الدرس 128 مسائل في العقيدة 2

الدرس
التصنيف : تاريخ النشر: الإثنين 6 صفر 1443هـ | عدد الزيارات: 81 القسم: تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وبعد

لا شك أن كثيراً من الناس لا يفرقون بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع بسبب الجهل وقلة من ينبههم ويرشدهم إلى الحق ومعلوم أن بينهما فرقاً عظيماً ، فالتوسل المشروع هو الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وخلق من أجله الثقلين ، وهو عبادته سبحانه ومحبته ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام ، ومحبة جميع الرسل والمؤمنين ، والإيمان به وبكل ما أخبر الله به ورسوله من البعث والنشور والجنة والنار وسائر ما أخبر الله به ورسوله .

فهذا كله من الوسيلة الشرعية لدخول الجنة والنجاة من النار ، والسعادة في الدنيا والآخرة ومن ذلك دعاؤه سبحانه والتوسل إليه بأسمائه وصفاته ومحبته ، والإيمان به وبجميع الأعمال الصالحة التي شرعها لعباده ، وجعلها وسيلة إلى مرضاته والفوز بجنته وكرامته والفوز أيضاً بتفريج الكروب وتيسير الأمور في الدنيا والآخرة كما قال الله عز وجل " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب " الطلاق 2 ، 3 ، وقال سبحانه " ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً " الطلاق 4 ، وقال عز وجل " ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً " الطلاق 5 ، وقال عز وجل " إن المتقين في جنات وعيون " الذاريات 15 ، وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم " الأنفال 29 ، وهو العلم والهدى والفرقان ، والآيات في هذا المعنى كثيرة .
ومن التوسل المشروع التوسل إلى الله سبحانه بمحبة نبيه صلى الله عليه وسلم والإيمان به واتباع شريعته ، لأن هذه الأمور من أعظم الأعمال الصالحات ومن أفضل القربات .

أما التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم أو بذاته أو بحقه أو بجاه غيره من الأنبياء والصالحين أو ذواتهم أو حقهم فمن البدع التي لا أصل لها بل من وسائل الشرك ، لأن الصحابة رضي الله عنهم وهم أعلم الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم وبحقه لم يفعلوا ذلك ولو كان خيراً لسبقونا إليه ، ولمَّا أجدبوا في عهد عمر رضي الله عنه لم يذهبوا إلى قبره صلى الله عليه وسلم ولم يتوسلوا به ولم يدعوا عنده بل استسقى عمر رضي الله عنه بعمه صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب أي بدعائه فقال رضي الله عنه وهو على المنبر " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيُسقون " رواه البخاري في صحيحه ، ثم أمر رضي الله عنه العباس أن يدعو فدعا وأمَّن المسلمون على دعائه فسقاهم الله عز وجل ، وقصة أهل الغار مشهورة وهي ثابتة في الصحيحين ، وخلاصتها أن ثلاثة ممن كان قبلنا آواهم المبيت والمطر إلى غار ، فدخلوا فيه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار ولم يستطيعوا دفعها ، فقالوا فيما بينهم : لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم ، فدعوه سبحانه واستغاثوا به ، وتوسل أحدهم ببر والديه ، والثاني بعفته عن الزنا بعد القدرة ، والثالث بأدائه الأمانة فأزاح الله عنهم الصخرة وخرجوا ، وهذه القصة من الدلائل العظيمة على أن الأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في تفريج الكروب والخروج من المضائق والعافية من شدائد الدنيا والآخرة .

والصحابة رضي الله عنهم كانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم ، وأن يستغيث لهم إذا أجدبوا ، ويشفع في كل ما ينفعهم حين كان حياً بينهم ، فلما توفي صلى الله عليه وسلم لم يسألوه شيئاً بعد وفاته ولم يأتوا إلى قبره يسألونه الشفاعة أو غيرها ، لأنهم يعلمون أن ذلك لا يجوز بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وإنما يجوز ذلك في حياته صلى الله عليه وسلم قبل موته ، ويوم القيامة حين يتوجه إليه المؤمنون ليشفع لهم ليقضي الله بينهم ولدخولهم الجنة ، بعد ما يأتون آدم ونوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام فيعتذرون عن الشفاعة ، كل واحد يقول نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري فإذا أتوا عيسى عليه الصلاة والسلام اعتذر إليهم وأرشدهم إلى أن يأتوا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ، فيأتونه فيقول : أنا لها أنا لها ، لأن الله سبحانه قد وعده ذلك فيذهب ويخر ساجداً بين يدي الله عز وجل ويحمده بمحامد كثيرة ولا يزال ساجداً حتى يقال له : ارفع رأسك وقل تسمع ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وهو حديث الشفاعة المشهور ، وهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله سبحانه في قوله تعالى في سورة الإسراء " عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً " الإسراء 79 ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان ، وجعلنا الله من أهل شفاعته إنه سميع قريب .
لا شك أن كلمة لا إله إلا الله هي أساس الدين ، وهي الركن الأول من أركان الإسلام ، مع شهادة أن محمداً رسول الله ، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت " متفق على صحته من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً - رضي الله عنه - إلى اليمن ، قال له " إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " متفق عليه .
ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله : لا معبود حق إلا الله ، وهي تنفي الإلهية بحق عن غير الله سبحانه ، وتثبتها بالحق لله وحده ، كما قال الله عز وجل " ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل " الحج 62 ، وقال عز وجل " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " البقرة 163 ، وهذه الكلمة العظيمة لا تنفع قائلها ولا تخرجه من دائرة الشرك إلا إذا عرف معناها وعمل به وصدَّق به .

وقد كان المنافقون يقولونها وهم في الدرك الأسفل من النار لأنهم لم يؤمنوا بها ولم يعملوا بها ، وهكذا اليهود تقولها وهم من أكفر الناس لعدم إيمانهم بها وهكذا عُبَّاد القبور والأولياء من كفار هذه الأمة يقولونها وهم يخالفونها بأقوالهم وأفعالهم وعقيدتهم ، فلا تنفعهم ولا يكونون بقولها مسلمين لأنهم ناقضوها بأقوالهم وأعمالهم وعقائدهم .وقد جمع بعضهم شروطها في بيتين فقال:



علم يقين وإخلاص وصدقك مع *** محبة وانقياد والقبول لها
وزيد ثامنها الكفران منك بما *** سوى الإله من الأشياء قد أُلِّها
وهذان البيتان قد استوفيا جميع شروطها :
الأول : العلم بمعناها المنافي للجهل وتقدم أن معناها لا معبود بحق إلا الله فجميع الآلهة التي يعبدها الناس سوى الله سبحانه كلها باطلة .
الثاني : اليقين المنافي للشك فلابد في حق قائلها أن يكون على يقين بأن الله سبحانه هو المعبود بالحق .
الثالث : الإخلاص وذلك بأن يخلص العبد لربه سبحانه وهو الله عز وجل جميع العبادات ، فإذا صرف منها شيئاً لغير الله من نبي أو ولي أو ملك أو صنم أو جني أو غيرها فقد أشرك بالله ونقض هذا الشرط وهو شرط الإخلاص .
الرابع : الصدق ومعناه أن يقولها وهو صادق في ذلك ، يطابق قلبه لسانه ، ولسانه قلبه ، فإن قالها باللسان فقط وقلبه لم يؤمن بمعناها فإنها لا تنفعه ، ويكون بذلك كافراً كسائر المنافقين .
الخامس : المحبة ، ومعناها أن يحب الله عز وجل ، فإن قالها وهو لا يحب الله صار كافراً لم يدخل في الإسلام كالمنافقين ، ومن أدلة ذلك قوله تعالى " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " آل عمران 31 ، وقوله سبحانه " ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله " البقرة 165 .

السادس : الانقياد لما دلَّت عليه من المعنى ، ومعناه أن يعبد الله وحده وينقاد لشريعته ويؤمن بها ، ويعتقد أنها الحق ، فإن قالها ولم يعبد الله وحده ، ولم ينقد لشريعته بل استكبر عن ذلك ، فإنه لا يكون مسلماً كإبليس وأمثاله .
السابع : القبول لما دلَّت عليه ، ومعناه : أن يقبل ما دلَّت عليه من إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه وأن يلتزم بذلك ويرضى به .
الثامن : الكفر بما يُعبد من دون الله ، ومعناه أن يتبرأ من عبادة غير الله ويعتقد أنها باطلة ، كما قال الله سبحانه " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم " البقرة 256 ، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله " ، وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " من وحَّد الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه " أخرجهما مسلم في صحيحه .(عن طارق بن أشيم الأشجعي )
فالواجب على جميع المسلمين أن يحققوا هذه الكلمة بمراعاة هذه الشروط ، ومتى وجد من المسلم معناها والاستقامة عليها فهو مسلم حرام الدم والمال ، وإن لم يعرف تفاصيل هذه الشروط لأن المقصود وهو العلم بالحق والعمل به وإن لم يعرف المؤمن تفاصيل الشروط المطلوبة ، والطاغوت هو كل ما عبد من دون الله كما قال سبحانه " ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " النحل 36 ، ومن كان لا يرضى بذلك من المعبودين من دون الله كالأنبياء والصالحين والملائكة فإنهم ليسوا بطواغيت ، وإنما الطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى عبادتهم وزيَّنها للناس نسأل الله لنا وللمسلمين العافية من كل سوء .

وأما الفرق بين الأعمال التي تنافي هذه الكلمة وهي لا إله إلا الله ، والتي تنافي كمالها الواجب ، فهو : أن كل عمل أو قول أو اعتقاد يوقع صاحبه في الشرك الأكبر فهو ينافيها بالكلية ويضادها كدعاء الأموات والملائكة والأصنام والأشجار والأحجار والنجوم ونحو ذلك ، والذبح لهم والنذر والسجود لهم وغير ذلك ، فهذا كله ينافي التوحيد بالكلية ، ويضاد هذه الكلمة ويبطلها وهي : لا إله إلا الله ، ومن ذلك استحلال ما حرَّم الله من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع كالزنا وشرب المسكر وعقوق الوالدين والربا ونحو ذلك ، ومن ذلك أيضاً جحد ما أوجب الله من الأقوال والأعمال المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع كوجوب الصلوات الخمس والزكاة وصوم رمضان وبر الوالدين والنطق بالشهادتين ونحو ذلك .
أما الأقوال والأعمال والاعتقادات التي تضعف التوحيد والإيمان وتنافي كماله الواجب فهي كثيرة ومنها : الشرك الأصغر كالرياء والحلف بغير الله ، وقول ما شاء الله وشاء فلان ، أو هذا من الله ومن فلان ونحو ذلك ، وهكذا جميع المعاصي كلها تضعف التوحيد والإيمان وتنافي كماله الواجب ، فالواجب الحذر من جميع ما ينافي التوحيد والإيمان أو ينقص ثوابه ، والإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .

والأدلة على ذلك كثيرة أوضحها أهل العلم في كتب العقيدة وكتب التفسير والحديث فمن أرادها وجدها والحمد لله ، ومن ذلك قول الله تعالى " وإذا ما أُنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون " التوبة 124 ، وقوله سبحانه " إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون " الأنفال 2 ، وقوله سبحانه " ويزيد الله الذين اهتدوا هدى " مريم 76 ، والآيات في هذا المعنى كثيرة .

والله ولي التوفيق

6 - 2 - 1443هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

5 + 9 =

/500
جديد الدروس الكتابية
الدرس 113 تهذيب الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني - تهذيب الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 131 مسائل في العقيدة 5 - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 130 مسائل في العقيدة 4 - تهذيب وتحقيق فتاوى ابن باز -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 112 تهذيب الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني - تهذيب الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
تفسير سورة مريم - تفسير القرآن الكريم -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر
الدرس 207 باب الغصب - شرح زاد المستقنع -- للشيخ د . مبارك بن ناصر العسكر