الدرس 155 الجزء الرابع  حكم الصلاة مع المتمسكين بالبدعة

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الأحد 26 ذو القعدة 1445هـ | عدد الزيارات: 57 القسم: تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وبعد :

إنَّ إقامةَ صلاةِ الجمعةِ واجبةٌ خلفَ كلِّ إمام بَرٍ أو فاجر ، فإذا كان الإمامُ في الجمعة لا تخرجه بدعته عن الإسلام فإنه يصلى خلفه ، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة :(ونرى الصلاة خلفَ كلِّ بَرٍ وفاجرٍ من أهل القبلة وعلى من مات منهم) انتهى .ِ

وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يُصَلُّونَ لَكُمْ، فإنْ أصَابُوا فَلَكُمْ، وإنْ أخْطَؤُوا فَلَكُمْ وعليهم "

فاعلم ، رحمك الله وإيانا ، أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقاً باتفاق الأئمة ، وليس من شروط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ، ولا أن يمتحنه فيقول له : ماذا تعتقد ؟ بل يصلي خلف مستور الحال .

ولو صلى خلف مبتدعٍ يدعو إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف.

ومَنْ ترك الجمعةَ والجماعةَ خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون الصلاة ، ففي الصحيح أن عثمان رضي الله عنه لما حُصرَ صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان فَقَالَ : إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ ، وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى ، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ ، وَنَتَحَرَّجُ ؟ فَقَالَ : الصَّلاَةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ."

والفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب .

* يجوز إقامة الجمعة بثلاثة فأكثر إذا كانوا مستوطنين في قرية لا تقام فيها الجمعة ، أما اشتراط أربعين أو اثني عشر أو أقل أو أكثر لإقامة الجمعة فليس عليه دليل يعتمد عليه فيما نعلم ، وإنما الواجب أن تقام في جماعة وأقلها ثلاثة وهو قول جماعة من أهل العلم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الصواب .

* من اكتسب مالاً من عمل التصوير أرجو ألا يكون عليكم فيه حرج لأنكم حين اكتسابه لم تكونوا متأكدين من تحريمه جهلاً بالحكم الشرعي أو لشبهة من أجاز التصوير الشمسي وقد قال الله سبحانه في أهل الربا " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " البقرة 275 ، فهذه الآيةُ الكريمةُ يستفاد منها حِلُّ الكسبِ الماضي من العمل غيرِ المشروع إذا تاب العبد إلى الله ورجع عن ذلك ، وإن تصدقتم به أو بشيء منه احتياطاً فحسن ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " ،رواه مسلم ، أما وجوب التصدق به فلا أعلم دليلا واضحا يدل عليه .

يجوز تصوير ما لا روح فيه كما أفتى بذلك تُرْجُمانُ القرآن وحبرُ الأمة عبدُ الله بنُ عباس ، رضي الله عنهما ، ودل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي ذكرنا في الجواب المفيد في حكم التصوير ، وهو أن جبريل عليه السلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع رأس التمثال حتى يكون كهيئة الشجرة ، وذلك يدل على جواز تصوير الشجر ونحوه وقد أجمع العلماء على ذلك ، لكن إذا تيسر للإنسان عمل آخر من الأعمال المباحة الطيبة فهو أحسن من عمل التصوير لما لا روح فيه لأنه قد يجر إلى تصوير ما له روح والبعد عن وسائل الشر مطلوب شرعا ، رزقنا الله وإياكم العافية من أسباب غضبه .

* إن الاتجاه للدراسة والتفقه في الدين من أفضل الأعمال وقد يجب ذلك إذا كان المسلم لم يتمكن من معرفة الأمور التي لا يسعه جهلها - أعني أمور دينه - فطلب العلم حينئذ واجب حتى يعرف ما أوجب الله عليه وما حرم عليه ويعبد الله على بصيرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " رواه البخاري ، وقال صلى الله عليه وسلم " من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا ، سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ " رواه أبو داود وصححه الألباني.

* لا ريب أن العمل في البنوك التي تتعامل بالربا غيرُ جائزٍ ، لأنَّ ذلك إعانةٌ لهم على الإثم والعدوان وقد قال الله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب " المائدة 2 ، وقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود أنه قال : " لَعَنَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ. "

أما وضع المال في البنوك بالفائدة الشهرية أو السنوية فذلك من الربا المحرم بإجماع العلماء ، ووضعُه بدون فائدة فالأحوطُ تركه إلا عند الضرورة إذا كان البنك يتعامل بالربا ، لأن وضع المال عنده ولو بدون فائدة فيه إعانة له على أعماله الربوية فيخشى على صاحبه أن يكون من جملة المعينين على الإثم والعدوان وإن لم يُرد ذلك .

فالواجب الحذر مما حرم اللهُ والتماسُ الطرق السليمة لحفظ الأموال وتصريفها .

وفق الله المسلمين لما فيه سعادتهم وعزهم ونجاتهم ويسَّر لهم العملَ السريعَ لإيجاد بنوك إسلامية سليمة من أعمال الربا إنه ولي ذلك والقادر عليه .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

7 + 3 =

/500
جديد الدروس الكتابية
 الدرس 168 الجزء الرابع المثل الأعلى - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
 الدرس 167 الجزء الرابع  حكم من قُتِل في سبيل مكافحة المخدرات - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
 الدرس 166 الجزء الرابع  العلاج الشرعي - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
 الدرس 165 الجزء الرابع  السكن مع العوائل في الخارج - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 164 الجزء الرابع تفسير آيات كريمات - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
 الدرس 163 الجزء الرابع   الإحسان للبنات - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
روابط ذات صلة
الدرس السابق
الدروس الكتابية المتشابهة الدرس التالي