الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد؛
قوله:" وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال فيخرج الخمس ثم يقسم باقي الغنيمة للراجل سهم، وللفارس ثلاثة: سهم له وسهمان لفرسه، ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت ويشاركونه فيما غنم والغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا السلاح والمصحف وما فيه روح " .
تملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب أي إذا قاتل المسلمون أعداءهم، وهزم الأعداء، واستولى المسلمون على المال، فيكون ملكاً للمسلمين، ولو كانوا في دار الحرب.
مثال: قاتلنا الكفارداخل أرضهم وهربوا وتركوا الأموال فإننا نملك الأموال، ولا يلزم أن نحوزها إلى بلاد الإسلام، بل بمجرد الاستيلاء عليها تكون ملكاً لنا، إذ أن الغنيمة ما أخذ من مال حربي قهراً بقتال، فهي مشتقة من الغنم وهو الربح، وهي لمن شهد الوقعة أي الحرب من أهل القتال لقول عمر رضي الله عنه " إنَّما الغَنيمةُ لِمَن شهِدَ الوَقْعةَ "، صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج سنن سير النبلاء.
فالغنيمة للرجال الذين يقاتلون، فمن شهد منهم فإنه يقسم له، وأما من جاء بعد انتهاء الحرب أو انصرف قبل بدء الحرب فلا شيء له من الغنائم.
ويخرج الإمام وهو الرئيس الأعلى في الدولة أو نائبه كقائد الجيش الخمس، أي: خمس الغنيمة؛ لقول الله تعالى:" وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ" (الأنفال: 41)
فهؤلاء خمسة، إذاً الخمس يقسم خمسة أسهم سهم لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم يكون فيئاً في مصالح المسلمين، وهو خُمس الخُمس.
وهو جزء من خمسة وعشرين جزءاً من أصل الغنيمة، هذا الجزء فيئاً يدخل في بيت المال ويصرف في مصالح المسلمين
السهم الثاني من الأسهم الخمسة في الخمس (وَلِذِي الْقُرْبَى) (الأنفال: 41)، وهم قربى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، يقسم بينهم خمس الخمس بحسب الحاجة، فإن كانوا كلهم سواء في الغنى أو الحاجة أعطيناهم بالتساوي.
السهم الثالث (وَالْيَتَامَى) (الأنفال: 41)، جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، سواء كان ذكراً أو أنثى، ومن كان أحوج فهو أحق.
السهم الرابع (وَالْمَسَاكِينِ) (الأنفال: 41)، ويدخل الفقراء في اسم المساكين.
السهم الخامس (وَابْنَ السَّبِيلِ) (الأنفال: 41)، هم المسافرون الذين انقطع بهم السفر، فيعطون ما يوصلهم إلى سفرهم، تذكرة أو متاعاً أو ما أشبه ذلك مما يحتاجون إليه، ويعمم من بجميع البلاد حسب الطاقة.
قوله:"... ثم يقسم باقي الغنيمة للراجل سهم وللفارس ثلاثة: سهم له وسهمان لفرسه...".
ثم يقسم باقي الغنيمة وهو أربعة أخماس، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم فعل ذلك في خيبر،" جعل للراجل الذي على رجله سهماً واحداً، وللفارس ثلاثة أسهم ". أخرجه البخاري، لأن غناء الفارس ونفعه أكثر من غناء الراجل.
ويقاس اليوم الطائرات على الخيل في سرعتها وخطرها، والدبابات والنقليات على الإبل فيعطى قائد الطائرة أو الدبابة ثلاثة أسهم سهم له وسهمان للطائرة أو الدبابة، وحيث أن الطائرات ملك الدولة فتعطى سهامها لبيت المال؛ إلا إذا أعطاه ولي الأمر ذلك فلا بأس.
والراجل الذي يمشي على رجليه مثل القناصة اليوم يعطى سهم واحد.
قوله :" ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت ويشاركونه فيما غنم"، لأن الجيش واحد، والمراد سراياه التي يبثها إذا دخل دار الحرب، ويمكن أن يبعث سرية في ابتداء القتال، وسرية في الرجوع بعد القتال، وما غنمته السرايا يضم إلى غنيمة الجيش، وللإمام أن ينفل الثلث في الرجعة والربع في البدأة
قال ابن المنذر: روينا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال ( تُرَدُّ سَراياهم على قَعَدِهم،)صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند.
قوله: "والغَالُّ من الغنيمة"، الغالُّ: من كتم شيئاً مما غنمه واختصه لنفسه، والغلول من كبائر الذنوب، وقد قال الله تبارك وتعالى (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: 161)، وحذر النبي صلّى الله عليه وسلّم من ذلك وبين أن الإنسان:" يأت بما غل يوم القيامة إن كان شاة أو بعيرا أو أي شيء، يأتي به حاملا إياه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد." أخرجه البخاري، فهو من الكبائر، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً غل شملة فقال:" إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً." أخرجه البخاري .
قوله: "يحرق رحله كله إلا السلاح والمصحف وما فيه روح " .
"إلا السلاح" كالسيف والبندق وما أشبه ذلك، "والمصحف" لاحترامه "وما فيه روح "؛ لأن ما فيه روح لا يعذب بالنار، مثل البعير والفرس، وما عدا ذلك فإنه يحرق مثل الدراهم والأواني.
والمقصود بهذا التحريق هو التنكيل بهذا الرجل، ومصلحة التنكيل أكبر من مصلحة ما يضم إلى بيت المال أو إلى الغنيمة من المال، وكونه يحرق ولا يتلف أو يتصدق به؛ لأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم وقال يزيد بن جابر: "السنة في الذي يُغل أن يُحرق رحله".
قوله:"وإذا غنموا أرضا بالسيف خير الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي بيده "
إذا غنموا أرضاً فتحوها عنوة بالسيف خُير الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين، ويضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي بيده
مثال ذلك: قاتل المسلمون قرية ففتحوها، وأبعدوا عنها أهلها، وصارت بأيدي المسلمين كالغنائم من الأمتعة وغيرها مما ينقل، فيخير الإمام إما أن يقسمها بين الغانمين، وإما أن يوقفها على المسلمين عموماً، ويضرب عليها خراجاً مستمرا، فإن قسمها بين المسلمين فله في ذلك سلف، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قسم أرض خيبر بين المسلمين. أخرجه البخاري، وإن لم يقسمها وجعلها وقفاً للمسلمين، وأعطاها الناس وضرب عليها خراجاً مستمراً فله في ذلك سلف، وهو عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، قال:" إذا قسمت الأرض بين المقاتلين الآن لم يُنتفع بها من بعدهم وهي أرض ليست شيئاً منقولاً تتلف بمر الزمن، بل هذه ستبقى أبد الآبدين إلى يوم القيامة، فكوني أقسمها بين الغانمين، وتبقى ملكاً لهم يتوارثونها فيما بينهم، ويتبايعونها فيما بينهم، هذا يحرم بقية أجيال المسلمين، فأنا أبقيها وقفاً وأضرب عليها خراجاً ".
والخراج أن يقول مثلاً: كل مئة متر عليه ألف ريال سنوياً يُؤخذ ممن هي بيده، فإن كانت بيد من بناها بيتاً أخذ من صاحب البيت وهكذا
أي أن تبقى الأرض لا تُملك للمسلمين، لكن من هي بيده أحق بها من غيره، وعليه مقابل كونه ينتفع بها مبالغ مالية يقدرها الإمام، كما فعل عمر رضي الله عنه فيما فتحه من أرض الشام والعراق ومصر
قوله:"... والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام ،...".
المرجع في مقدار الخراج على الأرض المغنومة حين وضعها إلى اجتهاد الإمام الواضع لها فيضعها بحسب اجتهاده لأنه أجرة يختلف باختلاف الأزمنة.
أما الجزية فهي التي توضع على كل فرد من أفراد أهل الذمة عوضاً عن إقامتهم في دارنا وحمايتهم، وهذه أيضاً مرجعها إلى الإمام.
وهذه المسائل إذا لم تكن صادرة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها من أمور القضاء الوقتي التي رأى الخلفاء في ذلك الوقت
والخراج يتعلق بذمة من انتقلت إليه إلا إذا كان بقي من الخراج الذي أدركه الأول حياً شيء فإنه يتعلق بذمته، فمثلاً: لو مضى عليه خمس سنوات لم يؤد الخراج، ثم مات فهذا يتعلق بذمته خمس سنوات، وما بعدها يتعلق بمن انتقلت إليه الأرض من الورثة
وبالله التوفيق
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين