الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد؛
قوله:" ومن وقف ولو لحظة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهل له صح حجه وإلا فلا ومن وقف نهارا ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله فعليه دم ومن وقف ليلا فقط فلا ".
من وقف بعرفة قبل الغروب أدنى وقفة ثم دفع بعد الغروب فحجه صحيح، وإذا دفع قبل الغروب وكان جاهلاً فَنُبِّهَ فرجعَن ولو بعد الغروب، فلا دمَّ عليه، يقول ابن باز رحمه الله:" لو خرج وعاد ليلاً لا شيء عليه وهو الصحيح، ومن لم يأت إلى عرفة إلا بعد غروب الشمس فإنه يجزئه لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:"[ من صلى هذه الصلاة معنا، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارًا فقد تم حجُّه وقضى تَفَثَهُ ]" ، (صحيح الترمذي للألباني).
قوله: " ... ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة، يسرع في الفجوة ويجمع بها بين العشاءين ويبيت بها، وله الدفع بعد نصف الليل وقبله فيه دم كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله، فإذا أصبح صلى الصبح، أتى المشعر الحرام فيرقاه، أو يقف عنده ويحمد الله يكبره ويقرأ: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَات (البقرة: 198)} الآيتين، ويدعو حتى يسفر فإذا بلغ محسرا أسرع رمية حجر وأخذ الحصا وعدده: سبعون بين الحمص والبندق ".
ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، دفع بعد الغروب، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع صلى الله عليه وسلم بسكينة وقد شنق الزمام لناقته حتى إن رأسها من شدة الشنق ليصيب مورك رحله وهو يقول بيده اليمنى: " أيها الناس السكينة فإن البر ليس بالإيضاع ". أخرجه البخاري، والإيضاع ضرب من سير الإبل سريع ومن عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وربما من قبل كان الناس إذا نفروا أسرعوا وللإسراع في ذلك الوقت وجه لأن الدروب وعرة والليل قد أسدل ظلامه فكانوا يحرصون على السرعة من أجل مبادرة الوقت بل قد كانوا في الجاهلية يدفعون قبل أن تغرب إذا صارت الشمس على الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال دفعوا اغتناماً لوقت السفر أي الإضاءة ويسرع في الفجوة أي إذا أتى متسعاً أسرع لأن ذلك أرفق به حتى يصل إلى مزدلفة مبكراً وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في دفعه إذا أتى جبلاً من الجبال أرخى لناقته قليلاً من أجل أن تصعد؛ لأن الناقة إذا شد زمامها شق عليها الصعود فإذا أرخي لها سهل عليها الصعود.
قوله:"ويجمع بها بين العشاءين ويبيت بها".
إذا وصل إلى مزدلفة يجمع بها بين العشائين ولا يمكن أن يصل إلى مزدلفة إذا دفع بصفة دفع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بعد دخول وقت العشاء.
ولهذا كان جمع النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة جمع تأخير لأنه في أقصى عرفة من جهة الشرق وسيمر بجميع عرفة وهي واسعة ويمر بالطريق الذي بينها وبين مزدلفة
ثم إنه صلى الله عليه وسلم نزل في الشعب شعب مازمين وبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً وقال له أسامة الصلاة يا رسول الله قال:" الصلاة أمامك" أخرجه البخاري، وهذا يقتضي وقتاً طويلاً فلهذا كان وصوله إلى مزدلفة بعد دخول صلاة العشاء .
(وقفة): لو صلى المغرب والعشاء في الطريق فما الحكم ؟
الجواب: ذهب الجمهور إلى أنه لو صلى في الطريق لأجزأه لعموم قول النبي صلى الله عليه سلم :" جُعِلَت ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا " (صحيح الجامع للألباني).
وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأسامة: "الصلاة أمامك " فوجهه: أنه لو وقف ليصلي لأوقف الناس، ولو أوقفهم في هذا المكان وهم مشرئبون إلى أن يصلوا إلى مزدلفة لكان في ذلك مشقة عليهم ربما لا تحتمل، فكان هديه صلى الله عليه وسلم هدي رفق وتيسير لكن لو أن أحداً صلى فإن صلاته تصح لعموم الحديث "جُعِلَت ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا " (صحيح الجامع للألباني)، وربما يجب أن يصلي في الطريق وذلك إذا خشي خروج وقت صلاة العشاء بمنتصف الليل فإنه يجب أن يصلي في الطريق فينزل ويصلي فإن لم يمكنه النزول للصلاة فإنه يصلي ولو على السيارة لأنه ربما يكون السير يمشي مشياً ضعيفاً لا يمكنه أن يصل معه إلى مزدلفة قبل منتصف الليل وليس الخط واقفاً حتى يمكنه أن ينزل ويصلي ثم يركب ففي هذه الحال إذا اضطر أن يصلي في السيارة فليصل وعليه أن يأتي بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات ويبيت بمزدلفة وجوباً ومن لم يبت عليه دم فهو واجب يجبر بدم ويجوز للضعفة من النساء والرجال والشيوخ الانصراف من مزدلفة في النصف الأخير من الليل رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم أما الأقوياء فعليهم أن يبقوا حتى يصلوا الفجر وحتى يذكروا الله كثيراً بعد الصلاة ثم ينصرفوا قبل أن تطلع تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم ويسن رفع اليدين مع الدعاء في مزدلفة مستقبلاً القبلة كما فعل في عرفة ومزدلفة كلها موقف . (انظر مجموع فتاوى ابن باز)
قوله:" ... وله الدفع بعد نصف الليل وقبله فيه دم كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله ".
وإذا دفع قبل منتصف الليل فعليه دم لأنه ترك واجباً وهذا الدم دم جبران يتصدق به جميعه على فقراء مكة
(مسألة): بعض الحجاج لا يصلون إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر وبعد صلاة الفجر أيضاً فما الحكم ؟
الجواب: يسقط الوقوف لأنه فات وقته ولا يلزمه دم لأنه ترك هذا الواجب عجزاً عنه.
(وقفة مسألة): هل يشرع أن يحيي تلك الليلة بالقراءة والذكر والصلاة أم السنة النوم ؟
الجواب: السنة النوم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اضطجع حتى طلع الصبح قال ابن القيم في زاد المعاد (2/247):" ثم نام حتى أصبح ولم يحيي تلك الليلة ولا يصح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء".
قوله:" ... فإذا أصبح صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه3 أو يقف عنده ويحمد الله يكبره ويقرأ: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَات} الآيتين، ويدعو حتى يسفر".
فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام والمشعر الحرام جبل صغير معروف في مزدلفة وعليه المسجد المبني الآن أتاه راكباً أم راجلاً.
قال الشيخ عبد الله الجاسر في منسكه مفيد الأنام (2/50):" المشاهد في زماننا هو أن المشعر الحرام المسمى قزح في نفس مسجد مزدلفة والنبي صلى الله عليه وسلم ركب ناقته ووقف عند المشعر الحرام راكباً لكنه قال: "[وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ.]"،(صحيح الجامع للألباني) (وَجَمْعٌ) أي مزدلفة، وسميت جمعاً؛ لأن الناس في الجاهلية يجتمعون فيها كلهم وفي عرفات لا تجتمع قريش مع غيرهم؛ لأنهم يقفون في مزدلفة لا يخرجون إلى عرفة لأن عرفة من الحل فمن أجل هذا سميت جمعاً لأنها تجمع الناس كلهم."
فالمشعر الحرام وصف بالحرام لأن هناك مشعراً حلالاً وهو عرفات ففي الحج مشعران حلال وحرام فالمشعر الحرام مزدلفة والمشعر الحلال عرفة ووصف بالحرام لأنه داخل حدود الحرم
فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه وهو جبل صغير كما قلنا أو يقف عنده ويحمد الله ويكبره لقوله تعالى:" فاذكروا الله عند المشعر الحرام "(البقرة: 198) يحمد الله ويكبره ويدعو الله عز وجل رافعاً يديه إلى أن يسفر جداً ويكون مستقبل القبلة يدعو حتى يسفر يعني يدخل في سفر الصبح ويرى الناس بعضهم بعضاً ثم ينطلق قبل أن تطلع الشمس فإذا أسفر سار قبل طلوع الشمس بسكينة كما في حديث جابر الذي أخرج مسلم خلافاً لأهل الجاهلية فأهل الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة إلا إذا طلعت الشمس وكان من عباراتهم المورثة أشرق ثبيركي ما نغير ، وثبير جبل معروف هناك كان رفيعاً تتبين به الشمس قبل غيره مما حوله من الجبال وكانوا يرقبون هذا الجبل فإذا أشرق دفعوا.
قوله:" ... فإذا بلغ محسرا أسرع رمية حجر وأخذ الحصا وعدده: سبعون بين الحمص والبندق".
فإذا بلغ محسراً أسرع رمية الحجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرك ناقته حين بلغ محسراً لحديث جابر الذي أخرجه مسلم.
(ومحسر) بطن واد عظيم وبهذا نعرف أن بين المشاعر أودية فبين المشعر الحرام والمشعر الحلال واد وهو وادي عرنه وبين المشعرين الحرامين منى ومزدلفة واد وهو وادي محسر.
قال ابن القيم في زاد المعاد: "ومحسر برزخ بين منى وبين مزدلفة لا من هذه ولا من هذه وعرنه برزخ بين عرفة والمشعر الحرام فبين كل مشعر برزخ ليس منها فمنى من الحرم وهي مشعر ومحسر من الحرم وليس بمشعر ومزدلفة حرم ومشعر وعرنه ليست مشعر وهي من الحل عرفة حل ومشعر".
فإذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرك ناقته حين بلغ محسراً ومحسراً بطن واد عظيم وبهذا نعرف أن بين المشاعر أودية وسبب الإسراع أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرع لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخالفهم كما خالفهم في الخروج من مزدلفة وعرفة ولهذا قال تعالى:" فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين " (البقرة: 198)، فيسرع رمية حجر ورمية حجر كيف قياسها؛ لأن الحجر قد يكون كبيراً فإذا رميت به لم يذهب بعيداً وقد يكون الرامي ضعيفاً، فإذا رمى بالحجر الصغير لم يذهب بعيداً، ولكنهم يقولون مقدار خمس مئة ذراع، والذراع ثلث المتر تقريباً الآن.
والظاهر أنه لا يمكن العمل به الآن؛ لأن الإنسان محبوس بالسيارات فلا يمكن أن يتقدم أو يتأخر وربما ينحبس في نفس المكان فيعجز أن يمشي.
ولكن نقول هذا شيء بغير اختيار الإنسان فينوي بقلبه أنه إن تيسر له أن يسرع لأسرع وإذا علم الله من نيته هذا فإنه قد يثيبه على ما فاته من الأجر والثواب.
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (2/256):" وسلك الطريق الوسطى بين الطريقين والتي تخرج على الجمرة الكبرى".
وبالله التوفيق
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين