الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛
قوله:"... فإن فعل رد حصته في الشركة ولا يقسم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما، وإن تلف رأس المال أو بعضه "بعد التصرف" أو خسر جبر من الربح "قبل قسمته أو تنضيضه".
فصل: الثالث: شركة الوجوه: أن يشتريا في ذمتيهما بجاهيهما فبينهما وكل واحد منهما وكيل صاحبه كفيل عنه بالثمن والملك بينهما على ما شرطاه والوضيعة على قدر ملكيهما والربح على ما شرطا.
الرابع: شركة الأبدان: أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله وتصح في الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه.
الخامس: شركة المفاوضة: "أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة والربح على ما شرطاه والوضيعة بقدر المال" فان أدخلا فيها كسبا أو غرامة نادرين، أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه فسدت".
قول المصنف: " فإن فعل رد حصته في الشركة " أي ضارب العامل بمال الآخر وحصل له ربح في المضاربة الثانية فإنه يرد حصته من هذا الربح في الشركة الأولى فكأنه ربح من المال الأول لأن وقت المضارب مستحق لصاحب المال الأول .
مثال ذلك: رجل أعطى شخصا مائة ألف ريال مضاربة على النصف ثم إن هذا العامل أخذ مضاربة من شخص آخر مائة ألف ريال فربحت مائة ألف الأول عشرة آلاف ريال فيكون نصيب العامل خمسة آلاف ريال وربحت المائة ألف الثانية مائة ألف ريال فيكون نصيب العامل خمسين ألف ريال فنضيف خمسة آلاف مع خمسين ألف لأن نصيب العامل من المضاربة الثانية خمسين ألف ريال فنضيف الخمسين ألف إلى الخمسة آلاف فكأن المضاربة الأولى ربحت خمس وخمسين ألف ريال ولا نقر المصنف على هذا، فإنه لا يستحق من ربح المضاربة الثانية شيئا؛ لأنها ليست من ماله وإنما هي من كسب العامل والعامل أخطأ في كونه يضارب بمال الآخر مع الإضرار بالأول .
قوله: " ولا يقسم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما " أي لا يقسم الربح مع بقاء العقد إلا باتفاقهما أما إذا فسخ العقد فيقسم الربح لانتهائه لأن الربح وقاية لرأس المال وما دام العقد باقيا فإنه إذا طلب أحدهما قسمة الربح فإنه لا يقسم إلا باتفاقهما لأن الحق لهما .
قوله " وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف " إن تلف رأس المال فلا يخلو من حالين إما أن يكون قبل التصرف وإما أن يكون بعده فإن كان قبل التصرف انفسخت الشركة لأن المال المعقود عليه تلف ولا يلزم رب المال بدله إما بعد التصرف فيقول رحمه الله: " أنه يجبر من الربح إذا تلف رأس المال أو بعضه " .
مثاله: إنسان مضارب اتجر وجعل الدراهم في الصندوق وكانت خمسة آلاف وصارت بالربح عشرة آلاف فسرق منها خمسة آلاف يقول المصنف: " جبر من الربح " وتبقى الخمسة الباقية لرب المال لأن الخسارة قبل القسمة والتنضيض فتكون من الربح .
قوله :" أو خسر " إذا خسر أيضا يجبر من الربح .
مثال ذلك: اتجر شخص برأس مال قدره مائة ألف ريال فصارت مئة وخمسين ألف فأخذ الخمسين وهي الربح ووضعها في المصرف ثم اتجر بمئة ألف وخسر عشرة آلاف وصارت تسعين ألف ريال فإننا نأخذ العشرة آلاف مقدار الخسارة من الربح ويكون الربح على هذا أربعين ألف ريال؛ ولهذا قال: " أو خسر جُبر من الربح " .
وقوله: " قبل قسمته " فإن قُسم فكل واحد منهما أخذ نصيبه .
مثاله: قدرنا أن رأس المال مائة ألف ريال والربح كان مقدر بخمسين ألف ريال واتفق رب المال والعامل على أن يقسم الربح فأخذ العامل نصيبه من الربح وهو خمس وعشرين ألف فيبقي عندنا خمس وعشرين من الربح ومائة ألف من رأس المال فنقول لرب المال الخمسة والعشرين هذه إن شئت اجعلها رأس مال وإن شئت خذها لكن العامل بعد أخذ نصيبه خسر المال فلا نقول للعامل أعطنا ما أخذت من الربح لأنه ملكه بعد القسمة .
وقوله: " أو تنضيضه " أي تحويله إلى نقد والتنضيض أي التصفية فلو خسر بعد التصفية فالضمان على رأس المال لأنه نُض وعرف العامل نصيبه وصُفيت الشركة وهذا رأي المصنف ، والصحيح أنه إذا كان التنضيض يعني فسخ الشركة أو المطالبة بالقسمة فكما قال المصنف وأما إذا كان التنضيض أي التصفية من أجل أن يشتري بضاعة أخرى فلا .
مثال ذلك: اشترى العامل سيارات ليؤجرها من أجل الربح وبعد دراسة المشروع باعها خوفا من الخسارة بخمس مائة ألف ريال على أمل أن يشتري بها نوعا آخر من البضائع يؤمل أنه أفيد فنقول هذا التنضيض ليس تنضيض قسمة ولا تنضيض فسخ إنما هو تنضيض لمصلحة الشركة فأي خسارة تكون قبل القسمة أو فسخ الشركة فهي على الربح ورأس المال.
قوله " الثالث شركة الوجوه " أي الثالث من أنواع شركة العقود لأن المصنف قال في الأول: وهي أنواع ، والمراد بالوجه هنا الجاه، وجاه الإنسان يعني شرفه وقيمته عند الناس ومنزلته بينهم .
قوله: " أن يشتريا في ذمتيهما بجاههما فما ربحا فبينهما "
مثال ذلك: عاملان كلاهما فقير ذهبا إلى رجل غني فقالا له نريد أن نشتري منك هذه السيارة بمائة ألف في ذمتينا فهذه تسمى شركة الوجوه لأنهما اكتسبا السيارة بجاههما وثقة الناس بهما فقال صاحب السيارة بعتها عليكما ولو كانا على عكس ما ذكرا ما باعهما .
فشركة الوجوه معناها أن الشريكين ليس لهما مال وإنما لهما الذمة والجاه والاعتبار عند الناس .
وهذه الشركة يحتاج إليها الفقراء الأقوياء على الكسب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة " لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب " أخرجه مسلم عن قبيصة .
قوله: " فما ربحا فبينهما " أي على حسب ما شرطاه فقد يكون أحدهما أحذق من الآخر فيشترط له من الربح أكثر وإن تساويا فالربح بينهما مناصفة .
قوله:" وكل واحد منهما وكيل صاحبه " وإن لم يصرحا بالتوكيل فإن هذا مقتضى الشركة .
قوله: " وكفيل عنه بالثمن " كفيل بمعنى ضامن أي غارم عن صاحبه لو هرب مثلا .
قوله " والملك بينهما على ما شرطاه " إذا قالا ثلث لعلي وثلثان لعثمان أو العكس فلا حرج .
قوله: " والوضيعة " أي الخسارة
قوله: " على قدر ملكيهما " فإذا اتفقا على أن يكون لعلي الثلث ولعثمان قدر الثلثين وخسر المال فيكون على قدر اتفاقهما السابق لأن الوضيعة على قدر المال في جميع الشركات .
قوله: " والربح على ما شرطاه " لأنه ربما يشترطان لأحدهما أكثر من ربح ماله لكونه حاذقا في البيع والشراء .
ولو قدر أن المال تلف بغير تعد ولا تفريط فإنهما يضمنان لأنهما أخذا هذا المال على أنه ملك لهما عليهما غرمه ولهما غنمه لأن هذا بيع وشراء فقد تم هذا البيع والشراء على هذين المشتركين فكانت الغرامة عليهما كما أن الغنيمة لهما .
قوله:" شركة الأبدان أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما ."
شركة الأبدان شركة في العمل بأن يشترك اثنان فيما يكتسبانه بأبدانهما لا بماليهما .
قوله :" فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله".(ما): شرطية، و(تقبله) فعل الشرط، و(يلزمهما) جواب الشرط، ومعنى العبارة: أن أي عمل يتقبله أحدهما فإنه يلزم الجميع، ومعنى يتقبل أي يلتزم به فما التزم به أحدهما من عمل لزم الجميع، فمثلا: اشترك اثنان في الحدادة فجاء شخص وقال لأحدهما اصنع لي بابا فوافق على صنع الباب فلو أنه لم يلتزم فإنه يلزم الثاني أن يصنع الباب لأنهما شريكان متضامنان فما تقبله أحدهما لزم الآخر ومع اختلاف الصنائع مثل أن يكون أحدهما خشابا والثاني حدادا فإذا التزم الخشاب أن يصنع بابا من خشب فلم ينفذ يلزم الحداد أن ينفذ لأنهما شريكان فيقال للحداد: اصنع باب الخشب، فإذا لم يكن يعرف يستأجر من يصنعه وكذلك العكس، وهذا هو مذهب الإمام أحمد .
قوله:" وتصح في الاحتشاش والاحتطاب ."
مثل أن يخرج رجلان إلى البر ليأتيا بالحشيش ويبيعانه في السوق ومثله الحطب .
فكل واحد منهما جاء بحزمة من الحشيش أو الحطب فعلى حسب ما يتفقان عليه ويكون الملك والربح على ما شرطاه .
والفرق بينهما وبين شركة الوجوه أن شركة الوجوه يأخذان المال من ثالث ويعملان بأبدانهما أما هذه فلا يأتي أحدهما بالمال وإنما يشتركان في العمل .
قوله :" وسائر المباحات ."
من المباحات التقاط السمك والجواهر وما أشبه ذلك من البحر فهذه جائزة وهي شركة الأبدان .
ومنها الاشتراك في جمع الكمأة وهي " الفقع " تنبت في البر فيأخذانها ويبيعانها .
ومنها الاشتراك أيضا في الصيد مثل أن يذهبا إلى مكان يكثر فيه الصيد واشتركا فهذه أيضا شركة أبدان .
قوله :" وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما ": على ما شرطاه إذا كان النصف أو الربع أو الثلث مع أن هذا المريض لم يعمل لكنه ترك العمل لعذر ولصاحبه أن يفسخ الشركة وله أن يطالبه بمن يقوم مقامه لأن هذه شراكة أبدان ولابد أن يشترك الشريكان في العمل .
قوله: "وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما ": لو ترك العمل لغير عذر فالمذهب الكسب بينهما .
والصواب أن ما كسبه صاحبه في هذا اليوم له أن يختص به .
قوله :" وإن طالبه الصحيح ": أي الذي لم يمرض .
قوله :" أن يقيم مقامه لزمه" :
إن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه فإن أبى فللآخر فسخ الشركة فيقول إذا كنت لا تقيم معي من يقوم مقامك فإني أفسخ الشركة لأنه لما تعذر العمل من قبل صاحبه ولا يمكن أن ينفرد هذا بالعمل صار له حق الفسخ رغم أن العقد تم بينه وبين صاحبه وهما شريكان .
قوله : "الخامس شركة المفاوضة ".
والمفاوضة شركة عامة لجميع أنواع الشركات السابقة وهي أربع العنان والمضاربة والوجوه والأبدان، وشركة المفاوضة أن يشتركا في جميع أنواع الشركة.
قوله:" أن يفاوض كل منهما إلى صاحبه ."
كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة فيفوض كل واحد منهما للآخر كل نوع من أنواع الشركة مضاربة عنان وأبدان ووجوه وهي عامة .
وهذه عليها عمل كثير من الناس اليوم .
وأكثر الشركات اليوم على هذا فتجد الشركاء مثلا كل واحد منهم يبيع بمؤجل ويضارب ويسافر بالمال ويقرض المال .
واختلف الفقهاء بين مجيز ومانع والصواب هو ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله أنها جائزة والحاجة تدعو إليها وعمل الناس اليوم على هذا .
إذاً أنواع الشراكة أربعة والخامسة المفاوضة وهي تجمع الأنواع الأربعة .
قوله: "والربح على ما شرطاه ": أي إذا قال أحدهما للآخر لك الربع ولي ثلاثة أرباع وقبل فإنه جائز فالثلث والثلثان والنصف جائز .
والربح مبني على العمل والحذق فقد يكون أحدهما أحذق من الآخر وأقوى عملا .
قوله :" والوضيعة بقدر المال" : هذه قاعدة
الوضيعة بقدر المال في جميع أنواع الشركة لأنه لا يمكن أن نلزم أحدهما غرم صاحبه أما الغنم فالإنسان كاسب على كل حال حتى لو نقص غنمه عن غنم ماله فلا بأس .
فالربح على ما شرطاه فيجوز أن يبذل كل واحد منهم مئة ألف ويكون الربح ثلاثة أرباع فإنه جائز .
والوضيعة إذا كان كل واحد أتى بمئة ألف ريال لا يمكن أن تكون على هذا ثلاثة أرباع والآخر ربع ؛ لأننا إذا حملنا غرم أحدهما على مال الآخر، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا حيف وجور فالوضيعة على قدر.
قوله: فإن أدخلا فيها كسبا أو غرامة نادرين . الكسب النادر كالركاز مثلا فالركاز كسب نادر واللقطة نادرة فمتى تجد اللقطة ثم إذا وجدتها فمتى تعدم صاحبها، فربما تنشد ثم يأتي صاحبها فلا تكسب .، فهذه من المكاسب النادرة إذا أدخلت في شركة المفاوضة بأن قال حتى ما نجده من لقطة فهنا يقول المؤلف . الشركة لا تصح لأنهما أدخلا فيها كسبا نادرا .
وقوله :" أو غرامة ": الغرامة النادرة كالجناية
فمثلا إنسان جنى على شخص خطأ ولزمته دية ما جنى فهذه حكمها على الجاني لكن لو أدخلاها في ضمن الشركة لم يصح لأنه ربما تكون هذه الغرامة مجحفة بمال الشركة كله فلا يصح هذا الشرط والمذهب أنه فاسد مفسد لأنه يعود بجهالة الربح والأصل كل شرط يعود إلى الشركة بجهالة الربح فهو فاسد مفسد لها .
قوله:" أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه فسدت ".
هذا غير الغرامة فالغرامة تأتي بغير اختيار الإنسان والغصب باختياره مثل أن يقولا نحن شركاء مفاوضة لكن ما لزم أحدنا من ضمان غصب فهو على الشركة فوافق الآخر فاتفقا على هذا فالمصنف يقول: الشركة فاسدة وهو الصحيح؛ لأن هذا قد يجحف بمال الشركة، ولأنه ربما يكون هذا الشريك يغير على الناس ويغصب أموالهم، فإذا أدخلا في الشركة ما يلزم أحدهما من ضمان الغصب والاتلافات وما أشبه فإن الشركة تكون فاسدة لأنه يترتب على ذلك أن يتعدى أحدهما على حقوق الناس بالغصب والسرقة والتكسير والإحراق وغير ذلك، ويقول على الشركة وهذا ضرر عظيم .
وقوله:" ونحوه .. " كخيانة في أمانة وما أشبه ذلك .
والخلاصة أن شركة المفاوضة ما كان من ربح المال أو من عملهما فهو داخل في الشركة والخسارة ما كان من تصرف أحدهما في المال بغير عدوان منه ولكن لمصلحة المال فهو على الشركة لأن ذلك لمصلحتهما وليس كل إنسان يجتهد يكون مصيبا .
وبالله التوفيق