التسول وأضراره على المجتمع

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الثلاثاء 9 شوال 1443هـ | عدد الزيارات: 325 القسم: خطب الجمعة

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له، لا نعبدُ إلا إيَّاه مخلصينَ له الدينَ، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين، صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسَلَّمَ تسليماً.

أما بعدُ؛ عبادَ الله :إن الإسلامُ وضَع منهجًا قويمًا يحارب الفقرَ، ويحمي المجتمع من خطرِه وأضراره؛ فدعا إلى العملِ ورغَّب فيه، واعتبره السلاحَ الأول ثم فرض الزكاة، ودعا الأغنياء إلى الإنفاق وإطعام المساكين، ورغَّب في الصدقات؛ حمايةً للفقراء والمساكين والمحتاجين من آلام الفقر ومتاعبه.

ولقد ارتبط بِدَاءِ الفقر ظاهرةٌ خطيرة انتشرت في المجتمعات الإسلامية، وهي ظاهرة التسول، والمتسولُ إنسانٌ حقَّرَ نفسَه، وأراق ماءَ وجهه، واستغنى عن كرامته وحيائه، وبدأ يمد يديه للناس أعطَوْه أو منعوه، وإذا كان هناك إنسان يعجِزُ عن العمل ولا يجد قوتَ يومه، فهذا له عذره في الحاجة إلى الناس ، ولكن ما بالُ هذا القادر على العمل يقبَلُ على نفسه الاحتقارَ والذلَّ والمهانة، ويتكفَّف الناس؟
إنَّنا في هذا الزمان، الذي تفشَّى فيه الجهل، اعتدنا في بعض الصلوات على مشاهد مؤلِمة، لبعض المتسولين..

وكم من الفقراء والمحتاجين، تجدُهم متعفِّفين عن سؤال الناس، ولا يسألون إلاَّ الله الرزَّاق سبحانه؛ لأنَّهم أيقنوا أنَّ الرزق من الله وحده، وبيده وحده، فامْتثَلُوا أمرَ ربهم تبارك وتعالى القائل في مُحكم التنزيل:﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ[الذاريات: 22]، ولقدْ امتدحهم الله تعالى لعدم مدِّ أيديهم للناس أو سؤالهم؛ فقال تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا[البقرة: 273].

أي: إن الصدقة ليست لهؤلاء المتسولين القادرين على العمل، ولكنها للفقراءِ الذين لا يستطيعون السعيَ في طلب الرزق، ويحسَبُهم الجاهل أغنياءَ من التعفف؛ لأنهم لا يسألون الناس شيئًا ولا يتسوَّلون، ولكن تعرِفهم أنهم فقراءُ بسماتِ الفقر التي تظهر عليهم.
وإليكم عبادَ الله، بعضَ الأدلة التي تُحرِّم التسوُّلَ، وسؤالَ الناس من غير حاجة:
فقد ثَبتَ في الصحيحَين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "ما يزالُ الرجلُ يَسألُ الناسَ، حتى يأتيَ يومَ القيامة ليس في وجهه مُزعةُ لَحْموفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "مَن سَألَ الناسَ أموالَهم تَكثُّرًا، فإنَّما يسأل جمرًا، فلْيَستَقِلَّ، أو لْيَستكثرْ".


وعلَّمنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم كيف نتعامل مع هؤلاء المتسولين القادرين على العمل والكسب؛ فقد روى البخاري عن أنس بن مالك، أن رجلاً مِن الأنصار أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يطلُبُ الصدقةَ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمَا في بيتِك شيء؟))، قال: بلى، حِلْسٌ نلبَسُ بعضَه، ونبسُط بعضَه، وقَعْبٌ نشرب فيه الماء، فقال: ((ائتِني بهما))، فأتاه بهما فأخذه بيده وقال: ((مَن يشتري هذين؟))، قال رجل: أنا آخذُهما بدرهم، قال: ((مَن يزيد على درهم؟))، قال رجل: أنا آخذُهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: ((اشتَرِ بأحدهما طعامًا وانبِذْه إلى أهلِك، واشتَرِ بالآخَرِ قَدُومًا فأتِني به))، فشدَّ فيه الرسول عودًا بيده، ثم قال له: ((اذهب فاحتطب وبِعْ، ولا أَرَيَنَّكَ خمسةَ عشر يومًا))، فذهَب الرجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشَرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألةُ نكتةً في وجهِك يوم القيامة، إن المسألةَ لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقرٍ مدقعٍ، أو لذي غُرْمٍ مُفظِع، أو لذي دمٍ موجع)).

فالرسولُ صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف لم يسارع - كما نفعل نحن اليوم - رأفةً وشفقةً بهذا السائل ويعطيه الصدقةَ ويدَعُه ينصرف، ولكنه صلى الله عليه وسلم أحسَّ فيه القدرة على الكسب والعمل، فأراد أن يغيِّرَ وجهتَه عن هذه العادة المَهينة التي تُفقد الإنسان كرامتَه وهيبتَه وحياءَه - إلى كسبٍ طيب حلال؛ فعلَّمه كيف يعمل ويقتات، ويُغْني نفسَه وذويه عن مسألة الناس.

هذا ، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً .
أما بعد:

عباد الله ؛ اتقوا الله واعلموا أن الشريعة الإسلامية جاءت بالحث على العمل والاكتساب، وأن على كل فرد قادر أن يسعى بنفسه لتحصيل ما يحتاجه من مقومات الحياة، فالله تعالى قد قدر الأرزاق وكتبها، وعلى المرء أن يأخذ بالأسبابِ الممكنة لتحصيل رزقه وجمعه، وأن لا يبقى خاملاً عالة على الناس.
والعمل والتكسب هو ما يقتضيه أمر الله سبحانه وتعالى لنا حين أمرنا بالسعي في الأرض والتنقل بين أرجائها طلبًا للعمل والكسب الحلال، قال تعالى:" هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور"(الملك 15)
قال ابن كثير رحمه الله: "أي: سافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات،
وقد روى عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لو أنَّكم كنتُم توَكلونَ علَى اللهِ حقَّ توَكلِه لرزقتُم كما يرزقُ الطَّيرُ تغدو خماصًا وتروحُ بطانًا " صحيح الترمذي للألباني ، فأثبت لها رواحًا وغدوًا لطلب الرزق مع توكلها على الله عز وجل، وهو المسخر المسير المسبب.


هذا، وصلُّوا -رحمكم الله- على خير البرية ، محمد بن عبد الله ، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وسلم، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. ونعوذ بك من الفقر، ونسألك رضاك والجنة، اللهم من أرادنا بسوءٍ فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره. اللهم إنا نسألك أن تجعل بيوتنا عامرة بذكرك. واجعل أبناءنا لنا بارين ومطيعين ، ولك راكعين وساجدين. اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى.


عباد الله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل:90]. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، "وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ "(العنكبوت 45)

1443/10/9 هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

6 + 9 =

/500
جديد الخطب الكتابية
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي