الدرس 184: باب الوكالة 2

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: السبت 13 جمادى الأولى 1440هـ | عدد الزيارات: 1368 القسم: الميسر في شرح زاد المستقنع -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين..أما بعد؛

قوله:"ويجوز التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه لا الظهار واللعان والأيمان وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها وليس للموكل أن يوكل فيما وكل فيه إلا أن يجعل إليه".

قولهالمصنف: "ويجوز التوكيل في كل حق ادمي من العقود" أي يجوز أن يوكل في البيع والإجارة والرهن والوقف.

قوله :" والفسوخ " وترد على كل عقد

مثاله: إنسان اشترى شيئاً معيبا، ووكل إنساناً أن يفسخ البيع مع البائع وقال: أنا اشتريت هذا البيت من فلان ووجدت فيه عيباً وأنا لن أنازعه لقرابته مني وقد وكلتك أن تفسخ البيع، فهذا جائز .

قوله: "والعتق" فيصح أن يوكل شخصاً في إعتاق عبده؛ لأن هذا يصح التوكيل في عقده فصح التوكيل في عتقه.

قوله:"والطلاق:" أن يوكل فيه فيقول يا فلان وكلتك أن تطلق زوجتي، وذلك بإثبات طلاقها في المحكمة.

ويصح أن يوكل زوجته في طلاق نفسها ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خير نساءه بين أن يردن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو يردن الحياة الدنيا، ففي صحيح البخاري عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:" لَمَّا أُمِرَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتَخْيِيرِ أزْوَاجِهِ بَدَأَ بي؛ فَقالَ: إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أمْرًا، فلا عَلَيْكِ ألَّا تَعْجَلِي حتَّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: وقدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكونَا يَأْمُرَانِي بفِرَاقِهِ، قالَتْ: ثُمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قالَ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} إلى {أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28 - 29] ، قالَتْ: فَقُلتُ: فَفِي أيِّ هذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟! فإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسولَه والدَّارَ الآخِرَةَ، قالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أزْوَاجُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِثْلَ ما فَعَلْتُ.".

فتقول طلقت نفسي من موكلي فلان.

قوله:" والرجعة:" يصح التوكيل فيها بأن يقول لشخص حين طلق زوجته وكلتك في مراجعتها.

ومعلوم أن مدة الرجعة قبل انتهاء عدة الطلاق وهي ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر لليائسة من الحيض لكبرها أو لصغر سنها.

وقوله:" وتملك المباحات من الصيد " أي التى لم تكن على ملك الغير مثل الكلأ والصيد فيقول وكلتك أن تصيد لي طيراً أو أرنباً. فيقول قبلت ويأخذ البندقية ويذهب ويصيد فعلى كلام المصنف يجوز، والصحيح أنه لا يجوز التوكيل في تملك المباحات؛ لأن الموكل حين التوكيل لا يملكها فلا يملك التصرف فيها.

وقوله: والحشيش: أي ما تنبته الأرض ونفس ما قاله رحمه الله في الصيد قاله في الحشيش، وقوله: ونحوه: أي من الأشياء المباحة كأخذ الكمأة فإنها لا تعد من الحشيش؛ ولهذا يجوز أن يستخرج الإنسان الكمأة ولو في أرض مكة لأنها ليست من الحشيش.

فنقول له: افعل ذلك أو تكليف شخص آخر بذلك في استخراجها بدون وكالة بل تكليف فقط.

وقوله:" لا الظهار واللعان والأيمان" فهذه لا يجوز فيها الوكالة لأنها متعلقة بالفاعل نفسه فلو وكل شخصاً بالظهار من امرأته وذهب الرجل إلى المرأة وقال لها أنت على زوجك كظهر أمه عليه فلا يثبت الظهار لأن العقد يتعلق بالفاعل نفسه فلا يصح أما اذا وكله بالطلاق فيصح لأنه فسخ.

فالتوكيل بالظهار لا يصح لأنه إذا أراد الزوج الرجوع فعليه الكفارة وإذا كانت الكفارة تتعلق بالموكل فإنه لا يصح التوكيل فيه .

وقوله: واللعان: أيضا لا يصح التوكيل فيه وهو مشتق من الملاعنة وهي أيمان مؤكدة بشهادات سببها ما يكون بين الزوج وزوجته إذا رماها بالزنا والعياذ بالله فقال إن امرأته زنت فهذا له حالات ثلاث.

أولاً: إن أقرت الزوجة بذلك ارتفعت عنه العقوبة ووجبت العقوبة على الزوجة وهي رميها بالحجارة حتى الموت.

ثانياً: إن أنكرت وأتى ببينة ارتفعت عنه العقوبة ووجب الحد على الزوجة وهو رميها بالحجارة حتى تفارق الحياة.

ثالثاً: إن أنكرت ولم يجد بينة فيُجرى اللعان ويفرق بينهما إذ يشهد الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ويقول في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.

وإذا لا عن ثم نكلت الزوجة وجب عليها الحد لأنه يكون كإقامة البينة فقول الله عز وجل{وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:8].والعذاب هو الحد.

فإذا أراد الزوج أن يلاعن زوجته لإثبات ما ادعاه عليها من الزنا و أراد أن يوكل من يلاعن عنه فلا يصح لأن اللعان يتعلق بالزوج نفسه فالوكيل لا يجوز أن يقول : وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، وهو لم يقذف وكذلك المرأة لا توكل من يلاعن عنها.

وقوله:و الأيمان : لا تصح فيها الوكالة فلو أن عمرو ادعى على زيد بألف درهم ولا بينة عنده فالحكم أن يقسم زيد المدعى عليه يمينا بأنه لا حق لعمرو عليه؛ لقول عبد الله بن عباس:" أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَضَى باليَمِينِ علَى المُدَّعَى عليه. " صحيح مسلم

قوله:" وفي كل حق تدخله النيابة من العبادات ".

أي وتصح النيابة في كل حق لله تدخله النيابة و حق الله ينقسم إلي ثلاثة أقسام:

القسم الأول: يدخله التوكيل مطلقاً وهو كل العبادات المالية كتفريق صدقة وزكاة و كفارة .

القسم الثاني: العبادات البدنية لاتصح فيها الوكالة مثل الصلاة والوضوء و التيمم وما أشبهها فهذه عبادات بدنية تتعلق ببدن الإنسان فلا يمكن أن تدخلها النيابة.

أما الصيام فليس من باب الوكالة ولكنه من باب القيام مقام الشخص بأمر من الشرع لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" مَنْ مَاتَ وَعَلَيِّهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ".أخرجه البخاري و مسلم.

وليس هذا من باب الإلزام بل من البر للميت لأن الميت ليس من حقه أن يوصي بالصيام عنه بعد موته فإن كان ترك الصيام لعذر شرعي ومات ولم يتمكن من الصيام فلا شئ عليه وإن كان تفريط منه فهو آثم إلا أن يتبرع أحد من أقاربه فيصوم عنه تفضلاً منه لا أمرا للوجوب عليه .

القسم الثالث : من العبادات و هو الذي يصح فيه التوكيل مثل الحج.

والحج كغيره من العبادات والأصل فيه عدم جواز التوكيل لأنه عبادة و الأصل في العبادة أنها مطلوبة من العابد غير أنه وردت النيابة فيه عن صنفين من الناس:

الأول: من مات قبل اداء الفريضة، فإنه يحج عنه لثبوت ذلك بالسنة ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما." أنَّ امْرَأَةً مِن جُهَيْنَةَ جاءَتْ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حتَّى ماتَتْ؛ أفَأَحُجُّ عَنْها؟ قالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْها؛ أرَأَيْتِ لو كانَ علَى أُمِّكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ؛ فاللَّهُ أحَقُّ بالوَفاءِ.".

الثاني من كان عاجزاً عن الفريضة عجزاً لا يرجى زواله فهذا جاءت السنة بالحج عنه، ففي صحيح أبي داود للألباني، "عن أبي رزينٍ رجلٌ من بني عامرٍ أنَّهُ قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لاَ يستطيعُ الحجَّ ولاَ العمرةَ ولاَ الظَّعن. قالَ: احجُجْ عن أبيكَ واعْتَمِرْ.".

وعليه فإذا عجز الإنسان عن الحج بعد وجوبه عليه مع قدرته مالياً و العجز لا يرجى زواله كالكبر و المرض الذي لا يرجى برؤه فينوب من يحج عنه ولو وكل في حج الفريضة وهو قادر فلا يصح لأن هذه الوكالة فاسدة و الفاسد وجوده كعدمه .

و النافلة إذا وكل فيها شخص مريض مرضاً لا يرجى برؤه فحج عنه هذا الوكيل فهذا لا يجوز لأن هذا إنما ورد في حج الفريضة .

و أما الشهادتان فلا يجوز التوكيل فيها مطلقاً فلو قال شخص غير مسلم يا فلان أنا أريد أن أسلم لكن وكلتك أن تشهد عني فلا يصح فالقاعدة أن الأصل في العبادات منع التوكيل فيها لأن التوكيل يفوت المقصود من العبادة وهو التذلل لله عز وجل و التعبد له و يقتصر فيها على ما ورد.

وبالله التوفيق

وصلى الله على نبينا محمد.

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

1 + 7 =

/500
جديد الدروس الكتابية