التحذيرمن الغش في البيع والشراء

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الأحد 6 شعبان 1444هـ | عدد الزيارات: 604 القسم: خطب الجمعة

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهَد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مسلمون} [آل عمران 102]

أمَّا بعدُ: عِبَادَ اللهِ: إنَّ دينَنَا الحنيفَ ، دِينٌ يُرَاعِي مَصَالِحَ النَّاسِ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ فَلَمْ يَتْرُكْ أَمْرًا فِيهِ لِلنَّاسِ مَصْلَحَةٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ إِلَّا بَيَّنَ أَحْكَامَهُ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِ النَّاسِ فِي دُنْياهُمْ: الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، فَفِيهِمَا قِوَامُ الْحَيَاةِ، فَأَحَلّ اللَّهُ الْبَيْعَ مُرَاعَاةً لِمَصَالِحِ النَّاسِ، وَحَرَّمَ الرِّبَا رَحْمَةً وَرِفْقًا بِهِمْ، وَحَذَّرَ مِنْ بَخْسِ الْمِيزَانِ، فَقَالَ سبحانه :{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ }.[سورة المطففين 1-6]

فَهَذَا وَعِيدٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ لَا هَمَّ لَهُمْ إلَّا أَنْفُسُهُمْ، فَعِنْدَمَا يَكُونُ الْأَمْرُ مُتَعَلِّقًا بِمَصَالِحِهِمْ يَكُونُونَ مِنْ أَدَقِّ النَّاسِ، وَأَحْرَصِهِمْ عَلَى دِقَّةِ الْمِيزَانِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِمْ فَإِنَّكَ تَرَى الْبَخْسَ وَالظُّلْمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِتُوقِظَ الْغَافِلَ مِنْ غَفْلَتِهِ، وَتُحَذِّرَ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ.

وَمِنْ شِدَّةِ غَضَبِ اللهِ عَلَى أَهْلِ الظُّلْمِ فِي الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ، وَالْغِشِّ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ أَهْلَكَ اللَّهُ تَعَالَى قومَ شعيبٍ عليه السلام بِسَبَبِ بَخْسِهِمْ فِي الْمِيزَانِ، وَغِشِّهِمْ لِلْأَنامِ، فقد كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل، ويقومون بالاعتداء على الأنفس، ونشر الفواحش والآثام، وتعاملهم بالغش والاحتيال. فَقَالَ اللهُ فِيهِمْ :{ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} [هود84]، فلما لم يرتدعوا أهلكهم الله :قال تعالى:{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء 189]

عبادَ اللهِ مَنْ أرادَ البركةَ في تجارتِهِ وبيعه وشرائه فعليه بالصدق والأمانة حينئذ يُبارِك اللهُ في كسبه؛ فعن حكيم بن حزام -رضِي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم-: "البيِّعان بالخِيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدَقَا وبيَّنا، بُورِك لهما في بيعهما، وإن كتَمَا وكذَبَا، مُحِقت بركة بيعهما". رواه البخاري

ويشتدُّ الإثم حينما ينفق الغشَّاش سلعته بالحلف الكاذب، بأنه اشتَراها بكذا، أو بأنَّ فلانًا سامَها بكذا، أو غير ذلك من أساليب الغشاشين؛ فعن أبي هريرة -رضِي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم- يقول: "الحلف مَنْفَقَةٌ للسلعة مَمْحَقَة للبركة". رواه البخاري ومسلم .

وعن أبي هريرة أن رسول الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم- مرَّ على صبرة طعام، فأدخَل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟!"، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام؛ كي يراه الناس، مَن غشَّ فليس مِنِّي". رواه مسلم .

فخابَ وخسر في الدنيا والآخرة مَن تبرَّأ منه النبيُّ، ولا يُعذَر الشخص بِحُجَّة أنَّ العمَّال قاموا بهذا، فالواجب عليه المُتابَعة، فلو فعَلُوا فعلاً يضرُّ بسلعته، ويُنقِص من قيمتها، لم يرضَ بذلك وعمل على عدم تَكرار ذلك، فكذلك الواجب عليه إذا أضرُّوا بإخوانه المسلمين.

عباد الله؛ الواجب على مَن باع سلعةً فيها عيبٌ أن يُبيِّن هذا العيب للمشتري ولا يكتمه؛ فعن عُقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم- يقول: "المسلمُ أخو المسلمِ، ولايحلُ لمسلمٍ باع من أخيه بيعًا فيه عيبٌ إلا بيَّنه له ". صحيح الجامع للألباني، ، فإذا بيَّن العيب برأ البائع في الدنيا والآخرة.


عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الْحِسَابَ قَادِمٌ، وَالْبَعْثَ لَا مَحَالَةَ كَائِنٌ، وَكُلٌّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَلْقَى رَبَّهُ، وَيُقَابِل ُأَعْمَالَهُ، فَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ يُنْصِفُ اللهُ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّلَمَةِ الَّذِينَ غَفَلُوا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَعَاشُوا حَيَاةَ الظُّلْمِ وَالْغَفْلَةِ، فاتَّقُوا اللهَ عِنْدَ بَيْعِكُمْ وَشِرَائِكُمْ، لَقَدْ حَذَّرَنَا اللهُ مِنَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ، فَقَالَ: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ}،(غافر 52) فَكُلُّ مَنْ يُنْقِصُ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ فَهُوَ مُتَوَعَّدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ.قَالَ تَعَالَى:{ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (سورة المطففين 6)

الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ،وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً .

أمَّا بَعْدُ ؛

فَاِتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاِعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.واجعلوا أيها التجارِ من أموالكم وتجارتكم سبيلا وطريقا لمرضات ربكم و تيسير أموركم ، فمن يسَّر يسَّرَ الله عليه فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أُتِيَ اللَّهُ بعَبْدٍ مِن عِبَادِهِ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَقالَ له: مَاذَا عَمِلْتَ في الدُّنْيَا؟ قالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، قالَ: يا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، وَكانَ مِن خُلُقِي الجَوَازُ، فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ علَى المُوسِرِ، وَأُنْظِرُ المُعْسِرَ، فَقالَ اللَّهُ: أَنَا أَحَقُّ بذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عن عَبْدِي. فَقالَ عُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ الجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الأنْصَارِيُّ، هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِن فِي رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ.).رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

عباد الله إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنَّى بملائكته فقال عز من قائل :{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب56) فاللهم صل على نبينا محمد وعلى آله الطيبين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين ، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ، وعنَّا معهم بفضلك وكرمك وجودك ، اللهم أمّنَّا في أوطاننا واجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لما تحب وترضى وهيِّئ لهما البطانة الصالحة الناصحة ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

٦ شعبان ١٤٤٤ هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

3 + 4 =

/500
جديد الخطب الكتابية
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي