الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد؛
قوله:"السادس: خيار في البيع بتخيير الثمن متى بان أقل أو أكثر، ويثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال، وإن اشترى بثمن مؤجل أو ممن لا تقبل شهادته له أو بأكثر من ثمنه حيلة ...".
القسم السادس من أقسام الخيار: خيار في البيع بتخيير الثمن، أي خيار يثبت فيما إذا أخبره بالثمن، مثال ذلك: رجل عرض سلعة للبيع فجاءه رجل وقال اشتريها منك برأس مالك فبكم اشتريتها فقال البائع بمائة ريال فاشتراها منه بنفس رأس المال فإذا تبين أن رأس المال خمسون ريال فحينئذ يثبت له الخيار لأن إخباره بالثمن غير صحيح لأنه قال بمائة ثم تبين أنه اشتراها بخمسين، فسبب ثبوت الخيار للمشتري التخبير الكاذب بالثمن؛ وهو نوع من الغش والتدليس، فإنه أظهر السلعة بثمن كثير وهي في الواقع بثمن قليل، وهذا حرام، ولهذا جعل للمشتري الخيار.
والبيع بالتخيير يقابله البيع بالمساومة، وفي كل منهما سهولة من وجه وخطورة من وجه آخر، والغالب أن التخبير أشد طمأنينة للمشتري.
مثال ذلك: عرض رجل أرضاً للبيع فقال المشتري بكم اشتريتها فأطلعه على صك التمليك لها وفيه ثمن الشراء فقال له بعني إياها برأس مالك فوافق على ذلك وتم الشراء.
قوله: (متى بان أقل أو أكثر) أي يثبت له الخيار إذا اتضح له أن الشراء أقل مما ذكر له ففيه الغبن وله خيار الفسخ، لكن إذا بان له الشراء أكثر مما ذكر له فالحظ في جانب المشتري فكيف يثبت له الخيار .
قوله: (ويثبت في التولية، والشركة، والمرابحة، والمواضعة) فالبيع بالتخيير يمكن في هذه الصور الأربع.
والتولية هي أن يبيعه برأس ماله، وسميت تولية؛ لأن المشتري صار بدلاً عن البائع، كأنه يقول له وليتك ما توليت، والشركة أن يبيع عليه بعضه بقسطه من الثمن، مثل أن يبيع عليه النصف فيكون على المشتري الثاني نصف الثمن.
والمرابحة أن يبيعه برأس ماله وربح معلوم، فيقول: بعتك برأس ماله وربح ألف ريال، والمواضعة أن يضع من الثمن، فيقول: بعتك إياه بخسارة عشرة ريالات .
قوله: (ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال) لأنه إذا لم يعرفه صار مجهولاً، ومن شرط صحة البيع العلم بالثمن هذا قول المؤلف لكن الصحيح أنه يجوز إذا كان المشتري معروفاً بالحذق في البيع والشراء وإن كان الأحسن والأولى أن يعلم الثمن، مثاله، اشتريتُ أرضاً بمائة ألف ريال، وأنا ممن يتجر في الأرضين ولا يُغبن فيها، فجاءني رجل وقال: بعني الأرض التي اشتريتها برأس مالها، فقلت: بعتها عليك، وهو لا يدري بكم اشتريتها، لكنه يعرف أنني رجل تاجر حاذق لا أُغبن في الشراء فيجوز والأولى بيان الثمن للمشتري؛ لأنه أطيب لقلبه.
قوله (وإن اشترى بثمن مؤجل) مثل أن يقول: بعتك هذا الكتاب برأس ماله، وهذا بيع تولية، فقال: كم رأس ماله؟ قال: رأس ماله ثلاثون درهماً، فقال: اشتريته، وكان هذا الذي باعه قد اشتراه بثلاثين درهماً مؤجلاً ولم يخبر المشتري، ومعلوم أن الثمن المؤجل يكون أكثر، فاشتراه المشتري وصدقه وأخذه بثلاثين، ثم تبين أن هذا الثمن مؤجلاً، فهو صادق في أنه اشتراه بثلاثين، لكنه مؤجل.
فإذا علمنا أن البائع قد خدعه يقيناً فإنه في هذه الحالة نقطع عليه الطريق ونقول للمشتري أنت بالخيار إن شئت خذه بأجله ابتداءاً فإذا قدر أنه باعه بعد أن اشتراه بثلاثة أشهر والأجل ستة أشهر يستأنف ستة؛ لأن هذا هو الثمن.
قوله: (أو ممن لا تقبل شهادته له) وهم أصوله وفروعه، الآباء والأمهات والأجداد والجدات، والأبناء والبنات وأبناء الأبناء وأبناء البنات، وكذلك الزوجان لا تقبل شهادة أحدهما للآخر.
(فائدة): رجل أراد أن يعقد عقد نكاح وطلب المأذون الشرعي اثنين شهود، فلا تقبل شهادة الأب مع ابنه ولا الابن مع أبيه فنرد شهادة الأصل مع الفرع والفرع مع الأصل.
قوله: (أو بأكثر من ثمنه حيلة) أي إذا اشترى البائع الذي باعه بتخبير الثمن بأكثر من الثمن حيلة.
مثاله: رجل يطلب من آخر ألف ريال، والمطلوب منه يماطل، كلما جاءه قال انتظر، وفي يوم من الأيام اشترى منه سلعة تساوي ثمان مائة بألف، فلما اشتراها، قال المشتري الذي هو الطالب للبائع المطلوب الذي يماطل إذاً مقاصة، فهذا الشراء ليس لرغبة في السلعة؛ بل حيلة على استخلاص حقه؛ فإذا جاء رجل آخر، وقال له بعني هذه السلعة، فقال أبيعها عليك برأس المال ألف، ثم تبين بعد ذلك أنه اشتراها بألف حيلة، ليخلص دينه من هذا المماطل وهي تساوي ثمان مائة فللمشتري الخيار.
وكذلك إذا كان بأكثر من ثمنه محاباة، أي أن الذي باع بالتخبير اشترى هذه السلعة من شخص صديق له، وهي لا تساوي خمس مائة، لكن اشتراها بخمس مائة؛ لأنه صديقه، أو لأنه رأى أن هذا الرجل فقير، فقال أزيد الثمن محاباة له وجبراً لخاطره، ثم إن هذا المشتري باعها بالتخبير بالثمن، وقال إن ثمنها خمس مائة ريال، فنقول للمشتري الذي اشترى بالتخبير بالثمن لك الخيار إذا تبين أنها أكثر من ثمنها من أجل المحاباة؛ لأن الإنسان إذا حابى أحداً لا يهمه أن يزيد عليه ريالين أو ثلاثة أو عشرة، وأنه إذا باع عليه أيضاً لا يهمه أن ينقص ريالين أو ثلاثة أو عشرة.
وبالله التوفيق
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين