الدرس 120: شروط البيع 1

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الأربعاء 20 ربيع الثاني 1438هـ | عدد الزيارات: 1835 القسم: الميسر في شرح زاد المستقنع -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛

قوله:" ويشترط التراضي منهما فلا يصح من مكره بلا حق وأن يكون العاقد جائز التصرف فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن ولي "

العلماء تتبعوا فوجدوا أنه لا بد من شروط يصح بها البيع وهي سبعة:

الأول: التراضي منهما، أي يشترط التراضي من البائع والمشتري، فلا يصح البيع من مكره بلا حق لقول الله تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (النساء: 29)، أي تجارة صادرة عن تراضٍ منكم، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم (إنما البيعُ عن تراضٍ) صحيح الجامع للألباني، فإن أكرهه الحاكم على بيع ماله كوفاء دينه صح ؛ لأنه حمل عليه بحق، مثال ذلك:

شخص رهن بيته لإنسان في دين عليه وحل الدين فطالب الدائن بدينه، ولكن الراهن الذي عليه الدين أبى، ففي هذه الحال يجبر الراهن على بيع بيته، لأجل أن يستوفي صاحب الحق حقه، فإذا كان الإكراه بحق فإن البيع يصح ولو كان البائع غير راض بذلك.

قوله:"...وأن يكون العاقد جائز التصرف فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن ولي".

الشرط الثاني:أن يكون العاقد جائز التصرف، والعاقد هو البائع والمشتري، وجائز التصرف من جمع أربعة أوصاف: أن يكون حراً، بالغاً، عاقلاً، رشيداً.

الأول: أن يكون حراً، والحر ضده العبد، والعبد لا يصح بيعه ولا شراؤه إلا بإذن سيده،، لأن ما في يد العبد ملك لسيده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع) أخرجه البخاري.

الثاني: أن يكون بالغاً، وضد البالغ الصبي، ولهذا قال المؤلف (فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن ولي) حتى وإن كان مراهقاً له أربع عشرة سنة، وكان حاذقاً جيداً في البيع والشراء، فإنه لا يصح بيعه، لأنه صغير لم يبلغ، لقول الله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (النساء: 6)، أي: اختبروهم، فاشترط الله لدفع أموالهم شرطين: بلوغ النكاح وذلك بالبلوغ، والرشد.

الثالث: أن يكون عاقلاً، وضده المجنون، فالمجنون لا يصح تصرفه، وكذا من بلغ سن الهرم، فلو أن رجلاً هرم، وجاء إلى إنسان، وقال له: أنا أبيع عليك بيتي وسيارتي فلا يصح البيع منه لفقد العقل، ومن شرط التصرف أن يكون الإنسان عاقلاً.

الرابع: أن يكون رشيداً، والرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، بحيث لا يبذله في شيء محرم، ولا في شيء لا فائدة منه، كأن يبيع الشيء الذي يساوي مائة بعشرة، أو يشتري ما يساوي عشرة بمائة، فضد الرشيد السفيه، ولهذا قال المؤلف: (لا يصح تصرف سفيه بغير إذن ولي، فإن أذن له فلا بأس) والولي هو من يتولى مال السفيه

والصحيح: أنه يحرم على الولي أن يأذن بدون مصلحة، لقول الله تعالى (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ) (الأنعام: 24)

قوله:" وأن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة كالبغل والحمار ودود القز وبزره والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد إلا الكلب والحشرات والمصحف والميتة والسرجين النجس والأدهان النجسة ولا المتنجسة ويجوز الاستصباح بها في غير مسجد "

الشرط الثالث من شروط البيع: أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة، أي: أن تكون العين التي وقع المعقود عليها أو على منفعتها مباحة النفع بغير حاجة، وهذه تقتضي ثلاثة شروط:

الأول: أن يكون فيها نفع، وأن يكون النفع مباحاً، وأن تكون الإباحة بلا حاجة، فمحرمة النفع لا يجوز بيعها، مثل آلات اللهو لا يجوز بيعها لأن منفعتها محرمة، وكذلك الخمر، منفعته محرمة، وما لا نفع فيها لا يجوز بيعها، كالحشرات، فلا يصح بيعها، فلو أن شخص جمع صراصير في إناء لبيعها فلا يجوز بيعها، لأنها لا نفع فيها، بخلاف الجراد فيجوز بيعه، لأن فيها نفع مباحاً، أما الكلب فيباح نفعه للحاجة كالصيد، والحرث والماشية، لكن لا يصح بيعه، حتى ولو كان كلب صيد، ولو كان معلماً.

أما الهر ففيه نفع، لأنه يأكل الفأر، والحشرات، والأوزاغ والصراصير، وبعض الهررة يدور على الإنسان إذا نام، وإذا قرب من الإنسان النائم أي حشرة ضربها بيده، ثم إن اشتهاها أكلها أو تركها، فهذا نفع، لكن لا يجوز بيعها فقد ورد النهى عن بيع الهر، ففي صحيح مسلم:" نهى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عن ثمنِ الكلبِ والسِّنَّورِ"، والسنور هو القط، ولا يجوز بيع الميتة مع أن فيها نفع مباح للضرورة إلا جلدها بعد الدبغ لأنه يطهر بالدبغ.

قوله: (كالبغل والحمار) البغل، حيوان متولد بين الحمار والفرس، وهو أن ينزو الحمار على الفرس فتلد ما يسمى بالبغل، وفيه من طبائع الحمير ومن طبائع الخيل، وحكمه أنه حرام، لأنه متولد من حلال وحرام على وجه لا يتميز فغلب جانب التحريم، هكذا قال العلماء.

والبغل حرام لكن يجوز بيعه، لأنه ما زال المسلمون يتبايعون البغال من عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا، وكذلك الحمار يجوز بيعه، والدليل الإجماع.

ولا يتعارض جواز بيع الحمير والبغال بقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) صححه الألباني في غاية المرام، فنقول: حرم ثمنه، أي ثمن ذلك المحرم، ولهذا لو اشترى شخص بغلاً ليأكله فهو حرام عليه، فلا يجوز أن يأخذ على شيء محرم عوضاً، لكن يشتريه لا لأكله، وإنما لركوبه، وركوبه والانتفاع به حلال، فلا يعارض الحديث.

قوله: (ودود القز) القز نوع من أفخر أنواع الحرير، وله دود هذه الدودة بإذن الله يظهر منها القز، وهي بنفسها تطوي على نفسها هذا القز حتى إذا غمها، ماتت ويبست، فأخذ هذا القز بكميات كبيرة وهائلة، فدود القز يجوز بيعه مع أنه حشرة، لأنه ينتفع بها.

قوله (وبزره) كذلك بزر هذا الدود الذي لم يصل إلى حد أن يتولد منه القز، يجوز بيعه، لأنه ينتفع به في المآل

قوله: (والفيل، وسباع البهائم التي تصلح للصيد) الفيل معروف، يجوز بيعه، لأنه يحمل عليه الأثقال ففيه منفعة، وكذلك سباع البهائم التي تصلح للصيد كالنمور، والفهود، وكذلك الصقور وغيرها، كل سباع البهائم من طائر وماش إذا كان يصلح للصيد فإنه يجوز بيعه، لأنه يباع لمنفعة مباحة فجاز كالحمار

قوله (إلا الكلب) فإنه لا يجوز بيعه، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيعه لقول ابن مسعود (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب) متفق عليه، مع أن الكلب يصلح للصيد، وأباح النبي صلّى الله عليه وسلّم اقتناءه لثلاثة أمور: الحرث، والماشية، والصيد، حيث قال :" مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ إِلا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ." ، صحيح البخاري، وفي صحيح مسلم:"مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلا مَاشِيَةٍ وَلا أَرْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ"، ومع ذلك لا يجوز بيعه، حتى لو باعه للصيد لا يجوز، ومنع بيع الكلب مع ما فيه من المنافع، ولم تمنع سباع البهائم التي تصلح للصيد، ولا يصح أن تقاس سباع البهائم التي تصلح للصيد عليه، لدخولها في عموم قوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: 275)، ولأنها أخف ضرراً من الكلب، لأن الكلب إذا ولغ في إناء يجب أن يغسل سبعاً إحداها بالتراب، وغيره من السباع لا يجب التسبيع فيه ولا التتريب، فظهر الفرق وامتنع القياس.

قوله: (والحشرات) يُستثنى من الحشرات ما له منفعة كدود القزّ لإنتاج الحرير، أما الحشرات الضارة التي لا منفعة منها، فلا يجوز بيعها ؛ لأنه لا منفعة مرجوة منها ، وفي هذا إضاعة المال، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال فقال:" إنَّ اللَّه تَعَالى يَرضى لَكُمْ ثَلاَثًا، وَيَكْرَه لَكُمْ ثَلاثًا: فَيَرضى لَكُمْ أنْ تَعْبُدوه، وَلا تُشركُوا بِهِ شَيْئًا، وَأنْ تَعْتَصِموا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، ويَكْرهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤالِ، وإضَاعَةَ المَالِ ." رواه مسلم.

وبالله التوفيق

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

2 + 4 =

/500
جديد الدروس الكتابية
روابط ذات صلة
الدرس السابق
الدروس الكتابية المتشابهة الدرس التالي