الدرس 106:‌‌باب الهدي والأضحية

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الجمعة 29 رجب 1434هـ | عدد الزيارات: 2091 القسم: الميسر في شرح زاد المستقنع -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد؛

قوله:"‌‌باب الهدي والأضحية ".

الهدي كل ما يهدى إلى الحرم من نَعَمٍ أو غيرِها، فقد يهدي الإنسانُ نعماً: إبلاً أو بقراً أو غنماً، وقد يهدي غيرها كالطعام، وقد يهدي اللباس.

فالهدي أعم من الأضحية؛ لأن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، وأما الهدي فيكون من بهيمة الأنعام ومن غيرها فهو كل ما يهدي إلى الحرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات (ص 120):" ولا تضحية بمكة وإنما هو الهدي والأضحية ما يذبح في أيام النحر تقرباً إلى الله عز وجل وسميت بذلك لأنها تذبح ضحى بعد صلاة العيد"

والأضحية سنة أجمع المسلمون على مشروعيتها وهي في كل ملة لقوله تعالى: " ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " ( الحج آية 34)

قال ابن القيم رحمه الله في تحفة المولود (ص 65):" ففي كل ملة صلاة ونسيكة لا يقوم غيرها مقامها ولهذا لو تصدق عن دم المتعة بأضعاف القيمة لم يقم مقامه وكذلك الأضحية ".

ومن نعمة الله على المسلم أن يشرع له ما يشارك به أهل موسم الحج لأن أهل الموسم لهم الحج والهدي وأهل الأمصار لهم الأضحية ولهذا نجد من فضل الله ورحمته أنه جعل لأهل الأمصار نصيباً مما لأهل المناسك مثل ترك الأخذ من الشعر والظفر في أيام العشر من أجل أن يشارك أهل الأمصار أهل الإحرام بالتعبد لله بترك الأخذ من هذه الفضولات.

ولأجل أن يشاركوا أهل الحج بالتقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي لأنه لولا هذه المشروعية لكان ذبحها بدعة ونهي الإنسان عنها ولكن الله شرعها لهذه المصالح العظيمة.

والإنسان إن كان عليه دين ينبغي له أن يبدأ بالدين قبل الأضحية وأفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بأنه تسن الأضحية بالنسبة للمكلف المستطيع

والأضحية مشروعة عن الأحياء وأما عن الأموات تعتبر صدقة جارية كما نص على ذلك الشيخ ابن باز رحمه الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات (ص 120):" والتضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها".

وعلى ذلك فالأضحية عن الأموات ثلاثة أقسام:

الأول: أن تكون تبعاً للأحياء كما لو ضحى الإنسان عن نفسه وأهله وفيهم أموات فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي ويقول:" اللهم هذا عن محمد وآل محمد" وفيهم من مات سابقاً

الثاني: أن يضحي عن الميت استقلالاً تبرعاً فقد نص فقهاء الحنابلة على أن ذلك من الخير وأن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به قياساً على الصدقة عنه والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يعتبره صدقة جارية.

الثالث: أن يضحي عن الميت بموجب وصية منه تنفيذاً لوصية فتنفذ كما أوصى بها بدون زيادة ولا نقص

والأضحية لا بد فيها من شروط وهي.

أولاً: أن تكون من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم لقول الله تعالى" على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " (الحج آية 28)

فلو ضحى الإنسان بحيوان آخر أغلى منها لم يجزه ولو ضحى بفرس تساوي عشرة آلاف ريال عن شاة تساوي 300 ريال لم يجزه.

قوله:" أفضلها إبل ثم بقر ثم غنم ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن وثني سواه فالإبل خمس سنين والبقر سنتان والمعز سنة والضأن نصفها وتجزي الشاة عن واحد والبدنة والبقرة عن سبعة. ولا تجزيء العوراء والعجفاء والعرجاء والهتماء والجداء والمريضة والعضباء بل البتراء خلقة والجماء والخصي غير المجبوب وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف ".

والهدي الأفضل فيه الإبل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إبلاً، مائةَ بعيرٍ، وأشرك علياً رضي الله عنه في هديه في الذبح والأجر؛ حيث ذبح صلى الله عليه وسلم (63) وأكمل علي الباقي.

أما الأضاحي فالأفضل إبل إن ذبح بعيراً كاملاً ثم بقر ثم غنم إلا في العقيقة فالشاة أفضل من البعير الكامل لأنها التي وردت بها السنة فتكون أفضل من الإبل

قال المزداوي في الإنصاف:" والأفْضَلُ فيهما الإِبِلُ، ثم البَقَرُ، ثم الغَنَمُ. يعنى، إذا خرَج كامِلًا. وهذا بلا نِزاعٍ ".

وعن الشيخ تقي الدين:" الأجر على قدر القيمة مطلقاً".

إذا فالشرط الأول: من شروط الأضحية أن تكون من بهيمة الأنعام.

الشرط الثاني: أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعاً.

فإن كانت دونه لم تجزئ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن " أخرجه مسلم

فقوله:" لا تذبحوا إلا مسنة "أي ثنية، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعه من الضأن فإن كان دون ذلك فإنها لا تجزئ ولهذا لما قال أبو بردة بن نيار رضي الله عنه:" يا رسول الله إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين افتجزئ عني ؟ قال نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك " أخرجه البخاري

والعناق الصغيرة من المعز التي لها أربعة أشهر وهذا يدل على أنه لا بد من بلوغ السن المعتبر شرعاً.

واشتراط أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن تبلغ السن المعتبر شرعاً يدلنا على أنه ليس المقصود من الأضحية مجرد اللحم وإلا لأجزأت بالصغير والكبير.

ولا يجزئ في الأضحية إلا جذع ضأن وثني سواه دليله ما ذكرته آنفاً من حديث جابر الذي أخرجه مسلم " لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن".

فالسن المعتبر لإجزاء الإبل خمس سنين فما دون الخمس لا يجزئ لأن الإبل لا تثني إلا إذا تم لها خمس سنين والبقر سنتان والمعز سنة والضأن ستة أشهر.

(مسألة): لو سألك سائل هل يجزئ من الغنم ماله ثمانية أشهر ؟

الجواب فيه تفصيل إن كان من الضأن فنعم وإن كان من المعز فلا لأنه لا بد أن تكون ثنية

وذكر بعض العلماء أن علامات إجزاء الضأن أن ينام الشعر على الظهر لأن الخروف الصغير يكون شعره واقفاً فإذا بدأ ينام فهذا علامة على أنه صار جذعاً، فإذا قال قائل هل يكتفي بقول البائع أو لا بد أن يقول المشتري للبائع ائت بشهود؟

الجواب: فيه تفصيل:

إن كان البائع ثقة فإن قوله مقبول؛ لأن هذا خبر ديني كالخبر بدخول وقت الصلاة أو بغروب الشمس في الفطر وما أشبه ذلك فيقبل فيه خبر الواحد وإن كان غير ثقة من البدو الجفاة الذي يقول أقسم بالله أن لها سنة وشهراً يعني المعز وأتى بالشهر للدلالة على الضبط وليكون أقرب للتصديق فإنه لا يصدق لا سيما إذا وجدت قرينة تدل على كذبه كصغر البهيمة وإذا كان الإنسان نفسه يعرف السن بالإطلاع على أسنانها أو ما أشبه ذلك فإنه كافي.

الشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء

الشرط الرابع: أن تكون في وقت الذبح

قوله:"وتجزي الشاة عن واحد ...".

وتجزئ الشاة عن واحد، أي: يضحي الإنسان بالشاة عن نفسه، وتجزئ عنه وعن أهل بيته أيضاً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته؛ ولحديث أبي أيوب رضي الله عنه قال:"كانَ الرَّجلُ في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يُضحِّي بالشَّاةِ عنهُ وعن أَهلِ بيتِهِ فيأْكلونَ ويَطعَمونَ ... ".صحيح ابن ماجه للألباني.

قوله:"والبقرة عن سبعة"، والدليل حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال " نحرنا في عام الحديبية البدنه عن سبعة والبقرة عن سبعة " أخرجه مسلم

والمراد عن سبعة أي سبعة رجال فإذا كان الإنسان يضحي بالواحدة عنه وأهل بيته فإنه بالسبع يضحي عنه وعن أهل بيته لأن هذا تشريك في الثواب والتشريك في الثواب لا حصر له فها هو النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عن كل أمته وها هو الرجل يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته ولو كانوا مائة أما التشريك في الملك فلا يزيد على سبعة ولو أشترك ثمانية في بعير قلنا لا يجوز فلا بد أن يخرج واحد منكم

قوله:"ولا تجزيء العوراء والعجفاء والعرجاء "والهتماء" "والجداء" والمريضة والعضباء بل البتراء خلقة والجماء والخصي "غير المجبوب" وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف".

لا تجزئ العوراء والعجفاء والعرجاء والمريضة ،هذه الأربع نصَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:" أربعٌ لا تجوزُ في الأضاحيِّ فقالَ العوراءُ بيِّنٌ عورُها والمريضةُ بيِّنٌ مرضُها والعرجاءُ بيِّنٌ ظلعُها والكسيرُ الَّتي لا تَنقى ..." صحيح أبي داود للألباني.

فقوله صلى الله عليه وسلم "العوراءُ بيِّنٌ عورُها " فهل هناك عوراء غير بين عورها ؟

الجواب: نعم، فلو فرضنا أنها لا تبصر بعينها ولكن إذا نظرت إلى العين ظننتها سليمة فهذه عوراء ولم يتبين عورها فتجزئ ولكن السلامة من هذا العور أولى ويقاس عليها العمياء من باب أولى.

لأنه إذا كان فقد العين الواحدة مانعاً ففقد العينين من باب أولى والعجفاء وهي الهزيلة التي لا مخ فيها والهزيلة التي فيها مخ أي يصل الهزال إلى داخل العظم تجزئ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال " ولا العجفاء التي لا تنقي " قال العلماء معنى لا تنقي أي ليس فيها نقي والنقي المخ يقول أهل الخبرة: أنه إذا جاء الربيع وكانت الغنم هزالاً ورعتْ من الربيع فإنها تبني شحماً قبل أن يكون فيها المخ فهذه التي بني الشحم عليها دون أن يكون لها مخ تجزئ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " العجفاء التي لا تنقي " وهذه الآن ليست عجفاء بل هي سمينة لكن لم يدخل السمن داخل العظم حتى يكون المخ إذا تجزئ

وبالله التوفيق.

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

3 + 8 =

/500
جديد الدروس الكتابية
روابط ذات صلة
الدرس السابق
الدروس الكتابية المتشابهة الدرس التالي