القائمة البريدية
القائمة البريدية
أدخل بريدك الالكتروني
عدد الزوار
انت الزائر :153647
[يتصفح الموقع حالياً [ 76
الاعضاء :0 الزوار :76
تفاصيل المتواجدون
تاريخ بدء الإحصائيات : 15-11-1432هـ
احصائيات الزوار
الاحصائيات
لهذا اليوم : 4630
بالامس : 2424
لهذا الأسبوع : 14439
لهذا الشهر : 55533
لهذه السنة : 780353
منذ البدء : 1619166
تاريخ بدء الإحصائيات : 12-10-2011
الاحصائيات الموقع
عدد المواد : 3272
عدد التلاوات : 165
عدد الخطب الصوتية : 278
عدد الخطب الكتابية : 281
عدد الدروس الصوتية : 927
عدد الدروس الكتابية : 936
عدد الفوائد الصوتية : 257
عدد الفوائد الكتابية : 267
عدد المحاضرات : 6
عدد المواد : 6
عدد البرامج : 2
عدد المقاطع : 30
عدد الكتـب الاسلامية : 1
عدد الصور : 12
عدد الأدعية والأذكار الصوتية : 28
عدد الأدعية والأذكار الكتابية : 55
عدد القصص : 20
عدد التعليقات : 2
عدد المشاركات : 0
مواقيت الصلاة
التقويم الهجري
تغريدات الشيخ

الصبر ومنزلته في الإسلام

المادة
التصنيف : تاريخ النشر: 22-08-2016 | عدد الزيارات: 1432 القسم: المحاضرات الكتابية

الحمد لله ولي الصابرين وأمان المتقين وأشهد أن لا إله إلا الله يمحص الذين آمنوا ويمحق الكافرين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أيده ربه بقوة الصبر واليقين اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

عباد الله: الصبر ملاك الإيمان وزينة الإنسان وطريقه إلى المعالي والمكرمات إليه يسكن وبه يطمئن وفي ساحته يقر ويستريح وهو مقام عظيم من مقامات الدين ومنزل كريم من منازل السالكين وهو في الإسلام خلق له خطره وعظيم شأنه شاد القرآن بذكره في نيف وسبعين موضعاً منه ورتب عليه الثواب الجزيل وضاعف لأهله الحسنات ليحببه إلى القلوب ويرغب فيه النفوس بل لقد قال صلى الله عليه وسلم في شأنه "الصبر نصف الإيمان" فما من فضيلة إلا وهو دعامتها فإن كان صبراً عن الشهوات سمي عفة وإن كان على احتمال مكروه كان رضا وتسليماً وإن كان على النعمة وشكرها كان ضبطاً للنفس وحكمة وإن كان في قتال سمي شجاعة وقوة وإن كان بين يدي حماقة أو سفه سمي حلماً وإن كان بكتمان سر سمي صاحبه كتوماً وأميناً وإن كان لفضول في العيش أو الحديث سمي زهداً وهكذا

فالمرء بدونه في الحياة عاجز ضعيف لا طاقة له بما قد يثقله ولا حول ولا قوة بين يدي أمر يشق عليه وطبيعة الليالي والأيام لا تدوم على حال إن أحسنت أساءت وإن أقبلت فسرعان ما تدبر والإنسان أمام أحداثها ضعيف الإرادة لين العريكة لا يقوى على الصمود ولا يحتمل وقع الشدة لذلك فإنه بحاجة إلى طاقة يواجه بها هذا الأمر وقوة يجتاز بها وقد ينزل به وليست متوفرة عند كل الناس فمن الناس قوم عاشوا وشغلهم شاغل أنفسهم وحظوظها أخلدوا إلى الأرض وربطوا أسباب السعادة بها لا حكم بينهم غير المنفعة ولا نظام غير الأثرة والأنانية ولو تحطمت كل المبادئ والقيم وانتهكت الحرمات وذابت في بوتقة الرذيلة المعتقدات إن هؤلاء لا يطيقون فراغاً لما ألفوا وربما ألفوا الموت الرخيص فراراً من قضاء الله فيما فقدوا فيبؤون بخزي الدنيا وعار الآخرة وذلك هو الخسران المبين ومنهم وفي أمثالهم يقول تعالى "من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشا لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً" ومن الناس من تَحَلَوْا بالإيمان بالله فلانت له قلوبهم وكان الزاد الذي تقوم به حياتهم والقوة التي تَتَحَققُ من خلالها أمجادهم هؤلاء رأوا أن السعادة ليست في مال يجمع أو ولد قد ينفع أولاً أو جاه أو سلطان أو راحة أو اطمئنان إنما سعادتهم في أن يكون الله عنهم راض وأن تكون دنياهم بما اشتملت عليه في خدمة هذا الغرض الأسمى والقصد الأقوم

الأرواح والأموال والأولاد وكل ما يعتز به الإنسان في هذا الباب سواء فهم في النعمة شاكرين وإذا مسهم الضر فإلى الله يجأرون وإذا دُعوا إلى الله ورسوله رأيتهم يسارعون إنهم ليذكرون قول الله سبحانه "وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون" اختارهم الله وارتضاهم ومنحهم من فضله واجتباهم هؤلاء إذا نزل بهم ما يكرهون أو كلفوا بما لا يستطيعون أو طُوْلِبُوُا بما لم يألفوا أو دُعوا إلى ضد ما أَحَبوا ذكروا الله فحملوا أنفسهم على الرضا بأمره والتسليم لحكمه والوقوف عند حده وليس ذلك إلا بالصبر الذي أمر به خليله إذ قال "فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" وقال تعالى "فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم" والتاريخ حافل بالبطولات في هذا المضمار فهؤلاء أمثال بلال بن رباح وعمار بن ياسر وصهيب الرومي أولئك الذين أوذوا فما وهنوا لما أصابهم وما ضَعُفُوا

وفي ميادين الشرف أمام الأعداء شهدت الدنيا رجالاً باعوا في سبيل الله أنفسهم وأموالهم فآتاهم الله ثوابهم ونصرهم على عدوهم فمحمد الفاتح مُقوض دولة الروم الشرقية وفاتح القسطنطينية وصلاح الدين قاهر الصليبين والقائد المظفر قطز قاهر التتار وحامي حمى الإسلام والمسلمين كل أولئك كان الصبر أقوى سلاح في حياتهم حققوا به النصر على الحياة وعلى ما في الحياة

وحتى يكون بنيان الأمة قوياً لا بد لها من الأخذ بكل القيم والفضائل وتطهير المجتمع من الدنايا والرذائل والضرب على يد العابثين بقيمها ومقدراتها وتوطين النفس على البذل والتضحية

استمِعُوا إلى قول الحق تبارك وتعالى وهو يقول "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" فما أجمل أن يتخلق شيبُ هذه الأمة وشبابها كبارها وصغارها رجالها ونساؤها بهذا الخلق النبيل في كل شئونهم فلا يستهويهم بريق الحياة فينسوا الواجب ولا تزعجهم حادثات الليالي فيخلُدوا إلى الضعف ولا تستحوذ عليهم تيارات الهوى فيميلوا عن الجادة إن عليهم أن يُوطنوا أنفسهم على مُواجهة كل تصاريف الحياة حُلوها ومُرها خيرها وشرها بقلب المؤمن الصادق وأن يعلموا أن الأيام دول فيوم علينا ويوم لنا وأن يذكروا أن ذلك سنة الله في خلقه فهو القائل (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) ويلاحظ أن قبل هذه الآية آية أخرى فيها الأمر بالصبر: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين

إن هذه الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان وهذا الابتلاء وهذا الامتحان يكون بالنعم كما يكون أيضاً بالمصائب والنقم قال الله تعالى (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) وقال تعالى (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) فالحياة الدنيا كلها بما فيها من نعم وخيرات وأموال، وبما فيها أيضاً من مصائب ومحن وشدائد وآلام، كلها ابتلاء من الله تبارك وتعالى لينظر أيطيعه عباده، ويعملون بمقتضى أمره ونهيه، أم يتبعون الشيطان والأهواء، وكل الناس له نصيب من هذا الابتلاء، لابد أن يبتلى الإنسان في هذه الحياة الدنيا، قَلَ هذا الابتلاء أم كثر، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم (أشد الناس بلاءاً الأنبياء) أخرجه البخاري

ومن أهم هذه الحِكَم

أولاً: إظهار من يطيع الله عز وجل ممن يعصيه فإذا أصيب الإنسان بابتلاء أو مصيبة، فهل يتسخط على المقدور؟ هل يجزع ؟ أم يطيع الله عز وجل ويصبر، ويرجو الثواب، يحتسب المصاب؟ وإذا أنعم الله على الإنسان بالمال والبنين، فهل يشكر الله ويستعملها في طاعته سبحانه وتعالى أم أنه يعصي الله ويستعملها في معصيته وما يغضبه ؟

إذاً كل إنسان له نصيب من هذا الابتلاء، فيظهر الطائعون والعاصون

ثانياً: ابتلاء المؤمنين يُكفر عنهم السيئات، ويحط عنهم خطيئاتهم، قال صلى الله عليه وسلم (ما يصيب المؤمن من بلاء ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) متفق عليه، إذاً كل شيء مما ذكر يحط من ذنوب المؤمن، حتى وإن كان مجرد هم أو غمٍّ يدخل في قلبه، ولا يطلع عليه الناس، وقال صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيراً يُصِب منه) رواه البخاري، ومعنى يصب منه أي: يبتليه بشيء، فإذا أراد الله بعبده خيراً أصابه ببعض المصائب والابتلاءات، فتكون تكفيراً للسيئات، حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة

ثالثاً: أن في الإبتلاءات تطهير النفوس، وتزكيتها، وكشف حقائقها، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: والمقصود أن المصيبة كِيْرْ العبد الذي يسكبه، فإما أن يَخرج ذهباً أحمر، وإما أن يخرج خَبثاً، كما قيل

سبكناه ونحسبه له لجينا *** فأبدى الكير عن خَبث الحديد

قال رحمه الله: فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا، فبين يديه الكير الأعظم، يقصد يوم القيامة، فإذا علم العبد أن إدخاله كير الدنيا ومسبكها خير له من هذا الكير والمسبك، وأنه لا بد له من أحد الكيرين، علم قدر نعمة الله عليه

رابعاً: ابتلاء المؤمنين تحذيراً لهم من الركون إلى الدنيا، فلو استمرت النفوس على حال واحدة لغرقت في شهوات الدنيا وملذاتها، وَدَخَلَهَا الكِبْرُ والعجب والفخر والخيلاء، وغير ذلك من أمراض النفوس، من التعالي على الناس، وغمطهم حقهم، والتجبر في الأرض، والطغيان على خلق الله، فالمصائب والابتلاءات إيقاظ لها وتذكير بالمصير والنهاية

وهذه الدارُ لا تُبقى على أحد *** ولا يدوم على حال لها شأن

فإذا علم العبد بذلك وتيقن تأهب للآخرة، واستعد للانتقال إلى دار القرار (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) أخرجه البخاري، كما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما

خامساً: الابتلاء تطهير للصف المؤمن من الأدعياء والمنافقين، الذين يهربون من الابتلاءات، ولا يتحملونها في سبيل الله (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت: 1،3. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (البقرة: 214

سادساً: إنَّ في الابتلاءات والمحن والشدائد تربية المؤمنين أجمعين، وإعدادهم لتحمل أعباء هذه الدعوة المباركة دعوة الإسلام، ولتحمل مشاق نشر هذا الدين، وإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى وتقدس (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور) آل عمران: 186

سابعاً: في الابتلاءات والمحن والشدائد يظهر الطاغوت ويتبين الظلم، فيمقته الناس، وترفضه نفوسهم

ثامناً: في الابتلاءات والمحن والشدائد رجوع إلى الله تبارك وتعالى، وتوبة إليه سبحانه وتعلق به، وصدق التوكل عليه، وعدم التعلق بالأسباب، فنفعل الأسباب لكن لا نتعلق بها، فإذا تعلقت القلوب بالواحد القهار، بالعلي القدير جل وعلا، حين ذاك يأتي الفرج من الله، ويأتي النصر السريع لعباد الله المؤمنين

وليعلم المسلم أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن سادس من أركان الإيمان وكل ما أصاب المسلم من محنة أو مصيبة أو مرض أو غم فإنه بقضاء الله وقدره يلزمه أن يؤمن بذلك (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك) أخرجه أحمد وصححه الألباني، (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات) وفيها بيان لعدد من أنواع الابتلاءات والمصائب أولها الخوف من العدو يخافه المسلمون كما حدث للمؤمنين في المرحلة المكية قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما حصل أيضاً يوم الأحزاب وكذلك الجوع فقد يَبْتلي الله عز وجل عباده المؤمنين بالجوع ليتوبوا إليه وليرجعوا وليعلموا أنه سبحانه بيده مقاليد الأمور وأن كل شيء إنما هو بقضائه وقدره فيتوبوا إليه ويتعلقوا به حين ذاك يُفرج الله سبحانه وتعالى عنهم

والابتلاء بالخوف والجوع من أعظم أنواع الابتلاءات ولذلك امتن الله عز وجل على قريش أنه آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع وكذلك حذر الله من عصاه أن يبتليه بالخوف والجوع (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) حتى يستكينوا إلى ربهم وحتى يتوبوا، أما إن عتو واستمروا فقد تفتح لهم أبواب الدنيا ويعطوا من زهرتها استدراجاً لهم ثم ينزل بهم عذاب عظيم

ونقص من الأموال والأنفس والثمرات

النقص من الأموال إما الفقر أو الجوائح أو نحو ذلك، والأنفُس فَقْد الأقارب وفقد الأحباب وفقد المؤمنين، فقد المؤمن لإخوانه حين يُقتلون أو يستشهدون أو يموتون، والثمرات: ألا يُنبت الأشجار والزرع كما كانت تنبت في العادة بل لا تُنبت شيئاً وقد لا تُنبت إلا قليلاً كل ذلك ابتلاء قال تعالى (وبشر الصابرين) الصابرون الذين إذا أُصيبوا بهذه الابتلاءات صبروا على هذه المحنة ورجعوا إلى ربهم وتعلقوا به لهم من الله البشرى (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) إنا لله: أي مُلْكاً فنحن عبيد مملوكون لله فنحن لله ابتدءا وإنا إليه راجعون في الدار الآخرة، فكل شيء من الله وهو إلى الله راجع (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) صلوات يعني ثناء من الله تبارك وتعالى (وأولئك هم المهتدون) وأعظم المصائب والابتلاءات أن يُبتلى الإنسان في دينه إذا أصيب الإنسان في دينه بانحراف أو شبهة أو شهوة نسأل الله السلامة، فذلك أعظم المصائب التي تحصل للإنسان في هذه الدنيا إنها خسارة الدنيا والآخرة

والصبر كما قال أهل العلم واجبٌ على المسلم، والرضا أعلى منزلة من الصبر، ولكن الصبر واجبٌ، يجبُ على المسلم أن يصبر، ويحتسب، فالمصيبة يكفر الله بها عنه الخطايا، وإذا صبر واحتسب أعطاه الله عز وجل الأجر والثواب، فكان له كسبان، أولها تكفير الخطايا والسيئات، وثانيهما زيادة الثواب والحسنات. وقد ورد في كتاب الله الكريم الأمر بالصبر في آيات كثيرات، وأثنى الله عز وجل على أهل الصبر، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى كثيراً من المواضع التي ورد بها الصبر، ونُقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: إن الله عز وجل قد ذكر الصبر في أكثر من تسعين موضعاً من القرآن الكريم، وعلى حسب المُعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ذُكر الصبر في القرآن في أكثر من مائة موضع

قال ابن القيم رحمه الله: إنَّ الله ذكرَ الصبر في كتابهِ الكريم على أنواعٍ كثيرة فمنها: الأمر به كقوله تعالى (وَاصبِر وَمَا صَبرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) وكقوله تعالى (وَاصبِر لِحُكمِ رَبِّكَ) ومنها النهي عما يضاد الصبر وهو الاستعجال، قال تعالى (وَلا تَستَعجِل لَهُم) وأن يَهِنْ المسلم ويضعُف ويحزن، قال تعالى (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحزَنُوا) ومنها أنَّ الله عز وجل علق الفلاح بالصبر، قال تعالى (يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ) فعلق سبحانه الفلاح بمجموع هذه الأمور، ومنها أن الله عز وجل أخبر عن مضاعفة أجر الصابرين على غيرهم كقوله تعالى (أُولَئِكَ يُؤتَونَ أَجرَهُم مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا) وكقوله تعالى (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ) ومن ذلك الصيام، فإن الصيام نوع من الصبر، فإنه حَبْس النفس، وكفها عما تشتهيه وحبسها على طاعة الله تبارك وتعالى، ولذلك قال الله تعالى كما في الحديث القدسي (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنَّهُ لي وأنا أجزي به) ومنها أيضاً أن الله عز وجل ذكر أنَّ الصابرين يظفرون بمعيته الخاصة سبحانه وتعالى قال الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ومنها أنَّ الله سبحانه جعل الصبر عَوْناً وعدة، وأمر بالاستعانة به (وَاستَعِينُوا بِالصَّبرِ وَالصَّلاةِ) قال ابن القيم رحمه الله فمن لا صبر له، لا عون له ومنها أنَّ الله سبحانه علق النصر على الصبر والتقوى، قال تعالى (بَلَى إِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأتُوكُم مِن فَورِهِم هَذَا يُمدِدكُم رَبٌّكُم بِخَمسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (واعلم أن النصر مع الصبر) ومنها أنَّ الله سبحانه جعلَ الصبر والتقوى جُنةً عظيمةً من كيد العدو ومكره، فما استجن العبد بِجِنة, أعظم منهما، قال تعالى (وَإِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرٌّكُم كَيدُهُم شَيئاً) ومنها أنه سبحانه أخبر أن ملائكته تسلم على الصابرين في الجنة قال تعالى (وَالمَلائِكَةُ يَدخُلُونَ عَلَيهِم مِن كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيكُم بِمَا صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدَّارِ) ومنها أنه سبحانه رتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح فقال (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجرة كبير) ومنها أنه سبحانه جعل الصبر على المصائب من عزم الأمور، أي مما يُعزم من الأمور التي نرى أنه يعزم على أجلها وأشرفها، فقال سبحانه (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزمِ الأُمُورِ) وقال لقمان لابنه (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأمُر بِالمَعرُوفِ وَانهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصبِر عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِن عَزمِ الأُمُورِ) ومنها أن الله سبحانه وعد المؤمنين بالنصر والظفر، وهي كلمته التي سبقت لهم وهي كلمته الحسنى، وأخبر أنهم إنما نالوا ذلك بالصبر، فقال تعالى (وَتَمَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسنَى عَلَى بَنِي إِسرائيلَ بِمَا صَبَرُوا) إلى أن قال رحمه الله ومنها أنه سبحانه أثنى على عبده أيوب عليه السلام بأحسن الثناء على صبره فقال تعالى (إِنَّا وَجَدنَاهُ صَابِراً نِعمَ العَبدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ومنها أنه سبحانه حكم بالخسران حكماً عاماً على من لم يؤمن ولم يكن من أهل الحق والصبر، وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم فقال تعالى (وَالعَصرِ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ) ومنها أنَّهُ سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان كلها فقرنه بالصلاة كقوله تعالى (وَاستَعِينُوا بِالصَّبرِ وَالصَّلاةِ) وقرنه بالأعمال الصالحة، كقوله (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وجعله قرين التقوى، كقوله تعالى (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر) وجعله قرين الشكر، كقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور) وجعله قرين الحق لقوله تعالى (وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ) وجعله قرين الرحمة كقوله تعالى (وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ وَتَوَاصَوا بِالمَرحَمَةِ) وجعله قرين اليقين كقوله (لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) وجعله قرين الصدق كقوله (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ) وجعله سبب محبته ومعيته ونصره وعونه، وحسن جزائه، ويكفي بعض ذلك شرفاً وفضلاَ

وكما أثنى الله عز وجل على الصبر وأهله فقد حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها قوله عليه الصلاة والسلام من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه الذي رواه مسلم وهو حديث طويل وفيه (الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء) فالصلاة نور للمؤمن والصدقة دليل على صدق إيمانه والصبر ضياء له يستضيء به في الظلمات، وانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم (والصبر ضياء) والضياء فيه نوع إحراق ومعنى ذلك أن الصابر لا بد له من التحمل لأنه ليس كل إنسان يستطيع أن يصبر، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفذ ما عنده فقال لهم حين انفق كل شيء بيده: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يُصَبره الله ثم قال عليه الصلاة والسلام : وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر) متفق على صحته

وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث صهيب رضي الله تعالى عنه الذي رواه مسلم (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) أخرجه مسلم

فالمنافق والكافر إذا أصيب بمصيبة فليس له ثواب قد يتجلد وقد يصبر مخافة أن يُشمت به ولكنه لا يثاب على ذلك ولا يؤجر ولا يحط عنه خطاياه، أما المؤمن فله أجران يكسبهما الأول بمجرد أن يصاب يكفر عنه خطاياه والثاني أنه إذا صبر واحتسب فإنه يثاب على هذه المصيبة

أنواع الصبر

أما أنواع الصبر فقد قال أهل العلم هي ثلاثة

الأول: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله وبيان ذلك أن الصبر في اللغة هو الحبس والمنع، فيكون معناه حبس النفس على ما تكره وحبس النفس على طاعة الله وإكراهها على ذلك وحبس النفس ومنعها عن المعصية وحبس النفس إذا أصيب المؤمن بمصيبة عن التسخط وعن الجزع ومظاهره كلطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية

قال الله تعالى في الصبر على الطاعات (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) وقال تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) إذاً اصبر أيها المؤمن على طاعة الله تبارك وتعالى فإن الطاعة تحتاج إلى مجاهدة ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (حُفت الجنة بالمكاره) أخرجه مسلم. أي بالأمور التي تشق على النفوس فإذا جاهدت نفسك ثم صبرتها على طاعة الله تبارك وتعالى تتحول هذه المشاق إلى حلاوة الإيمان ولذته وتصبح عادتك أن تعبد الله عز وجل وأن تطيعه وإذا تأخرت يوماً عن طاعة ربك جل وعلا وجدت تأنيباً في قلبك وآلاماً في نفسك وضيقاً في صدرك لأنك تأخرت عن طاعة الله وهذه هي ثمرة المجاهدة

أما الصبر عن المعاصي والشهوات فقد قال الله تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) وقال تعالى (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) فالصبر عن المعصية يكون بحبس المسلم نفسه عن متابعة الشهوات وعن الوقوع فيما حرم الله فإن النار حفت بالشهوات وذلك لأن النفوس تشتهيها وتريد أن تقتحم فيها، فإذا حبس الإنسان نفسه على ما تكره وصبر عن المعصية كان ذلك خيراً له وأصبح ذلك بإذن الله تبارك وتعالى طبيعة له ينفر من المعصية ويغضب حين يراها

أما الصبر على البلاء فقد قال الله تعالى: وَلَنَبلُوَنّكُم بِشَىءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجُوعِ وَنَقصٍ مِنَ الأموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثّمَراتِ وَبَشِرِ الصّابِرينَ

والصبر على الطاعات وعن المعاصي أفضل من الصبر على البلاء مع أن كل واحد منها فيه فضل لكن لأن الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية يكون باختيار العبد

أما الصبر على المصائب فقد يكون اضطراراً، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن صبر يوسف عليه السلام حينما طلبته امرأة العزيز أعظم من صبره حينما أُلقي في الجب وذلك لأن صبره حينما راودته تلك المرأة كان حبساً للنفس عن المعصية مع قوة الدواعي فالرجل وهو يوسف عليه السلام كان غريباً وكان شاباً عزباً والتي راودته سيدته وهي ذات منصب وذات جمال ومع ذلك قاوم وحبس نفسه وصبر عن المعصية فكان من ذلك أن أثنى الله عز وجل عليه: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ

الصبر في الدعوة

ومن الصبر على الطاعات أن يصبر المسلم في الدعوة إلى الله عز وجل وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيصبر على ما يصيبه فيهما من ابتلاء وأذى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) وقال تعالى (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) التواصي بالحق أي دعوة بعضهم بعضاً إلى الحق والحق هو الإسلام والحق هو القرآن أيضاً (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) ، (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى) فتواصوا بهذا الإسلام وهذا القرآن ثم تواصوا بالصبر على ذلك

والتواصي بالحق هو الدعوة إلى الله وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال لقمان لابنه ( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) والداعي إلى الله تبارك وتعالى تعترضه كثير من العقبات والمعوقات التي تحتاج إلى زاد كبير وهو الصبر العظيم والتوكل على الرب الرحيم جل وعلا وإن من العقبات والمعوقات التي تعترض من يدعو إلى الله تبارك وتعالى وتحتاج إلى صبر ومصابرة إعراض الناس عن دعوته وعدم تقبلهم لها قال تعالى (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) وليس ذلك لعلة في الداعي ولكن قد يكون لشقاوة المدعوين فإن بعض الأنبياء كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (يأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد ويأتي النبي ومعه الرجل والرجلان) أخرجه البخاري

وما ذلك بتقصير من الأنبياء عليهم السلام ولكن كما قال الله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) فيحتاج الداعية إلى الله تبارك وتعالى إلى زاد من الصبر إذا رأى الناس يصدون عن دعوته ولا يتقبلونها، ولنتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي في مكة ثلاث عشرة سنة ولم يستجب له إلا ثلاثمائة رجل على أكثر تقدير ولما جاهد وصبر أسلم في يوم واحد وهو يوم الفتح ألفان من أهل مكة

معوقات وعقبات تحتاج إلى صبر

أولاً: ومن المعوقات والعقبات التي تعترض من دعا إلى الله تبارك وتعالى الأذى والابتلاء من قول أو فعل قال تعالى (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور، ومن ذلك أيضاً أن يستبطئ النصر والفرج قال تعالى (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) وقال تعالى: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا

ثانياً: ومن المعوقات التي تحتاج إلى صبر ومصابرة تكالب الأعداء من ملل الكفر على الإسلام وأهله وكيدهم لهذا الدين وإن ذلك كيد عظيم قال تعالى (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) مواجهته تحتاج إلى صبر وإلى تمسك بالتقوى قال تعالى (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط) والتقوى هي التمسك بطاعة الله واجتناب معصيته فإذا صبر المسلمون واتقوا وساروا على المنهج الحق فإن الله عز وجل يحفظهم ويدافع عنهم قال تعالى: إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور

ولقد أوذي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وابتلوا بسبب طاعة ربهم في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى فصبروا حتى نصرهم الله عز وجل وأيدهم، فنوح عليه السلام أوذي أذى شديداً وبقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن معه إلا قليل كما أخبرنا ربنا تبارك وتعالى، وقد اُبتُلي نوح عليه السلام بزوجته وابتُلي أيضاً بكفر ولده وصبر عليه الصلاة والسلام لذلك أثنى الله عليه وجعله من أولي العزم من الرسل الذين أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يصبر لصبرهم وأن يقتدي بهم كما ابتُلي إبراهيم عليه السلام وأوذي أذى شديداً فابتُلي من قومه وابتُلي عن طريق أبيه ثم لما قذفوه في النار نصره الله عز وجل نصراً مبيناً (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين) كما ابتلي موسى عليه السلام مع طاغوت من أكبر الطواغيت الذين شهدهم التاريخ منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إنه فرِعون وما أدراك ما فرعون إن فرعون يتعلم منه الطواغيت إلى يوم القيامة طرق محاربة ما جاءت به الرسل عليهم السلام لقد أُوذي موسى وقومه أذى شديداً (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنُقَتِلُ أبناءهم ونستحي نسائهم وإنا فوقهم قاهرون) فبماذا واجه موسى عليه السلام: قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورث من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين

أما خاتم النبيين وأشرف المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم فقد أوذي في الله عز وجل، لقد آذوه بأقوالهم وألسنتهم وآذوه في جسده الشريف لقد جاء عدو الله الفاسق عقبة بن أبي معيط ووضع على عنقه صلى الله عليه وسلم الثوب وخنقه خنقاً شديد حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه فدفعه عنه وقال (أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) ولقد أوذي أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى فروا بدينهم إلى أرض الحبشة وهاجروا إلى المدينة، أُوذي بلال وما حصل لبلال معروف مشهور وأُوذي خباب حتى كانت توضع له قدور النحاس في الناس حتى تلتهب ثم توضع على ظهره فتشوي ظهره، لقد ابتلي الإمام مالك وابتلي الإمام أحمد وابتلي شيخ الإسلام ابن تيمية وابتلي محمد بن عبد الوهاب

إن النصر لا يُشترط أن يكون لذات الشخص إننا قوم نعيش لمنهج ولسنا نعيش لمصلحة أفراد

إن شيخ الإسلام ابن تيمية رجمه الله مات سجيناً في قلعة دمشق

إن المؤمنين يجب عليهم أن يعتقدوا ويتيقنوا أن النصر مع الصبر وأن العاقبة للمتقين وأن الفرج مع الكرب

ويجب عليهم أن يحذروا من الاستعجال وأن يحذروا من اليأس فإن اليأس والاستعجال عدوان لدودان للصابرين

فضيلة الصبر

فالصبر مكانته عظيمة ومنزلته رفيعة، روى الإمام أحمد عن السفر قال: مَرِضى أبو بكر رضي الله عنه فعادوه فقالوا: ألا ندعوا لك الطبيب، فقال: قد رآني الطبيب، قالوا: فأي شيء قال لك، قال: قال إني فعال لما أريد

وروى الإمام أحمد أيضاً عن مجاهد قال : قال عمر بن الخطاب : وجدنا خير عيشنا بالصبر، وقال أيضاً: أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريما

وقال علي بن أبي طالب: ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قُطع الرأس بار الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له، وقال الصبر مطية لا تكبو

وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده

وقال سليمان بن القاسم: كُلُ عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر، قال الله تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) قال كالماء المنهمر

وكان لبعض العارفين في جيبه رقعة، يخرجها كل وقت، فينظر فيها: واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا

من كمال الصبر كتمان المرض وسائر المصائب، ومن كنوز البر كتمان المصائب والأوجاع والصدقة

إن من جوهر البر كتمان المصيبة حتى يُظن أنك لم تُصب قط

ولما نزل في إحدى عيني عطاء الماء مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله

وشكا ابن أخ الأحنف بن قيس وجع ضرسه فقال له الأحنف بن قيس: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة ما ذكرتها لأحد

رحمهم الله لو رأوا زماننا لعجبوا من كثرة الحديث في المصائب بل إن البعض حتى قبل أن تسأله عن صحته وحاله يبادر بالشكوى ويكثر التسخط يحدثك بما فيه من الأمراض وبما في أبنائه وأهله حتى ليخيل إليك أن هذا الإنسان ما مر به خير ونعمة ورخاء قط والله لو نظر بعين الرضا لرأى الخير في حياته يحف بها من جميع الجوانب

اللهم اجعلنا من الصابرين المحتسبين

وبالله التوفيق

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

19-11-1437 هـ

ألقيت هذه المحاضرة في جامع ابن خنين بالدلم في عام 1431 هـ

التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

3 + 2 =

/500
جديد المواد
الإسرائيليات في كتب التفسير - المحاضرات الكتابية
تعبير الرؤى - المحاضرات الكتابية
السحر وعلاجه - المحاضرات الكتابية
وسائل الدعوة إلى الله تعالى - المحاضرات الكتابية
موقف المسلم من الفتن - المحاضرات الكتابية
روابط ذات صلة
المادة السابق
المواد المتشابهة المادة التالي