الامتحانات

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: السبت 18 شوال 1434هـ | عدد الزيارات: 2290 القسم: خطب الجمعة

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وبعد؛

عباد الله: نحن في هذه الأيام نعيش استنفاراً عاماً في مجتمعنا لاستقبال ضيف ثقيل سيحل بنا هذا الضيف يعرفه الجميع ألا وهو الامتحان الدنيوي فلقد احتل من القلوب سويداءها ونال من الثناء والاهتمام والاستعداد الكثير، فقد سيطر على عقول الكثير من أفراد المجتمع وقد اتفق رأي الجميع على أهميته وعلى أن اليوم من أيامه بل الساعة من ساعاته لا يمكن أن تعوض؛ لذلك فلا بد من ترك الكسل والخمول جانباً والانقطاع عن اللهو والعبث والملذات والشهوات التي لا تضر ولا تنفع لقد استخدم الجميع عقولهم ولقد اجمعت تلك العقول وآمنت إيماناً عميقاً بأهمية هذه الأيام وأن خسارتها خسارة لا تعوض بالأثمان وكل من خالف هذا الرأي يتهم من الجميع بنقصان العقل أو فقدانه ومن أجل ذلك أصبح الطالب أميراً في البيت وبين أفراد أسرته فله الحق أن يطلب ما يشاء وعلى الجميع واجب تلبية طلبه والعمل على راحته وإبعاد كل ما يزعجه أو يمكن أن يصده عن مذاكرة دروسه وزيادة في توفير الوقت وتهيئته له فقد اسقطت عنه عند بعض الناس الواجبات الأخرى حتى واجباته نحو ربه كالصلاة فقد اسقطها البعض فإذا درس حتى آخر الليل ثم نام فلا يجوز أن يزعج ويقام لصلاة الفجر فهو مسكين قد يسهر معظم الليل الله أكبر هذا الامتحان الذي لا يعلم الإنسان هل يطول به العمر حتى يؤديه أم الأجل أقرب إليه من أيام الامتحان فربما لا ينتهي من الامتحان إلا وهو قد غادر هذه الدنيا الدنية وأصبح من أهل الآخرة وربما يطول به العمر فيؤدي الامتحان وينجح ثم يفاجئه الأجل قبل أن ينال شيئاً من ثمار نجاحه وما أكثر الأمثلة على هذا.

إذاً هذا الامتحان الذي لا يعلم الإنسان أيكمله أم لا أيستفيد من جهوده أم لا؟، هذا الامتحان تترك من أجله الملذات والشهوات والراحة بل الجميع يغيرون أسلوب حياتهم فيتخلون عما ألفوه من راحة ومتعة ويظهر على المجتمع صفة الجد والمثابرة وتحمل المشاق والتخلي عن المتع والملذات دون اكتراث، ولكن الامتحان الحقيقي الذي لا بد من أن يدخله الجميع ولا يمكن أن يتخلف عنه فرد الامتحان الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين الامتحان الذي لا بد أن يتحقق والعمل من أجله لا يمكن أن يضيع على صاحبه امتحان يوم القيامة الذي جعلت الدنيا كلها استعداد له فالدنيا كلها في الحقيقة أيام امتحان بل قاعة امتحان كبرى فيجب أن يشمر فيها المسلم وأن يجد ويجتهد فيما يقربه إلى الله وهو على يقين بأن الله {لا يضيع أجر من أحسن عملاً}[الكهف:30]. دون أن يكون هذا باعثاً له على الاغترار بعمله وتكاثره هذا الامتحان الكبير العظيم قد نسيه كثير من المسلمين أو تناسوه هذا الامتحان النجاح فيه هو النجاح الحقيقي والرسوب فيه هو الرسوب الحقيقي فيجب الاستعداد ويجب أن يكون هذا الامتحان الدنيوي عبرة وعظة للاستعداد للامتحان الحقيقي عسى أن نكون من الفائزين في ذلك اليوم العصيب.

عباد الله: تذكروا ما أنتم إليه صائرون من الموت حيث ينقسم الناس إلى قسمين: فمنهم من توفاهم الملائكة طيبين، {تتنزل عليهم الملائكة أن ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون}[فصلت:30-32]، ومنهم من توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهمِ {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ }[الأنعام:50] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر والحكيم، هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد؛

عباد الله: تكلمنا عن الامتحانات واهتمام الناس بها ولا يعني هذا أننا ندعو إلى إهمالها أو إلى التقليل من شأنها فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول صلى الله عليه وسلم " إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ "صحيح الجامع للألباني، فالقيام بالأعمال والواجبات على أحسن وجه وأكمله مما يوجبه الإسلام ويدعو إليه، وإنما الذي أردت أن أنبه إليه أن الأمور العظام تضاع ولا يهتم بها، والأمور الأقل أهمية تلقى من العناية والاهتمام أكثر مما هو أعظم منها بل إن الأمور العظام تضاع من أجل الأمور الأقل أهمية وفائدة.

أيها المسلمون اتقوا الله في أنفسكم وأروه من أنفسكم خيرا واعلموا أن فلاحكم في الدنيا وسعادتكم في الآخرة متوقف على تمسككم بدينكم وتطبيقه في مجتمعاتكم ودعوة غيركم إليه.

وتعاقبُ الليل والأيام وتكررُ الشهور والمناسبات شاهدٌ بل ودليلٌ واضحٌ على إمكانية التغير من هذا الواقع المؤلم إلى واقع أحسن وأفضل وأكثر التزاما بالدين وتعاليمه، فها نحن قد غيرنا كثيراً من واقعنا اليوم من أجل مصلحة دنيوية عاجلة فما بالنا نتقاعس عن التغيير الدائم للمصلحة الباقية العظيمة.

عباد الله: إن من العجب أن يُؤْثِرَ أقوامٌ الحياةَ الدنيا على الآخرة، والآخرة خير وأبقى، يؤثرونها على الآخرة فيعملون لها ويدعون عمل الآخرة يحرصون على الدنيا وإن فوتوا ما أوجب الله عليهم ينغمسون في الشهوات والملذات وينسون شكر من أنعم بها عليهم وعلامة هؤلاء يتكاسلون عن الصلوات ويتثاقلون ذكر الله ويخونون في الأمانات ويغشون في المعاملات ويكذبون في الأقوال ولا يوفون بالعهود ولا يبرون بالوالدين ولا يصلون الأرحام ويحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

هذا، وصلوا على نبيكم كما أمركم ربكم في محكم كتابه بقوله:{ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب:56]. وقال عليه الصلاة والسلام:" من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا."رواه مسلم.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين وانصر المجاهدين في كل مكان. اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم لا تدع لنا في هذا المقام ذنبًا إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا كرباً إلا نفسته ولا ديناً إلا قضيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا أيماً إلا زوجته ولا ضالاً إلا هديته ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا صلاح إلا اعنتنا على قضائها ويسرتها لنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ووالدي والدينا ولجميع المسلمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

4 + 2 =

/500
جديد الخطب الكتابية
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي