الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
قوله:"ويثبت الخيار للخلف في الصفة وتغير ما تقدمت رؤيته".
هذا هو الخيار التاسع، والخلف في الصفة غير الخلف في الشرط السابق، الذي يشترط أن يكون كاتباً أو غير كاتب، فالخلف في الصفة أي أنه باعه شيئاً موصوفاً، مثل أن يقول بعتك سيارة صفتها كذا وكذا، ثم اختلفا في الصفة، فقال المشتري وصفتها لي بكذا، وقال البائع بل وصفتها بكذا فهنا لا مرجح لأحدهما فيثبت لهما الخيار، والراجح قول البائع.
قوله (ولتغير ما تقدمت رؤيته) أي لو باعه شيئاً معيناً، ثم تغير بعد ذلك قبل العقد، فإنه يثبت الخيار للمشتري، وهذا فيما إذا كان المبيع مما يمكن تغيره في مدة وجيزة، مثل بعض الألبان التي يكون لها وقت معين، أو غير ذلك من الأشياء التي تتغير قبل العقد، مثاله باع عليه لبناً وقد شاهده المشتري بالأمس، ثم في اليوم الذي عقد عليه البيع تغيرت صفته، فتنازعا في ذلك، عند ذلك للمشتري الفسخ؛ لأن المبيع تغير عن رؤيته السابقة، وبذلك تمت أقسام الخيار، والخيار يثبت فيما يفوت به مقصود أحد المتعاقدين، وإن لم يكن من هذه الأقسام التي عدها المصنف رحمه الله.
قوله:" فصل: ومن اشترى مكيلا ونحوه "صح ولزم بالعقد" ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه وإن تلف قبل قبضه فمن ضمان البائع، وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع ".
ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن "أو عد أو ذرع" بذلك وفي صبرة وما ينقل بمنقله وما يتناول بتناوله وغيره بتخليته".
قوله (فصل) هذا الفصل عقده المصنف لمسألتين:
الأولى: التصرف في المبيع
الثانية: في ضمان المبيع
قوله (من اشترى مكيلاً ونحوه) (من) اسم شرط جازم، وجواب الشرط قوله (صح ولزم بالعقد)
رتب المصنف على شراء المكيل ونحوه أحكاماً ابتدأها بقوله (صح ولزم بالعقد) هذا هو الحكم الأول والثاني
وقوله (مكيلاً ونحوه) كالموزون، والمعدود، والمذروع، فهذه ثلاثة أشياء بالإضافة إلى المكيل تكون أربعة، فإذا اشترى شيئاً من ذلك صح والفاعل يعود على الشراء
وقوله (ولزم بالعقد) أي يلزم بالعقد إلا أن يكون فيه خيار مجلس
قوله (ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه) رتب المصنف على هذا الاشتراء ثلاثة أشياء:
أولاً: الصحة، أي يصح العقد على المكيل قبل أن يكال وعلى الموزون قبل أن يوزن، وعلى المعدود قبل أن يعد، وعلى المذروع قبل أن يذرع، وذلك إذا تمت شروط الصحة وانتفت الموانع
ثانياً: لزم بالعقد، إذا لم يكن هناك خيار المجلس
ثالثاً: لم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه، بكيل إن اشتراه بكيل، وبوزن إن اشتراه بوزن، وبذرعٍ إن اشتراه بذرع، وبعدٍ إن اشتراه بِعد
فقوله (نصرفه) عموم أريد به الخصوص، فالمراد التصرف العوضي، أي بعوض، مثل البيع، والهبة بعوض، وجعله أجرة
وأما تصرفه فيه بهبة أو صدقة أو هدية وما أشبه ذلك فلا بأس، وهو المذهب أيضاً؛ لأن عمر رضي الله عنه باع على النبي صلّى الله عليه وسلّم بعيراً، فوهبه النبي صلّى الله عليه وسلّم لابن عمر رضي الله عنهما وكان راكبها قبل أن يقبضها من عمر. أخرجه البخاري عن ابن عمر
وهذا تصرف بهبة بغير معاوضة، ولهذا جاء في الحديث (فلا يبعه حتى يقبضه) أخرجه البخاري ومسلم، ومعلوم أن البيع معاوضة
وقوله: (ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه) هذا هو الحكم الثالث، ولو كان مع البائع، مثاله: اشتريت مائة صاع من هذا الرجل، وهي عندي الآن بيدي، ثم بعتها عليه بثمنها أو أكثر فهل يصح، على كلام المصنف لا يصح حتى مع البائع حتى يقبضه وهو المذهب.
وقوله (من اشترى مكيلاً ونحوه صح ولزم بالعقد ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه).
يقول المصنف: إن المكيل ونحوه لا يجوز التصرف فيه ولو بيع جزافاً، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الذي دل عليه حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافاً فنهاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يبيعوه حتى يحوّلوه) أخرجه البخاري ومسلم.
ولأن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال:" ابتعتُ طعامًا من طعام الصدقةِ فربحت فيه قبل أن أقبضَه فأتيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال لا تبعْه حتى تقبضَه" صحيح النسائي للألباني.
قوله: (وإن تلف قبل قبضه فمن ضمان البائع) انتقل المصنف إلى الكلام عن ضمان المبيع قبل قبضه، والضمير في (قبضه) يعود على المكيل ونحوه مما بيع جزافاً أو بتقدير فقط، وهذا هو الحكم الرابع.
فالمذهب أنه إذا كان بتقدير يعني بيع المكيل كيلاً، والموزون وزناً، والمعدود عداً، والمذروع ذرعاً، فهذا إذا تلف قبل القبض فمن ضمان البائع، وبعد القبض يكون من ضمان المشتري
مثال ذلك: بعت عليك هذا الكيس من الأرز، كل صاع بكذا، وقبل أن نكيله تلف إما بسرقة أو بأمطار حملته، أو ما أشبه ذلك، فالضمان على البائع؛ لأنه لم يستوف حتى الآن، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم (الخراج بالضمان) صحيح الترمذي للألباني.
فكما أن الشارع منعني من بيعه والكسب فيه، فإن ضمانه على من هو في ملكه
قوله (وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع) بمعنى انفسخ؛ لأن هذا التلف حصل به الانفساخ فالصواب انفساخ البيع وليس بطلانه لأن البطلان يكون بفوات شرط أو وجود مانع، وهنا لم يفت شرط، ولم يوجد مانع.
وقوله (وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع) الآفة السماوية كل ما لا صنع للآدمي فيه، مثل أمطار أتلفته، أو صاعقة أحرقته، أو رياح حملته، إلى غير ذلك
مثال ذلك:رجل باع على شخص كيس بر، كل صاع بكذا، ثم أتى السيل فحمله وذهب به، فالتلف هنا بآفة سماوية، فالضمان على البائع، فإن كان قد استلم الثمن رده على المشتري.
ويشبه الآفة السماوية ما لا يمكن تضمينه، كما لو تلف بأكل حيوان له أو تلف بأكل الجند له، يعني مرت جنود السلطان فأخذته، فهذا يلحق بالآفة السماوية؛ لأنه لا يمكن تضمينه
قوله (وإن أتلفه آدمي) معين يمكن تضمينه
قوله (خُيِر مشترٍ بين فسخ وإمضاء ومطالبة متلفه ببدله) فهذه ثلاثة أشياء، وإذا أمضى طالب متلفه، فقوله (مطالبة متلفه) ليست داخلة في التخيير، لكنها مفرعة على الإمضاء.
وبالله التوفيق
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين