تفسير آيات من سورة الواقعة

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الخميس 27 ذو الحجة 1434هـ | عدد الزيارات: 4761 القسم: خطب الجمعة

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين ونبراسا منيرا للمهتدين فكان شفاء لما في الصدور ومصلحا لجميع الأمور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على جميع النبيين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما

أما بعد

أيها الناس: اتقوا الله تعالى وتدبروا كتاب ربكم الذي أنزله الله رحمة بكم وموعظة لكم وإصلاحا لدينكم ودنياكم فلا تعرضوا عنه فتبوؤا بالخسارة وقسوة القلوب والبعد عن خشية علام الغيوب

إن القرآن موعظة من ربكم وشفاء لما في صدوركم ولا شيء أبلغ موعظة منه لمن تدبر القرآن وتفكر معناه ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب به في الجمعة كثيرا قالت أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها " ما أخذت ق إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس " رواه مسلم .

عباد الله: إن من أعظم المواعظ ما جاء في سورة الواقعة تلك السورة العظيمة التي تحدثت عن أحوال الناس يوم القيامة وحالتهم عند مفارقة الدنيا

ابتدأ الله هذه السورة بجملة شرطية عن وقوع الساعة حذف جوابها ليذهب الذهن في تقديره كل مذهب ويسلك في تفخيمه كل طريق.

يقول الله تعالى "إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ"1. وهي يوم القيامة يعني إذا وقعت رأيت أهوالا عظيمة وأحوالا متباينة "إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا":4. عظيما "وَبُسَّتِ الْجِبَالُ":5. تفتت تفتيتا دقيقا "فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا":6. بعد أن كانت جبالا متماسكة ثابتة

وفي هذا اليوم ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف سابقون وأصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة

فالسابقون في هذه الدنيا إلى الطاعات هم السابقون يوم القيامة إلى الكرامة والجنات وهم المقربون إلى فاطر السماوات والأرض في دار لا يفنى نعيمها ولا يبلى جديدها ولا يتكدر صفوها نعيمها دائم وسرورها قائم "عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ":15-19. هذا شرابهم أما طعامهم ففاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وأما نساؤهم فحور ذو بياض حسن صاف "عين" حسنات العيون منظرا وخلقة كأمثال اللؤلؤ المكنون في صدفه في غاية الصفاء

وأما مجتمعهم فمجتمع كامل "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ"الحجر:47. لا يسمعون فيها لغوا من القول وهو ما لا فائدة فيه ولا تأثيما كلاما يأثمون به بل كلامهم ذكر لله وتسبيح له وتحدث بينهم بما أنعم الله عليهم في الدنيا "وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين"الزمر:74.، "وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ"فاطر:34-35. هؤلاء هم السابقون إلى طاعة ربهم يقومون بالواجبات والمستحبات ويتركون المحرمات والمكروهات فكان نعيمهم أكمل النعيم وأحوالهم أكمل الأحوال

أما الصنف الثاني فهم أصحاب اليمين وهم من أهل الجنة ولكنهم أقل حالا من السابقين "فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ":28. شوكه فليس فيه شوك "وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ":29. من التمر من أسفله إلى أعلاه وهذا السدر والطلح ليس مشابها لما في الدنيا الاسم هو الاسم ولكن الحقيقة غير الحقيقة فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"رواه البخاري. ولأصحاب اليمين نعيم دائم "وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ":32-33. يعني لا تنقطع في وقت من الأوقات كما تنقطع فواكه الدنيا ولا ممنوعة عن مبتغيها كما تمنع فواكه الدنيا

أما جلوسهم ففي فرش مرفوعة.:34. وأما نساؤهم فقد أنشأ الله الحور منهن إنشاء بدون ولادة وأنشأ نساء الدنيا من أهل الدنيا إنشاء جديدا فجعلهن أبكارا.:36.لا يرجعن ثيبات أبدا كلما عاد إليها زوجها وجدها بكرا

ومن تمام النعيم أن جعلهن الله عربا.:37. يتحببن إلى أزواجهن بالتلطف والمداراة أترابا :37. على سن واحدة حتى لا تفخر واحدة على الأخرى أو ترى نفسها دون الثانية

جعلني الله وإياكم من السابقين المقربين ومن التالين لكتابه والمنتفعين به

هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على المصطفى الأمين

أما بعد

عباد الله: إكمالاً لبيان أصناف الناس يوم القيامة الصنف الثالث وهم أصحاب الشمال فلا تسأل عن حالهم إنها حال البؤس والشقاء والعناء في سموم هواء حار من النار يلفح وجوههم ويدخل في مسام جلودهم وليس عندهم ما يبرد السموم سوى ماء حميم شديد الحرارة "يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ"الحج:19-20. وليس لهم ما يحجب هذا السموم سوى " ظل من يحموم " 43 ، واليحموم هو الدخان الأسود الحالك "لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ":44. ليس فيه وقاية ولا نفع فهذا مكانهم وموضع إقامتهم أما طعامهم وشرابهم فإن الله يقول "ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ":51-52. وهو شجر خبيث الطعم قبيح المنظر منتن الريح ليس فيه ما يحبب الأكل منه ولذلك يتزقمونه تزقما فيبتلعونه بشدة ومشقة فيملئون بطونهم منه وحينئذ يحترقون عطشا فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه إذا دنا منهم ويقطع أمعاءهم إذا حل فيها "وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ"محمد:15. وإنهم ليشربون هذا الماء الحميم شرب الهيم وهي الإبل المصابة بهيام الماء فهي تشرب ولا تروى أبدا "هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ":56.

عباد الله: ماذا أعددتم للآخرة حتى تكونوا من السابقين المقربين وحتى لا تكونوا من أصحاب الشمال

هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" الأحزاب 56 ، وقال عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.رواه مسلم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين واجعلنا من التالين لكتابك المطبقين لشرعك ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر اللهم ألهمنا رشدنا اللهم اجعل هذا القرآن حجة لنا لا علينا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.البقرة:201.

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.العنكبوت:45.

ملحوظة : ألقيت الخطبة لأول مرة في عام 1401هـ

1434-12-26هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

7 + 7 =

/500
جديد الخطب الكتابية
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي