ﺟﺪﻳﺪ اﻟﻤﻮﻗﻊ

التحذير من التسول

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الأحد 19 شهر رمضان 1444هـ | عدد الزيارات: 716 القسم: خطب الجمعة


الحمدُ لله ربِّ العالمينَ ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحينَ ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّهُ من خلقه وخليلُه، اللهمَّ صلِّ وسلم وباركْ عليه وعلى أصحابه وأتباعِه.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (الحشر18)
أما بعد:عبادَ الله؛ إنَّ الفقر من أخطر الأمراض التي تصيب الإنسانَ وتدفعه إلى الحاجة إلى غيره، وإنقاص قدره ومنزلته عند الناس؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الفقر، وقد قرَن بينه وبين الكفر في دعاء واحدٍ؛ فكان صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكُفر والفَقر).صحيح أبي داود للألباني.

وكان لقمانُ الحكيم ينصح ابنَه قائلًا: "يا بُنَيَّ، استعِنْ بالكسبِ الحلالِ على الفقر؛ فإنَّه ما افتقرَ رجلٌ قطُّ إلا أصابتُه ثلاثُ خِصالٍ: رقَّةٌ في دِينه، وضعفٌ في عقله، وذهابُ مروءَتِهِ، وأخطرُ مِن هذه الثلاث: استخفافُ النَّاسِ به ". (من كتاب إحياء علوم الدين).

ولقد وضَع الإسلامُ منهجًا قويمًا يحاربُ به الفقرَ، ويحمي المجتمعَ من أضراره؛ فدعا إلى العملِ ورغَّبَ فيه، واعتبره السلاحَ الأولَ في مقاومة الفقر، ثم فرض الزكاةَ، ودعا الأغنياءَ إلى الإنفاق وإطعام المساكين، ورغَّبَ في الصدقات؛ حمايةً للفقراء والمساكين والمحتاجين من آلام الفقر ومتاعبه.

ولقد ارتبط بِدَاءِ الفقر ظاهرةٌ خطيرة انتشرت في المجتمعات الإسلامية بشكلٍ مدمِّر، وهي ظاهرة التسول، والشيءُ الغريب أن التسوُّل لم يَعُدْ يقتصر الآن على الفقراء غير القادرين على العمل والكسب، ولكننا وجدنا بعضَ القادرين على العمل من الكَسَالى قد استسهلوا التسول والاحتيال على الناس بكافة الطرق والوسائل البغيضة لنهب أموالهم.

والمتسول إنسان حقَّرَ نفسَه، وأراقَ ماء وجهه، واستغنى عن كرامته وحيائه، وبدأ يمد يديه للناس أعطَوْه أو منعوه.
وكم هم الفقراء والمحتاجون، الذين نَعرِفهم ويعرفهم الكثير! ومع ذلك تجدُهم متعفِّفين عن سؤال الناس، ولا يسألون إلاَّ الله الرزَّاقَ ذا القوة المتين؛ لأنَّهم أيقنوا أنَّ الرزق من الله وحدَه، وبيده وحدَه، فامْتثَلُوا أمرَ ربهم تبارك وتعالى القائل في مُحكم التنزيل: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ[الذاريات: 22]، ولقدْ امتدحهم الله تعالى لعدم مدِّ أيديهم للناس أو سؤالهم؛ فقال تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا[البقرة: 273].

عباد الله: إن الصدقة ليست لهؤلاء المتسولين القادرين على العمل، ولكنها للفقراءِ الذين لا يستطيعون السعيَ في طلب الرزق، ويحسَبُهم الجاهل أغنياءَ من التعفف؛ لأنهم لا يسألون الناس شيئًا ولا يتسوَّلون، ولكن تعرِفهم أنهم فقراءُ بسماتِ الفقر التي تظهر عليهم.
وإليكم عبادَ الله، بعضَ الأدلة التي تُحرِّم التسوُّلَ، وسؤالَ الناس من غير حاجة:
فقد ثَبتَ في الصحيحَين من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "ما يزالُ الرجلُ يَسألُ الناسَ، حتى يأتيَ يومَ القيامة ليس في وجهه مُزعةُ لَحْم".
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:"مَن سَألَ الناسَ أموالَهم تَكثُّرًا، فإنَّما يسأل جمرًا، فلْيَستَقِلَّ، أو لْيَستكثرْ".

وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال:" سَأَلْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فأعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فأعْطَانِي، ثُمَّ قالَ: يا حَكِيمُ، إنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَن أَخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فِيهِ، ومَن أَخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ له فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ ولَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى. قالَ حَكِيمٌ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ لا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شيئًا حتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكانَ أَبُو بَكْرٍ رَضيَ اللهُ عنه يَدْعُو حَكِيمًا إلى العَطَاءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ منه، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ، فأبَى أَنْ يَقْبَلَ منه شيئًا، فَقالَ عُمَرُ: إنِّي أُشْهِدُكُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ علَى حَكِيمٍ؛ أَنِّي أَعْرِضُ عليه حَقَّهُ مِن هذا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى تُوُفِّيَ. " (صحيح البخاري)


عباد الله، لقد علَّمنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم كيف نتعامل مع هؤلاء المتسولين القادرين على العمل والكسب؛ فقد روى البخاري عن أنس بن مالك، أن رجلاً مِن الأنصار أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يطلُبُ الصدقةَ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمَا في بيتِك شيء؟))، قال: بلى، حِلْسٌ نلبَسُ بعضَه، ونبسُط بعضَه، وقَعْبٌ نشرب فيه الماء، فقال: ((ائتِني بهما))، فأتاه بهما فأخذه بيده وقال: ((مَن يشتري هذين؟))، قال رجل: أنا آخذُهما بدرهم، قال: ((مَن يزيد على درهم؟))، قال رجل: أنا آخذُهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: ((اشتَرِ بأحدهما طعامًا وانبِذْه إلى أهلِك، واشتَرِ بالآخَرِ قَدُومًا فأتِني به))، فشدَّ فيه الرسول عودًا بيده، ثم قال له: ((اذهب فاحتطب وبِعْ، ولا أَرَيَنَّكَ خمسةَ عشر يومًا))، فذهَب الرجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشْرةَ دراهمَ، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألةُ نكتةً في وجهِك يوم القيامة، إن المسألةَ لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقرٍ مدقعٍ، أو لذي غُرْمٍ مُفظِع، أو لذي دمٍ موجع)).

فالرسولُ صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف لم يسارع - كما نفعل نحن اليوم - رأفةً وشفقةً بهذا السائل ويعطيه الصدقةَ ويدَعُه ينصرف، ولكنه صلى الله عليه وسلم أحسَّ فيه القدرة على الكسب والعمل، فأراد أن يغيِّرَ وجهتَه عن هذه العادة المَهينة التي تُفقد الإنسان كرامتَه وهيبتَه وحياءَه - إلى كسبٍ طيب حلال؛ فعلَّمه كيف يعمل ويقتات، ويُغْني نفسَه وذويه عن مسألة الناس.

فالتسوُّل وباءٌ خطير يهدد المجتمع بالخراب، وهو نوعٌ مِن أكل أموال الناس بالباطل.

فليتنا نحاربُ هذه الظاهرةَ المرَضِيَّة في مجتمعنا الإسلامي؛ حتى يحرصَ كلُّ إنسانٍ على العمل والكسبِ الحلال، ويبتعدَ عن البَطالةِ والتعطُّل، وتكفُّفِ الناس والحاجةِ إليهم.

هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه ؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه ؛ والشكر له على توفيقه وامتنانه ؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ؛ وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ثم اعلموا رحمكم الله بأن كل ما تقدم يؤكد أن الشريعة الإسلامية جاءت بالحث على العمل والاكتساب، وأن على كل فرد قادر أن يسعى بنفسه لتحصيل ما يحتاجه من مقومات الحياة، فالله تعالى قد قدر الأرزاق وكتبها، وعلى المرء أن يأخذ بالأسبابِ الممكنة لتحصيل رزقه وجمعه، وأن لا يبقى خاملاً عالة على الناس.
والعمل والتكسب هو ما يقتضيه أمر الله سبحانه وتعالى لنا حين أمرنا بالسعي في الأرض والتنقل بين أرجائها طلبًا للعمل والكسب الحلال، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور
اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمّد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يومِ الدين، وعنّا معهم بعفوك وجُودِك وكرمك، اللهم أعِزَّ المسلمين، وأذِلَّ الكافرين،اللهم اجْعلَنا مِنَ القانِعين برزقِكَ، الراضِينَ بقضائِكَ، المتَّبِعِينَ لنبيِكَ، اللهم لا تجعلِ الدُنيا أكبرَ هَمِّنا، ولا مَبْلَغَ علمنا، ولا إلى النار مصيرَنا، واجعـل الجنةَ دارَنا، ، اللهم استر على إخواننا الفقراء، واغنهم عما سواك، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى، وهيِّئ لهما البطانة الصالحة .

عباد الله:﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل:90]. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ[العنكبوت45].

١٨ رمضان ١٤٤٤ هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

9 + 3 =

/500
جديد الخطب الكتابية