الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
قوله:" وأن يكون من مالك أو من يقوم مقامه فان باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله شيئا بلا إذنه لم يصح .."
الشرط الرابع: أن يكون العقد من مالك للمعقود عليه أو من يقوم مقامه وهم: الوكيل، الولي، والوصي، والناظر. لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (النساء: 29)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام (لا تبع ما ليس عندك) ، صحيح النسائي للألباني، فنهاه صلى الله عليه وسلم أن يبيع ما ليس في حوزته؛ لأنه لو جاز أن يبيع الإنسان ما لا يملك لكان في ذلك من العدوان والفوضى ما لا تستقيم معه حياة البشر.
والوكيل: هو من أذن له بالتصرف في حال الحياة، كرجل أعطى شخصاً بضاعة، وقال بعها، لحديث عروة رضي الله عنه:" أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل في البيع والشراء". أخرجه البخاري
والولي: هو من يتصرف لغيره بإذن الشارع، والولاية نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة ولاية الحكام، كالقضاة مثلاً، فإن لهم ولاية عامة على الأموال المجهول مالكها، وعلى أموال اليتامى إذا لم يكن لهم ولي خاص، وعلى غير ذلك، والولاية الخاصة ولاية على اليتيم من شخص خاص، كولاية الأخ على أخته.
والوصي: هو من أمر له بالتصرف بعد الموت، مثل أن يوصي شخص بشيء من ماله إلى زيد، فهذا الموصى إليه يجوز أن يتصرف فيما وصي فيه بما يراه أصلح، وهو قائم مقام المالك.
والناظر: هو الذي جُعل على الوقف، أي: وكُل على الوقف، مثل أن يقول رجل هذا البيت وقف على الفقراء، والناظر عليه فلان بن فلان، فهذا أيضاً يصح تصرفه لأنه قائم مقام المالك، ويسمي هذا ناظراً.
فالوصي والناظر عن الطريق الخاص بالمالك، أما الولي فولايته مستفادة من الشرع، فإن باع ملك غيره بغير إذنه لم يصح، ولو مع حضوره وسكوته، لأنه ليس المالك لفوات الشرط وهو الملك إذ لو باع ملك أبيه أو ابنه لم يصح، وحديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنت ومالك لأبيك) صحيح ابن ماجه للألباني.
أنه إذا أراد الأب أن يبيع ملك ابنه فليتملكه أولاً ثم يبيعه ثانياً؛ لأنه قبل تملكه ملك ابنه، لا يملك بيعه بدون إذنه
قوله (أو اشترى بعين ماله بلا إذنه لم يصح) مثاله: إنسان أعطاك دراهم، وقال: أوصلها إلى فلان، فاشتريت بها سلعة فلا يصح هذا الشراء، إلا إذا أجازك على هذا الشراء.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عروة بن الجعد رضي الله عنه أن يشتري له أضحية وأعطاه ديناراً، فاشترى أضحيتين بدينار واحد، ثم باع إحداهما بدينار، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدينار وشاة، فدعا له النبي بالركة ، ففي صحيح البخاري:" أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي له به شَاةً، فَاشْتَرَى له به شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إحْدَاهُما بدِينَارٍ، وجَاءَهُ بدِينَارٍ وشَاةٍ، فَدَعَا له بالبَرَكَةِ في بَيْعِهِ، وكانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ....."، فكان لا يتجر في شيء إلا ربح فيه ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقره على فعله
قوله: (إن اشترى له) أي للغير، (في ذمته) أي: لا بعين ماله، بلا إذنه ولم يسمه في العقد صح له بالإجازة ولزم المشتري بعدمها ملكاً
وصورة المسألة: تعلم أن فلان يريد أن يشتري ساعة فوقفت على صاحب الساعات واشتريت له ساعة وهو لم يوكلك، فقلت له: اشتريت لك ساعة، فإن أجازك فالساعة له، وإن رفض فالساعة لك
والأولى أن يقبل، من شريت له، إذا علمنا أن هذا المشتري إنما اشتراها اجتهاداً لا تغريماً وإخساراً، فإنه لا ينبغي أن يجازى المحسن بالإساءة؛ لأنه ربما يكون ثمن السلعة باهظاً، وهذا المشتري ليس عنده مال، فالأولى للمشترى له أن يقبل ولو كان عليه بعض الغضاضة
قوله (ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة كأرض الشام ومصر والعراق) قول المؤلف هو قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، لأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين.
فقوله (المساكن) إذا باعها بأرضها فالبيع غير صحيح، وإذا باع المساكن فالبيع صحيح في الأرضين التي فتحت عنوة، أي: قهراً وقوة، فالمساكن يصح بيعها لأن الصحابة اقتطعوا الخطط في الكوفة، والبصرة، في زمن عمر، وبنوها مساكن، وتبايعوها من غير أن ينكر عليهم.
قوله (كأرض الشام ومصر والعراق) إذا قيل: الشام عند العلماء فإنه يشمل سوريا وفلسطين والأردن ولبنان
وكل ما كان شمال الجزيرة العربية، فأرض الشام ومصر والعراق لا يباع فيها إلا المساكن، وأما الأرض نفسها فإنها لا تباع؛ لأن عمر رضي الله عنه وقفها، والوقف لا يباع، فعمر رضي الله عنه لما فتح هذه الأمصار، رأى إن قسمها بين الغانمين يحرم الأجيال المستقبلة من أجيال المسلمين، فرأى أن يوقفها، ويضرب عليها خراجاً، أي: كالأجرة يؤخذ منها كل سنة فصارت وقفاً، والوقف لا يجوز بيعه، وهذا الذي مشى عليه المؤلف
وأما المساكن في هذه الأرضين فتباع؛ لأن المساكن ملك للساكن فهو الذي أقام البناء حتى استقام، فله ثمن هذا البناء الذي أقامه فيصح العقد عليه، أما الأرض فلا
قوله (بل تؤجر) أجاز تأجيرها، ولم يجز بيعها، وهذا القول ضعيف جداً، وهو المذهب.
والصواب: أن بيعها حلال جائز وصحيح، وسواء المساكن أو الأرضين، وينزل المشتري منزلة البائع في أداء الخراج المضروب على الأرض، وكان هذا فيما مضى، أما الآن فلا خراج ولا وقف، فلا بد أن نفهم الحكم الشرعي.
والأمر الواقع أن الناس يتبايعون الأرضين والمساكن والبساتين من غير نكير، بل هو شبه إجماع، ثم هذا الوقف ليس وقفاً خاصاً، حتى نقول: إن الأوقاف الخاصة لا تباع إلا أن تتعطل منافعها، فهذا وقف عام على المسلمين عموماً، فليس له مستحق خاص، فكان منع المسلمين من تداوله بالبيع من أشق ما يكون على الناس، ورفع الحرج معلوم في الشريعة الإسلامية.
قوله: (ولا يصح بيع نقع البئر) نقع البئر: هو ماء البئر الذي نبع من الأرض، فلا يجوز بيع هذا الماء؛ ولأن هذا الماء لم يخرج بقدرة الإنسان؛ بل بقدرة الله عز وجل، فهو ليس من كده ولا فعله، فهو لا يملكه، فلا يصح بيعه، وكذا ماء العيون لأن ماءها لا يملك غير أن رب الأرض أحق به من غيره لأنه في ملكه، ومن ملكه وحازه وأخرجه ووضعه في البركة فإنه يجوز بيعه لأنه صار ملكاً له بالحيازة
قوله (ولا يصح بيع ما نبت في أرضه من كلأ وشوك) الكلأ: هو العشب، والشوك الشجر، فما ينبت في الأرض بفعل الله عز وجل فإنه لا يجوز لي أن أبيعه؛ فإن كنت أحتاجه لرعي إبلي أو بقري أو غنمي فأنا أحق به، وإلا فلا إلا أن يلحقني في ذلك ضرر فلي أن أمنعه؛ لأنه لا يمكن أن يرتكب الضرر لمصلحة الغير وصاحب الأرض أحق به
أما ما أنبته الإنسان في أرضه فله بيعه، مثل الغرس والزرع.
وبالله التوفيق
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين