الحمد لله، أمر بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التكاتف على الإثم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من بذل في سبيل الله، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد:
عباد الله؛ يقول سبحانه وتعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39]. ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ومن كان له فضل ظهر أي مركب زائد عن حاجته فليعد به على من لا ظهر له"رواه مسلم. وقال جل من قائل:{وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ } [النور:33]. وسئل اعرابي يرعى غنماً له: لمن هذه الغنم، فقال: هي لله تحت يدي، فكانت إجابته نابعة من روح التكافل والتعاون التي تسود المجتمع الإسلامي.
والمال الذي يملكه الإنسان إما أن يكون مالاً زائداً عن حاجته وحاجة من يعولهم وهو الفضل أي الزائد عن القوت وضرورات الحياة وإما يكون على قدر الحاجة وهو الكفاف وسمي بذلك لأنه يكفي الإنسان عن سؤال غيره ومالكه ليس مطالباً بالإنفاق والبذل ولا حرج عليه إن لم يعط فلا يلام على كفاف {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "يا بن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى" رواه مسلم
ولقد حث الإسلام أبناءه على الانفاق فقال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [البقرة:261].
وحين يدعو الإسلام إلى النفقة لا يريدها إسعافاً طارئاً ولا علاجاً وقتياً بل يريدها خلقاً أصيلاً ومشاركة نبيلة ، ومفهوم الصدقة في الإسلام ليس لقمة توضع في فم الفقير ثم يذهب أثرها وليس ثوباً يستر جسده ثم يتعرى بقية حياته ولكن الصدقة تعني العدالة والمواساة.
والمجتمع المتراحم المتواصل هو الذي يعيش مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم" رواه الطبراني وصححه الألباني.
ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى، والقدوة الطيبة، فقد كان أجود بالخير من الريح المرسلة، جاءه رجل يطلب نفقة له ولأهله فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال:" يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءَ مَنْ لا يخشى الفقرَ".
ويسجل تاريخ ُالمروءة في الإٍسلام أن مجاعة نزلت بالناس في عهد أبي بكر رضي الله عنه فهرعوا إليه يطلبون النجدة فقال لهم: لا تَمْسُوا حتى يفرجَ الله عنكم، ثم جاءت قافلةٌ لعثمان، رضي الله عنه، من الشام تحمل طعاماً وخيراً كثيراً فَصُبت أحمالها في ساحة داره، فذهب إليه تجار المدينة ليشتروها منه ابتغاءَ الربح فقال لهم: كم تربحونني على شرائي من الشام؟ فعرضوا عليه ثمنا مجزيا فقال: قد زادوني فجعلوا يزيدون في الثمن ويقول لهم قد زادوني فقالوا من زادك ونحن تجار المدينة قال: زادني الله لكل درهم عشرةً يشير إلى قوله عز وجل:{ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ } [الأنعام 160] ، فهل عندكم من زيادة قالوا لا نقدر فقال أشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المسلمين، ولو أنه رضي الله عنه باعها بأصل ثمنها لكانت له سابقة فضل في الإسلام ، ولكن نفسه الكريمة أبتْ إلا أن تبلغ أقصى الحدود فتصدق بجميع بضاعته ابتغاء وجه ربه. والله تبارك وتعالى يعد الأسخياءَ الكرماءَ خلفاً مضاعفاً وعيشةً راضية في الدنيا، والجزاءَ الأوفى في الآخرة، ويتوعد الممسكين البخلاءَ بالمحق وضيق العيش في الدنيا، والعذابِ في الآخرة يقول الله عز وجل:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ } [الليل:5-11].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله المتفضلِ على عباده بجزيل النعم التي لا تعدُّ ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد:
أيها المسلمون؛ إن الله تعالى لم يهدد الأمة بالفناء والدماء إلا في حالتين:
الأولى: حين تقعد عن الجهاد وتجبن عن لقاء عدوها { إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [التوبة:39].
والحالة الثانية: حين تبخل وتقبض يدها عن امداد المعركة بما تحتاجه من ذخيرة وسلاح حينئذ تهون الأمة على ربها ويخف ميزانها عنده فيعذبها عذاباً أليماً ويسترد ما وهبها من إيمان وعزة. قال سبحانه وتعالى:{هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم } [محمد:38]
هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم إلهكم وخالقكم بذلك في محكم كتابه بقوله: { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب:56]. وقال عليه الصلاة والسلام:" من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا"رواه مسلم.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أعذنا من الشح والبخل، اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم وليِّ على المسلمين خيارهم واكفف عنهم شرارهم، اللهم لا تدع لنا في هذا المقام من ذنب إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين.
عباد الله؛ اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}. [العنكبوت:45].