الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:
المسلم الذي يوحد الله ويدعوه وحده سبحانه وتعالى ويؤمن بأنه الإله الحق، ويعتقد معنى لا إله إلا الله وأن معناها لا معبود حق إلا الله، ويؤمن بمحمد أنه رسول الله حقا أرسله الله إلى الجن والإنس، هذا يقال له مسلم لكونه أتى بالشهادتين ووحد الله، وحده وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يكون مسلما بذلك فإذا أتى شيئا من المعاصي فإنه يكون بذلك ناقص الإيمان كالزنى والسرقة والربا إذا لم يعتقد حل ذلك ولكنه أطاع الهوى والشيطان ففعل هذه المعاصي أو بعضها فهذا يكون نقصا في إيمانه، أما إذا توسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم إني أسألك بجاه محمد أو بحق محمد فهذا بدعة عند جمهور أهل العلم نقص في الإيمان ولا يكون مشركا ولا يكون كافرا بل هو مسلم ولكن يكون هذا نقصا في الإيمان مثل بقية المعاصي التي تخرج عن الدين؛ لأن الدعاء ووسائل الدعاء توقيفية ولم يرد في الشرع ما يدل على التوسل بجاه محمد صلى الله عليه وسلم بل هذا مما أحدثه الناس فالتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بجاه الأنبياء أو بحق النبي أو بحق الأنبياء أو بجاه فلان أو بجاه علي أو بجاه أهل البيت كل هذا من البدع، والواجب ترك ذلك لكن ليس بشرك وإنما هو من وسائل الشرك فلا يكون صاحبه مشركا ولكن أتى بدعة تنقص الإيمان وتُضْعِف الإيمان عند جمهور أهل العلم؛ لأن الوسائل في الدعاء توقيفية فالمسلم يتوسل بأسماء الله وصفاته؟ قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: 180) ويتوسل بالتوحيد والإيمان كما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد »،(قلت: صححه الألباني في صحيح أبي داود والترمذي ) فهذا توسل بتوحيد الله. وهكذا التوسل بالأعمال الصالحات؟ في حديث أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم صخرة لما دخلوا الغار من أجل المطر أو المبيت فانطبقت عليهم صخرة عظيمة فلم يستطيعوا دفعها فقال بعضهم لبعض: إنه لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فدعوا الله بصالح أعمالهم
* من الذي يعذر بالجهل في العقيدة والأمور الفقهية ؟
دعوى الجهل والعذر به فيه تفصيل، وليس كل واحد يعذر بالجهل، فالأمور التي جاء بها الإسلام وبينها الرسول صلى الله عليه وسلم للناس وأوضحها كتاب الله وانتشرت بين المسلمين لا تقبل فيها دعوى الجهل، ولا سيما ما يتعلق بالعقيدة وأصل الدين. فإن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم ليوضح للناس دينهم ويشرحه لهم وقد بلغ البلاغ المبين وأوضح للأمة حقيقة دينها وشرح لها كل شيء وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وفي كتاب الله الهدى والنور فإذا ادعى بعض الناس الجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد انتشر بين المسلمين، كدعوى الجهل بالشرك وعبادة غير الله عز وجل، أو دعوى أن الصلاة غير واجبة، أو أن صيام رمضان غير واجب أو أن الزكاة غير واجبة، أو أن الحج مع الاستطاعة غير واجب فهذا وأمثاله لا تقبل فيه دعوى الجهل ممن هو بين المسلمين لأنها أمور معلومة بين المسلمين.
أما المسائل التي قد تخفى مثل بعض مسائل المعاملات وبعض شئون الصلاة وبعض شئون الصيام فقد يعذر فيها الجاهل؟ عذر النبي يَعْلى بنِ أُمَيَّةَ رَضيَ اللهُ عنه الذي أحرم في جبة وتلطخ بالطيب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اخلع عنك الجبة واغسل عنك هذا الطيب واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك » ،(قلت: أخرجه البخاري باختلاف يسير " اغسِلِ الطِّيبَ الذي بكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وانزِعْ عَنكَ الجُبَّةَ، واصنَعْ في عُمرَتِكَ كما تَصنَعُ في حَجَّتِكَ") ولم يأمره بفدية لجهله، وهكذا بعض المسائل التي قد تخفى يعلم فيها الجاهل ويبصر فيها، أما أصول العقيدة وأركان الإسلام والمحرمات الظاهرة فلا يقبل في ذلك دعوى الجهل من أي أحد بين المسلمين فلو قال أحد، وهو بين المسلمين: إنني ما أعرف أن الزنى حرام فلا يعذر، أو قال: ما أعرف أن عقوق الوالدين حرام فلا يعذر بل يضرب ويؤدب، أو قال: ما أعرف أن اللواط حرام فلا يعذر، لأن هذه أمور ظاهرة معروفة بين المسلمين في الإسلام.
لكن لو كان في بعض البلاد البعيدة عن الإسلام أو في مجاهل أفريقيا التي لا يوجد حولها مسلمون قد يقبل منه دعوى الجهل وإذا مات على ذلك يكون أمره إلى الله ويكون حكمه حكم أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة، فإن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار، أما الذي بين المسلمين ويقوم بأعمال الكفر بالله ويترك الواجبات المعلومة، فهذا لا يعذر؛ لأن الأمر واضح والمسلمون بحمد الله موجودون، ويصومون ويحجون ويعرفون أن الزنى حرام وأن الخمر حرام وأن العقوق حرام وكل هذا معروف بين المسلمين وفاشٍ بينهم، فدعوى الجهل في ذلك دعوى باطلة.
والله المستعان