الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد؛
قوله:" فان تعذر أو بعضه فله الصبر أو فسخ الكل أو البعض ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه.
السادس: أن يقبض الثمن "تاما" معلوما قدره ووصفه قبل التفرق "وإن قبض البعض ثم افترقا بطل فيما عداه"، "وإن أسلم في جنس إلى أجلين أو عكسه صح إن بين كل جنس وثمنه وقسط كل أجل".
السابع: أن يسلم في الذمة فلا يصح في عين ويجب الوفاء موضع العقد ويصح شرطه في غيره وإن عقدا ببر أو بحر شرطاه ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه ولا هبته ولا الحوالة به "ولا عليه" ولا أخذ عوضه ولا يصح الرهن والكفيل به".
قول المصنف: (فإن تعذر أو بعضه فله الصبر، أو فسخ الكل أو البعض، ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه) يعني لو أنه جعل السَّلَم ينتهي إلى وقت يوجد فيه المسلم فيه لكن تعذر، إما أن تكون الثمار قد أصابتها جوائح ولم يتمكن من الوفاء، أو عدا عليها جند وأخذوها، ففي هذه الحال للمسلم الخيار، إن شاء فسخ العقد ورجع بالثمن، وإن شاء أبقي العقد حتى يقدر المسَّلم إليه على تسليمه إياه، ولهذا يقول المصنف رحمه الله: (أو فسخ الكل أو البعض ويأخذ الثمن الموجود) والثمن الموجود مثل أن يكون دراهم أسلم فيها إلى المسلم إليه.
ويملك الفسخ في البعض على قول المصنف؛ لأن من ملك الفسخ في الكل ملك في الجزء، إذ أن الجزء بعض الكل، مثال ذلك: أسلم إليه مئة درهم بخمسين صاعاً من البر تحل في رجب، وجاء رجب وإذا الثمار قد أصيبت بآفات أتلفتها، فللمسلم الخيار إن شاء فسخ العقد في الكل وإن شاء فسخ في البعض، ويعطى ما يقابله من الثمن.
وإن كان المسلم إليه قد أنفق الثمن ولم يبق عنده منه شيء، يقول المصنف: يأخذ عوضه، والعوض مثله إن كان مثلي،اً وقيمته إن كان متقوماً.
قوله: (السادس أن يقبض الثمن تاماً) أي الشرط السادس من شروط السَّلَم السبعة، الفاعل المسَّلَم إليه، وهذا مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: (من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) أخرجه البخاري ومسلم.
فإن هذا يقتضي أنه لا بد من أن يقبض الثمن تاماً
قوله: (معلوماً قدره) هذا في الكمية
قوله: (ووصفه) هذا في الكيفية، أي: لا بد أن يقبض الثمن تاماً معلوماً قدره ومعلوماً وصفه، ولا يكفي أن يقول أسلمت إليك هذا الشيء المعين بكذا وكذا، من أجل الرجوع إذا تعذر الوفاء إلى هذا الثمن المعلوم قدره ووصفه، لأنه إذا كان غير مضبوط بالوصف يبقى الأمر مجهولاً.
قوله: (قبل التفرق) لا بد أيضاً أن يكون القبض قبل التفرق من مجلس العقد.
ولو قمنا من المكان ومشينا جميعاً، مثل أسلمت إليه بمئة درهم مئة صاع من البر، ولكن المبلغ ليس معي، فمشينا جميعاً إلى أحد إخواني واقترضت منه مئة الدرهم وأعطيتها الرجل فيجوز، لأننا لم نتفرق.
قوله: (وإن قبض البعض ثم افترقا بطل فيما عداه) البعض، أي بعض الثمن، مثال ذلك:
أسلم ألف درهم بمئة صاع بر، وسلمه خمسمائة درهم فقط، فالذي يصح خمسمائة فيقابلها خمسون، والباقي لا يصح، لأنه لا بد من قبض الجميع
قوله: (أو عكسه) أسلم في جنسين إلى أجل واحد، بأن أسلم في بر وشعير إلى أجل واحد
قوله: (صح إن بين كل جنس وثمنه) كأن يقول مئة صاع بر وشعير بألف درهم، فلا بد أن يبين مقدار كل جنس، فيقول مثلاً خمسون صاعاً من البر وخمسون صاعاً من الشعير، ولا بد أيضاً أن يبين ثمنه، مثلاً خمسون صاعاً من البر يقابلها ستمائة، وخمسون صاعاً من الشعير يقابلها أربعمائة، لا بد من هذا حتى إذا تعذر البعض يعرف قسطه من الثمن، وإذا كان الأمر مجهولاً أدى إلى النزاع
قوله: (وقسطَ كل أجل) هذا فيما إذا أسلم في جنس إلى أجلين، بأن يقول أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع بر إلى أجلين، لا بد أن يبين قسط كل أجل، فمثلاً يقول الأجل الأول خمسون، والثاني خمسون، وذلك أنه إذا حصل اختلاف، أو تعذر وفاء نرجع إلى ما عُين.
قوله: (السابع أن يُسلم في الذمة) أي ذمة المسلَم إليه
قوله: (فلا يصح في عين) بأن يقول أعطيتك مئة درهم بمئة كيلو بر، فإن أسلم في عين بأن قال: أسلمت إليك مئة درهم بهذه العين فإنه لا يصح، لأنه ما دام المسلَم فيه معيناً فلا حاجة فيه إلى السَّلم، يعطيه الدراهم ويأخذ هذا الشيء، ولا يبقى وديعة عند البائع، لا يستفيد منه البائع ولا يستفيد منه المشتري، ولأنه قد يتلف قبل حلول الأجل.
والصحيح أنه يصح أن يُسلم في عين، وتبقى هذه العين عند المسلم إليه حتى يحل أجلها، لأن عموم قول الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) [البقرة: 275]، وقوله (يا أيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) [البقرة: 282]، يشمل هذا، والأصل الصحة حتى يقوم دليل على الفساد
قوله: (ويجب الوفاء موضع العقد) يعني لو أسلم إلى شخص في الخرج مئة درهم بمئة صاع بر، ولم يذكر محل الوفاء، فإن الوفاء يكون في مكان العقد، فلو قال المُسلم أنا أريد أن تعطيني إياه في الدلم، لم يلزمه، لأن الواجب أن يكون في موضع العقد.
قوله: (ويصح شرطه في غيره) أي في غير موضع العقد، لو عقد السَّلَم في الخرج، وقال أريد أن يكون الوفاء في الدلم مثلاً، فإنه يجب الوفاء بالشرط ما لم يتسامحا، فإن تسامحا فالحق لهما.
قوله: (وإن عقد بِبَر أو بحر شرطاه) أي وجب أن يشترطا مكان الوفاء، وذلك لأنه لا يمكن أن يوفي في البحر أو في البَر، فيجب أن يعينا مكان الوفاء.
قوله: (ولا يصح بيع المسَلَم فيه قبل قبضه) سواء بيع على المسَّلَم إليه أو على رجل أجنبي؛ لأنه بيع دين في ذمة الغير، والمشتري قد يتمكن من القبض وقد لا يتمكن.
قوله: (ولا هبته) أي: هبة المسَلَم فيه، فلا يجوز عند المصنف أن تهبه، لمن هو عليه أو لرجل آخر، أما هبته لمن هو عليه فقالوا: إن هذا داخل في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري: "من أسلمَ في شيءٍ فلا يصرِفْهُ إلى غيرِه" ، وأيضاً الهبة تقتضي عيناً مملوكة لشخص آخر.
والجواب: أما الحديث (فلا يصرفه إلى غيره) فهذا لم يصرفه إلى غيره، وأيضاً الحديث ضعيف
وأما التعليل أنه إذا وُهب المسَّلَم فيه لمن هو عليه، وقال وهبتك ما في ذمتك من البُر، فهذه الهبة بمعنى الإبراء، وهم قد ذكروا في باب الهبة أن من أبرأ غريمه بلفظ الإبراء أو الهبة أو الإسقاط أو ما أشبه ذلك برئ، فكيف تجيزون الإبراء بلفظ الهبة في الديون ولا تجيزونه في دين السَلَم؟ أليس دين السَلَم من جملة الديون؟ فلا شك أنه إذا وُهب المسَلَم فيه إلى المسلم إليه جاز، لأن أكثر ما فيه أنه أبرأه منه، والإبراء خير وإحسان فكيف نمنعه؟!
أما إذا وهبه لغيره، مثل أن يأتي رجل فقير إلى المسلِم، فيقول أنا محتاج إلى قوت فقال له عند فلان لي سَلَم، مئة صاع بر، وهبتك إياها، فعلى رأي المصنف لا يصح؛ لأنه لم يقبض السَلَم ولم يصر ملكاً له حتى يهبه، ولكن الصحيح أنه يصح، لأن هذه المعاملة ليس فيها ضرر إطلاقاً، فكأنه أحاله على هذا الرجل يقبض الحق منه ثم يتملكه لنفسه، وليس هناك غرر فلو كان بيعاً نعم، إذا باع المسلَم فيه لغير المسلَم إليه ربما يتعذر قبضه ويصير فيه جهالة، لكن في الهبة، فالموهوب له إما غانم أو سالم، وعلى هذا فالقول الصحيح أنه يجوز هبة المسَلَم فيه، سواء وهبته للمسَلَم إليه أو لآخر.
قوله: (ولا الحوالة به) مثل أن يقول المسَلَم إليه للمسلِم أحلتك بدينك على فلان، لأني أطلبه، فهذه حوالة به، أي لما حل الأجل جاء المسلِم إلى المسلَم إليه وقال أعطني السلم، قال إن فلاناً عنده لي مئة صاع بر على قدر ما أنت تطلبني وإني أحيلك به عليه، فيقول المصنف إنه لا يصح، لأنه ربما يؤدي إلى أخذ شيء من غير جنسه .
قوله: (ولا عليه) أي الحوالة عليه، وذلك بأن يكون المسلِم في ذمته دين لشخص، فلما جاء يطلبه قال أحيلك على فلان، لأن في ذمته لي مئة صاع بر سلماً، يقول المصنف: لا يصح، لأن هذا يقتضي صرف السَلَم فيه إلى غيره وقد ورد النهي عنه، ويعللون بأنه يشترط في الدين المحال عليه أن يكون مستقراً ودين السلم غير مستقراً، لأنه إذا تعذر الوفاء فله الصبر أو الفسخ، لكن الواقع إنه مستقر، لأن هذا المحال إذا حل الأجل ولم يجد شيئاً فله الصبر أو الفسخ ويرجع بالثمن.
والصواب: أنه يصح، أن يحال به وأن يحال عليه، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:" من أحيل بدينه على مليء فليتبع" أخرجه البخاري ومسلم.
قوله: (ولا أخذ عوضه) هذا هو البيع، غيرَ أن المراد بالبيع فيما إذا باعه بالنقود، أما أخذ العوضِ هنا إذا اعتاض عنه بغير النقود فلا يجوز، وعليه إذا أخذ عوضه فلا بأس بشروط ثلاثة:
الأول: ألا يربح بأن يبيعه بسعر يومه.
الثاني: أن يحصل التقابض قبل التفرق فيما إذا باعه بشيء يجري فيه ربا النسيئة.
الثالث: ألا يجعله ثمناً لسَلَم آخر.
قوله: (ولا يصح الرهن والكفيل به) أي لو أن المسلِم قال للمسَلَم إليه أنا أريد أن ترهنني شيئاً أتوثق به، فقال أرهنك مزرعتي، أو سيارتي، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يصح، لأنه عند تعذر الوفاء يرجع المسَلِم إلى هذا الرهن، فيكون قد صرف السَلَم إلى غيره.
وكذلك لا يصح أخذ الكفيل به، لأنه إذا تعذر الوفاء من المكفول أخذ من الكفيل، وحينئذ يكون المسلم فيه قد صُرف إلى غيره.
فالصواب إذاً جواز أخذ الرهن والكفيل والضمين به، كلها جائزة، لأنه ليس فيها محظور ولا ربا ولا ظلم ولا غرر ولا جهالة، وهذه عقود توثقة والأصل في العقود الحل.
وبالله التوفيق
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته