الدرس 153: باب بيع الأصول والثمار 3

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الأربعاء 26 صفر 1439هـ | عدد الزيارات: 1705 القسم: الميسر في شرح زاد المستقنع -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛

قوله:"جزة جزة، أو لقطة لقطة، والحصاد واللقاط على المشتري، وإن باعه مطلقا،أو بشرط البقاء،أو اشترى ثمرا لم يبد صلاحه بشرط القطع وتركه حتى بدا، أو جزة أو لقطة فنمتا، أو اشترى ما بدا صلاحه وحصل آخر واشتبها،أو عرية فأتمرت بطل والكل للبائع، وإذا بدا ما له صلاح في الثمرة،واشتد الحب،جاز بيعه مطلقا، وبشرط التبقية"

قوله: (جزة جزة) مثاله: قال أبيع عليك هذا البرسيم جزة جزة يعني تجزه الآن فقال نعم، فيجوز؛ لأنه سوف يجز قبل أن ينمو ولا جهالة فيه؛ ولكن الجزة لا بد أن تكون في الحال.

والصحيح أنه يتبع في ذلك العرف، قد يجزها في الحال، وقد يتأخر عشرة أيام؛ لأن المساحة واسعة وهو يجزها يوما بعد يوم.

قوله: (أو لقطة لقطة) اللقطة غير الجزة، والذي يلقط مثل الباذنجان والكوسة والباميا واللوبيا وهكذا، هذا يباع لقطة لقطة، أي: اللقطة الحاصلة الآن الموجودة يبيعها، أما ما لم يوجد فإنه مجهول ينطبق عليه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" نَهَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ."

قوله: (والحصاد واللقاط على المشتري) الحصاد في الزرع، واللقاط للقثاء ونحوه، والجذاذ للنخل ونحوه، هذا على المشتري؛ لأنه تفريغ ملكه من ملك غيره، وهو المسؤول عنه، لكن لو اشترط المشتري على البائع أن يكون ذلك عليه فصحيح، فلو قال المشتري أنا اشتريت منك ثمر النخل، لكن ليس عندي من يجذه فأنت جذه لي وأت به، فوافق البائع، فالجذاذ عليه بالشرط، وهذا شرط لا يستلزم جهالة ولا غررا ولا ظلما ولا ربا، والأصل في الشروط الحل والصحة إلا ما قام الدليل على منعه

قوله (وإن باعه مطلقا) الضمير يعود على ما سبق تحريم بيعه، والإطلاق يقول العلماء: يفهم معناه من شرط سابق أو لاحق، أي: باعه من غير شرط القطع

قوله (أو بشرط البقاء) فإنه لا يصح البيع؛ وذلك لأن الأمر لا يخلو من أحوال ثلاثة

إما أن يبيعه بشرط القطع في الحال، أو بشرط التبقية، أو يسكت ولا يشترط لا بقاء ولا قطعا

ففي الحال الأولى وهي شرط القطع في الحال: يصح البيع بشرط أن ينتفع به، وإلا صار البيع حراما من جهة أنه إضاعة للمال

وفي الحال الثانية وهي بشرط التبقية والثالثة وهو أن يسكت: لا يصح

مثال ذلك

إنسان أتى إلى فلاح وعنده نخلة فيها ثمر لم يبد صلاحه، فقال: بعني هذا الثمر، فباعه إياه، واشترط المشتري على البائع أن يبقى إلى الصلاح فهذا لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وهو البيع قبل بدو صلاحه

وإن سكت كذلك لا يصح لأن هذه الصورة الثالثة تدخل في عموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر :" نَهَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ حتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وكانَ إذَا سُئِلَ عن صَلَاحِهَا قالَ: حتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ".

قوله: (أو اشترى ثمرا لم يبد صلاحه بشرط القطع وتركه حتى بدا) فإنه يبطل البيع، أي: اشترى ثمرا قبل أن يبدو صلاحه بشرط القطع، لكنه تهاون وتركه حتى بدا صلاحه فإن البيع يبطل

وسبب البطلان أنه اتخذه ذريعة إلى بيع الثمر قبل بدو صلاحه

قوله: (أو جزة أو لقطة فنمتا) يعني يبطل العقد، والجزة فيما يحصد ويجز كالبرسيم، واللقطة فيما يلقط مثل الفلفل.

مثاله: إنسان اشترى لقطة البطيخ ثم قال للبائع: أريد أن تمهلني عشرة أيام حتى يرتفع السعر؛ لأن السعر ناقص قال: لا بأس، وهذه الحبحبة الصغيرة نمت وأصبحت كبيرة فيما بين العقد عليها ولقطها، فالزيادة في الأصل للبائع؛ لأن المشتري اشتراها على قدر معلوم، ولكن البائع قد سمح وقال: لا بأس، فلا خيار للبائع.

وأما إذا كان بغير رضاه بأن تهاون المشتري حتى كبرت ونمت فله الخيار إن شاء أمضى البيع؛ لأن الزيادة له، فإذا رضي أن تكون للمشتري فلا حرج عليه، وإن شاء فسخ؛ لأن ملكه الآن اختلط بملك غيره على وجه يصعب التمييز بينهما والمفرط في ذلك المشتري

قوله: (أو اشترى ما بدا صلاحه وحصل آخر واشتبها) أي: فإن البيع يبطل.

في بعض النخيل تخرج في السنة مرتين، فبِيع الطلع الأول؛ لأنه بدا صلاحه، ثم نما الثاني واشتبه الأول بالثاني، يقول المصنف: إن البيع يبطل؛ لأنه اختلط المباح بالحرام على وجه لا يمكن التمييز بينهما، واجتناب الحرام واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يتم اجتناب الحرام إلا باجتناب الجميع، وعلى هذا فيبطل البيع.

ولكن إذا تأملت هذه العلة وجدت أنها لا تقتضي البطلان؛ وذلك لأن الحق بينهما الآن، فإذا اصطلحا على شيء، أو قال من كانت له الثمرة الثانية هي لك، فما المانع من الصحة ؟!

وإذا أبيا أن يصطلحا، يقول الفقهاء: يجبرون على الصلح

قوله (أو عرية فأتمرت) العرية هي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر لمن احتاج إلى الرطب وليس عنده ثمن يشتري به؛ وسميت بذلك لأنها عارية عن النقدين فإنه يخرص الرطب حتى يكون مساويا للتمر القديم في الكيل، ثم يشتريها صاحب التمر القديم، وبشرط أن تكون خمسة أوسق أو أقل، فهذا الفقير الذي ليس عنده مال وعنده تمر قديم جاء للفلاح فقال له أنا محتاج للرطب، بعني ثمرة هذه النخلة التي تصبح بعد يبسها خمسين صاعا بخمسين صاعا من التمر الذي عندي، فهذا جائز؛ لأن خمسين الصاع أقل من خمسة أوسق وهذا محتاج وليس عنده مال

فهذا أعطاه التمر القديم وذاك تخلى عن تمر النخلة الجديد، فقبضُ التمر بالكيل وقبض النخلة بالتخلية، فصاحب النخلة ترك ثمرها له، وذاك أعطاه التمر القديم بالكيل ثم إن المشتري تركها حتى أتمرت

قوله: (بطل) أي: إن البيع يبطل؛ لأن الشرع إنما أجاز بيع الرطب بالتمر مع أن الأصل أنه محرم لكن من أجل دفع حاجة هذا الفقير الذي هو محتاج للرطب، والآن لما تركها حتى أتمرت، زالت العلة التي من أجلها أجاز الشرع بيع الرطب بالتمر.

قوله: (والكل للبائع) أي: الكل في هذه المسائل كلها إذا بطل البيع رجع للبائع؛ لأنه ملكه، ويأخذ المشتري الثمن من البائع إن كان قد أقبضه إياه، وإلا سقط من ذمته

قوله (وإذا بدا ما له صلاح في الثمرة) يعني بالثمرة، ثمرة الرمان والتفاح، وكل ما يسمى ثمراً، وهو ما تخرجه الأشجار؛ لأن ما يخرج من الشجر ثمر، وما يخرج من الأرض زرع

قوله (واشتد الحب) أي: حب الزرع .

قوله (جاز بيعه مطلقا) يعني بدون شرط، ودليل الجواز أن النبي صلى الله عليه وسلم:" نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه." صحيح البخاري .

وجه الدلالة: أن (حتى) للغاية، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فإذا كان ما قبل بدو الصلاح واشتداد الحب محرما كان ما بعده جائز

وقوله: (جاز بيعه مطلقا) بين إطلاق، قوله: (وبشرط التبقية) وبشرط القطع من باب أولى.

وبالله التوفيق

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

5 + 5 =

/500
جديد الدروس الكتابية
روابط ذات صلة
الدرس السابق
الدروس الكتابية المتشابهة الدرس التالي