الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
قوله:" فإن رده المقترض لزم قبوله وإن كانت مكسرة أو فلوسا فمنع السلطان المعاملة بها فله القيمة وقت القرض ويرد المثل في المثليات والقيمة في غيرها، فإن أعوز المثل فالقيمة إذا "
قول المصنف: (فإن رده المقترض لزم قبوله) الهاء في قوله (رده) تعود على المُقرَض إن (رد المقترض) على المقرض (لزمه) أي: لزم المقرض قبوله، لأنه عين مال لكن بشرط ألا يتغير، وألا يكون متقوماً، لأنه لما أقرضه ثبتت القيمة في ذمته، فيقول أنا لم يثبت لي المثل، لكن وجبت لي القيمة فأعطني القيمة.
وظاهر كلام المصنف حتى وإن كان المستقرض انتفع به في هذه المدة، فإنه يلزم المقرض قبوله، لا سيما إن كان قد اقترضه وهو جديد، ثم استعمله ولو لمدة يسيرة، فسوف تنقص قيمته بلا شك.
والصحيح أنه لا يلزم المقرض قبوله سواء تغير أم لم يتغير، فإذا قال المقترض للمقرض هذا مالك أنا رددته عليك، فقال له أنت اقترضته وقبضته، فصار ملكاً لك، فلا يلزمني أن أقبله وأدخله ملكي.
قوله (وإن كانت) يعني العين المقرضة، (مكسرة) أي: المجزأة الدراهم له ربع ونصف من الفضة، (أو فلوساً) الفلوس هي كل نقد من غير الذهب والفضة، مثل النقد المعدني الآن، ومنذ زمن يسمى فلوساً جمع فلس.
قوله: (فمنع السلطان المعاملة بها) أي: ألغاها، قال العلماء: يحرم على السلطان أن يحرم السكة الجارية بين الناس، لما في ذلك من الضرر العظيم، ما لم تدعو الحاجة إلى ذلك مثل الغش والتلفيق وما أشبه ذلك، فيرى السلطان أن من المصلحة أن يحْرم التعامل بها
قوله (فله) أي للمقرض، (القيمة وقت القرض)، لأنه كالعيب فلا يلزمه قبولها، وسواء كانت باقية أو استهلكها، ، وتكون القيمة من غير جنس الدراهم، وكذلك المغشوشة إذا حرمها السلطان.
قوله: (ويرد) المقترض (المثل) أي مثل مااقترضه، (في المثليات) لأن المثل ٌرب شبها من القيمة، فيجب رد مثل فلوس غلت أو رخصت،أو كسدت، ويرد (والقيمة) أي يرد القيمة ( في غيرها) من المتقومات، وتكون القيمة في جوهر ونحوه يوم قبضه، وفيما يصح سلم فيه يوم قرضه.
قوله:(فإن أعوز المثل فالقيمة إذاً) ويصح (فالقيمةَ) بالنصب، والتقدير فيرد القيمةَ، فقوله (فإن أعوز المثل) أي: أعسر أو تعذر، بمعنى أنه عند الوفاء لم يجد المقترض مِثْلا فنرجع إلى القيمة، والعلة أنه إذا تعذر الأصل رجعنا إلى البدل وهو القيمة، حتى في العبادات {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [البقرة: 196]
والإعواز يكون بأمور:
أولاً: العدم، بأن ينقطع من السوق فلا يوجد
ثانياً: الغلاء الفاحش، فمثلاً هذا الشيء يساوي تسعة فارتفع في السوق حتى صار يساوي مائة، فهذا غلاء فاحش مضر بالمقترض
ثالثاً: البعد الشاق بأن يكون موجوداً، لكن نحن الآن في الخرج، وهو موجود في طوكيو عاصمة اليابان
وقوله (فالقيمة إذاً) أي: وقت الإعواز، فإن أعوز فإنه يرد القيمة وقت الإعواز، أي: قبل أن يعدم، فإذا قال المقرض أنا أريد المثل، فقال له المقترض ليس موجودا، إلا في بلاد بعيدة، قال اذهب واشتره، فلا يلزمه، لأنه إذا اشتراه سيأتي بأضعاف أضعافه، فيصل إلى بلد المقرض بأضعاف أضعاف القيمة، وهذا إضرار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) أخرجه أحمد وحسنه الألباني
قوله (ويحرم كل شرط جر نفعا) يحرم يعني في القرض كل شرط يشترطه المقرض يجر إليه نفعا، أما إن كان يجر نفعا إلى المستقرض فهو الأصل
إذاً كل شرط جر نفعا للمقرض فهو محرم
وقوله (كل شرط) الشرط يقع في هذه الحال من المقرض، وهو حرام على المقترض لموافقته على المحرم، فيكون من باب التعاون على الإثم والعدوان، لكن الأصل أن الشارط هو المقرض
وقوله (يحرم كل شرط جر نفعا) مثال ذلك: جاء رجل إلى شخص، وقال أريد أن تقرضني ألف ريال، قال ليس لدي مانع، لكن أسكن بيتك لمدة تسعة أيام، فهنا القرض جر نفعا للمقرض، فهذا حرام
ونرد على من قال المسلمون على شروطهم، ونقول نعم المسلمون على شروطهم، إلا شرطا أحل حراماً أو حرم حلالاً، وهذا أحل حراما، وذلك أن الأصل في القرض هو الإرفاق والإحسان إلى المقترض، فإذا دخله الشرط صار من باب المعاوضة، ومن ثم صار مشتملاً على ربا الفضل وربا النسيئة، فاجتمع فيه الربا بنوعيه
مثال ذلك: لما استقرض مني ألف ريال، واشترطت عليه أن أسكن داره تسعة أيام، صار كأني بعت عليه ألف بألف، بزيادة سكنى البيت تسعة أيام، وهذا ربا نسيئة وربا فضل، فهو ربا فضل، لأن فيه زيادة، وربا نسيئة، لأن فيه تأخيراً في تسليم العوض.
وبالله التوفيق
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته