تفسير سورة القارعة

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الخميس 11 ربيع الأول 1436هـ | عدد الزيارات: 6641 القسم: تفسير القرآن الكريم -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد

سورة القارعة مكية وآياتها 11

بسم الله الرحمن الرحيم

الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ

القارعة القيامة كالطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية والقارعة توحي بالقرع واللطم، فهي تقرع القلوب بهولها.
والسورة كلُّها عن هذه القارعة حقيقتها وما يقع فيها وما تنتهي إليه فالقارعة من أسماء يوم القيامة سميت بذلك لأنها تقرع الناس وتزعجهم بأهوالها ولهذا عظم أمرها وفخمه بقوله "القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس" من شدة الفزع والهول "كالفراش المبثوث" والقرع هو الضرب بشدة واعتماد بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى ومنتهاها فصلُ القضاء بين الخلائق فهي تعرض مشهداً من مشاهد القيامة ومعلوم أن الشيء إذا عظم خطره كثرت أسماؤه وأن ذلك ليس من المترادفات ، فإن لك إسم دلالة على معنى خاص به فالواقعة لصدق وقوعها والحاقة لتحقق وقوعها والطامة لأنها تطم وتعم بأهوالها والآزفة من قرب وقوعها،

والمشهد المعروض هنا مشهد هول تتناول آثاره الناس والجبال فيبدو الناس في ظله صغاراً ضئالاً على كثرتهم فهم كالفراش المبثوث مستطارون مستخفون في حيرة الفراش الذي يتهافت على الهلاك، وهو لا يملك لنفسه وجهة، ولا يعرف له هدفاً وتبدو الجبال التي كانت ثابتة راسخة كالصوف المنفوش تتقاذفه الرياح وتعبث به حتى الأنسام فمن تناسق التصوير أن تسمى القيامة بالقارعة، فيتسق الظل الذي يلقيه اللفظ، والجرس الذي تشترك فيه حروفه كلها، مع آثار القارعة في الناس والجبال سواء وتلقي إيحاءها للقلب والمشاعر، تمهيداً لما ينتهي إليه المشهد من حساب وجزاء .
القارعة ما القارعة؟ وما أدراك ما القارعة؟
لقد بدأ بإلقاء الكلمة مفردة كأنها قذيفة القارعة بلا خبر ولا صفة لتلقي بظلها وجرسها الإيحاء المدوي المرهوب .
ثم أعقبها سؤال التهويل ما القارعة؟ فهي الأمر المستهول الغامض الذي يثير الدهش والتساؤل
ثم أجاب بسؤال التجهيل وما أدراك ما القارعة؟ فهي أكبر من أن يحيط بها الإدراك، وأن يلم بها التصور .
ثم الإجابة بما يكون فيها، لا بماهيتها فماهيتها فوق الإدراك والتصور كما أسلفنا.
يوم يكون الناس كالفراش المبثوث أي كالفراش المنتشر الذي يموج بعضه في بعض، والفراش جمع فراشة وهي التي تطير وتتهافت في النار وهي الحيوانات التي تكون في الليل يموج بعضها ببعض لا تدري أين توجه فإذا أوقد لها نار تهافتت إليها لضعف إدراكها

، وتكون الجبال كالعهن المنفوش، أي الجبال الصم الصلاب فتكون "كالعهن المنفوش" أي كالصوف المنفوش الذي بقي ضعيفاً جداً تطير به أدنى ريح ثم بعد ذلك تكون هباء منثورا فتضمحل ولا يبقى منها شيء يشاهد .

هذا هو المشهد الأول للقارعة مشهد تطير له القلوب شعاعاً، وترجف منه الأوصال ارتجافاً ويحس السامع كأن كل شيء يتشبث به في الأرض قد طار من حوله وأصبح هباء فحينئذ تنصب الموازين وينقسم الناس قسمين سعداء وأشقياء وتجيء الخاتمة للناس جميعاً "فأما من ثقلت موازينه" أي رجحت حسناته على سيئاته "فهو في عيشة راضية" أي في جنات النعيم، "وأما من خفت موازينه " بأن لم تكن له حسنات تقاوم سيئاته "فأمه هاوية" أي مأواه ومسكنه النار التي من أسمائها الهاوية تكون له بمنزلة الأم الملازمة ، "وما أدراك ماهيه" وهذا تعظيم لأمرها ثم فسرها بقوله "نار حامية" أي شديدةالحرارة قد زادة حرارتها على حرارة نار الدنيا بسعين ضعفاً أجارنا الله منها .

هذه هي أم الذي خفت موازينه أمه التي يفيء إليها ويأوي والأم عندها الأمن والراحة فماذا هو واجد عند أمه هذه الهاوية النار الحامية .
إنها مفاجأة تعبيرية تمثل الحقيقة القاسية فماذا أعددنا للأخرة حتى لا تكون هذه النار الحامية هي أمنا .

إن هذه السورة تذكرنا بالأخرة لنجعلها نصب أعيننا فترتجف أضلاعنا حين نهم بالمعصية لأن أمامنا نار حامية فهي أم لكل كافر ولكل من استحق دخولها ممن وقع في كبائر الذنوب ومات ولم يتب مثل الشرك الأصغر والموبقات وغيرها .

فيا أيها اللاهون عودوا إلى ربكم وإلى رشدكم حكموا عقولكم فكروا في عواقب أمركم وقدموا للإسلام شيئاً وقد تكالب عليه الأعداء من رافضة مجوسية وصليبية حاقدة متعصبة والكفر ملة واحدة، حفظنا الله وإياكم من كل مكروه وأجارنا من النار وجعل عملنا في رضاه وما توفيقنا إلا بالله عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.

تم تفسير سورة القارعة ولله الحمد والمنة.

10 - 3 - 1436هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

1 + 4 =

/500
جديد الدروس الكتابية
 الدرس 146 الجزء الرابع  الاستسلام لشرع الله - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 145 الجزء الرابع: وجوب طاعة الله ورسوله - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 144  الجزء الرابع الحلف بغير الله - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 143 الجزء الرابع تأويل الصفات - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 142 الجزء الرابع التحدث بالنعم والنهي عن الإسراف - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 141 الجزء الرابع ‌‌أخلاق أهل العلم  . - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر