ للفلاحِ، ورفعةٌ للأممِ، وحفظٌ للشعوبِ، وكسبٌ لمرضاتِ الواحدِ الأحدِ، ونجاةٌ من عقابهِ: {
فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ } (هود 116) ، وإن الحاجة إلى الإصلاح من الأمور الملحة في حياة الفرد والأمة:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} .(هود 117)
عباد الله: يجبُ أن يكونَ المسلمُ صالحاً ومصلحاً في مجتمعهِ، ونفسهِ، وبيتهِ، وبينَ أسرتهِ، يسعى بكلِ ما يستطيعُ إلى إغلاقِ أبوابِ الشرِّ والإفسادِ، ويسعى إلى كلِّ خيرٍ.
هذا وصلوا وسلموا على الخليل المصطفى فقد أمركم الله بذلك، فقال جلَّ من قائلٍ عليماً: {
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (الأحزاب:٥٦).فاللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

اللهم احفظ لنا ديننا ووليَّ أمرنا ومقدساتنا ، وانصر جنودَنا على الروافضِ في الحد الجنوبي ،" رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " ( البقرة 201)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الإسراء (3)

الحمد لله الذي امتنَّ على عباده برسوله المبعوث رحمةً للعالمين وأكرمهم برسالته الخالدة إلى يوم الدين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أكرم عبدَه محمداً في ليلة الإسراء والمعراج فأراه من آياته الكبرى ، وأفاض عليه من رحمته وتشريفه عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، تَشَرَّف بالعبودية كما تشرف بالرسالة الإلهية فنال الحسنيين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعدُ:

فيقول الله تعالى في كتابه الكريم: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير " الإسراء:1

عباد الله: شاءت إرادة الله أن يجعل الإسراء والمعراج من بيت المقدس ومجمع الأنبياء ليثبت في يقين الأمة المحمدية ومشاعرها معنى الوحدة بين أرجاء الوطن المسلم ويرمز إلى الرباط الوثيق بين المسلمين أينما كانوا وبين معراج نبيهم الكريم .

والإسراء والمعراج معجزة من معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

والقرآن أيها المسلمون هو المعجزة الكبرى الدالة على صدق النبوة ولزوم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فأما ما عداها من الأحداث والدلائل فقد كانت أحداثاً لها قيمتها في حياة النبي ولها حكمتها في تأييد الدعوة المحمدية وقد جهد النبي صلى الله عليه وسلم دائماً أن يصرف الناس عن أن يقفوا أمام المعجزة أو شبه المعجزة التي تخاطب الجوارح ومن ذلك ما حدث يوم مات ولده إبراهيم حين انكسفت الشمس فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الشمسَ والقمرَ آيتان من آيات الله لا يخْسِفَانِ لموت أحدٍ ولا لحياته " رواه البخاري ومسلم .

فإذا نظرنا إلى الإسراء والمعراج بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم قلنا إنه كان معجزة لأنه هو الذي أُسْرِي به وهو الذي عُرِجَ به إلى السموات العلا وهو الذي رأى ما رأى من عظمة الكون وحقائق الوجود فأما الناس فإنهم لم يروا شيئاً وإنما سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أخباراً بالغيب الذي لم يطلع عليه سواه وكان عليهم في هذا الوقت أن يصدقوا إن كانوا مؤمنين أو يبقوا على حالهم إن كانوا كافرين.

وإن من المعاني التي تتصل بهذا الحدث الخالد هذا التوقيت فقد كان الإسراء بعد أن ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ثقيف يعرض عليهم الإسلام وبعد أن صبر على أذى قريش وظن أنه ربما يجد في الطائف من ينصره بعدما ضاقت به الحال عقب وفاة عمه أبي طالب وزوجه خديجة رضي الله عنها فقابلوه بالحجارة حتى دميت قدماه وبكى وحين خذلت ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع في حيرة من أمره فكان الإسراء والمعراج تثبيتاً وطمأنة له أن القدرة الإلهية كلها تقف بجانبه وأن عناية الله أرحم من أن تتركه ضحية للتآمر أو عرضة للانهيار مهما حدث من عناد المشركين فكأن قدرة الله تخاطبه في رحلته قائلة: يا محمد سوف تجتاز الصعاب برعايتنا ورحمتنا كما تتخطى الأرض والسموات بقدرتنا ورعايتنا.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروا إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.

أما بعد

عباد الله : حسبنا من تلك الليلة أن الله اختارها ليفرض فيها على هذه الأمة فريضة الصلاة حين دنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من ذي الجلال فأوحى إلى عبده ما أوحى ورأى من آيات ربه الكبرى وفي هذا المجال الرباني الذي يفيض رحمة وعظمة فرضت الصلاة على أمة محمد خمساً في العدد وخمسين في الأجر ، فعن أنس بن مالك ، رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"فَرَجَعْتُ فراجعتُ ربِّي فقال : هي خمسٌ وهي خمسونَ لا يُبدلُ القولُ لديَّ " رواه البخاري ومسلم .

فاتقوا الله أيها المسلمون وانتهزوا الأيام لتقدموا لأنفسكم خيراً ولتتذكروا أنها كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أيام كفاح لم يذق خلالها طعم الراحة ولا ادخر وسعا في النصح لكم والعمل لإنقاذكم وإسعادكم دعاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين دعوته ورسم الطريق وخاض الحرب وغمراتها من أجل أن تصبحوا مسلمين فاحرصوا على إسلامكم لأنه أمل نبيكم ومرضات ربكم وسعادتكم في الدارين

فوحدوا ربكم وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم وخالقكم بذلك في محكم كتابه بقوله " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " الأحزاب:56 ، وقال عليه الصلاة والسلام " من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا " رواه مسلم. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين وانصر المستضعفين في كل مكان وانصر من نصرهم واخذل من خذلهم وعاد من عاداهم ووال من والاهم واجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد وأوقف نزيف دمائهم ، اللهم وفق وليَّ أمرنا لما تحب وترضى ، وانصر جنودنا على الحد الجنوبي .

وصلِّ اللهمَّ على نبينا محمد .

المخدرات وأثرها على المجتمع

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد: فاتقوا الله حق تقاته، فما أعظمَ أجرَ المتقين، وما أسعدَ حالَ الطائعين.

أيها الإخوة ؛ لقد كرّم الله الإنسانَ بكرامات كثيرةٍ من أعظمها هذا العقلُ، الذي جعله الله مناطَ التكليف، وأحاطه بالخطاب والتنبيه من القرآن والسنة. بهذا العقل تَميّزَ الإنسان وتكرّم، وترقّى في شأنه وتعلّم، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. جعل اللهُ العقلَ ضرورةً كبرى، وشرع لصيانتِه الحدَّ، فبالعقل يُميّزُ الإنسان بين الخير والشرّ والنفع والضُرّ، وبه يتبيّنُ أوامرَ الشرع؛ ويعرفُ الخطابَ ويردُّ الجواب؛ ويسعى في مصالحه الدينيّة والدنيويّة، فإذا أزال الإنسانُ عقلَه لم يكن بينه وبين البهائم فرق، بل هو أضلّ منها، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ [الفرقان: 44]، بل قد يُنتفع بالحيوان، أما الإنسان فلا يُنتفع به بعد زوال عقله، بل يكون عالةً على غيره، يُخشى شرُّه ولا يُرجى خيره. ومع كلِّ ذلك فقد أبى بعض التائهين إلاّ الانحطاط إلى درَك الذلّة والانحدارَ إلى المهانة، فأزالوا عقولَهم معارضين بذلك العقل والشرعَ والجِبِلّة؛ وذلك بتعاطي الخمور والمخدّرات.

إخوة الإسلام، إنّ من أعظم الآفات على المجتمعات اليوم هذه المسكراتِ والمخدّرات، فهي أمّ الخبائث وأمّ الكبائر وأصل الشرور والمصائب، شتَّتِ الأسَر، وهتكتِ الأعراض، وتسبّبت في السرقات، وجرّأت على القتل، وأنتجت كلّ بليّةٍ ورذيلة، وأخذت بأصحابها إلى السجون، وقادتهم إلى الانتحار، قد أجمع على ذمّها العقلاء منذ عهد الجاهليّة، وترفّع عنها النبلاء من قَبْلِ الإسلام، فلمّا جاء الإسلام ذمّها وحرّمها، يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ﴾ [المائدة: 90، 91]. بيّنَ اللهُ تعالى مفاسدَ الخمر، وأنها رجسٌ ونَجَس، وأنها توقع العداوةَ والبغضاء، وتصدُّ عن الصلاة وذكر الله، وأنها سببٌ لعدم الفلاح. هذه الآيات هي الآيات الفاصلة بتحريم الخمر، في نهايتها (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)؛ لما نزلت قال من كان يشرب الخمر من الصحابة رضي الله عنهم: انتهينا انتهينا.

أيها الإخوة، إنّ الخمر هو كلّ ما خامر العقلَ وغطّاه؛ مهما كان نوعُه وأيًّا كان اسمُه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلّ خمرٍ حرامٌ) رواه مسلم، وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلُّ مسكرٍ حرام، إنّ على الله عزّ وجلّ عهدًا لمن يشربُ المسكرَ أن يَسقيَه من طينةِ الخبال)، قالوا: يا رسول الله، وما طينةُ الخبال؟ قال: (عرقُ أهل النار) أو: (عصارة أهل النار) رواه مسلم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلّ مسكرٍ حرامٌ، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يُدمِنُها ؛لم يتُبْ لم يشربها في الآخرة) رواه مسلم، إنّها نصوصُ زجرٍ ووعيد وتخويفٍ وتهديد؛ يقفُ عند حدِّها من يعلَمُ أنه محاسَبٌ غدًا أمامَ الله العظيم.

إخوة الإيمان، إن المخدّراتُ تفسد العقلَ وتقطع النسل وتورث الجنون وتجلب الوساوس والهموم وأمراضًا عقليّة وعضويّة مستعصية، وأمراضا نفسية محيِّرة، وتجعل صاحبَها حيوانًا هائجًا ليس له صاحب، وتُرديه في أَسوَأ المهالك، مع ما تورثه من قلّة الغيرة وزوال الحميّة. وكثيرا ما تفكّكتِ أسَرٌ من أَثَرِها، وتفشّتِ الجرائم بسببها، وأعظم آثارها فَقدُ الدين وضياعُ الإيمان، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يشرب الخمرَ حين يشربها وهو مؤمن).

عباد الله، إنّ وجود هذا الوباءِ له أسبابٌ وبواعث، منها ضَعفُ الوازع الدينيّ بسبب التفريط في الطاعات وكثرة المعاصي؛ ومنها وسائلُ الإلهاء والتغفيل؛ التي أبعدت الناس عن هدي الله وذكره؛ وهوّنت عليهم ارتكاب أيّ محظور، وأنتجت قلّةَ الخوف من الله؛ فلا يفكّر أحدهم في عذاب الآخرة ولا عقاب الدنيا، وكذلك من أسباب انتشارها الفراغُ القاتل والبطالة، سيِّما عند الشباب؛ خاصةً عند مصاحبةِ أصدقاء السوء. وإنّ للأعداء ومخططاتهم دورًا كبيرًا في انتشارها؛ وذلك للسيطرة والعدوان واستلاب العقول والأموال. يتضح هذا في الأطنان الضخمة المهربة لهذه البلاد حرسها الله.

هذا، وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ لله نحمده حمدَ الشاكرين ونتوبُ إليه ونستغفره استغفارَ الأوَّابين ، ونصلي ونسلمُ على نبينا محمدٍ رسولِ ربِّ العالمين وسيِّدِ ولدِ آدمَ أجمعين.

أيها الإخوة، لا بدّ من الوعي بحقائق الأمور وإدراك حجمِ الخطر، ثم التكاتُف والتآزر بين أفراد المجتمع ومؤسّساته، لا بدّ من تنمية الرقابةِ الذاتيّة بالإيمان والخوف من اللهِ في قلوبِ الناس عامّةً والناشئة والشّباب خاصّة، ولن يردع البشرَ شيءٌ كوازع الدِّين. ولا بدّ من تكثيفِ التوعية بأضرار المسكرات والمخدّرات. كما تجب العنايةُ بالشباب وملءُ فراغهم بما ينفعُهم وينفعُ مجتمعَهم. كذلك الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر فهي مهمة كلِّ مسلمٍ، ولو ائتمرنا بيننا وتناهينا ونصحنا وتناصحنا لما وجَدَ الشيطانُ وأهلُ السوء سبيلاً إلى ضعيفٍ بيننا. ولا بدّ أن يتكاتفَ أفراد المجتمع مع الجهاتِ المسؤولة على نبذِ المروّجين والتبليغ عنهم وعدم التهاون معهم فهم مفسدون وأيّ مفسدون.

أما المبتلى بالتعاطي فهو مريضٌ بحاجةٍ ماسّة إلى المساعدة بالتوجيه والعلاج، لا إلى مجرّد الشفقة والسكوت السلبيّ، أو نبذه وتركه في معاناته مع من لا يرحمه.

عباد الله؛ لا بدّ من الإشادة بما يبذله رجال الأمن وجهاتُ مكافحة المخدّرات ومستشفيات الأمل ومن يقومون بالتوعيةِ بأضرار التدخين والمخدرات من جهود مشكورةٍ للحدّ منها ومتابعتها والتحذير والتوعية، أعانهم الله وسدّدهم وأنجح مساعيَهم، وأمكنهم من المجرمين المفسدين لبلادنا ومجتمعاتنا وشبابنا.

فالنصيحة المكرّرة والوصيّة المؤكّدة هي الحرصُ على الأبناء والبنات ومتابعتُهم وملاحظتُهم، وتركُ الثقة العمياء، ويكون القيامُ على ذلك بالقرب منهم ومصاحبتِهم وتوجيهِهم وتحذيرِهم مع الرفق بهم والصبر عليهم، وقبل ذلك بالقدوة الحسنة لهم.

اللهمّ احفظنا وعافنا في أنفسنا وأهلينا، وقنا والمسلمين شرَّ هذه البلايا، ورُدَّ ضالَّ المسلمين إليك ردًّا جميلاً،اللهم احفظنا وبلادنا وشبابنا من كيد المجرمين المفسدين، اللهم ارزق شبابنا الرُفقة الصالحة، وأبعد عنهم رفقاء السوء.اللهم، وفق إمامنا ووليَّ أمرنا ووليَّ عهده لما تحب وترضى وارزقهم التوفيق والسداد لما فيه مصلحة البلاد والعباد ، واحفظ جنودنا في الحد الجنوبي وأعدْهم إلى أهليهم سالمين غانمين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

خطر المخدرات

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين.

أما بعدُ: عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى. يقول الحق تبارك وتعالى: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا " (الإسراء :70)؛ وميز الله الإنسان عن سائر مخلوقاته بالعقل؛ لذا جاءت الشرائعُ السماويةِ بالمحافظة على هذا العقل، وحمايته من كل داء وبليَّةٍ تؤثِّرُ فيه أو تُعطِّل فوائدَه؛ حفاظاً على كرامةِ الإنسان، فالعقل هو مناط التكليف، فقد رَفَعَ الله القلم عن فاقدِه، وأمر بالوِلاَيَةِ والوصايةِ عليه.

ومن نظر في تلك الحياة وجد العقلَ هو الأساس الذي تُبنَى عليه شؤونها، وهو سبب النجاح فيها، ففاقدُه غيرُ مكلفٍ بالأحكام الشرعية ، ولا يُحسن التصرف في نفسٍ ولا مال، ولا يُؤمَنُ على عِرض، ولا يوجد في البشرية من يرضى أن يوصف بالجنون مهما كان عقلُهُ وعلى أيَّةِ مِلّةٍ كان؛ فكيف بمن يتسبَّبُ بنفسه، ويبذُلُ مالَهُ لفُقْدَانِ عقله.

بل إن العَبَثَ بالعقل وإفسادَهُ يعدُّ من أفظع الجرائم، وهو في الدين من الكبائر، وإن من أعظم الوسائل التي تُفسِدُ العقلَ تعاطي المسكرات؛ لذا جاءت نصوصُ الشرعِ بتحريم كلِّ مُسكِرٍ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " (المائدة :90) وقال تعالى: " إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ " (المائدة :91) " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا " (البقرة 219) ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " أخرجه مسلم ، وفي رواية : " إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ:عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ " أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، وسماها الرسول صلى الله عليه وسلم أمَّ الخبائث، فقال :"اجتنِبوا الخمرَ فإنها أمُّ الخبائثَ " رواه النسائي وصححه الألباني ، فمن تعاطى المسكرات فقد أدخل على نفسه النقصَ في دينه وماله وعقله، وربما انسلخ من ذلك كلِّه.

أيها الأحبَّةُ : إن متعاطي المخدرات لا يُعَدُّ من الأسوياء.. فأين هو من اجتماعات المسلمين ؟! أين هو من عمله أو دراسته أين هو من طاعة ربه ، وبر والديه وصلةِ رحمه وأعمالِ الخير والإحسان؟! والله المستعان .

أيها المسلمون: لقد حرصَ أعداءُ هذه الأمةِ على إفسادِها، وهدمِ كيانِها، وشلِّ حركتِها، والقضاءِ عليها، وضربِها في أعزِّ ما تملك من حيثُ لا تشعر، وذلك بإفساد شبابها، ونخرِ أجسامهم وعقولهم، وكانت المخدراتُ من الأسلحةِ الفتاكةِ التي صدَّرُوها إلى العالمِ كافةً، وإلى المجتمعاتِ المسلمةِ بصورةٍ خاصة، فهي في عصرنا هذا من أكبر الأخطارِ المحدقةِ بالأمة، وهي الشبحُ الذي يُهدِّدُ الشعوبَ الإسلامية، لأنها إذا انتشرت في المجتمع تقضي فيه على الدين والأخلاق والموارد. والمجتمع الذي تنتشر فيه المخدراتُ يسُودُهُ القلقُ والتَّوتُرُ، ويُخيِّمُ عليه الشقاقُ والتمزق.

ولو نظرنا إلى انتشارِ الجرائمِ وتفشِّيها في المجتمعات، لوجدنا أنَّ تهريبَ المخدراتِ وترويجها وتعاطيها من أهم الأسباب الرئيسة في ظهور تلك الجرائم؛ فالمهربُ لا يتورَّعُ عن ارتكابِ أبشع الجرائم ليُوصِلَ ما لديه من سمومٍ إلى المكان المقصود، والمروِّجُ لا يتوقف عن ابتكارِ الطُّرُقِ والوسائلِ للوصولِ إلى فريسته ، والمُدمِنُ ليس لديه شعورٌ بالمسؤولية، نتيجةَ تعاطيه تلك السموم، لذا فإنه ُيقْدِمُ على طلب المال وتحصيلِهِ من أيِّ مصدر وبأي وسيلة، حتى لو استدعى ذلك أن يرتكبَ الجرائمَ بشتى صورها.

أيها الإخوة : إن غرسَ الإيمان بالله تعالى واليومِ الآخر وبكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في نفوس الناس أساسُ الصلاح والوقاية من كل فسادٍ وخطرٍ يهدد المجتمع بأسره، فيجب على كل مسلم أياً كان عملُهُ ، وفي أي مكانٍ وُجِد، أن يغرِسَ الإيمانَ في نفوسِ من حولَهُ من الأفرادِ والأُسَرِ والمجتمعات، لتخليصهم من اقتراف المنكرات، وقيامهم بطاعة الله تعالى، والاستقامةِ على شرعه ومنهجه القويم ، " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ " (فصلت 30 - 31)

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

هذا ، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد فاتقوا الله أيها المسلمون ، وراقبوه مراقبةَ مَنْ يعلم أنه يسمعه ويراه، ويعلم سره ونجواه، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا "(الأحزاب 70 – 71)

عباد الله:

إنَّ مِن أهم أسباب الوقوع في هذا الوباء : الرفقةَ السيِّئةَ ، فإذا صَحِبَ الشاب رفقةً سيِّئةً تتعاطى المخدرات أغروه بها.

ويسعى ولاةُ الأمر في هذه البلاد بكل ما أُوتوا من جُهدٍ ومالٍ لمكافحةِ هذا الوباءِ الخطير، ومُلاحقةِ المهربين والمروجين، وتطبيقِ أقصى العقوباتِ عليهم.

ومن تلك الجهود: إقامة المصحات النفسية لعلاج المدمنين، وتوجيههم وتأهيلهم، وتبصيرهم بأخطار الإدمان وعواقبه؛ ليكونوا أفرادا صالحين في المجتمع .

ومن واجبات أفراد هذا المجتمع أن يكونوا فاعلين ومتعاونين مع الأجهزة المختصة في مواجهة هذا الخطر الذي يهدد مجتمعنا، وذلك بالإبلاغِ عمَّن يروِّجُ هذه المخدرات، فهذا من إنكار المنكر الواجب؛ ليكفَّ شرَّه عن المسلمين، قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في (مجموع الفتاوى): " لا ريبَ أن مكافحةَ المسكراتِ والمخدرات من أعظم الجهاد في سبيل الله، ومن أهمِّ الواجبات التعاون بين أفراد المجتمع في مكافحة ذلك؛ لأن مكافحَتَهَا في مصلحةِ الجميع، ولأن فُشُوَّها ورَواجَها مَضَرَّةٌ على الجميع، ومن قُتِلَ في سبيل مكافحة هذا الشرِّ وهو حَسَنُ النية، فهو من الشهداء، ومن أعان على فضحِ هذه الأوكار وبيانها للمسئولين، فهو مأجور، وبذلك يعتبر مجاهدًا في سبيل الحقِّ، وفي مصلحة المسلمين وحماية مجتمعهم مما يضرُّ بهم " ا. هـ.

نسألك اللهم أن تحفظ بلادنا من كيد الكائدين، وخطر المتربصين، اللهم احفظ شباب المسلمين من الشرور كلِّها، واجعلهم هداة مهتدين ولدينهم ووطنهم حُماةً مجاهدين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وارزقه البطانة الصالحة الناصحة ، وانصر جنودنا في الحد الجنوبي على الرافضة الإرهابيين .

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

صفات المصطفى صلى الله عليه وسلم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم وسلم تسليما.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.آل عمران:102.

أما بعد ،

عباد الله: اعلموا أن الله اختار من البقاع خيرها ومن النفوس أشرفها واصطفى من البشر رسلا جعلهم قدوة لأتباعهم .

ومحمد بن عبد الله بن عبدالمطلب اصطفاه الله -جل وعلا- من بني هاشم واصطفى بني هاشم من قريش وهو من سلالة نبي الله إبراهيم -عليه السلام-

نشأ النبي -صلى الله عليه وسلم- يتيماً قال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى.الضحى:6.

كان -صلى الله عليه وسلم- لا يحب عبادة الأوثان والخنوع للأصنام, حفظه ربه في صغره وصانه في شبابه فما استلم صنما ولا مس وثنا, فتزوج قبل البعثة بامرأة نبيلة شريفة لبيبة هي أعظم الناس شرفا وأوفرهن عقلا خديجة -رضي الله عنها-, بعثه الله والأرض مملوءة بعبادة الأوثان وأخبار الكهان وسفك الدماء وقطيعة الأرحام, فدعا إلى عبادة الله وحده صابرا على ما يلقاه من تكذيب وإعراض وجفاء

لقد رفع الله له ذكره وأعلى شأنه, معجزاته باهرة ودلائله ظاهرة, منصور بالرعب حيث قال عليه السلام :" نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، " رواه البخاري عن جابر بن عبد الله . مغفور الذنب, أول من ينشق عنه القبر وأول الناس يشفع يوم القيامة, يقول :" أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَومَ القِيامَةِ، وأَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عنْه القَبْرُ، وأَوَّلُ شافِعٍ وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ." رواه مسلم عن أبي هريرة ، وأكثر الأنبياء أتباعاً وأول قارع باب الجنة يقول :"أنا أكْثَرُ الأنْبِياءِ تَبَعًا يَومَ القِيامَةِ، وأنا أوَّلُ مَن يَقْرَعُ بابَ الجَنَّةِ." رواه مسلم عن أنس بن مالك ، وأول من يجيز الصراط هو وأمته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم: " ويُضْرَبُ الصِّرَاطُ بيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فأكُونُ أنَا وأُمَّتي أوَّلَ مَن يُجِيزُهَا، "رواه البخاري.

كان ، صلى الله عليه وسلم ، عبدا لله شكورا يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، قرة عينه في الصلاة يقوم لله مخلصا خاشعا ، عن عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي وفي صدرِه أَزِيزٌ كأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ البُكاءِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم." رواه أبو داود، وصححه الألباني ، وقال عن نفسه -صلى الله عليه وسلم-: "أما واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له" رواه البخاري

وكان -صلى الله عليه وسلم- معظما لربه, رفيع الأدب مع خالقه لا يدعي لنفسه شيئا مما لا يملكه إلا الله، قال الله -جل وعلا- قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. الأعراف:188.وعن قتيلة ‏بنت صيفي الجهني:‏ " أنَّ يَهوديًّا أتى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: إنَّكم تندِّدونَ، وإنَّكم تُشرِكونَ تقولونَ: ما شاءَ اللَّهُ وشئتَ، وتقولونَ: والكعبةِ، فأمرَهُمُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا أرادوا أن يحلِفوا أن يقولوا: وربِّ الكعبةِ، ويقولوا: ما شاءَ اللَّهُ ثمَّ شئتَ "، رواه النسائي ، وصححه الألباني.

كان يحب الصلاة ويوصي بها ، يقول عليُّ بن أبي طالب : كان آخر ُكلامِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الصلاةَ الصلاةَ ! اتقوا اللهَ فيما ملكت أيمانُكم " رواه أبو داود ، وصححه الألباني . وكان يحث صغار الصحابة على نوافل الصلاة, قال في ابن عمر وهو فتى: "إنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ، لو كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ " رواه البخاري ، يقينه بالله عظيم , إذا مرض يرقي نفسه بكلام الله, قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفثُ" متفق على صحته

عباد الله: إن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- كان أشد الناس تواضعا كان يجالس الفقراء ويأكل معهم تقول عائشة رضي الله عنها "كان رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - يخصف نعلَه، ويخيطُ ثوبَه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدُكم في بيته ." صححه الألباني في مشكاة المصابيح .

وكان يخدم أهله وشرب من القربة البالية وحمل مع صحابته اللبن في بناء المسجد لا يغيب عن الناس ولا يعيب على الخدم ولا يوبخهم، قال أنس: خدمتُ رسولَ اللهِ ، صلى الله عليه وسلم ، عشْرَ سنينَ واللهِ ما قال لي أفٍَّ قطُّ ولا قال لي لشيءٍ لِمَ فعلتَ كَذا وهلَّا فعلْتَ كذا؟!.رواه مسلم.

والله لقد خدمت رسول الله صل الله عليه وسلم تسع سنين .. ما علمته قال لشيء صنعته : لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب عليّ شيئاً قط .. ووالله ما قال لي أفَّ قط - See more at: http://manhag7aya.com/Article/32875#sthash.uVmXw4zx.dpuf

يوقر الكبار, ويتواضع للصغار, وإذا مر على صبيان سلم عليهم, يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وكانَ لي أخٌ يُقَالُ له أبو عُمَيْرٍ - قالَ: أحْسِبُهُ - فَطِيمًا، وكانَ إذَا جَاءَ قالَ: يا أبَا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ نُغَرٌ كانَ يَلْعَبُ به، فَرُبَّما حَضَرَ الصَّلَاةَ وهو في بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بالبِسَاطِ الذي تَحْتَهُ فيُكْنَسُ ويُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ ونَقُومُ خَلْفَهُ فيُصَلِّي بنَا" رواه البخاري , يقول أنس: "ما رأيت أحداً كان أرحمَ بالعيال من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" رواه مسلم، واليوم هناك مئات من الأطفال يعانون من العنف الأسري

كان يعظم الرسل من قبله فعن عن أنس بن مالك، رضي الله عنه ، قال : " جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فَقالَ: يا خَيْرَ البَرِيَّةِ فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ذَاكَ إبْرَاهِيمُ عليه السَّلَامُ رواه مسلم ، ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطرأ بل أمر كل أحد أن يتواضع لله, كان النبي -صلى الله عليه وسلم- حريصا على هداية الناس، فعن أنس بن مالك، رضي الله عنه ، قال : " كانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَمَرِضَ، فأتَاهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقالَ له: أسْلِمْ، فَنَظَرَ إلى أبِيهِ وهو عِنْدَهُ فَقالَ له: أطِعْ أبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأسْلَمَ، فَخَرَجَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يقولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ.". رواه البخاري .

يتلطف في تعليم صحابته ويظهر ما في قلبه من حبه لهم, وما أحوجنا اليوم إلى التعامل الطيب مع بعضنا, ومع من كانوا أصغر منا وأكبر منا, يتلطف مع معاذ وهو يأخذ بيده ويقول:" يا مُعاذُ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّكَ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّك، فقالَ: أوصيكَ يا معاذُ لا تدَعنَّ في دُبُرَ كلِّ صلاةٍ تقولُ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسنِ عبادتِكَ " رواه أبو داود ، وصححه الألباني.

أيها الإخوة: إن رسولنا كان كثير البذل والعطاء لا يرد سائلا ولا محتاجا, قال حكيم بن حزام -رضي الله عنه-: ": سَأَلْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فأعْطَانِي ". رواه البخاري ، كان صلى الله عليه وسلم ، كريمَ اليد واسع الجود, يروي سهل بن سعد الساعدي " جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ببُرْدَةٍ، فَقالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أتَدْرُونَ ما البُرْدَةُ؟ فَقالَ القَوْمُ: هي الشَّمْلَةُ، فَقالَ سَهْلٌ: هي شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيَتُهَا، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، أكْسُوكَ هذِه، فأخَذَهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا فَلَبِسَهَا، فَرَآهَا عليه رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، ما أحْسَنَ هذِه، فَاكْسُنِيهَا، فَقالَ: نَعَمْ فَلَمَّا قَامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَامَهُ أصْحَابُهُ، قالوا: ما أحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخَذَهَا مُحْتَاجًا إلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إيَّاهَا، وقدْ عَرَفْتَ أنَّه لا يُسْأَلُ شيئًا فَيَمْنَعَهُ، فَقالَ: رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، لَعَلِّي أُكَفَّنُ فِيهَا." رواه البخاري.

كان يجل صحابته ويعظم مكانتهم وإن كانوا حديثي السن, قال عن أسامة بن زيد "أوصيكم به فإنه من صالحيكم" رواه مسلم. فما أحوجنا أن نحتوي الشباب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحدهم عاده وحزن لمصابه, فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ،قال : " اشْتَكَى سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ شَكْوَى له، فأتَاهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعُودُهُ مع عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بنِ أَبِي وقَّاصٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمْ، فَلَمَّا دَخَلَ عليه فَوَجَدَهُ في غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فَقالَ: قدْ قَضَى قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ، فَبَكَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَكَوْا، فَقالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بدَمْعِ العَيْنِ، ولَا بحُزْنِ القَلْبِ، ولَكِنْ يُعَذِّبُ بهذا - وأَشَارَ إلى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ، وإنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ ببُكَاءِ أَهْلِهِ عليه ، وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: يَضْرِبُ فيه بالعَصَا، ويَرْمِي بالحِجَارَةِ، ويَحْثِي بالتُّرَابِ.رواه البخاري.

هذا ورسولنا ذاقَ من الحياة مرَّها ومن الَّلأْواءِ أشدَّها تقول عائشة: " جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ معهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِندِي غيرَ تَمْرَةٍ واحِدَةٍ، " متفق عليه. وربط على بطنه الحجر من الجوع، يروي أنس بن مالك :" جِئْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَوْمًا فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مع أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ، وَقَدْ عَصَّبَ بَطْنَهُ بعِصَابَةٍ، قالَ أُسَامَةُ: وَأَنَا أَشُكُّ علَى حَجَرٍ، فَقُلتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ لِمَ عَصَّبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بَطْنَهُ؟ فَقالوا: مِنَ الجُوعِ، فَذَهَبْتُ إلى أَبِي طَلْحَةَ وَهو زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ بنْتِ مِلْحَانَ، فَقُلتُ: يا أَبَتَاهُ، قدْ رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ عَصَّبَ بَطْنَهُ بعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَقالوا: مِنَ الجُوعِ، فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ علَى أُمِّي، فَقالَ: هلْ مِن شيءٍ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، عِندِي كِسَرٌ مِن خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ، فإنْ جَاءَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ، وإنْ جَاءَ آخَرُ معهُ قَلَّ عنْهمْ...، ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الحَديثِ بقِصَّتِهِ.رواه مسلم

لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.التوبة:128.

هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم وسلم تسليما.

وبعد

أيها المؤمنون: إن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- بشر من البشر يغضب ويجوع ويحزن وينام, ليس له من خصائص الربوبية ولا الألوهية شيء, وإنما هو رسول يبلغ رسالة ربه، يقول الله -جل وعلا- قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ.الكهف:110 وقال الله عنه إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ.الزمر:30

وهو نبي بشر -عليه الصلاة والسلام- لا يرفع فوق قدره, ولا ينقص من منزلته, واجب اتباعه وامتثال أمره, قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ في كتابه فتح المجيد: "وإنما يحصل تعظيم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بتعظيم أمره ونهيه، والاهتداء بهديه، وإتباع سنته، وبطاعته تتنزل الرحمات وتتوالى الخيرات". وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.آل عمران:132 وقال -جل وعلا-: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا.النور: 54

وإن محبته وطاعته مقدمة على الوالد والولد, قال -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ. " رواه البخاري

وباتباعه -صلى الله عليه وسلم- يرغد العيش ويهنأ الجميع قال الله -جل وعلا-: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ النحل:97

وسعادة العبد في الدارين معلقة بالتمسك بهديه -صلى الله عليه وسلم- والعزة على قدر متابعته, والفلاح باقتفاء أثره

اللهم ارزقنا زيادة في محبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ووفقنا اللهم في اتباع هديه اللهم انصر جيوش المسلمين على أعدائهم في اليمن وسائر بلاد المسلمين اللهم وفق وليّ أمرنا ووليّ عهده لماتحب وترضى ، وارزقهما البطانة الصالحة .

وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الدعاوى الكيدية

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَوْجَبَ الْعَدْلَ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَحَرَّمَ الظُّلْمَ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ كَامِلُ الْأَوْصَافِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي فَاقَ جَمِيعَ الْعَالِمِينَ فِي الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ وَالإِفْضَالِ.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. (آل عمران 102)

أمَّا بَعْدُ عباد الله : اعلموا أنَّ شَرَّ مَا يَطْغَى عَلَى النُّفُوسِ: شُحٌّ هَالِعٌ ، وَظُلْمٌ خَالِعٌ ، يُورِدَانِ الْمَرْءَ مَوَارِدَ الْهَلَاكِ، وَيَحْمِلَانِهِ عَلَى الْاِنْسِلَاخِ مِنْ إِنْسَانِيَّتِهِ، وَيَدْفَعَانِ بِهِ إِلَى الْإِثْمِ وَالطُّغْيَانِ.

وَكَمْ لِلظُّلْمِ مِنْ ضَحَايَا ، وَكَمْ لِلشُّحِّ مِنْ مَآسٍ، وَكَمْ كَانَا سيلَ دَمَارٍ، وَعَامِلَ فَسَادٍ وَلِوَاءَ شَنَارٍ . وَلِذَا قَرَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، مُحَذِّرًا وَمُنَبِّهًا لِسُوءِ عَوَاقِبِهِمَا ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ علَى أنْ سَفَكُوا دِماءَهُمْ واسْتَحَلُّوا مَحارِمَهُمْ.». رواه مسلم

حَقِيقَةُ الظُّلْمِ : أَخْذُ المَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَحَقِيقَةُ الشُّحِّ: كما قال ابنُ القيم :هو شدةُ الحرصِ على الشيء، والإحفاءِ فِي طلبهِ، والاستقصاءِ في تحصيله، وجشع النفس عليه، والبُخلُ منعُ إنفاقِهِ بعْدَ حصولِه، وحبه، وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله، فالبخل ثمرة الشحِّ، والشحُّ يدعو إلى البخل، والشحُّ كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحَّه .ا.هـ

وَرَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَر