الدرس 342 ‌‌الركن الأول من أركان الإسلام: معناه ومقتضاه

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الإثنين 12 شوال 1447هـ | عدد الزيارات: 14 القسم: تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
إن الله عز وجل بعث نبيه محمداً ﷺ إلى الثقلين كافة، عرباً وعجماً، جنّاً وإنساً، داعياً إياهم إلى توحيد الله والإخلاص له، والإيمان برسالته وبكل ما جاء به، مع وجوب الإيمان بجميع المرسلين والملائكة والكتب المنزلة واليوم الآخر والقدر خيره وشره، مع اليقين بأن كل ما يقع في هذا الكون إنما هو بقضاء الله وقدره ومشيئته النافذة التي أحاطت بكل شيء علماً وكتابة.
وقد جعل النبي ﷺ الركن الأول من أركان الإسلام وأول ما دعا إليه هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا أن استمساك المشركين بعبادة الأوثان جعلهم يستنكرون هذه الدعوة ويستكبرون عنها، كما ذكر الله عن قريش قولَه: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، وقوله سبحانه في وصف حالهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36)} [الصافات: 35-36].
وهذه الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك هي الجوهر المشترك لرسالات جميع الأنبياء السابقين، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]،
وقد تأكدت هذه الأصول في السنة النبوية المطهرة، كما في قوله ﷺ: «بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت» [قلت: رواه البخاري ومسلم]، وكما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أتاه جبريل عليه السلام في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر [قلت: رواه مسلم]، ليبيّن للناس معالم دينهم وأركانه الأساسية.
فحينما صدع النبي ﷺ بدعوته آمراً الناس بكلمة التوحيد والإيمان برسالته، واجه استنكاراً وامتناعاً من أكثرهم، حيث تعجبت قريش من إفراد الله بالعبادة وترك ما ألفوه من تعدد الآلهة، كما حكى القرآن عنهم في قوله تعالى: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، وواجهوا دعوة الحق بالاستكبار والطعن في صاحبها ﷺ، كما قال سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 35-36]؛ وذلك لتمسكهم بما نشؤوا عليه من عبادة الأصنام والأنداد مع الله.
وهذه الدعوة المحمدية إلى الإخلاص والتوحيد هي الامتداد لرسالات الأنبياء كافة، كما قال عز وجل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
فقد جاء في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام أتى النبي ﷺ في هيئة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يظهر عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد، ليسأله عن مراتب الدين تعليمًا للصحابة؛ فأجابه النبي ﷺ بأن الإسلام هو: «أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً» [قلت: رواه مسلم].
ثم سأله عن الإيمان فأخبره ﷺ أنه: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وختم ببيان الإحسان وهو: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» [رواه مسلم].
وقد بين النبي ﷺ لأصحابه أن هذا السائل هو جبريل عليه السلام جاء ليعلمهم معالم دينهم العظيم، الذي يقوم على أركان خمسة ظاهرة هي الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، وعلى أصول ستة باطنة مستقرة في القلب؛ فيوقن العبد بأن الله هو ربه وإلهه الحق، ويؤمن بملائكته وكتبه التي أنزلها كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، ويصدق بجميع الرسل الذين أرسلهم الله لهداية الخلق، وأولهم نوح وآخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام، كما يؤمن باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
فمن تمام أصول الإيمان وجوب الإيمان باليوم الآخر، وهو التصديق بالبعث بعد الموت والحساب والجزاء وسائر أحوال الآخرة؛ حيث ينال أهل الإيمان السعادة والجنة، بينما يبوء أهل الكفر بالخيبة والندامة والنار، مع ضرورة الإيمان بالقدر خيره وشره، واليقين بأن الله قد علم الأشياء وكتبها وأحصاها، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل ما يقع في الوجود من طاعة أو معصية قد سبق به علم الله وقدره.
وهذا الأصل العظيم الذي اتفقت عليه الرسل قاطبة هو الإيمان بأن الله هو الإله الحق وحده، وهو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ومعناها: لا معبود حق إلا الله، فكل ما عُبد من دون الله من أصنام أو أشجار أو أحجار أو حتى أنبياء وأولياء وملائكة فعبادتهم باطلة، والعبادة الحق هي لله وحده سبحانه وتعالى، مصداقاً لقوله عز وجل: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163].
فإن الأصل العظيم في توحيد الله وإخلاص العبادة له لا بد أن يقترن بالإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام منذ عهد آدم عليه الصلاة والسلام؛ فكان على ذريته اتباع ما أوحي إليه من العلم والعمل القائم على التوحيد، وكذلك الشأن في عهد نوح عليه السلام الذي يعد أول الرسل إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك فيهم، إذ كان الناس قبله على التوحيد الذي بعث الله عليه آدم وعلّمه ذريته. وهكذا استمرت دعوة الرسل كصالح وهود وغيرهم، فكان على كل أمة الإيمان برسولها واتباع ما جاء به مع إفراد الله بالعبادة، وصولاً إلى عهد عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وهو آخر أنبياء بني إسرائيل.
وقد ختم الله الرسالات ببعثة أفضل الرسل وإمامهم نبينا محمد ﷺ، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين جميعاً ولا نبي بعده، مما يوجب على الثقلين من الجن والإنس، بكافة أجناسهم وطبقاتهم، الإيمان به وبجميع من سبقه من الأنبياء، والتزام شريعته.
فإن الإيمان لا يصح ولا يستقيم إلا بتحقيق ركني الشهادة؛ بالإيمان بأن الله هو الإله الحق وحده، والإيمان بأن محمداً ﷺ هو رسول الله حقاً إلى الناس كافة، فمن لم يؤمن بهاتين الشهادتين معاً فليس بمسلم. ومقتضى شهادة "لا إله إلا الله" هو إفراد الله بالعبادة واعتقاد أنه لا معبود حق سواه، فلا يجوز صرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو ولياً أو صنماً.
وعليه، فإن طلب النصرة أو الشفاء أو المدد من الأموات -كقول "يا رسول الله انصرني" بعد وفاته، أو الاستغاثة بغيره من الأنبياء والصالحين- يعد من الشرك الأكبر الذي يبطل معنى "لا إله إلا الله"؛ لأن صاحبه أشرك مع الله غيره في الدعاء الذي هو محض العبادة، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].
لقد أمر الله العباد بالإخلاص في قوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وأوجب حصر العبادة فيه بقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]، وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: «الدعاء هو العبادة» [قلت: رواه الترمذي،وصححه الألباني ]، فالدعاء حق خالص لله الذي قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].
فإن الدعاء هو لُبُّ العبادة، وصرفه لغير الله كالموتى أو الأشجار أو الأصنام بطلب الغوث أو النصر أو الشفاء يعد شركاً أكبر ناقضاً لشهادة "لا إله إلا الله". وكذلك الشأن في شهادة أن "محمداً رسول الله"؛ فهي تقتضي التصديق الجازم برسالته وبأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، فمن كذبه، أو شك في عموم رسالته لجميع الثقلين (الجن والإنس)، أو زعم أنه بُعث للعرب دون العجم، أو ادعى وجود نبي بعده، فقد كفر كفراً أكبر ونقض إسلامه.
ومن هنا يتبين ضلال القاديانية ومن تبعهم في الإيمان بنبوة ميرزا غلام أحمد؛ إذ إن عقيدتهم تصادم أصل ختم النبوة بمحمد ﷺ، وهو الذي أجمع الصحابة رضي الله عنهم على كفر من ادعاها بعده -كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وسجاح والمختار بن أبي عبيد- وقاتلوهم على ذلك. وهذا الإجماع مستمد من صريح القرآن في قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، ومن تواتر السنة النبوية عنه ﷺ في قوله: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» [قلت:صححه الألباني في صحيح الجامع].
فهذه الشهادة بشقيها هي الأصل الأصيل والركن الأول الذي لا يستقيم إسلام المرء إلا بتحقيقه قولاً واعتقاداً وعملاً.
فإنه لا يتحقق الإسلام إلا باجتماع ركني الشهادة قولاً وعملاً وعقيدة؛ فمن أتى بالشعائر الظاهرة من صلاة وزكاة وصيام وحج وهو لا يعتقد استحقاق الله وحده للعبادة، أو جوّز عبادة الأوثان والأولياء والملائكة والاستغاثة بهم والنذر لهم، فقد أبطل إسلامه وصار مشركاً بالله عز وجل كحال المنافقين. فاعتقاد جواز صرف العبادة لغير الله -كالبدوي أو الحسين أو عبد القادر أو علي بن أبي طالب رضي الله عنهم- هو نقض صريح لشهادة "لا إله إلا الله"، وموجب لحبوط العمل بنص القرآن الكريم في قوله سبحانه: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88]،
وكذلك الحال في شهادة أن محمداً رسول الله؛ فمن زعم أنه ليس بخاتم الأنبياء، أو أنه بُعث للعرب خاصة دون سائر الثقلين، فهو كافر بإجماع أهل العلم وبصريح النصوص الشرعية.
فلا بد للمكلف من اليقين بعموم رسالته وختمها، وبالتصديق الجازم بجميع الأنبياء السابقين وأنهم بلغوا رسالات ربهم كاملة.
وبتحقيق هذا الأصل الأصيل في القلب واللسان، يُطالب المسلم بعد ذلك بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وسائر الأوامر واجتناب النواهي.
ولابد أيضا مع هذا كله من التصديق بما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم مما كان وما سيكون في آخر الزمان وفي يوم القيامة.
وبالله التوفيق

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

9 + 9 =

/500
جديد الدروس الكتابية
روابط ذات صلة
الدرس السابق
الدروس الكتابية المتشابهة الدرس التالي