الدعاوى الكيدية

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الخميس 1 جمادى الآخرة 1442هـ | عدد الزيارات: 379 القسم: خطب الجمعة

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَوْجَبَ الْعَدْلَ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَحَرَّمَ الظُّلْمَ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ كَامِلُ الْأَوْصَافِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي فَاقَ جَمِيعَ الْعَالِمِينَ فِي الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ وَالإِفْضَالِ.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. (آل عمران 102)

أمَّا بَعْدُ عباد الله : اعلموا أنَّ شَرَّ مَا يَطْغَى عَلَى النُّفُوسِ: شُحٌّ هَالِعٌ ، وَظُلْمٌ خَالِعٌ ، يُورِدَانِ الْمَرْءَ مَوَارِدَ الْهَلَاكِ، وَيَحْمِلَانِهِ عَلَى الْاِنْسِلَاخِ مِنْ إِنْسَانِيَّتِهِ، وَيَدْفَعَانِ بِهِ إِلَى الْإِثْمِ وَالطُّغْيَانِ.

وَكَمْ لِلظُّلْمِ مِنْ ضَحَايَا ، وَكَمْ لِلشُّحِّ مِنْ مَآسٍ، وَكَمْ كَانَا سيلَ دَمَارٍ، وَعَامِلَ فَسَادٍ وَلِوَاءَ شَنَارٍ . وَلِذَا قَرَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، مُحَذِّرًا وَمُنَبِّهًا لِسُوءِ عَوَاقِبِهِمَا ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ علَى أنْ سَفَكُوا دِماءَهُمْ واسْتَحَلُّوا مَحارِمَهُمْ.». رواه مسلم

حَقِيقَةُ الظُّلْمِ : أَخْذُ المَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَحَقِيقَةُ الشُّحِّ: كما قال ابنُ القيم :هو شدةُ الحرصِ على الشيء، والإحفاءِ فِي طلبهِ، والاستقصاءِ في تحصيله، وجشع النفس عليه، والبُخلُ منعُ إنفاقِهِ بعْدَ حصولِه، وحبه، وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله، فالبخل ثمرة الشحِّ، والشحُّ يدعو إلى البخل، والشحُّ كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحَّه .ا.هـ

وَرَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ مَنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ كَانَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾. (الحشر 1)

وَإِنَّ مِنْ مَظَاهِرِ الظُّلْمِ وَالشُّحِّ مَعَاً : الْخُصُومَةَ فِي الْبَاطِلِ ، وَإقَامَةَ الدَّعَاوَى الْكَيْدِيَّةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا، بَلْ هِيَ ظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ، فَرُبَّمَا أَقَامَ دَعْوَى عَلَى إِنْسَانٍ وَهُوَ يَعْلَمُ فِي حَقِيقَةِ نَفْسِهِ أَنَّ دَعْوَاَهُ كَذِبٌ وَاِفْتِرَاءٌ، لَكِنْ لَعَلَّ وَعَسَى أَنْ يَنَالَ مِنْهَا شَيْئًا ، وَقَدْ جَاءَ الوَعِيْدُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ : فَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ : عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا». وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ : عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ " . صححه الألباني في السلسلة الصحيحة .

فَاتَّقُوْا اللهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَاتَّقُوْا الشُّحَّ وَالظُّلْمَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.

هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كلَّ ذنبٍ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية :

الحَمْدُ للهِ وكَفَى ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسِولِهِ المُصْطَفَى ، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ عَلى نَهْجِهِ واقْتَفَى . أمَّا بَعْدُ : فاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - .

واعلموا أنَّ الدَّعْوَى الْكَيْدِيَّةِ الَّتِي يُبْرِمُهَا مَرْضَى الْقَلُوبِ وَالَّذِينَ سَيْطَرَ الشُّحُّ عَلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَ النَّاسِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، يَجِدُونَ مَنْ يُعِيْنُهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَمَنْ يُسَاعِدُهُمْ فِي ظُلْمِهِمْ وَمَنْ يُمَهِّدُ لَهُمُ الطَّرِيقَ، أَلَا وَهُمْ بَعْضُ الْمُحَامِينَ الَّذِينَ لَا إِيْمَانَ وَلَا عَهْدَ عِنْدَهُمْ ؛ هَؤُلَاءِ الْمُحَامُونَ بِالْبَاطِلِ وَرَاءَ كُلِّ دَعْوَى كَيْدِيَّةٍ لَا أَصْلَ لَهَا ، وَلَكِنَّهَا دَعْوَى بَاطِلَةٌ يُقِيمُهَا مَنْ يُقِيمُهَا وَيَتَوَلَّى كِبْرَهَا الْمَحَامِّيُّ الَّذِي لَا يَخَافُ اللهَ وَلَا يَرْجُوهُ، وَمَا يُزَالُ بِحِيَلِهِ وَأَسَالِيبِهِ وَخِدَاعِهِ حَتَّى رُبَّمَا ظَفِرَ بِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ ، وَأَرْبَكَ النَّاسَ لِيَنَالَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ ، واللهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، لَكِنْ حُبُّ الْمَالِ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ.

فَالَّذِينَ يُحَامُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ، وَيُدَافِعُونَ عَنِ الْكَذَّابِينَ، وَيَتَرَافَعُونَ فِي الْمُحَاكِمِ دِفَاعًا عَنِ الظَّالِمِينَ وَالْمُفْتَرِيْنَ وَيَعْلَمُ اللهُ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ، هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِالشُّحِّ فِي أَعْمَالِهِمْ.

ألا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في محكم كتابه بقوله - جلَّ في عُلاه -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ . (الأحزاب 56) ، وقال صلى الله عليه وسلم " من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً " رواه مسلم ، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد ، وارض اللهم عن الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين واضرب الظالمين بالظالمين ، اللهم عليك بالملاحدة والرافضة ، ووفق وليَّ أمرنا لما تحب وترضى وانصر جنودنا في الحد الجنوبي ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (البقرة 201) ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

1442/6/1هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

2 + 5 =

/500
جديد الخطب الكتابية
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي