الزلازل عبر وعظات

الخطب
التصنيف : تاريخ النشر: الخميس 19 رجب 1444هـ | عدد الزيارات: 439 القسم: خطب الجمعة

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المرسلين ، أرسله ربه هاديا ومبشرا ونذيرا ، أما بعد ؛

:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ "[الحج1]

عباد الله : المسلم دائماً يتأثر قلبه بالآيات الكونية التي يراها ظاهرة أمام عينيه، وهذه الآيات تذكره بالله وتحيي قلبه وتجدد الإيمان فيه، وتجعله متصلاً بالله ذاكراً له، شاكراً لنعمه، مستجيراً بالله من نقمه وسخطه.

والزلازل من أشد الأسباب الطبيعية التي يقدرها الله تعالى تخويفاً لعباده كما قال تعالى: { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }[الإسراء: 59]. وقال تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}[الأنعام: 65].

والعذاب الذي يكون من فوق هو الصيحة أو الحجارة والذي من تحت هو الرجفة أي الزلازل والخسف التي تحدث بأمر ربها،فقد أهلك الله بها ثمود-قوم صالح عليه السلام ـ قال تعالى: { فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين }[الأعراف: 77، 78] . ــ قال الشوكاني: "فأخذتهم الرجفة" أي الزلزلة .

و من أشد الأسباب الطبيعية التي يقدرها الله تعالى تخويفاً لعباده الخسف وهو: أن يذهب جزء من القشرة الأرضية ويغيب في الأرض . كما قال تعالى:{ أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون }[النحل: 45] وقال تعالى: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض } [العنكبوت: 39، 40].

فلا شك أن هذه الزلازل والكوارث من أوضح الدلالات على عظمة الجبار تعالى وضعف جبابرة الأرض مهما أوتوا من قوة.

إن هذه الأرض، التي نعيش عليها، من نعم الله الكبرى علينا، فإن الله سبحانه وتعالى قد مكننا من هذه الأرض، نعيش على ظهرها، وندفن موتانا في باطنها، قال تعالى: { أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً *أَحْيَاء وَأَمْواتاً } [المرسلات:25، 26]

ومن رحمته عز و جل أن أودع في هذه الأرض كل ما يحتاجه الخلق الذين يعيشون على ظهرها، فبارك فيها وقدر فيها أقواتها، ثم سبحانه وتعالى جعلها ثابتة مستقرة لا تتحرك وأرساها بالجبال، حتى نتمكن من البناء عليها والعيش على ظهرها، وفي بعض الأحيان، يجعل الله عز وجل هذه الأرض، جنداً من جنوده، فتتحرك وتميد وتحصل الزلازل المدمرة، تخويفاً للعباد، وتأديباً للبعض الآخر،{ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} [المدثر31]

عباد الله: المسلم عندما تمر عليه مثل هذه الأحداث العظيمة وغيرها المتعلقة بالكون من حوله ينبغي أن تكون له وقفة تأمل واعتبار، وهذه الوقفة تنطلق من العقيدة الراسخة في قلبه والمنعكسة على تصوراته للكون من حوله، وقلب المسلم معلق دائماً بالله، ما يرى من نعمة إلاّ ويعلم أنها من عند الله، وما يرى من مصيبة إلاّ ويعلم أنها بما كسبت يداه ويعفو عن كثير. ويعلم المسلم أن الكون ـ كله مسخر بأمر الله يتصرف فيها كيف يشاء سبحانه، ولا معترض عليه.

والمسلم بما يحمل من عقيدة التوحيد، يعلم أن الضر والنفع بيد الله، وأن ما يجري من زلازل وبراكين وأمطار وأعاصير ورياح وكسوف وخسوف إنما هي بقدر من الله لحكمة يريدها الله، علمها البشرُ أو غابت عنهم. وأن الواجب علينا عند حلول المصائب الصبر والاحتساب وسرعة الرجوع والتوبة إلى الله .

هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وبحكمته خلق الأرض والسماوات، وبقدرته تنطق كلُّ الكائنات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد ؛ عباد الله؛

إن ما تعرض له الأشقاء من الشعبين السوري والتركي من زلزال مدمر أزهق الأنفس والممتلكات وسبب خسائر كبيرة يتطلب منا الدعاء للمصابين ومد يد العون لهم بالكلمة والمال والنفس، قال الله تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ} [التوبة 71] ومقتضى هذه الولاية المحبة والنصرة. والمحبة عمل قلبي لا يجوز أن يتخلى عنه قلب مؤمن، وأما النصرة فإنها تجمع القلب والجوارح. والواجب على المؤمن من ذلك ما يطيقه ويستطيعه، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن 16] وقال جل وعلا: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ}. [البقرة 286] وهذا يختلف باختلاف أحوال الناس، وقدراتهم وإمكاناتهم، إلا أن الذي يجب أن يجتمع عليه الجميع هو الشعور بالمصاب والتألم لبلاء إخوانه المؤمنين، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما ، واللفظ للأول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تَرَى المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشْتَكَى عُضْوًا تَداعَى له سائِرُ جَسَدِهِ بالسَّهَرِ والحُمَّى.). وهذا أقل الحقوق التي تجب للمؤمنين بعضهم على بعض في المصائب والنكبات، . ولا ننسى في هذا المقام ان نذكر فنشكر ما وجه به خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده أيدهما الله فور وقوع الحدث الأليم من الأمر بتسيير جسر جوي، وتقديم مساعدات صحية وإيوائية وغذائية؛ لتخفيف آثار الزلزال على الشعبين السوري والتركي ، وتنظيم حملة شعبية عبر منصة (ساهم) لمساعدة ضحايا الزلزال في سوريا وتركيا، فاللهم اجزِ خادمَ الحرمين الشريفين وسموَ وليِّ عهده خيرَ الجزاء على هذه المبادرة الإنسانية وأن يلطف بعباده المصابين والمتضررين، اللهم صل على نبينا محمد وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وعنَّا معهم بفضلك ومنك وكرمك، اللهم اغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

١٨ رجب ١٤٤٤ هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

9 + 3 =

/500
جديد الخطب الكتابية
روابط ذات صلة
الخطب السابق
الخطب الكتابية المتشابهة الخطب التالي